المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا] - الأمة الوسط والمنهاج النبوي في الدعوة إلى الله - جـ ١

[عبد الله بن عبد المحسن التركي]

الفصل: ‌[الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا]

[الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا]

الوسطية في المنهاج الإسلامي إجمالا جاء وصف الأمة الإسلامية بالأمة الوسط، في قول الله تعالى:

{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 143](البقرة الآية 143) .

وفي الحديث الشريف، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من

ص: 41

أحد، فيقال لنوح من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمّته، قال: فذلك قوله: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] قال: والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ، ثم أشهد عليكم» .

(رواه البخاري) .

وفي تفسير ابن كثير عند تفسير الآية:

(أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى البيت الحرام، هو اختبار للأمة وامتحان لها، ليعلم من يتبعُ عن يقين وإيمان، ومن ينقلب على عقبيه؛ لتكون خير الأمم شهيدةً على الأمم كلها، ولما جعل الله الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج، فالوسط هو العدل) .

تبدو وسطية الإسلام واضحة وظاهرة، في

ص: 42

منهاجه الأعدل والأقوم.

فالمنهاج الإسلامي القائم على الإيمان بالله، ووحدانيته، وتنزيهه، وإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة، هو وحده الذي يضمن للبشر أن يتخلصوا من عبادة غير الله عز وجل.

فهو المنهاج الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، ولا غلو ولا تقصير، فلم تتخذ الأمة الإسلامية، السائرة على صراط الله المستقيم، أندادًا لله سبحانه، ولم يصفوا الله بأوصاف لا تليق به، كما فعلت اليهود، حين وصفوه بالفقر، وأن يده مغلولة.

ولم تضل كما ضلت النصارى، الذين شبهوا المخلوق بالخالق، وأضفوا على عيسى - عليه

ص: 43

السلام- خصائص الألوهية، فغلت فيه، وجعلته شريكًا لله.

إن منهاج الأمة الإسلامية، هو المنهاج الوسط المعتدل في أنبياء الله ورسله، حيث آمنوا بهم جميعًا، ولم يفرقوا بين أحد منهم، أو ينقصوه، أو يقتلوا أنبياء الله، كما فعلت اليهود:{لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ} [المائدة: 70](المائدة الآية 70) .

ولم يغلوا في أحد منهم، كما فعلت النصارى معِ عيسى ابن مريم عليه السلام وإنما قدَّروهم حق قدرهم.

قال صلى الله عليه وسلم:

ص: 44

«لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله» . (رواه البخاري) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى-: (فالمسلمون وسط في أنبياء الله وعباده الصالحين، لم يغلوا فيهم كما غلت النصارى، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله. . . ولا جَفَوْا عنهم كما جفت اليهود، فكانوا يقتلون الأنبياء بغير حق. . . ومن ذلك أن المؤمنين توسطوا في المنهاج، فلم يقولوا: هو الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة، كما تقول النصارى، ولا كفروا به، وقالوا على مريم بهتانًا عظيمًا، حتى جعلوه ولد بغية، كما زعمت

ص: 45

اليهود، بل قالوا: هو عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم. . . وكذلك المؤمنون وسط في شرائع دين الله) .

ووسطية أهل الإسلام المستقيمين على هديه، تبدو في الاعتدال والتوازن بين مطالب الدنيا والنظرة إليها، ومطالب الآخرة والعمل لها، والأخذ بالأسباب المؤدية إلى ذلك، دون إفراط أو تفريط، ودون إسراف أو تقتير، قال الله تعالى:{وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77](القصص الآية 77) . يقول الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي: استعمل ما وهبك الله من هذا المال

ص: 46

الجزيل، والنعمة الطائلة في طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات. . . . ولا تنس نصيبك من الدنيا، أي: مما أباح الله لك فيها من المآكل والمشارب والملابس والمناكح، فإن لربك عليك حقًّا، ولنفسك عليك حقًّا) .

فالإسلام وسط بين من غلا في أمر الدنيا، ولم يهتم بالآخرة، وبين من غلا في أمر الآخرة، ونظر إلى الدنيا نظرة ازدراء وابتعاد. وهكذا التوازن بين مطالب البدن ومطالب القلب.

فقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم أن ثلاثة رهط، أراد أحدهم أن يصلي الليل أبدًا، وأراد ثانيهم أن يصوم الدهر ولا يفطر، وعزم الثالث على أن

ص: 47