الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والبناء الاقتصادي للبلد سليم الأوضاع متين الأركان، كان للورق النقدي فيها قيمة مضمونة.
وكذلك تعتمد قيمةُ الورق النقدي على ثقة الأفراد به كنقد يخوِّل لمالكه الاستعاضة عنه بما يرغبه مما يساوي قيمته، والثقة العامة به كمستودع أمين للادخار وقوة شرائية مطلَقة وقانونية كنقد تحميه الدولة، وتضفي عليه قوة الإبراء العام، وتتخذ الإجراءات والاحتياطات التي تعطي الثقة به.
سادسًا: زكاة الأوراق النقدية:
إن الأوراق النقدية لم تكن معروفة لدى قدماء فقهاء الإسلام، ولم تُعْرَف في البلاد الإسلامية، ولا في البلدان المجاورة في العصور الأولى للإسلام؛ لذا لم يكن لعلماء السلف فيها حكم؛ إذ لم تكن متداولة في عصورهم.
ولكن بعد أن انتشر تداولُها في البلاد الإسلامية
كغيرها من بلدان العالم بحث متأخروا الفقهاء من المسلمين حقيقتها وفرَّعوا عن بحوثهم مسائل في حكم زكاته.
ويحسن بنا قبل أن نتكلم في حكم زكاة الأوراق النقدية أن نستعرض الأقوال الشرعية التي قيلت عن حقيقة الأوراق النقدية، ونبيِّن وجهة نظر فقهاء عصرنا فيها:
القول الأول: أن الأوراق النقدية سندات بدين على جهة إصدارها. ويستدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
1 -
التعهد المسجل على كل ورقة نقدية بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه.
2 -
ضرورة تغطيتها بالذهب والفضة، أو بواحد منهما في خزائن مصدريها.
3 -
انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق، والمعتبر ما تدل عليه من العدد لا القيمة الورقية.
4 -
ضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها، وتحريم التعامل بها.
ويمكن الردُّ على هذا القول جملة وتفصيلاً:
أما جملةً فإن الأخذ بهذا القول يستلزم أحكامًا شرعية تظهر فيها الكلفة والمشقة، منها:
1 -
عدم جواز السَّلَم بها فيما يجوز السلم فيه؛ لأنها بمثابة حوالة على مصدرها، ومن شروط السلم قبضُ أحد العوَضَين في مجلس العقد.
2 -
عدم جواز صرفها؛ لأنها وثيقة بدين غائب عن مجلس العقد، ومن شروط الصرف التقابض في مجلس العقد.
3 -
يعتبر التعامل بها من قبيل الحوالة بالمعاطاة على الجهة التي أصدرتها، وفي القول بصحة العقود بالمعاطاة خلاف بين أهل العلم.
4 -
اعتبارها سندات ديون على جهة إصدارها يُدْخلها في خلاف أهل العلم في زكاة الدين هل تجب زكاته قبل قبضه أم بعده؛ وبالتالي عدم وجوب زكاتها لدى من يقول بعدم وجوب الزكاة في الدين قبل قبضه؛ لامتناع قبض مقابل هذه السندات.
5 -
يعتبر البيعُ بهذه الأوراق من قبيل بيع الكالئ بالكالئ؛ لكونها وثائق بديون غائبة، وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع الكالئ بالكالئ.
أما التفصيل؛ فإنه يمكن الاعتراض على هذا القول ونقده بما يلي:
1 -
أن التَّعَهُّدَ المكتوب على كل ورقة نقدية بدفع قيمتها لحاملها وقت الطلب ليس له في حقيقة الأمر معنى؛ وإنما هو نقشٌ على ورق؛ فلو تقدَّم شخص مثلًا لمؤسسة النقد السعودي أو لغيرها من البنوك المركزية المختصة بإصدار الأوراق طالبًا الاستعاضة
عنها بما تحويه من ذهب أو فضة، لما وجد وفاءً لهذا التعهد أو ما يعين لذلك.
2 -
الاستدلال على سنديَّتها بضرورة تغطيتها بذهب أو فضة أو بهما معًا غير لازم؛ فلا مانع أن تكون التغطية أوراقًا تجارية أو عقارًا أو بترولاً، أو نحو ذلك مما تقوم عليه دعائم الاقتصاد.
3 -
ما دامت الأوراق النقدية متصفة بالقابلية العامة كوسيط للتبادل، فإن انتفاء القيمة الذاتية لهذه الأوراق غير معتبر، ولا فرق بين أن تكون هذه الأوراق قيمتها في ذاتها أو في أمر خارج عنها.
4 -
أن الأوراق النقدية ليست سندًا؛ بل ورقة عملة موضوعة للتعامل بأعيانها، كالتعامل بأعيان النقود الذهبية والفضية وغيرها من المعادن، وأن ماليَّتَها مربوطة بأعيانها، وأن رواجها عند المتعاملين بها بسبب التزام واضعها دفع قيمتها المرقومة فيها لكل من أتى
ليبيعها له، ومن أتلفها فقد أتلف قيمتها، وضمان سلطات إصدارها قيمتها وقت إبطالها هو سر اعتبارها والثقة بتموُّلها وتداولها وترويج التعامل بها؛ بخلاف ورقة السند؛ فإنها موضوعة للتذكر، ولا يتعامل بأعيانها، ولا مالية له إلا بقدر قيمتها الأصلية، ولا تروج في المعاملات، وأن ما رقم فيها ليس قيمة لها؛ بل دين في ذمة المدين لا يضيع بتلف السند، ومن أتلفها تجب عليه قيمتها الأصلية.
5 -
إن القول بسنديتها فيه من الحرج والضيق وإيقاع الناس في مشقة عظيمة في معاملاتهم؛ لا سيما بعد أن عَمَّ التعامل بهذه الأوراق النقدية بني الشعوب الإسلامية، وأصبحت هي العملة السائدة الرائجة.
ومن الأصول العامة في الشريعة الإسلامية أن الأمر الذي لم يُنَصّ على حكمه إذا دار بين ما يقتضي التشديد على الناس وما يقتضي التخفيف عليهم في
معاملاتهم وعباداتهم تَرَجَّح جانب التخفيف على جانب التشديد؛ قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [سورة الحج: 78]، وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا» (1). وغير ذلك من الآيات والأحاديث التي تدل على يسر الشريعة وسماحتها.
القول الثاني: يرى أصحابه أن هذه الأوراق النقدية عرض من عروض التجارة لها ما لعروض التجارة من الخصائص والأحكام. ويستدل أصحاب هذا القول بما يأتي:
أولاً: أن هذه الأوراق إذا سقط التعامل بها أو انهارت دولتها أو الجهة التي أصدرتها بقيت لا قيمة لها وبطل التعامل بها.
(1) صحيح البخاري ج1/ كتاب العلم - باب 11 ص 25 ط: المكتب الإسلامي تركيا.
ثانيًا: أن هذه الأوراق تقوم مقام النقد في جريان المعاملات ووجوب العبادات المالية من زكاة وغيرها، وتخالف النقد في أنه لا يجري فيه الربا؛ لأنها ورق ولا تدخل في منصوص الذهب والفضة، ولا جامع بين الورق والنقد المعدني في الجنس، ولا في القدر.
ثالثًا: أنه لو حكم لها بأحكام السندات والديون لتعطلت المعاملات ووقع الناس في حرج وضيق شديدين.
رابعًا: أن النقود الورقية مال متقوم مرغوب فيه ومدخر، ويباع ويشترى وتخالف ذاته ومعدنه ذات الذهب والفضة ومعدنها.
خامسًا: أن الورق النقدي ليس بمكيل ولا موزون، وليس له جنس من الأجناس الربوية الستة المنصوص عليها.
سادسًا: أن ما كتب عليها من تقدير قيمتها وتعيين
اسمها يعتبر أمرًا اصطلاحيًا مجازيًا، لا تخرج به عن حقيقتها من أنها مال متقوَّم ليست من جنس الذهب ولا الفضة ولا غيرهما من الأموال الربوية.
الرد على هذا القول:
يُعْتَرَضُ على هذا القول بأنه تفريط لا حَدَّ له؛ وذلك بفتح أبواب الرِّبا على مصراعيها وإسقاط الزكاة عن غالب الأموال المتمولة في وقتنا الحاضر؛ فلو أن رجلاً مسلمًا ملك مليون ريال مثلاً وأودعه في أحد المصارف ليأخذ عليه فائدة قدرها 8% مثلاً، فلا بأس بهذا؛ لأن هذا المبلغ ليس نقدًا فيجري فيه الربا، كما أنه ليس عرضًا من عروض التجارة، وإن كان عرضًا فليس مقصودًا به التجارة، وإذن فلا زكاة فيه.
ثم إن تسميةَ هذه الأوراق بالريال أو الجنيه أو الدينار ليست تسمية مجازية لا تخرج به عن حقيقتها
من أنها مال متقوم ليس له جنس الذهب و لا الفضة، ولا غيرهما من الأموال الربوية؛ لكنها تسمية حقيقية عرفية، والعبرة بالحقائق والمعاني، لا بالألفاظ والمباني، والحقيقة المقصودة من هذه الأوراق أنها ليست عروضًا ولا تمتُّ إلى العروض بصلة، كما يلزم على القول بأنها عروض تجارة ما يلي:
1 -
السَّلم لا يجوز بها عند من يشترط أن يكون السلم نقدًا من ذهب أو فضة، أو غيرهما من أنواع النقد.
2 -
عدم جريان الربا بنوعيه فيها؛ فلا بأس ببيع بعضها ببعض متفاضلاً، أو بيع بعضها بثمن من الأثمان الأخرى كالذهب والفضة والبرونز، أو غير ذلك من المعادن النقدية نسيئة.
3 -
عدم وجوب الزكاة فيها، ما لم تعد للتجارة؛ لأن من شروط وجوب الزكاة في العروض أن تعد للتجارة.
القول الثالث: أن هذه الأوراق النقدية كالفلوس (1) في طروء الثمنية عليها؛ فما ثبت للفلوس من أحكام في الربا والزكاة والسَّلَم ثبت للأوراق النقدية مثلها.
وهذا القول يعتبر وسطًا بين القائلين بأنها سندات، والقائلين بأنها عروض كعروض التجارة.
فيرى أصحاب هذا القول أن الأوراق النقدية كالفلوس النحاسية في جميع أحكامها ظاهرًا وباطنًا، وفي نفس الأمر فلا تكون من الأموال الزكوية، فتباع وتقرض متساويًا ومتفاضلاً بأجل وغيره؛ لعدم وجود علة الربا فيها، وتُوهب ويوصى بها، ويتصرف فيها
(1) الفلوس: جمع فَلس - بفتح الفاء - مشتقة من اليونانية أو الآرمية أو العبرية، وهي: العملة النحاسية التي استعارها العرب من البيزنطيين، والفلس يساوي 0.0082 غرامًا، والفلس نوع من النقود المضروبة من غير الذهب والفضة، قيمتها سدس درهم.
معجم لغة الفقهاء ص 350 لمحمد رواس قلعة جي، ود. حامد صادق قنيبي ط دار النفائس - بيروت - لبنان.
تصرف العملة الرائجة من غير النقدين؛ فهي بنفسها ليست ذهبًا ولا فضة؛ وإنما هي أثمان تتغير كما تتغير القروش (1) بالكساد والرواج وتقرير الحكومات.
واختلف القائلون بهذا القول فيما بينهم؛ فبعضهم جعلها كالفلوس من كل وجه في أنها لا زكاة ولا ربا فيها، ولا تجب الزكاة فيها إلا بنية التجارة، وبهذا يتفقون مع القائلين بأنها عروض تجارة.
وبعضهم أجرى فيها ربا النسيئة فقط؛ لاتفاقها مع النقدين في الثمنية، ومنع جريان ربا الفضل فيها بحجة أنها ليست كالنقدين من كل وجه.
الرد على هذا القول:
إن الرد على هذا القول يتمثل في أمور عدة منها:
1 -
أن الأوراق النقدية ليس لها قيمة إذا أبطل التعامل بها أو كسدت، بخلاف الفلوس فإن لها قيمة إذا
(1) أي القروش النيكل ونحوها.
أبطل التعامل بها أو كسدت وقيمتها في نفسها، فأشبهت سائر العروض.
2 -
الأوراق النقدية موغلة في الثمنية الآن أكثر من الفلوس.
3 -
الأوراق النقدية في غلاء قيمتها الآن كالنقدين، بل تكون أكثر؛ بخلاف الفلوس، فإنها تستخدم في تقويم المحقرات من السلع، وهذه المحقرات مما تعم الحاجة إليها، ولعل هذا هو التعليل في منع جريان ربا الفضل فيها؛ بخلاف الأوراق النقدية.
4 -
إن للأوراق النقدية مزيد فضل على الفلوس؛ حيث تتم بها أو بالنقدين صفقات ذات قيمة عالية، والربا في الغالب لا يكون إلا في صفقات ذات قيمة عالية نسبيًا.
5 -
إن الذين قالوا بإلحاق الأوراق النقدية بالفلوس أعطوا أحكامها أحكام الفلوس ولم يحددوا محل
الإلحاق؛ بينما الفقهاء رحمهم الله اختلفوا في محل الإلحاق، وانقسموا في ذلك الاختلاف إلى قسمين:
القسم الأول: نظر إلى أصلها؛ ففرق بينها وبين النقدين في الربا والصرف والسلم والزكاة، وقال بهذا القول الآئمة الأربعة.
القسم الثاني: نظر إلى واقعها بعد انتقالها عن أصلها، فاعتبرها أثمانًا، وأثبت لها أحكام الأثمان في الربا والصرف والسلم والزكاة، وقال بهذا القول أبو الخطاب من الحنابلة، وبعض المالكية والحنفية.
القول الرابع: أن الأوراق النقدية بدل لما استعيض بها عنه، وهما النقدان الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقًا.
ولازم هذا القول: أن الأوراق النقدية قائمة بذاتها
في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة، حالَّة محلها، جارية مجراها معتمدة على تغطيتها بما تفرعت عنه منهما «والأمور الشرعية بمقاصدها ومعانيها، لا بألفاظها ومبانيها» (1)، وأنه إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات من الورق لا تساوي بعد إبطالها شيئًا مما كانت تساويه من ذي قبل.
فلهذا ثبت لها حكم النقدين مطلقًا؛ «لأن ما ثبت للمبدل يثبت للبدل» (2). ويترتب على القول بهذا:
1 -
جريان الربا بنوعيه في الأوراق النقدية.
2 -
ثبوت الزكاة فيها متى بلغت قيمتها نصابًا واستكملت شروط الزكاة.
(1) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 166 ط: دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان.
(2)
القواعد في الفقه الإسلامي للحافظ ابن رجب الحنبلي ص 340 القاعدة الثالثة والأربعون بعد المائة ط: مؤسسة نبع الفكر بالقاهرة.
3 -
جواز السلم بها.
4 -
ما كان له منها غطاء من ذهب له حكم الذهب، وما كان غطاؤه من فضة فله حكم الفضة عند الصرف.
5 -
يشترط التساوي في القيمة عند اتفاق نوعين من الورق متفرعًا عن ذهب أو فضة كالريال السعودي والليرة اللبنانية مثلاً، ويمتنع التفاضل حينئذ بينهما.
6 -
إذا اتفق جنسان من الورق النقدي، أحدهما متفرع عن ذهب، والآخر عن فضة جاز فيهما التفاضل إذا كان يدًا بيد.
وهذا القول لا يجد ما يسنده من دنيا الواقع بعد أن عرفنا أن غطاء الأوراق النقدية لا يلزم أن يكون ذهبًا أو فضة؛ بل قد يكون عقارًا أو بترولاً، أو ما إلى ذلك، وهم يشترطون أن يكون الغطاء ذهبًا أو فضة كي تتحقق البدلية.