الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الحديث السّابع: باب ما جاء في ترك الجمعة من غير عذر، من أبواب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
.
2/373 سنن الترمذي بتحقيق وتعليق أحمد محمد شاكر.
حدّثنا علي بن خشرم أخبرنا عيسى بن يونس، عن محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد (يعني) الضمري، وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ترك الجمعة ثلاث مرات تهاوناً1 بها طبع2 الله على قلبه".
وفي الباب عن ابن عمر، وابن عباس، وسمرة.
كلام الترمذي على هذا الحديث
قال أبو عيسى: حديث أبي الجعد، حديث حسن.
قال: وسألت محمداً عن اسم أبي الجعد الضمري؟ فلم يعرف اسمه. وقال: لا أعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث.
قال أبو عيسى: ولا نعرف هذا الحديث إلا من حديث محمد بن عمرو.
تخريج الحديث
تضافر على إخراج هذا الحديث جماعة من الأئمة في كتبهم،
1 قال العراقي في "شرح سنن الترمذي" 1 ورقة 175 وجه أ. "المراد بالتهاون": الترك من غير عذر وضرورة كما في بعض طرق حديث الباب" ا?.
2 قال ابن الأثير في "غريب الحديث والأثر" 3/112: "طبع الله على قلبه" أي ختم عليه، وغشاه، ومنعه ألطافه، والطبع بالسكون: الختم وبالتحريك: الدنس، وأصله من الوسخ والدنس يغشيان السيف، يقال طبع السيف يطبع طبعاً، ثم استعمل فيما يشبه ذلك من الوزار والآثام، وغيرهما من المقابح" ا?.
فأخرجه أصحاب السنن وغيرهم*، وفيما يلي ذكر من أخرجه:-
أبو داود في "سننه"1 وسكت عنه، أما المنذري2 فإنه نقل كلام الترمذي عليه وأقرّه.
النسائي في "سننه"3.
ابن ماجه في "سننه"4.
أحمد في "مسنده"5 بلفظ: "من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير عذر طبع الله تبارك وتعالى على قلبه".
الشافعي في "الأم"6 بلفظ: "لا يترك أحد الجمعة ثلاثاً تهاوناً بها إلا
1 1/380.
2 مختصر سنن أبي داود 2/6 مع شرح وتهذيب سنن أبي داود.
3 3/88.
4 1/357 رقم الحديث (1125) .
5 3/424.
6 1/208 وانظر (مسند الشافعي بترتيب السندي 1/129-130 وبدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن للساعاتي 1/153.
طبع الله على قلبه"، قال الشافعي: "في بعض الحديث ثلاثاً ولاء" ا?.
الدارمي في "سننه" 1 بلفظ: "من ترك الجمعة تهاوناً بها طبع الله على قلبه" مطلقاً عن العدد والتوالي.
ابن أبي شيبة في "مصنفه"2.
ابن الجارود في "المنتقى"3.
البغوي في "شرح السنة"4.
الطحاوي في "مشكل الآثار"5 من طريقين إلى محمد بن عمرو بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاث مرات طبع الله على قلبه" مطلقاً من غير قيد التهاون.
البزار في "مسنده"6.
أبو يعلى في "مسنده"7.
1 1/307.
2 2/154.
3 /109.
4 4/213.
5 4/230.
6 قاله ابن حجر في "التلخيص الحبير" 2/52 وقد رجعت إلى مسند البزار الموجود في المكتبة العامة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وهو مصور بالمايكروفلم، فلم أجد فيه مسند أبي الجعد الضمري، فلعله في الناقص منه.
7 2 ورقة 179.
الطبراني في "المعجم الكبير"1.
ابن خزيمة في "صحيحه"2 من طريقين بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر –في أحد الطريقين "طبع على قلبه"، وفي الآخر "فهو منافق"، ومن عدة طرق مثل لفظ الترمذي.
ابن حبّان في "صحيحه"3 من طريقين إلى محمد بن عمرو، إحدى الطريقين مثل لفظ الترمذي، والثانية بلفظ:"من ترك الجمعة ثلاثاً من غير عذر فهو منافق".
الحاكم في "المستدرك"4 من طريقين إلى محمد بن عمرو في موضعين، كما هو مبيّن في الهامش، مرة قال "الموضع الأول":"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي، وأخرى "الموضع الثاني" سكت عنه. وقال الذهبي:"حسن" ا?.
البيهقي في "السنن الكبرى"5.
أبو أحمد الحكم في "الأسامي والكنى"6.
1 عزاه إليه صاحب "كنز العمال" 7/518.
2 3/176.
3 انظر "موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبّان"/146-147.
4 1/280 و3/624 في "الكنى ومعرفة الصحابة من المستدرك".
5 3/172 و247.
6 مصور بالمايكروفلم ورقة (59) .
الدولابي في "الكنى والأسماء"1 أخرجه من طريقين إلى محمد بن عمرو.
ابن السكن في "صحيحه"2.
المزي في "تهذيب الكمال"3 بإسناده إلى أحمد بن حنبل، وبإسناده إلى أبي القاسم الطبراني.
أبو نعيم في "معرفة الصحابة"4
جميع هؤلاء أخرجوا هذا الحديث من طريق محمد بن عمرو، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي الجعد الضمري. ودونك تعريفاً بهؤلاء الرواة:
محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، أبو عبد الله (ويقال أبو الحسن) المدني. روى عن: أبيه، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيدة بن
1 1/21-22.
2 أشار إليه ابن حجر في "التلخيص الحبير" 2/52.
(8)
ورقة (796) .
4 عزاه إليه صاحب "كنز العمال" 7/518 وعزاه أيضاً إلى الباوردي، وذكر أبو حاتم هذا الحديث (الجرح والتعديل 4/2/355) بلفظ:"من ترك أربع جمع تهاوناً طبع على قلبه" فأخطأ؛ إذ كل من أخرجه ذكره بلفظ "ثلاث جمع" كما هو موضّح، وقد ذكره أبو حاتم على الصواب بلفظ:"ثلاث جمع"، كما نقله عنه ابنه في "علل الحديث" 1/324 في إجابة لابنه على سؤال وجهه إليه يتعلق بحديث نسب إلى أبي الجعد الضمري.
سفيان. وروى عنه: شعبة، والثوري، وابن عيينة1.
قال علي: قلت ليحيى: محمد بن عمرو كيف هو؟ قال: تريد العفو أو تشدد؟ قال: لا بل أشدّد. قال: ليس هو ممن تريد
…
قال يحيى: وسألت مالكاً عنه فقال فيه نحو ما قلت لك2.
وقال إسحاق بن حكيم3 عن يحيى القطان: "محمد بن عمرو رجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث".
وقال ابن أبي خيثمة: سئل ابن معين عنه فقال: "ما زال الناس يتقون حديثه". قيل له: وما علة ذلك؟ قال: كان يحدّث مرة عن أبي سلمة بالشيء من روايته4، ثم يحدّث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة5".
وقال أحمد بن مريم6 عن ابن معين: "ثقة".
وقال النسائي7: "ليس به بأس".
وقال مرة: "ثقة".
1 تهذيب التهذيب 9/375.
2 المصدر السابق 9/376.
3 المصدر السابق 9/376.
4 هكذا في "تهذيب التهذيب" 9/376 والذي في "الجرح والتعديل" 4/1/31 كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه "والذي يظهر أن هذا هو الصواب".
5 تهذيب التهذيب 9/376.
6 المصدر السابق الجزء والصفحة.
7 المصدر السابق الجزء والصفحة.
وقال يعقوب بن شيبة1: "هو وسط وإلى الضعف ما هو".
وقال الحاكم2: قال ابن المبارك: لم يكن به بأس.
وقال ابن سعد3: "كان كثير الحديث يستضعف".
وقال ابن عدي4: "له حديث صالح، وقد حدّث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد عنه بنسخة، ويغرّب بعضهم على بعض، وروى عنه مالك في الموطأ وأرجو أنه لا بأس به".
وقال الجوزجاني5: "ليس بقوي الحديث، ويشتهى حديثه".
وذكره ابن حبان في "الثقات"6، وقال:"يخطئ".
وقال أبو حاتم7 وقد سأله ابنه عنه: "صالح الحديث وهو شيخ".
1 تهذيب التهذيب 9/377.
2 المصدر السابق 9/377.
3 انظر المصدر السابق 9/377.
4 الكامل الجزء الرابع صفحة 159.
5 تهذيب التهذيب 9/376.
6 7/377.
7 الجرح والتعديل 4/1/31 وانظر في مصادر ترجمته: "ميزان الاعتدال" 3/673 و"المغني في الضعفاء" 2/621 و"ديوان الضعفاء"/284 و"الكاشف" 3/84 و"الخلاصة" للخزرجي/354 و"تهذيب الأسماء واللغات" الجزء الأول القسم الأول/89-90 و"التاريخ الكبير" 1/1/191 و"شرح علل الترمذي" لابن رجب/125.
والمتأمِّل في هذه الترجمة والمحلل لها يخرج بنتيجة مهمة هي عدالة هذا الراوي، فإنه لم يطعن فيها، ولم تخدش بشيء، ويرى عباراتهم تنم عن ناحية أخرى إذ كانت متجهة إلى الكلام فيه من ناحية ضبطه وإتقانه، وأنه كان خفيف الضبط، لم يسلم من الوهم والغلط.
قال ابن حجر في "هدي الساري مقدّمة فتح الباري"1: "صدوق تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه" ا?.
فهو كما قال يحيى القطّان2: "رجل صالح، ليس بأحفظ الناس للحديث" وهذا يفسر قوله الآخر فيه جواباً لعلي بن المديني: "ليس هو ممن تريد"3، أي في الحفظ والضبط والإتقان.
ومما يدل على وهمه وخطئه قول ابن معين4: "كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدّث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة" ا?.
قال ذلك ابن معين في معرض بيان علة قوله فيه: "ما زال الناس يتقون حديثه"، أي يتوقفون فيه حتى يسبروه ويختبروه، ويحصل الاطمئنان به.
ولعل من هنا أخذ ابن حجر قوله "له أوهام" فإنه قال في
1 /441.
2 تهذيب التهذيب 9/376.
3 المصدر السابق الجزء والصفحة.
4 المصدر السابق الجزء والصفحة.
"تقريب التهذيب"1 في حكمه على هذا الرجل: "صدوق له أوهام"، من السادسة مات سنة خمس وأربعين أي ومئة على الصحيح، روى له الجماعة.
وليس هذا فقط، بل ذكر ابن عدي بأن له غرائب أيضاً، ولا يبعد أن تكون بسبب أوهامه فقال2:"وقد حدّث عنه جماعة من الثقات كل واحد ينفرد عنه بنسخة، ويغرّب بعضهم على بعض" ا?.
ولا يمنع كل ذلك أن يكون للرجل كما قال ابن عدي3 "حديث صالح"، وقد صور ابن الصّلاح ما قيل في هذا الراوي خير تصوير، ووفّق بين كلماتهم فيه بتوفيق عجيب فقال4:"محمد بن عمرو بن علقمة من المشهورين بالصدق والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعّفه بعضهم من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته" ا?.
ولا يخفى أن هذا الراوي أحد الرواة الذين انتقد البخاري بسبب روايته لهم في "صحيحه".
وقد دافع ابن حجر عن البخاري في روايته لمحمد بن عمرو هذا
1 2/196.
2 الكامل الجزء الرابع صفحة 159.
3 المصدر السابق الجزء والصفحة.
4 علوم الحديث/31.
فقال في "هدي الساري مقدمة فتح الباري"1: "مشهور من شيوخ مالك صدوق، تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه، وأخرج له الشيخان، أما البخاري فمقروناً بغيره، وتعليقاً، وأما مسلم فمتابعة، وروى له الباقون" ا?.
عَبِيدة2بن سفيان بن الحارث بن الحضرمي المدني. روى عن: أبي هريرة، وأبي الجعد الضمري، وزيد بن خالد الجهني. وروى عنه: ابنه عمرو، وبشر بن سعيد، ومحمد بن عمرو بن علقمة3.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"4: "قد احتجّ به مسلم، ووثقه النسائي وغيره" ا?.
قال العجلي5: "مدني تابعي ثقة".
1 /441.
2 عبيدة: بفتح العين المهملة وكسر الموحدة مكبراً.
قال أحمد شاكر في تعليقه على "سنن الترمذي" 2/373: "وضبط في النسخة المطبوعة مع شرح ابن العربي -بضم العين وفتح الباء- وهو خطأ" ا?. وهو بفتح العين وكسر الموحدة في "مشتبه الأسماء والنسبة" 2/437 و"تبصير المتنبه بتحرير المشتبه" 3/914 و"الإكمال" 6/47 و"المؤتلف والمختلف في أسماء نقلة الحديث"/83 و"قرة العين في ضبط أسماء رجال الصحيحين"/77.
3 تهذيب التهذيب 7/83-84.
4 1 ورقة 174 وجه ب.
5 ترتيب ثقات العجلي للهيثمي ورقة 38، وانظر تهذيب التهذيب 7/84.
وقال ابن سعد1: "كان شيخاً قليل الحديث".
وذكره ابن حبّان في "الثقات"2
وقال عنه ابن حجر في "تقريب التهذيب"3: "ثقة من الثالثة، روى له مسلم، والأربعة" ا?.
أبو الجعد الضمري: قوله في السند (يعني الضمري) أراد به تمييزه عن غيره ممن يقال له "أبو الجعد".
جاء في "قواعد التحديث" للقاسمي4 تحت هذا العنوان: "سر قولهم في خلال ذكر الرجال: "يعني ابن فلان أو هو ابن فلان".
قال النووي5: "ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه ولا صفته على ما سمعه من شيخه؛ لئلا يكون كاذباً على شيخه، فإذا أراد تعريفه وإيضاحه، وزوال اللبس المتطرق إليه؛ لمشابهة غيره فطريقه أن يقول: حدثني فلان يعني ابن فلان أو الفلاني، أو هو ابن فلان أو الفلاني أو نحو ذلك، وقد استعمله الأئمة، وقد أكثر البخاري، ومسلم منه غاية
1 الطبقات الكبرى 5/252.
2 انظر تهذيب التهذيب 7/84.
3 1/547 وانظر في مصادر ترجمته: "الجرح والتعديل" 3/1/91 و"التاريخ الكبير" 3/2/82.
4 /211.
5 مقدمة صحيح مسلم 1/38-39.
الإكثار، وهذا ملحظ دقيق، ومن لا يعاني هذا الفن قد يتوهم أن قوله:"يعني" وقوله: "هو" زيادة لا حاجة إليها، وأن الأولى حذفها، وهذا جهل، وسرها ما عرفت" ا?.
التنبيه على خطأ وقع في نسبته
وقد نبه أحمد شاكر على خطأ وقع في نسبته فقال1: "الضَمْري" -بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم- نسبة إلى: "ضمرة بن بكر ابن عبد مناة"، نقله الشارح (يعني صاحب تحفة الأحوذي (2" عن "جامع الأصول"، و"المغني" ولكن ذكر فيه "عبد مناف"، وهو خطأ صوابه "عبد مناة"، كما في الاشتقاق لابن دريد" ا?.
قلت: وهو منسوب على ما هو صواب في "الاستيعاب"3، و"تهذيب الكمال"4، و"شرح سنن الترمذي"5 للعراقي.
وقد عدّه خليفة بن خياط في "الطبقات"6 من بني ضمرة بن بكر ابن عبد مناة ابن علي بن كنانة.
1 في تعليقه على سنن الترمذي 1/373.
2 3/13.
3 4/38.
4 8 ورقة 796.
(1)
ورقة (174) وجه (أ) .
6 31.
قال السيوطي في "لب اللباب"1: "الضمري: -بالفتح والسكون- إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر" ا?.
هذا ويتعلق بأبي الجعد الضمري عدة مباحث نذكرها فيما يلي:
المبحث الأول في اسمه
ذكر البخاري أبا الجعد الضمري في كتاب "الكنى"2 من "تاريخه الكبير"، ولم يسمه، وهذا يؤيد ما نقله الترمذي عنه من أنه لم يعرف اسمه3.
وقلد مسلم البخاري فذكره في "الكنى"4 بلقبه، ولم يسمه.
وكذلك ذكره الطبراني في الكنى من "معجمه"5.
وإذا كان هذا هو حال هؤلاء من اسم أبي الجعد، فقد سماه غيرهم لكن اختلف في اسمه على أقوال:
فقيل: اسمه أدرع، وقيل: جنادة، وقيل: عمرو بن بكر6.
1 /165.
2 /20.
3 وفي التلخيص الحبير 2/52 "قال البخاري لا أعرف اسمه، وكذا قال أبو حاتم" وقد رجعت إلى "الجرح والتعديل" 4/2/355 في ترجمة أبي الجعد الضمري، فلم أجد ذلك عن أبي حاتم.
4 ورقة 51.
5 انظر: التلخيص الحبير 2/52.
6 وقع في تهذيب التهذيب 12/54 (عمر بن بكير) وهو خطأ ووقع في "تقريب التهذيب" 2/ القسم الخاص بالكنى "عمر" وهو خطأ أيضاً.
قال ابن حجر1: "وبه جزم أبو أحمد2 ونقله عن خليفة3 وغيره" ا?.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي": "وقال أبو أحمد الحاكم في "الكنى" وأبو عبد الله بن مندة أنه: عمرو بن بكر" ا?.
قال الدولابي4: "سمعت عبد الله بن عبد الرحيم يقول: "اسم أبي الجعد الضمري عمرو بن بكر فيما يقال، ويقال أن عثمان استقضاه على البصرة، وقتل مع عائشة يوم الجمل" ا?.
وقال الحاكم في "المستدرك"5: "حدثني أبو بكر محمد بن أحمد ابن بالويه، ثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي، ثنا مصعب بن عبد الله قال: "أبو الجعد الضمري عمرو بن بكر بن جنادة بن مراد بن كعب بن ضمرة" ا?.
وقال المنذري6: "وذكر الكرابيسي أن اسمه عمرو بن بكر" ا?.
1 التلخيص الحبير 2/52.
2 الأسامي والكنى ورقة 59 وانظر "المقتنى في الكنى" ورقة 17 ففيه: "أبو الجعد السكوني عمرو بن بكر الضمري له صحبة" ا?.
3 الطبقات/31.
4 الكنى والأسماء 1/22.
5 3/624.
6 مختصر سنن أبي داود 2/6 و"الترغيب والترهيب" 1/679. والكرابيسي هو أبو أحمد الحاكم الكبير الذي مرّ ذكره.
وجاء في تسمية أبي الجعد الضمري بعمرو بن بكر في "المنتقى"1 في سند ابن الجارود فقال: "حدثنا عبد الله بن هاشم، قال ثنا يحيى –يعني ابن سعيد- عن محمد بن عمرو قال ثني عبيدة بن سفيان عن أبي الجعد عمرو بن بكر الضمري رضي الله عنه، وكانت له صحبة
…
الحديث، ولم أر هذا في سند أحد ممن أخرج حديثه غيره.
والخلاصة: أن هذا الاختلاف في اسم أبي الجعد فيه دلالة على أن اسمه لا يعرف، وإن كان أقرب الأقوال في اسمه أنه عمرو بن بكر مما يقوي جانب من لم يعرف اسمه، أو ذكره في الكنى، وهذا الجانب يمثله كما لا يخفى البخاري وتلميذه مسلم.
المبحث الثاني في صحبته
الذي جرّ إلى هذا المبحث كلام الترمذي عن أبي الجعد: "وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو" ا?.
فعبر بما يفيد الشك في صحبته؛ لأن هذه الكلمة "زعم" تأتي في موضع الشك غالباً، وأكثر ما تقال فيما يشك فيه.
قال في "القاموس المحيط"2: "الزعم: مثلثة: القول الحق والباطل
1 /109.
2 4/124.
والكذب ضد، وأكثر ما يقال فيما يشك فيه" ا?.
والحقيقة أنه لا يلتفت إلى شك الترمذي بعد أن وقع في بعض طرقه التصريح بصحبته، "وكانت له صحبة" من غير شك كما هو عند أبي داود والنسائي، وابن ماجه، وأحمد، وابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهم.
وقد نصّ على صحبته جماعة ممن ألف في الرجال وفي الصحابة.
فذكره ابن عبد البر في "الاستيعاب"1 قال: "له صحبة ورواية وله دار في بني ضمرة بالمدينة" ا?.
ونقل كلام ابن عبد البر هذا ابن الأثير في "أسد الغابة"2 في ترجمة أبي الجعد الضمري، وأقرّه عليه.
وأورده الذهبي في "تجريد أسماء الصحابة"3، وعزاه إلى الكتب الآتية: كتاب أبي عبد الله بن مندة، وكتاب ابن عبد البر، وكتاب أبي نعيم، وهي كتب في أسماء الصحابة.
وذكره ابن حجر في "الإصابة"4 ونقل فيه ما يفيد صحبته.
قال أبو حاتم5: "له صحبة" ا?.
1 4/38.
2 5/159.
3 2/166.
4 4/32.
5 الجرح والتعديل 4/2/355.
وقال مسلم1: "أبو الجعد الضمري سمع النبي صلى الله عليه وسلم ا?.
وقال أبو أحمد الحاكم2: "له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال المزي في "تهذيب الكمال"3: "له صحبة" ا?. وتبعه على ذلك ابن حجر في "تهذيب التهذيب"4، والذهبي في "الكاشف"5، والخزرجي في "الخلاصة"6.
كما صرّح ابن حجر في "تقريب التهذيب"7 بصحبته، فقال:"صحابي له حديث".
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"8: "ولم يرو عنه (يعني أبا الجعد الضمري) إلا عبيدة بن سفيان الحضرمي، وعبيدة هذا -بفتح العين وكسر الباء الموحدة- قد احتج به مسلم، ووثقه النسائي، وغيره، وقد اختلفوا هل تثبت الصحبة برواية واحد من الثقات، أو لا بد من اثنين، والخلاف معروف في علوم الحديث، وذكر ابن عبد البر أن من لم يرو عنه
1 الكنى والأسماء ورقة 51.
2 الأسامي والكنى ورقة 59 وانظر المنتقى في الكنى ورقة 17.
3 11/7796.
4 12/54.
5 3/321.
6 /446.
7 2/ القسم الخاص بالكنى.
8 1 ورقة 174 وجه ب.
إلا واحد وكان معروفاً في غير حمل العلم في المغازي والسير أو الفدا أو النجدة أي يكون مقبولا، وأبو الجعد هذا معروف في السير، فذكر ابن حبّان في الصحابة أنه بعثه النبي صلى الله عليه وسلم يجيش قومه لغزوة الفتح، وذكر ابن سعد "الطبقات" أيضاً أنه بعثه يجيش قومه لغزوة الفتح وغزوة تبوك" ا?.
وفي "الإصابة"1: "وكان على قومه في غزوة الفتح –قاله ابن سعد".
وقال أبو القاسم البغوي: "سكن المدينة وكانت له دار في بني ضمرة وعزاه لابن سعد، وزاد: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه يحشر قومه لغزوة الفتح، وبعثه أيضاً إلى قومه حين أراد الخروج إلى تبوك يستنفر قومه، فخرج إليهم إلى الساحل فنفروا معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال البرقي2: "قتل مع عائشة "رضي الله عنها" في وقعة الجمل" ا?.
1 4/32.
2 هو أبو بكر أحمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعد (بن البرقي) الحافظ المتوفى سنة 270? له كتاب في معرفة الصحابة "الرسالة المستطرفة"/127-128، وله أخ هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الرحيم بن سعد بن البرقي الزهري مولاهم المصري الحافظ المتوفى سنة249? له كتاب في الضعفاء، ويبدو أنه يفرق بينهما بأن يقال لهذا البرقي قال الكتاني في "الرسالة المستطرفة"/144 "وقيل له البرقي لأنهم كانوا يتجرون إلى "برقة".
ويبدو أن هذا هو الذي مر علينا نقل كلامه في الحديث الرابع فيما يتعلق بجهالة جد عدي بن ثابت والله أعلم.
قال الدولابي في الكنى1: "سمعت عبد الله بن عبد الرحيم يقول اسم أبي الجعد الضمري عمرو بن بكر فيما يقال. ويقال أن عثمان استقضاه على البصرة، وقتل مع عائشة يوم الجمل" ا?.
وأذكر هنا شيئاً وهو أن الحاكم في "المستدرك"2 ذكر أبا الجعد الضمري في جزء "معرفة الصحابة" وأخرج هذا، وفي الحديث هذا اعتبار من الحاكم لصحبته.
وتحضرني بهذا الصدد ملاحظة وهي أن الترمذي في سؤاله لشيخه عن أبي الجعد الضمري لم يسأل إلا عن اسمه، فلم يسأل عن صحبته فلو كان عنده شك في صحبته لسأل عنها شيخه؛ لأن هذا أهم ويبقى ما جاء في سنده "وكانت له صحبة فيما زعم محمد بن عمرو فلعل هذا من قول من فوقه، نقله بتمامه؛ أداء للأمانة العلمية أو تكون كلمة "زعم" بمعنى قال فإن الزعم كما يطلق على القول الذي لا يوثق به، يطلق على القول المحقق، كما يفهم هذا من القاموس المحيط، والله أعلم.
المبحث الثالث في عدد أحاديثه
قال البخاري –فيما حكاه الترمذي عنه-: "لا أعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث"3.
1 1/22.
2 3/624.
3 وممن مشى على أنه لم يرو له إلا حديث واحد ابن حجر في تقريب التهذيب2/ القسم الخاص بالكنى حيث قال: "صحابي له حديث" والسيوطي في شرح سنن النسائي/88 والزبيدي في اتحاف السادة المتقين 3/214 فقد ذكر هو والسيوطي من قبله أنه ليس له إلا هذا الحديث، ويجدر الانتباه إلى أن ابن حجر أشار في التلخيص الحبير، كما سيأتي إلى حديث آخر له، وأن السيوطي صرّح في قوت المغتذي كما سيأتي بحديث ثان له.
قال السيوطي في "قوت المغتذي"1: "قلت بل له حديث ثان أخرجه الطبراني، فذكر بإسناده عن أبي الجعد الضمري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تشد الرحال إلا إلى المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" ا?.
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"2 بعد نقله كلام البخاري: "وذكر له البزار حديثاً آخر، وقال: "لا نعلم له إلا هذين الحديثين" وأورده بقي بن مخلد أيضاً"3 ا?.
1 مخطوط غير مرقم الصفحات.
2 2/52.
3 ومع أن الذهبي قال في مقدمة كتابه "تجريد أسماء الصحابة" 1/3: "ومن أوله (د) فقد روى له بقي حديثاً واحداً ومن أوله (س) فله حديثان عند بقي" ا?.
فإنه لما ذكر أبا الجعد الضمري 2/166 لم يعلم عليه بشيء من ذلك مع أن بقي بن مخلد روى له حديثاً كما أفاد ذلك قول ابن حجر الذي في الأعلى، وآخر كما ذكر بقي بن مخلد نفسه في "جزئه الذي بيّن فيه عدد ما لكل واحد من الصحابة رضي الله عنهم من الحديث" مخطوط صفحة 13 فإنه جعل أبا الجعد الضمري من أصحاب الاثنين. بل لم يعلم الذهبي عليه بأحد من أهل السنن، وحديثه فيها جميعاً كما هو معروف فالله المستعان.
ولم يبين ابن حجر ما هو الحديث الآخر، مما دعا المعلق على "الكوكب الدري"1 أن يقول:"قلت فإن كان حديث البزار غير حديث الطبراني فله ثلاثة أحاديث، وإلا فله حديثان فلينقح" ا?.
والواقع أن حديث البزار هو حديث الطبراني الذي ذكره السيوطي معزواً إليه، بدليل أن الهيثمي أورد هذا الحديث "لا تشد الرحال
…
" في "مجمع الزوائد"2، ثم قال عقبه: "رواه الطبراني في الكبير، والأوسط ورجاله رجال الصحيح، ورواه البزار أيضاً".
وأصرح من هذا واوضح أن الهيثمي نفسه ذكر الحديث في كتابه "كشف الأستار عن زوائد البزار"3.
فتبيّن أن الحديث الثاني رواه الطبراني، والبزار، وبقي بن مخلد. هذا وقد تعرّض الخزرجي لعدد أحاديث أبي الجعد فزاد على ما سلف؛ إذ أوصلها إلى أربعة فقال في "الخلاصة"4:"له أربعة أحاديث" ا?.
لكن لم يفصح إلا عن واحد منها هو حديثنا هذا، حيث قال:"وعندهم (يعني أهل السنن) حديث" ا?. ومعلوم أنهم لم يرووا له غير هذا الحديث الذي معنا.
1 1/198.
2 4/4.
3 2/4.
4 /446.
وإذا كان من الثلاثة الباقية حديث الطبراني ومن ذكر معه، يبقى حديثان يبحث عنهما.
درجة الحديث
أهم عنصر في دراسة الحديث والغاية التي يسعى إليها الدارس من وراء دراسته للحديث إعطاء درجة له، ففيها تكمن زبدة تلك الدراسة، وعلى ضوء ما يعطى الحديث من حكم ودرجة يكون العمل بموجبه أو عدمه. وفي مبدأ الكلام عن هذا العنصر المهم أود أن أشير إلى من حسّن الحديث ومن صححه:
من حسّن الحديث
إذا استثني الترمذي، حيث له اصطلاح خاص به في تحسين الأحاديث، نجد من حسّن الحديث:
الذهبي في "تلخيص المستدرك"1، قال المناوي2:"قال الذهبي في التلخيص: هو حسن، وقال في "الكبائر"3 سنده قوي" ا?.
1 3/624 مع المستدرك.
2 فيض القدير 6/103.
3 يبدو من تعليق المعلق على كتاب الكبائر الذي لم أتعّرف عليه؛ لأنه لم يفصح عن اسمه أن للذهبي كتابين في الكبائر أحدهما الكبائر الكبرى والآخر الكبائر الصغرى، وأن هذا الذي بين أيدينا هو الكبائر الكبرى، فلذلك لما رأى الذهبي سكت عن الحديث هنا نقل كلامه عليه، وهو قريب مما ذكره المناوي، وعزاه له في الصغرى فقال/231 "وقال المصنف في الصغرى إسناده جيد قوي".
فالذهبي يطبق في "تلخيص المستدرك" ما قاله في "ميزان الاعتدال"1، عن محمد بن عمرو، وعن حديثه؛ إذ قال:"شيخ مشهور حسن الحديث" ا?.
الألباني: قال في تعليقه على "مشكاة المصابيح"2: "إسناده حسن وصححه جماعة، وهو صحيح باعتبار شواهده، وقد أتبعه المصنف (يعني صاحب مشكاة المصابيح) بذكر بعضها" ا?.
ولما علّق الأعظمي على هذا الحديث في صحيح ابن خزيمة3 بطريقيه، قال في كل مرة:"إسناده حسن صحيح" وعزاه للألباني4.
ابن الصلاح: وهو وإن لم يتعرّض للحديث بالذكر وينصّ عليه، فإنه بناء على رأيه في محمد بن عمرو أن حديثه حسن5، يكون هذا
1 3/673 وانظر: المغني في الضعفاء 2/621.
2 1/433.
3 2/176.
4 وقد مضى ما نقلناه من كلام الألباني على هذا الحديث في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية، وهو لا يختلف عما هنا، ويلاحظ أن الألباني استعمل بقوله "حسن صحيح" التعبير الشائع، والاصطلاح المشهور عن الترمذي.
5 علوم الحديث لابن الصلاح 1/31.
الحديث عنده حسناً، خاصة وأن من بعد محمد بن عمرو في السند ثقة.
ابن عبد البر1: أخرج مالك عن صفوان بن سليم قال مالك: "لا أدري أعن النبي صلى الله عليه وسلم أم لا أنه قال: "من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير عذر ولا علة طبع الله على قلبه"
قال أبو عمر: "هذا يسند من وجوه أحسنها حديث أبي الجعد الضمري بنحوه عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "أحسنها" ليس نصا في الموضوع، بل هو يحتمل، ومع هذا فقد أوردته فإنه لا يعدّ أنه يقصد بقوله:"أحسنها" المفاضلة بينها وبيان رحجان بعضها على بعض، بقطع النظر عن ثبوت الصحة أو الحسن والله أعلم.
من صحّح الحديث
قال ابن حجر في "الإصابة"2 "وصححه ابن خزيمة وابن حبّان وغيرهما" ا?.
وقال في "التلخيص الحبير"3: "وصححه ابن السكن من هذا الوجه" ا?.
وصححه أيضاً الحاكم4 على شرط مسلم.
1 انظر شرح الموطأ للزرقاني 1/232.
2 4/32.
3 2/52.
4 المستدرك 1/280 وقد وهم في تصحيحه على شرط مسلم كما بين ذلك الألباني سابقاً لأن أبا الجعد الضمري لم يخرج له مسلم.
قال أحمد شاكر: "في تعليقه على سنن الترمذي"1: "والحديث نسبه الحافظ في "الإصابة" للبغوي وصححه أيضاً" ا?.
أنا لم أرجع إلى نسخة الإصابة التي أشار إليها أحمد شاكر، وفي نسخة الإصابة التي بين يدي وهي مصورة بالأوفست على الطبعة الأولى من الإصابة نسب الحافظ الحديث للبغوي، وذلك في ترجمة أبي الجعد الضمري كما قال، إلا أنه لم يقل:"وصححه" التي أفهم منها كما نقل أحمد شاكر أنها للبغوي، فإن ابن حجر في الإصابة ذكر هذا الحديث ومن رواه بمناسبة الكلام على أبي الجعد الضمري، ولم يتعرض لتصحيحه، أو تضعيفه، أو غير ذلك فقال: "قال البخاري لا أعرف اسمه (يريد أبا الجعد) ، ولا أعرف له إلا هذا الحديث، يعني الذي أخرجه له أصحاب السنن والبغوي. وصححه ابن خزيمة، وابن حبّان، وغيرهما، وهو من الترهيب من ترك صلاة الجمعة –الحديث
…
" ا?.
فكلمة "وصححه" تابعة لما بعدها وليست للبغوي، فأكثر الظن أن أحمد شاكر انتقل نظره فأضاف كلمة "وصححه" للبغوي من غير أن يتنبه لما بعدها؛ فإن كلمة "وصححه" لابن خزيمة وابن حبّان كما هو واضح، هذا إذا قلنا إن أحمد شاكر نقل كلمة "وصححه" من الإصابة، أما إذا كانت من عنده يخبر بها أن البغوي صححه أيضاً كما صححه
1 2/373.
غيره، فلنا أن نقول أين صححه؟ فإن البغوي إذا أطلق في مجال الحديث انصرف الذهن إلى كتابه "شرح السنة"، وهو أخرج الحديث فيه، ولكن لم يصححه كما ذكر أحمد شاكر، بل قال عنه أنه حسن جرياً على اصطلاحه المعروف. وأنا أرجح أنه لم يرجع للبغوي، وإلا لذكره رأساً، ولما احتاج أن يقول: ونسبه الحافظ للبغوي.
وبعد: فإن هذا الحديث يدور على محمد بن عمرو وحاله ما عرفت، فهو وإن كان من أهل الصدق والديانة، إلا أنه متكلم فيه من قبل ضبطه وإتقانه حتى ضعّفه بعضهم –كما قال ابن الصلاح- من جهة سوء حفظه، ووثقه بعضهم؛ لصدقه وجلالته.
فحديثه يمكن أن يكون حسناً لذاته، هذا إذا تسامحنا؛ لأن الدلائل تشير إلى غير ذلك، وهو أن حديثه صالح للاعتبار، ويرقى بشواهده إلى حسن لغيره، وفيما يلي بيان هذه الدلائل:
قال ابن معين عنه فيما تقدّم: "مازال الناس يتقون حديثه" ولما قيل له: ما علة ذلك؟ قال: "كان يحدث مرة عن أبي سلمة بالشيء رأيه، ثم يحدث به مرة أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة" ا?.
واتقاء حديثه يكون بالنظر فيه والتأكد منه بأن يختبر ويعتبر حتى يحصل الاطمئنان به، بأن يكون رواه على وجهه الذي ورد عليه لم يخطئ، ولم يغلط فيه؛ لأن ما عرف عنه من ضعف الحفظ أحدث شكاً في مروياته، ولا يزول هذا الشك إلا باليقين منها، بأن ينظر مثلا هل شاركه أحد في مرويه هذا، أو جاء من أوجه أخرى، فإن كان
كذلك زال ما كان يخشى عليه من سوء الحفظ أو الوهم، وحصلت الثقة بمرويه هذا، وإلا فلا وأصبح موضع شك ونظر.
أن ابن حجر في حكمه عليه قال في "تقريب التهذيب"1: "صدوق له أوهام" ا?.
وهذه العبارة –كما بيّن في مقدمة التقريب2- تقع في مرتبة "صدوق سيء الحفظ"، وهو من تساوى خطؤه وصوابه، وحديث صاحب هذه المرتبة صالح للاعتبار كما هو معلوم.
وأحب بهذه المناسبة أن أورد شيئاً وهو إذا كان هناك من ينازع كابن أبي حاتم في إعطاء حديث من وصف "صدوق" درجة الحسن، فكيف بمن هو في مرتبة صدوق سيء الحفظ في إعطائه هذه المرتبة.
أن في صنيع البخاري ومسلم إشارة إلى ما نحن بصدده، فإن ابن حجر في دفاعه عن البخاري واعتذاره له في إخراجه حديث محمد بن عمرو؛ لأنه أحد الرجال الذين انتُقد البخاري في روايته لهم، ولعل هذا لقلة حفظه وإتقانه، بيّن أن البخاري لم يكتف بمحمد بن عمرو حتى قرنه بغيره، وأنه أخرج له تعليقاً، وكذا مسلم فإنه أخرج له متابعة.
وأخيراً فإن هذا هو الذي يوافق اصطلاح الترمذي في إطلاقه كلمة "حسن"، فهو يطلق كلمة "حسن" على الحديث، ومراده أنه حسن
1 2/196.
2 1/4.
لغيره، وهذا بخلاف صنيع المحدثين، حيث يطلقون كلمة "حسن" ويريدون أنه حسن لذاته.1
ذلك كله إنما هو بالنظر إلى سند الحديث بالذات، وإلا بالنظر إلى متن الحديث فإنه صحيح باعتبار شواهده الكثيرة التي سوف نذكر طرفاً منها إن شاء الله تعالى فيما بعد.
وهذا –فيما يبدو- هو الذي حدا بالسيوطي إلى أنه لم يكتف بتصحيح الحديث، حتى عدّه في الأحاديث المتواترة2، وذلك بناء على قاعدته وهي أن كل حديث رواه عشرة من الصحابة فهو متواتر، وقد جرى على هذه القاعدة في كتابه "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة" تلخيص كتابه "الفوائد المتكاثرة في الأخبار المتواترة. حيث جمع فيه ما رواه من الصحابة عشرة فصاعداً".
ذكر بعض الشواهد للحديث
أشار الترمذي بقوله: "وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس
1 أنظر: تقدمة الجرح والتعديل 1/1/37 لابن أبي حاتم حيث قال تحت باب بيان درجات رواة الآثار: "ووجدت الألفاظ في الجرح والتعديل على مراتب شتى فإذا قيل للواحد إنه ثقة أو متقن، فهو ممن يحتجّ بحديثه، وإذا قيل له إنه صدوق أو محله الصدق، أو لا بأس به فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، وهي المنزلة الثانية".
2 الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة/18 رقم الحديث (37) والجامع الصغير 6/102 مع فيض القدير. وانظر: نظم المتناثر في الحديث المتواتر/74 واتحاف ذوي الفضائل المشتهرة/93.
وسمرة" ا?. إلى بعض شواهد الحديث، وفي نظري أن من أبرز من اعتنى بإيراد الشواهد على هذا الحديث، وهي شواهد كثيرة مختلفة المراتب المنذري في "الترغيب والترهيب"، والعراقي في "شرح سنن الترمذي"، وابن حجر في "التلخيص الحبير"، والهيثمي في "مجمع الزوائد"، والزبيدي في "إتحاف السادة المتقين".
وأذكر هنا ما أشار إليه الترمذي، ثم أعقب بشيء قليل من تلك الشواهد:
حديث ابن عمر، وهو: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبر: "لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين".
قال العراقي1: "أخرجه مسلم2، والنسائي3. وزاد مسلم مع ابن عمر أبا هريرة، وزاد النسائي مع ابن عمر ابن عباس" ا?.
حديث ابن عباس، وهو: "من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد
1 شرح سنن الترمذي 1 ورقة 173 وجه ب.
2 في صحيحه 6/152 بشرح النووي وأخرجه ايضاً الدارمي في "سننه" 1/306 وابن خزيمة في "صحيحه" 3/175 من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
3 في سننه 3/88 وأحمد في مسنده 1/239 و254 و335، 2/84 وأبو داود الطيالسي في "مسنده"/263 وانظر "منحة المعبود" 1/141 وابن أبي شيبة في "مصنفه" 2/154 وابن حبان في "صحيحه" انظر:"موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان"/147.
نبذ الإسلام وراء ظهره".
قال المنذري في "الترغيب والترهيب"1: "رواه أبو يعلى موقوفاً بإسناد صحيح" ا?.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"2: "رجاله رجال الصحيح" ا?.
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"3: "رجاله ثقات"4 ا?.
قال العراقي في "شرح سنن الترمذي"5: "هكذا ذكر موقوفاً، ولا يقال مثله من قبل الرأي، فحكمه حكم المرفوع، وقد رواه البيهقي في "شعب الإيمان" أيضاً من قوله6" ا?.
1 1/682.
2 2/193.
3 2/52.
4 قال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" 2/112 –وقد ساق بسنده من مسند أبي يعلى 2 ورقة 719 وهو حدثنا حميد بن مسعدة نا سفيان بن حبيب عن عوف به موقوفاً على ابن عباس بلفظ: "من ترك الجمعة ثلاث جمع متواليات فقد نبذ
…
الخ- قال: "قلت: وهو إسناد صحيح، كما قال المنذري ورجاله ثقات رجال مسلم غير سفيان بن حبيب، وهو ثقة أخرج له البخاري في الأدب المفرد، ومنه تعلم خطأ الهيثمي في إطلاق قوله: "ورجاله رجال الصحيح".
5 1 ورقة 174 وجه أ.
6 قال الألباني في "سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة" 2/113: والحديث أورده الغزالي في "الإحياء" 1/178 مرفوعاً
…
فقال مخرجه الحافظ العراقي: رواه البيهقي في الشعب من حديث ابن عباس. قلت: فهذا يدل بظاهره أنه مرفوع عند البيهقي، فليراجع من استطاع إسناده في "شعب الإيمان"، فإنه لا يزال غالبه غير مطبوع حتى الآن.
حديث سمرة بن جندب، وهو:"من ترك الجمعة من غير عذر فليتصدق بدينار، فإن لم يجد فنصف دينار".
قال العراقي1: "أخرجه أبو داود2 والنسائي3".
هذا وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن ابن مسعود، وعائشة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن أبي أوفى، وجابر بن عبد الله، وأبي هريرة، وحارثة بن النعمان.
حديث ابن مسعود، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: "لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم".
1 شرح سنن الترمذي 1 ورقة 174 وجه أ.
2 سنن أبي داود 3/378 مع عون المعبود.
3 سنن النسائي 3/89.
قال المنذري1: "رواه مسلم2، والحاكم3 بإسناد على شرطهما" ا?.
حديث عائشة، وهو:"من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير علة –أو قال: من غير ضرورة- طبع الله على قلبه".
أخرجه الخطيب في "تاريخ بغداد"4 في ترجمة العباس بن يزيد.
حديث أسامة بن زيد، وهو:"من ترك ثلاث جمعات من غير عذر كتب من المنافقين".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"5: "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف عند الأكثرين" ا?.
حديث عبد الله بن أبي أوفى، وهو:"من سمع النداء يوم الجمعة ولم يأتها، ثم سمع النداء ولم يأتها ثلاثاً، طبع على قلبه فجعل قلبه منافق".
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد"6: "رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه من لم يعرف" ا?.
وقال العراقي7: "إسناده جيد" ا?.
1 الترغيب والترهيب 1/677.
2 5/155 شرح النووي.
3 المستدرك 1/292.
4 12/142 في ترجمة العباس بن يزيد.
5 2/193.
6 2/193.
7 شرح سنن الترمذي 1 ورقة 174 وجه أ.
حديث جابر بن عبد الله، وهو:"من ترك الجمعة ثلاثاً من غير ضرورة طبع على قلبه".
أخرجه ابن ماجه في "سننه"1، قال في "الزوائد"2:"الحديث إسناده صحيح، ورجاله ثقات" ا?. وابن خزيمة في "صحيحه"3، والحاكم في "المستدرك"4.
قال ابن حجر في "التلخيص الحبير"5: "قال الدارقطني: أنه أصحّ من حديث أبي الجعد" ا?.
حديث أبي هريرة، وهو: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا هل عسى أحدكم أن يتخذ الصُّبّة من الغنم على رأس ميل أو ميلين، فيتعذر عليه الكلاء، فيرتفع ثم تجئ الجمعة فلا يجئ ولا يشهدها، وتجئ الجمعة فلا يشهدها، حتى يطبع على قلبه".
قال المنذري6: "رواه ابن ماجة7 بإسناد حسن وابن خزيمة في
1 1/357 رقم الحديث (1126) .
2 انظر تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على هذا الحديث في سنن ابن ماجة 1/357 رقم الحديث (1126) .
3 3/176.
4 1/292.
5 2/52.
6 الترغيب والترهيب 1/680.
7 في سننه 1/357 رقم الحديث (1127) ونقل محمد فؤاد عبد الباقي في تعليقه عن الزوائد أنه قال فيه "إسناده ضعيف فيه معدي بن سليمان وهو ضعيف" وانظر في ترجمته تقريب التهذيب 2/263.
"صحيحه"1 و"الصُّبّة" -بضم الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة-: السرية إما من الخيل، أو الإبل، أو الغنم: ما بين العشرين إلى الثلاثين، تضاف إلى ما كانت منه. وقيل: هي ما بين العشرة إلى الأربعين. ا?.
وقال ابن حجر في "التلخيص الحبير"2: "في إسناده معدي بن سليمان وفيه مقال" ا?.
حديث حارثة بن النعمان، وهو: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يتخذ أحدكم السائمة فيشهد الصلاة في جماعة، فتتعذر عليه سائمته، فيقول: لو طلبت لسائمتي مكاناً هو أكلأ من هذا، فيتحوّل ولا يشهد إلا الجمعة، فتتعذر عليه سائمة فيقول: لو طلبت لسائمتي مكاناً هو أكلأ من هذا، فيتحول ولا يشهد الجمعة ولا الجماعة، فيطبع الله على قلبه".
قال المنذري3:"رواه أحمد4 من رواية عمر بن عبد الله مولى غفرة5 وهو ثقة عنده" ا?.
1 3/177 وأخرجه أيضاً الحاكم في "المستدرك" 1/292.
2 2/52.
3 الترغيب والترهيب 1/683.
4 في مسنده 5/434.
5 انظر في ترجمته تهذيب التهذيب 7/471 وتقريب التهذيب 2/59 وغفرة –كما في الأخير- بضم المعجمة وسكون الفاء.