الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: الإبدال في الحركات (الصوائت) :
توطئة:
الحركات في العربية ثلاث: هي الفتحة والكسرة والضمة. وهي - كما قال ابن جني -: "أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو
…
فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء، والضمة بعض الواو"1. ولما كانت حروف المد تتعاقب فيما بينها، فكذلك هذه الحركات تتعاقب فيما بينها في لغات القبائل العربية2.
وعزي إلى بعض قبائل الأزد ألفاظ تعاقبت فيها الحركات ما بين فتح وكسر، أو ضم وكسر، وسنعالج في هذا الفصل ما يخص الجانب الصوتي من ذلك التعاقب.
1 سر صناعة الإعراب 1/17.
2 لهجة ربيعة 87.
المبحث الأول: بين الفتح والكسر في أحرف المضارعة:
ذكر سيبويه أن كسر أول الفعل المضارع لغة جميع العرب إلا الحجاز، فلغتهم الفتح، قال: وهو الأصل3. وكذلك ذكر ابن سيده، وزاد بأن قال: "وصارت لغتهم الأصل، لأن العربية أصلها إسماعيل عليه السلام، وكان مسكنه مكة"4.
3 الكتاب 4/110، 111. وينظر: شرح الشافية 1/141.
4 المخصص 14/217.
وقال ابن فارس: "وكانت قريش مع فصاحتها وحسن لغاتها ورقة ألسنتها، إذا أتتهم الوفود من العرب تخيروا من كلامهم وأشعارهم أحسن لغاتهم وأصفى كلامهم
…
ألا ترى أنك لا تجد في كلامهم عنعنة تميم، ولا عجرفية قيس، ولا كشكشة أسد، ولا كسكسة ربيعة، ولا الكسر الذي تسمعه من أسد وقيس، مثل تِعلمون ونِعلم"1.
وعزا اللحياني في نوادره - عن الكسائي - ظاهرة الكسر إلى تميم، وقيس، وهذيل، وأسد، وجميع العرب: نهدها، وجَرْمها، ويمنها2.
وجاء في اللسان: "وتِعلم، بالكسر: لغة قيس وتميم وأسد وربيعة وعامة العرب. وأما أهل الحجاز، وقوم من أعجاز هوازن، وأزد السراة، وبعض هذيل فيقولون: تَعلم، والقرآن عليها. وزعم الأخفش: أن كل من ورد علينا من الأعراب لم يقل إلا تِعلم، بالكسر"3.
وقال أبو جعفر النحاس: "قرأ يحيى بن وثاب والأعمش {نَسْتَعِينُ} بكسر النون، وهذه لغة تميم، وأسد، وقيس، وربيعة"4.
وقال أبو حيان: "وفتح نون {نَسْتَعِينُ} قرأ بها الجمهور، وهي لغة الحجاز،
1 الصاحبي في فقه اللغة52-53.
2 بغية الآمال 152.
3 اللسان (وقى) 15/402،403.
4 إعراب القرآن1/173.وينظر: شواذ القرآن 9.
وهي الفصحى"1.
وكان سيبويه يستثني الياء من الكسر في اللغة المطردة، وعلل ذلك بأنهم كرهوا الكسرة في الياء، لثقلها2.
وحكى الفراء في كتاب (اللغات) عن بعض كلب، وهم من قضاعة، أنهم يكسرون جميع حروف المضارعة حتى الياء. قال: وهي من الشاذ3.
وبهراء من قضاعة أيضًا4 ولم ينقل عنها الرواة سوى كسر التاء فقط، وقد اشتهرت هذه الظاهرة معزوة إليها بلقب (تلتلة بهراء) .قال ثعلب:"وأما تلتلة بهراء، فإنها تقول: تِعلمون، وتِعقلون، وتِصنعون، بكسر أوائل الحروف"5.
ويرى الدكتور إبراهيم أنيس أن بهراء كانت - أيضًا - تكسر جميع الحروف حتى الياء، ولكنه لم يذكر مصدر رأيه هذا. ثم حاول أن يفسر وجود هذه الظاهرة عند هذه القبيلة بتأثرها بما جاورها من لغات كالأرامية والعبرية
1 البحر المحيط1/42.
2 الكتاب 4/110.وينظر: الدر المصون1/60، والخزانة12/63.
3 بغية الآمال153، وينظر: البحر المحيط 9/78.
4 نهاية الأرب 172،365.
5 مجالس ثعلب1/81. وينظر: الخصائص2/11، وسر صناعة الإعراب1/229-230، ودرة الغواص 250، والمزهر1/211، والخزانة11/236،466، والبلغة في أصول اللغة158.
اللتين اطرد فيهما كسر حرف المضارعة1.
وهذا غير مؤكد، لأن الكسر ينسب أيضًا إلى عدد كبير من القبائل العربية - كما تقدم - وتأثر بهراء بهذه القبائل أولى بالقبول من تأثرها باللغات الأعجمية المجاورة.
وعزا الجوهري إلى بني أسد فتح همزة الفعل (إخال) قال: "وتقول في مستقبله: إخال بكسر الألف، وهو الأفصح. وبنو أسد تقول: أخال بالفتح، وهو القياس"2.
وقد شكك الدكتور أحمد علم الدين الجندي في هذا العزو، وقال: بل هي تكسر، وإنما الذي يفتح هي قبيلة الأزد، كما في نص صاحب اللسان السابق، قال: ومن الجائز أن يكون الرواة قد خلطوا بين قبيلة الأزد وقبيلة أسد لا سيما في الكتابة3.
وكسر أحرف المضارعة ظاهرة سامية قديمة، وجدت في العبرية والسريانية والحبشية 4. كما وجدت في لهجات جنوب اليمن الحديثة كالمهرية والشحرية والبوتاحارية، وفي لهجات السريان في هذه الأيام5.
ولا تزال هذه الظاهرة شائعة في كثير من لهجاتنا العربية المعاصرة، في
1 في اللهجات العربية 139.
2 الصحاح (خ ي ل) 4/1692.وينظر: شرح الشافية 1/141، والتصريح 2/190، والمصباح (خيل) 71.
3 اللهجات العربية في التراث1/391.
4 فصول في فقه العربية 125.
5 اللهجات العربية في التراث 1/397.
النجدية، والمصرية1، وبعض لهجات أهل السراة.
وإذا كان المتقدمون يرون أصالة الفتح، كما تقدم في قول سيبويه وابن سيده. فإن المعاصرين على خلاف في ذلك، فبعضهم يرى رأي المتقدمين، وبعضهم يرى أصالة الكسر وحداثة الفتح.
فممن يرى أصالة الفتح من المعاصرين الدكتور إبراهيم أنيس، حيث يقول:"نرجح أن الأصل في شكل حروف المضارعة هو ما شاع في لهجات الحجاز من الفتح في كل الحالات. وقد انحدر هذا الأصل إلى هذه اللهجات من السامية الأولى، ثم تطور إلى كسر في معظم اللغات السامية"2.
ويذهب الدكتور رمضان عبد التواب إلى أصالة الكسر في أحرف المضارعة في العربية القديمة، ويحتج لذلك بدليل عدم وجود الفتح في اللغات السامية الأخرى كالعبرية والسريانية والحبشية. وبدليل ما بقي من الكسر في بعض اللهجات العربية القديمة، واستمراره حتى الآن في اللهجات العربية الحديثة3.
ولم تكن أدلته هذه محل تسليم الباحثين، فقد نُقض دليله الأول - وهو عدم وجود الفتح في الساميات القديمة - بأن العربية هي اللغة السامية التي بقيت في الجزيرة بعد هجرة أخواتها الساميات، فالفتح ليس حادثًا فيها بل إنه الأصل، والكسر هو الذي حدث بعد اختلاط الساميين بغيرهم 4.
1 السابق 1/397، وفصول في فقه العربية 125.
2 في اللهجات العربية 140.
3 فصول في فقه العربية 125.
4 اللهجات العربية نشأة وتطورًا 295.