الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كَانَ وأَخَوَاتُهَا
هنا ابتدأ الناظم رحمه الله بذكر العوامل الداخلة على المبتدأ والخبر، فتنسخ حكم الابتداء إلى أَحكامٍ أُخَر، وتُسمّى لأجل ذلك النواسخَ؛ لأنها نسخت عمل الابتداءِ في الاسمين اللذين كانا قيل دُخُولها مبتدًأ وخبرا، وهى سبعةُ أنواعٍ: كان وأخواتها، وما وأخواتها، وعسى وأخواتها -وهى أفعال المقاربة- وإن وأخواتها، ولا التى لنفي الجنس، وظن وأخواتها، وأعلم وأخواتها.
وابتدأ بذكر كان وأخواتها فقال:
تَرْفَعُ كَانَ الْمُبْتَدَأ اسْمًا وَالخَبَرْ
تَنْصِبُهُ كَكَانَ سَيِّدًا عُمَرْ
يعنى أن هذا الفعل -الذى هو كان- يدخل على المبتدأ والخبر، فيرفع المبتدأ فيصير اسمًا لها -ويُسمّى بذلك- وينصب خبر المبتدأ بعد ذلك. ولم لم يذكر ما يصيرُ إليه الخبر بعد ذلك احتمل وجهين:
/ أحدهما: ينصبه على أنه خبرٌ لكان، وكأنه لما لم يَحدُثْ للخبر اسم آخر بالنسبة إلى ما عمل فيه، كما حَدَث للمبتدأ فَسُمّى اسمًا لكان، تَرَك [ذِكْر] ذلك، تنبيهًا على بقاء الاسم الأَوّل، لكن بالإضافة إلى كان لمكان عمها فيه، فَيُسمى خَبَر كان. وهذا هو الظاهر من قصده، وهو مراده بلا شَكّ، غير أن اللفظ لا يُعينه.
والثاني -وهو بَعِيدٌ من قصد- أن يُرِيدَ ما دلّ عليه ظاهر لفظه من أن خبر المبتدأ تنصبه كان إذا دخلت عليه، ولم يبيّن وجه نصبه، أهو على أن يصير خبر كان، أم على غير ذلك؟ لَمّا كان وجهُ نَصْبِهُ مُختَلفًا فيه بَين البصريين والكوفيين؛ فذهب البصريون إلى أَنّه منصوب خبرًا لها، فالمبتدأ والخبر معها كالفاعل والمفعول. وذهب الكوفيون إلى أنه ينصَبُ على الحال.
والراجح في مراد الناظم هو الاحتمال الأَوّل، ويدلّ عليه من كلامه قولُه في باب «إنّ»:
لإِنّ، أَنّ، [لَيْتَ]، لَكِنّ، لَعَلْ
كَأن -عَكسُ مَا لِكَانَ مِنْ عَمَلْ
إذ لم يقل أَحَدٌ: إن المنصوب في باب «إن» حالٌ. وإذا ثبت هذا ظهر أنه مخالف للكوفيين وموافقٌ للبصريين. والدليل على صحة ما ذهب إليه أمران:
أحدهما: أن الخبر يأتى عَلَما نحو: كان أخوك زيدًا، وضميرًا نحو: ما كان أخوك إلا إِيّاىَ، واسمَ إشارة نحو: كان أخوك هذا، ومضافًا نحو: كان زيدٌ غلامَك، وبالألف واللام نحو: كا زيدٌ العاقلَ الكريم، كما أنه يأتى أيضا نكرة نحو: كان زيدٌ قائمًا. وليس وقوعه أحد المعارف بأقل من وقوعه نكرةً، بل وقوعُه معرفةً كثيرٌ جدًا بحيث لا يُحصَى. لو كان حالًا لم يجز البتةَ وقوعُه معرفةً قياسًا، بل كان يكونُ ذلك مسموعًا، فلا يقال: إن الحال أيضًا تأتي
معرفة نحو: طلبتَه جَهْدَك وطاقتك، ورجع عَوْدَه على بَدْئِهِ، ومررتُ به وَحْدَه، وَأَرْسَلَها العِراكَ -لأنا نقول: هذا كله من النادر المسموع الذى لا يُقاس عليه. وأيضًا ليست أحوالًا بأنفسها بل هى أسماءٌ موضوعةٌ مواضع الأحوال، فليست مما يستدلّ به على وقوع الحال معرفة، [وذلك مُبَيّن] في بابه.
والثاني: أن الحال من شأنها أن لا تلزم في الكلام، بل قد تأتى، وقد لا تأتى، وذلك بحسب مقاصد الكلام، فتقول تارةٌ: جاءَ زيدٌ ضاحكًا، إذا أردتَ الإخبار عن مَجيِئه على خاصّةً. فلو كان المنصوب بعد «كان» حالًا لساغ الاقتصار مَعَه على المرفوع مع اعتقاد النقص فيها، فكنت تقول: كان زيدٌ، وتقتصر. لكن هذا غير جائز، فدلّ على أن المنصوب ليس بحالٍ، وغذا لم تكن حالصا لم يبق مما يُدّعى إلا ما قاله البصرين للاتفاق على أَنْ لا قولَ في المسألة غير هَذَين.
فإن قال قائل: فإن «كان» قد يُقْتَصر معها على المرفوع، فإنك (تقول): كان زيدٌ يا فَتىً، كقولِ الشاعرِ:
إِذَا كَانَ الشّتَاءُ فَأَدْفُئِوني
وهذا كثيرُ، فهذا الاقتصارُ يَدُلُّك على أنّ المنصوبَ حالٌ.
فالجواب: أنّ ذلك إِنْ تَأَتَّى في كان وما أشبهها من الأفعال المستعملة
تامّة وناقصة، فلا يتأتى فيما لم يستعمل إلا ناقصًا، وذلك: فَتِئَ وزال ماض يزال / فإنها لا يقتصر فيها على المرفوق البتّةَ، فلا تقول: ما فَتِئَ زيدٌ، على هذا، ولا لم يَزَلْ عُمَر، وتقتصر. فلو كان التمام دالًا على ما قالوا لساغ التمامُ في هذين، لكن ذلك غير جائز، فدلّ على أَنّ التمام في «كان» وَأخَواتها استعمالٌ آخرْ مباينٌ لهذا الاستعمال المبوب عليه. وهذا المقدار كافٍ، إن شاء الله- وقوله:«والخبرٌ» : يحتمل الرفع على الابتداءش، والخبر «تنصِبُه» . والجملة معطوفة على الجملة الأولى. ويحتمل النصب على إضمار فِعْلٍ، من باب الاشتغال. وهو أولى لمناسبة الجملة الأولى. والضمير المرفوع في «تنصبه» عائد على «كان». وأتى بمثال من ذلك وهو: كان سيِّدًا عُمَر. وسيدًا: هو الخبر، وعُمَر هو المبتدأ، ولكنه قَدّم وأَخّر لضرورة الوزن. وهو مع ذلك جائز، حسبما يذكره. وعلى ذلك تقول: كان زيدٌ أخاك، وكان بشرٌ قائمًا. وما أشبه ذلك.
ثم ذكر ما يشترك مع «كان» في هذا الحكم من الأفعال فقال:
كَكَانَ ظَلّ بَاتَ أَضْحَى أَصْبَحَا
أَمْسَى وَصَارَ لَيْسَ زَالَ بَرِحَا
فَتِئَ وَأنْفَكّ، وَهَذِى الأَرْبَعهْ
لِشِبْهِ نَفْىٍ أَوْ لِنَفْىٍ مُتْبَعَهْ
وَمِثْلُ كَانَ دَامَ مَسْبُوقًا بِمَا
كَأعْطِ مَا دُمْتَ مُصِيبًا دِرْهَمًا
أراد ككان: ظَلّ، وباتَ، وأضحى، وأصبح. وكذا سائرها، بالعطف بالواو غير أَنّه اضْطرُّ فحذف العاظف. ويعنى أن هذه الأفعال -وعددها
اثنا عشر فعلا -حكمُها حكمُ كان- وهو الثالثَ عَشَر- فيما ذكر من نصب الخبر ورفع الاسم، فتقول: ظل زيدٌ قائما، ومنه:(ظَلّ وجْهُهُ مُسْودًا). وبات زيدٌ ساهرا، ومنه:
بَاتَتْ طِرَابًا وَبَات اللّيلَ لَمْ يَنَمِ
وَأَضْحَى عَمْرُ ساهرًا، ومنه:
وَيُضْحِى فَتِيتُ المِسْكِ فَوْقَ فِراشِها
وأصبح زيدٌ مقيما، ومنه:{فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَا} . وأمسى زيدٌ قائما. ومنه:
أَمْسَتً خَلَاءً وَأَمْسَى أَهْلُها احْتَمَلُوا
وصار زيد عالمًا. وليس أخوك منطلقا، ومنه:{ألا يَوْمَ يأتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ}
وما زال زيدٌ منتظرًا لك. ومنه:
وَلَا أَرَاها تَزَالُ ظَالِمَهَ
وما بَرِحَ أخوك قائمًا، ومنه:
فَقُلْتُ يَمِينُ اللهِ أَبْرَحُ قاعدًا
وما فَتِئَ زيدٌ مقيما. ومنه {قَالُوا: تَالله تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} .. الآية. وما أنفك زيدٌ طالبًا، ومنه:
حَرَاجِيجُ ما تَنْفَكُّ إِلّا مُنَاخَةً
ولا أُكَلِّمك ما دُمْتَ قَائِما، ومنه:{إِلّا ما دُمْتَ عَلَيهِ قَائِمًا} .
فهذه كلُّها تعملُ عَمَل كان كما ترى، إلا أنّه جعلها قسمين:
قسم يعمل بلا شرط، وذلك ثمانية أفعال: كان، وظل، وبات، وأضحى، وأصبح، وأمسى، وصار، وليس.
وقسم اشترط في عمله شرطًا، وهو ما سوى ذلك، لكنها على ضربين، ضرب اشتَرَطَ في عمله تقدّم نفي أو شبهه على الأفعال، وهي الأربعة التي أشار إليها إشارة القريب بقوله: «وهذي الأربعة إلى آخره، يعني أن هذه الأفعال القريبة الذكر، وهي: زال، وبرح، وفتئ، وانفكّ إنما تدخل في هذه الباب إذا أُتبِعت نفيًا أو ما أشبه النفي، يريد أن يكون النفي أو شببه متقدّمًا عليها وواليًا لها، فأما النفي فنحو:[-ما زال زيد قائمًا، وكذلك لا، نحو: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ}، ولن، نحو ما أنشده الخليل-]:
لن يزال قومُنا مخصبين /
…
صالحين ما اتّقوا واستقاموا
ولم، نحو: لم يزل أخوك شاخصًا، ولَمّا، نحو: لما يزل أخوك مقبلًا، وسائر حروف النفي كذلك. وكذلك القول في برح وفَتئ وانفكّ، لا تأتي إلا بعد نفي، نحو: ما برح زيدٌ قائمًا، وما فَتئ سائرًا، وما انفكّ مسرورًا.
وهذا النفي قد يكون ظاهرًا كما تقدّم، وقد يكون مقدّرًا -ويَنْتظمه كلامُ الناظم؛ إذ لم يُعيِّن أحدهم دون الآخر-، ومثاله في القسم:{قَالُوا تَاللهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ} ، أي: لا تفتأُ، وفي الشعر قولُ الكنديّ:
فقلتُ: يمينُ الله أبرحُ قاعِدًا
ولو قطعوا رأسي لديْكَ وأوْصالي
وقال الآخر:
تنفكُّ تسمعُ مَا حَيِيتَ بِهَالِكٍ حَتّى تَكُونَهْ
وأما شبه النفي فالنهي، نحو: لا تَزَلْ قائمًا، وأنشد في الشرح:
صاحِ شَمِّرْ ولا تَزَل ذاكِرَ الْمَوْت فنسيانهُ ضلالٌ مبينُ
وكذلك: لا تَبْرحْ سائرًا، ولا تنفكّ ضاحِكًا، ولا تفتأُ مسرورًا، وما أشبه ذلك.
والضرب الثاني: اشترط في عمله تقدُّم ما المصدرية الظرفية عليه، وذلك قوله:(ومثلُ كان دامَ مَسْبوقًا بِما) كائنةً على هذه الصفة التي بيّنها المثال وهو: (أعطِ ما دُمتَ مُصيبًا درهمًا) فقيّد (ما) بأن تكون مصدرية تَحَرُّزًا من
النافية والموصولة والنكرة الموصوفة، وغير ذلك من أنواعها، فلا تقول: ما دام أحدٌ أخاك، ولا: ما دام انتفاعك به الفرس، ولا ما كان حو ذلك. وأن تكون المصدرية ظرفية، فلو كانت غير ظرفيّة لم تعملْ (دام) معها، نحو: يُعجبني ما دُمت فاضلًا، أي دوامك، فلا يكون (فاضلًا) هنا خبر. وكذلك: فرِحتُ بما دمت فاضلًا؛ لأنّ التقدير: بدوامك فاضلًا، فلا يقال [هذا كما لا يقال]: دام زيدٌ فاضلًا، على الخبر، ولا دام زيدٌ صاحبك.
فإذا احتمع الشرطان صحّ دخولها هنا، فتقول: لا أكلِّمك ما دمتَ قائمًا، وأنا قائم ما دام زيدٌ قائمًا، فالتقدير هنا: مُدّةَ دوامكَ قائمًت، ومُدّة دوام زيد قائمًا. ومنه قول الله تعالى:{لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا} . ويحتمل المثال غير ذلك.
ومعنى (أعطِ ما دُمتَ مصيبًا دِرْهمًا): أعطِ الناسَ المالَ، وهَبْ لهم، ولا تقطع ذلك عنهم، ما أصبتَ دِرهمًا فما زاد، فإن الخير خيرٌ.
ويتعلّق بهذا الكلام مسائل:
إحداها: في معاني مَا ذكر من الأفعال الناقصة، وسيأتي ذكر معاني التامّة -بحول الله-، وهي على الجملة مُجرّدة للدلالة على الزمان عند المحققين، وكان أصلُها التمام، فجرّدت عن دلالتها على الحدث، فصارت تدلّ على الزمان بحسب ما كنت تدلّ عليه قبل ذلك، فهي دالّة إمّا على زمان مُحصل ليس إلا، أو
مع انتقال، أو دوام.
فأما (كان) فجاءت لتجعل الحديث فيما مضى إما منقطعًا أو غير منقطع، نحو: كان زيد الشيخ شابًا، و {كَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} .
وأما ظلّ فلتجعله ثابتًا في النهار، نحو: ظلَّ زيد منطلقًا، أي: أتى عليه النهار وهو منطلق.
وأما بات وأضحى وأصبح وأمسى، فلتجعله ثابتًا في هذه الأوقات إلى وقت إخبارك، والفرق بين كان وهذه، أنّ هذه تقتضي الدوام إلى وقت الإخبار، وكان تقتضي الانقطاع. كذا قال السيرافي. قال:«وربما توسّعتِ العربُ في بعض هذه، فاستعملوه/ في معنى كان وصار» .
فأصل بات لزمان الليل، واضحى لوقت الضحى -قال ابن خروف: وتستعمل للصباح؛ لقُرب الوقتين
-، وأصبح لوقت الصباح، وأمسى لوقت المساء.
وأما صار فلزمان الانتقال من حالٍ إلى حال، نحو: صار الطين خَزَفًا، وصار زيد عالمًا.
وأما ليس فأداة نفي تنفي ما هو حالٌ، [تقول]: ليس زيد قائمًا،
أي: ما هو في هذه الحال قائمًا.
وأما [ما] زال، وما انفكّ، وما فَتِئ، وما برح -فهي مع النفي تعطي معنى كان الدوامية-، ومن هنا لزمها النفي ليصحّ تجرُّدها للزمان، فقولك: لم يزل الله عالمًا، وكان الله عالمًا، بمعنى واحد، وكذا البواقي على هذا المعنى تُستعمل إذا قلت: ما برح زيدٌ قائمًا، وما انفكّ قائمًا، وما فتئ قائمًا.
وأما ما دام فكذلك إذا لحقتها ما المذكورة رادفت كان الدوامية، فقولك: لا أكلمك ما دام زيد قائمًا، مرادف لقولك: لا أكلّمك ما كان زيدٌ قائمًا.
فقد تبيّن أنها كلّها مجرّدة للدلالة على الزمان، إما مطلقًا وإما مصدرًا، ما عدا ليس، فإنها لا تدلّ على زمان؛ لعدم تصرّفها.
والثانية: أنه أتى من هذه الأفعال بثلاثة عشر فعلًا، وترك مما ذكر الجمهور تمام العشرين، ومما ذكره هو في التسهيل، تمام اثنتين وثلاثين، فقد ذكر الناس منها: غدًا، نحو: غدًا زيدٌ عالمًا، ومنه قول ابن مسعود رضي الله عنه:«اغدُ عالمًا أو متعلّمًا، ولا إِمّعةً» .
وراح، نحو: راح زيدٌ فَرِحًا. وفي الحديث: «لو توكّلتم على الله حقّ توكُّله لرزقكم كما يرزُق [الطير] تغدو خِماصًا وتَرُوح بطانًا» .
وآض، نحو: آض زيد عالمًا، أي: صار كذلك. ومنه قول طرفة:
لهُ شربتان بالعشىِّ وأربعٌ
من الليلِ حتى آض سُخْدًا مُوَرمَا
وعاد، نحو: عاد زيدٌ فاضلًا، أي: صار. ومنه: {حَتّى عَادَ كَالعُرْجُونِ القَدِيمِ} ، وقول الشاعر:
تَعُدْ فِيكُم جزرَ الجزورِ رماحُنا
وجاء في قولهم: ما جاءت حاجَتك، أي: صارت.
وقَعَد في قولهم: شحذ شفرته حتى قَعَدتْ كأنها حربةٌ، أي: صارت. وحكى الكسائي: «قعد لا يسأل حاجةً إلا قضاها» .
وآل، نحو: آل زيد عالمًا، أي: صار.
فهذه هي التي ذكر الناسُ زيادةً على ما ذكره الناظم.
والتي زاد الناظم هي: فَتأ، وأفتأ، ووَنَى، ورام -وهي مرادفة: فَتِئ- ورجع، وحار، وارتد، واستحال، وتحوّل، وهي مرادفة: صار. وأسحر من السّحَر، وأفجر من الفّجر، وأظهر من الظهيرة، وهي اثنا عشر فعلًا. فالجميع اثنان وثلاثون فعلًا لم يذكر منها إلا أقلّ من النصب، فكان الوجه أن يذكر ذلك، أو يكون حين أراد الاقتصار على المشهور يذكر المشهور عند الناس، أو يكون
حين لم يرد الاستيفاء ينبّه على أنّ ثَمّ أشياء أُخر، فيقول: هي كذا وكذا، وما كان نحو ذلك، كما فعل سيبويه؛ فإنّ الحصر لا يفيد، وعدم التنبيه على ما بقي يوهم أن لا زائد على ما ذكر، فالاعتراض من وجهين: الاستفاء لما ذكره الناس، والثاني: أنه لم يبقَ بعدما ذكره شيءٌ. وفي ذلك ما فيه.
والجواب: أنّ ما ذكره المؤلف وغيره هو أقصى ما وجد في كلام العرب بعد البحث والتفتيش، وعلى طول الأزمنة وكثرة الباحثين، فالغالب على الظنّ أنه لم يبق بعد ذلك منه إلا / ما لا بال له، ثم إن ما ذَكَر في التسهيل زائدصا على ما نقله الناس نوادرُ لا يُعتدّ بذكرها في مثل هذا النظم مع احتمالها؛ لأنّ جملة منها لا يَتعيّن دخولها في هذا الباب، في بعضها خلاف، فبَعُد رثبتها فيه. وأما السبعة التي زادها الناس فإن منها ما لم يأت إلا في مَثَلٍ أو شِبهه، وذلك: جاء وقَعَد -ومنها ما خالف فيه ابن مالك فلم يثبته، وذلك: آل وغدا وراح، ونصّ [على ذلك] في التسهيل. وأما عاد فاعترض ابن خروف على مثبته بقوله:
تَعُدْ فيكم جزر الجَزورِ رماحُنا
بأن الحال أحسن، على حذف المضاف، أي: مثل جزر الجزور.
وأمّا آض فهو قليل ليس في نمط غيره. وأيضًا فإن ذكره لصار قد انتظم في ما كان بمعناها، ومن ذلك آص، وكذلك آل، وجاء، وقعد، وعاد، وحال، واستحال، وتحوّل وارتدّ ورجَعَ. وأما فَتَأ وأفتأ فلغتان في فَتِئَ، فانتظمهما فَتِئَ. ولم يبق بعد هذا إلا أسحر وأفجر وأظهر، ولم تثبُت عنده، وغدا وراح. وقد رَدّ كونهما من هذا الباب بأن المنصوب بعدهما لا يكون إلا نكرة فهو حال لا خبر. وونى ورام -ماضى يري- وهما كما قال:«لا يكاد النحويون يعرفُونهما إلا من عُنِى باستقراء الغريب» ، ويكفى مثلُ هذا عذرًا للناظم في نظمه.
والثالثة: أن قول الناظم: «تَرْفَعُ كَان المبتَدَأ اسْمًا وَالْخَبَرْ» .. إلى آخره، ليست الألف واللام فيه بتعريف الجنس الذى يشمل كُلّ مبتدأ بحيث يرادفه كلّ، بل أراد بالألف واللام العهد في الحقيقة المتقدمة، فلا يعترض عليه بأن يقال: إن كلامه يقتضى أن كان وأخواتها تدخل على كُلِّ مبتدأ وخبر، وذلك غير صحيح؛ فإن من المبتدأت ما لا يصح لذلك؛ فقد ذكر في التسهيل من / ذلك ستّة أنواع:
المبتدأ المخبر عنه بجملة طلبية، نحو: زيدٌ اضْرِب، وعمرو هل أكرمته؟ والمتضمن معى الاستفهام نحو: أَىُّ القوم أفضلُ؟ أو الشرط نحو: أَيُّهم يَأْتِ أكرمْه، أو غير ذلك من مقتضيات تصدير المبتدأ. والمبتدأ اللازم الحذف، كالمقدر في النعت المقطوع وشبهه، والقديم التصرف نحو:
طوبي لهم، وسلام عليكم، وما لزم الابتدائية بنفسه نحو: نَولُك أن تَفْعَلَ، أى: ينبغي لك أن تفعل، وأقل رجل يقول ذلك إِلّا زيدٌ. وما لزم الابتدائية لمصحوب لفظى، كالوقوع بعد لولا وإذا المفاجأة أو المصحوب معنوي، نحو ما أحسنَ زيدًا! ولله درُّه!
فهذه أنواع لا يصحُّ معها دخول كان وأخواتها؛ أنا تقول: إنما قصد الكلام على عمل هذه الأفعال في المبتدأ والخبر -على الجملة- ولم يتعرض لتعميم جميع المبتدآت في هذا الحكم، فكلامه -على الجملة صحيح. وإلى هذا فإن المؤلف قد ذكر في الشرح أن النحويين جرت عادتهم بإطلاق القول في كون هذه الأفعال تدخل على المبتدأ أو الخبر، ولا يبالون امتناع بعض المبتدآت من دخولها عليه، فإن / كان كما قال فهو عذرٌ له في هذا النظم، والله أعلم.
والرابعة: أنه لم يتعرّض هنا لهذه الكلم، من أَىِّ الأنواع الثلاثة هى؟ لتقدم ذلك الباب في الكلام والكَلِم، وأَنها لِمَا ذكر من خواصّ كلِّ قسمٍ أفعالٌ، وليس فيها خلاف فيما أعلم -إلا في ليس. والخلاف فيها مشهور بين البصريين والبغداديين، وهو راجع في الحقيقة إلى الوفاق إذا تأملت مقاصدهم، وإلا في كان، فإنّ العَبْدِىّ نقل عن المبرد أَنّها حرفٌ، اعتبارًا بعدم دلالتها على الحدث. وهو قريب.
[ثم قال]:
وَغَيْرُ مَاضِ مِثْلَه قَدْ عَمَلَا
إِنْ كَانَ غَيرُ الماضِ مِنْهُ اسْتُعْمِلَا
نَبَّه في هذا الكلام على أن هذه الأفعال لا يختصً عملها بالماضى، وهو الذى ذّكر، بل يعمل أيضًا المضارعُ منها والآمر. وكذلك اسم الفاعل والمصدر، فتقول: يكون زيد قائمًا وكُنْ -يا زيدُ- عاقلًا، وفي الحديث:«كُن أبا خَيْثَمَةَ. فَكَانه» . «وكُنْ عبد الله المقتولَ، ولا تكون عبدَ اللهِ القاتلَ» . وفي القرآن الكريم: {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا} وكذلك اسم الفاعل نحو: هو كائنٌ أخاك، والمصدر نحو: أَعجبني كونُ أَخِيك في الدار، وما أشبه ذلك. وهكذا سائر الأفعال نحو قوله:
ويُضْحِى فتيتُ المِسْكِ فوقَ فراشها
ويُصْبِحُ ملقىً بالفناءِ إِهابُها
وأضْحَ -يا زيدُ- سائرًا، أو أَصْبِحْ مفطرًا، وكذلك صار وأمسى وظلَّ
وغيرها، يعملُ منها المضارعُ والأمرُ واسم الفاعل، وغير ذلك.
وشَرَط في عمل غير الماضى أن يكون قد استعملته العربُ، تحرّزًا مما لم يُسْتَعمل فإنه لا يصحُّ إعمالُه، من جهة أنه لا يجوز لنا استعماله، لوجوب الوقوف في الاستعمال عند الحدّ الذى وقفت العرب عنده، أو لأنّ ثَمّ مانعًا من الاستعمال. والذى هو كذلك: ليس ودام، وما دخل عليه أداة النفي شرطًا فيه.
فأما ليس فلعدم تصرّفها وشبهها بالحروف، لم تستعمل العرب منها مضارعًا ولا أمرًا ولا مصدرًا، ولا اسم فاعل، بل بَنَتْه هكذا بناءَ ليت. فهو راجع (بالشبه) إلى الماضى، فاقتصر في هذا العمل عليه.
وأما دام فإنها -وإن كنت في الأصل متصرفة- لما لحقتها ما الظرفيّة، قصرت استعمالها على هذه الصيغة، فلم يستعمل لها مضارعٌ وإن ساغَ قياسًا، فلا تقول: أكلمك ما يدوم زيدٌ قائمًا. وأحرى لا يستعمل منها الأمرُ، ولا اسم الفاعل، ولا المصدر.
وَأَمّا ما دخل عليه أداة النفي فإن الأمر منها غير مستعمل، لعدم تأتى حرف النفي معه، بخلاف المضارع منفيا فإنه مُتَأَتٍّ، فقالوا: لا تَنْفَكُّ تفعلُ كذا. وكذلك إذا دخل عليه حرف النهي، نحو: لا تَنْفَكّ -يا زيدُ- تَفْعَلُ كذا. وكأنه عِوَض من الأمر فيها.
فهذا هو الذي تَحَرّز منه بقوله: «إِنْ كَانَ غَيرُ الماضِ منه استُعْمِلَا» .
وحذف الياء من «الماض» ضرورة، وقد قُرِئ بمثله في غير الفواصل،
نحو: {يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ} -وهو في الشعر يكثر، أنشد سيبويه لخُفَاف ابن نُدْبَةَ:
كَنَواحَ رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْديّةٍ
وَمَسَحْتِ بِاللثتَينِ عَصْفَ الإِثْمِدِ
وأنشد الأعشى:
/ وَأَخُو الغَوَانِ متى يَشَأ تَصْرِ منهَ
وَيَعُدْن أعداءً بُعيدَ وِدَادِ
أراد ذاك: كنواحي ريش حمامة. وأراد هذا: وأخو الغَوَاني. فحذف الياءَ اضطرارًا فإن قيل: إطلاقُ الناظم في قوله: «إنْ كانَ غيرُ الماضِ مِنْه استعملا» مشكل؛ فإن الاستعمال المراد إنما هو استعمال العرب، فكأنه في ظاهر كلامه يقول: إنما يعملُ غير الماضى إذا كانت العرب قد استعملته ونطقت به، وإلّلا فلا. وهذا الكلام يقتضى أنك لا تقول مثلًا: يكون زيدٌ قائمًا، فتأتى بالمضارع حتى تعلم أن العرب تكلمت به، وكذلك الأمر والمصدر واسم الفاعل. وهكذا في سائر الأفعال المذكورة. وهذا المفهوم غير صحيح، بل يجوز لنا استعمالُ المضارع والأمر وغيرهما منها، سمعنا ذلك أو لم نسمعه، لا نتوقف على المساع في مثل هذا إلا في موضعين:
أحدهما: أن يكون الفعلُ غير متصرف كليس، فإنه موضع وضع الحرف. هذا مع أنا وجدنا العرب لم تتصرف فيه، فلذلك لا نتصرّف نحن فيه. ومن هذا أن نفهم من العرب الاستغناء كدام مثلا، فإنها استغنت بالماضى عن المضارع، فلم تستعمله مع الحاجة إليه، فهمنا ذلك منها كما فهمنا استغناءهم عن وَذَرَ وذَرَعَ، وواذر ووادع بترك وتارك.
وهذا الاستغناء جارٍ في الحكم مجرى عدم التصرف، بل هو ضرب من ضروب عدم التصرف؛ فلذلك عددته مع عدم المتصرف ضربًا واحدًا.
والثاني: أن يمنع مانع صناعىّ من استعماله، كما منع النفى في ما زال وأخواتها من استعمال فعل الأمر؛ لأن النفي لا يصلح مع لأمر، كما أن الاستفهام والشرط ونحوهما لا تصلح معه.
ففي هذين الموضعين لا نقول إلا ما قالته العرب، وأما في غير ذلك فلنا أن تكلم بما هو القياس في كلامها ولا نتوقف. لكن ظاهر كلام الناظم (يُشعِر) بالتوقف مطلقا، فكان غير صحيح لمخالفته للأئمة، بل لاستلزامه إبطال القياس الذى انبنى عليه هذا العِلْمُ.
فالاعتذار عنه بأن مراده -غَيْرَ شكِّ- التنكيتُ على مثل دام وليس، وما ذكر ممّا له له مانع من جريان القياس فيه؛ فإن التوقف هناك واجب. وأمّا ما عدا ذلك فهو في حَيِّز المسموع وإن لم يسمع، لأنا نقطع بان العرب لو احتاجت إلى الكلام به لما تعدّت استعمالنا فيه، فكأنه مسموع منها. هذا أقصى ما وجدته في الاعتذار عنه، وهو كما تراه، وليس كلُّ داءٍ يعالجُه الطبيب.
(ثم قال):
وَفِي جَمِيعِهَا تَوَسُّطَ الْخَبَرْ
أَجِزْ، وَكُلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ
كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النَّافِيَه
فَجِئْ بِهَا مَتْلُوّةً لَا تَلِيَه
كلامُه في هذا الفصل في تَصَرُّفِ هذه الأفعال في معمولاتها، بالتقديم عليها، والتوسط بينها بعض المعمولات. وهذا إنّما تكلّم فيه بالنسبة إلى البخر فقط، وأما الاسم فإنه تنزيل من منزلة الفاعل من فعله، ولذلك يجوزُ أَن يُطلَق عليه أنه فاعلٌ، وقد أخبر المؤلف بذلك التسهيل/، وأصْلُ ذلك الإطلاق لسيبويه، حيث جعل هذه الأفعالَ مما يَتعدّى الفاعلَ إلى المفعول به، الفاعل أنه لا يتقدم على فعله، كما سيأتى، فكذلك ما تنزل منزلته. فلما تنزل الخبر منزلة، والمفعولُ يصحُّ تقديمه وتأخيره والتصرّفُ فيه. تَصرفوا أيضا في الخبر كذلك.
فأخبر أولًا أن توسّط الخبر في جميع هذه الأفعال بينها وبين مرفوعاتها جائز، يقول:«وَفِى جَمِيعها تَوسُّطَ الخَبَرْ» . فتوسُّط: منصوبٌ بأجر. وفي جَمِيعها: يتعلّق بأجر أيضا. والتقدير: أجز توسط الخبر في جميع هذه الأفعال.
ولم يذكر بين أىّ الأشياء يتوسط؛ علما بأن ليس إلا الفعلُ ومرفوعه. فنقول على هذا: كان قائما زيدٌ، وأصبح منطلقا أخوك، وما زال راشدًا أبوك. وما أشبه ذلك. ومنه قول الله تعالى:{وكانَ حَقًا علينا نَصْرُ المُؤْمِنين}
وفي قوله: -وفي جميعها» -فَعَمّ بالنصّ وقَدّم- تنبيهُ وتنكيتٌ:
فأما التنبيهُ فهوَ لما فيها من الأفعال غير المتصرِّفة، فإن الوهم قد يسبق إلى أن ما لا يتصرف منه -وذلك ليس وما دام- يقصر عن أن يتصرّف في معموله، فرفع الإيهام بتعميم (جميع) الأفعال، تنبيهها على إدخالها قصدًا في هذا الحكم، فتقول على هذا: ليس قائمًا زيدٌ، ولا أكلِّمك ما دام صديقَك زيدٌ من ذلك ما أنشده في الشرح:
سَلِى -إِنْ جَهِلْتِ- النّاسَ عَنّا وَعَنْهُمُ
فَلَيْسَ سَوَاءً عَالمٌ وجَهُولُ
وأنشد في دام:
لَا طِيبَ لِلعَيْشِ مَا دامَتْ مُنَغّصَةً
لَذّاتُهُ بِادِّكَار المَوْتِ والهَرَمِ
وأما التنكيت فعلى من خالف ما قَرّر، وذلك أّنّ منهم من ذهب في جوازٍ
التوسيط إلى التفصيل لا إِلى الجواز مطلقًا في جميع الأفعال وذلك أبو زكريا يحيى بُن معطٍ، فمنع التوسط في دام وحدها، وأجازه في غيرها، وذلك في أَلفيّته التى حذا ابنُ مالكٍ حَذْوها:
وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُقَدِّمَ الخَبَرْ
عَلَى اسْمِ مَادَامَ، وَجَازَ في الأُخَرْ
ولا أعلم له في هذا القول سلفًا. وكذا قال الأستاذ أبو عبد الله بن الفخّار شيخُنا رحمه الله: إنه لا يعرفُ له فيه سلفًا. قال: وأرى أنه وَهِمَ. والله أعلم.
وحكى بعضُ من يَخْتَلِف إلى دمشْق عَرَض على الناظم هذا الموضعَ فقال: أُفكّر في ذلك. فذكر له ذلك مرةً حتى قال له: لا تنقُلْ عَنِّي فيه شيئًا.
وقال ابن مالك في شرح التسهيل، لما استشهد على التوسّط مع ليس وما دام -وقال:«إنّما خَصَصْتُهما بالاستشهاد أنهما ضَعيفتان لعدم تصرّهما في أنفسهما، فربما اعتقد عدم تصرّفهما في العمل مطلقًا» ، قال: وقد وقعد في ذلك ابن مُعطٍ رحمه الله فضمّن ألفيته منع تَوْسيط خبر ما دام. ثم ذكر أنه مخالف للقياس والمسموع؛ أما مخالفته للقياس فبيّنة، لأن توسيط خبر ليس جائز مع أن فيها ما في دام من عدم التصرف، وتفوقها
ضعفاً بأن منع تصرّفها لازمٌ، ومنع تصرف دام عارض، لأن «ليس» تشبه ما النافية معنًى، وتشبه ليت لفظًا، لأن وسطها ياء ساكنة سالمة، ومثل ذلك مفقودٌ في الأفعال، فثبت بهذا زيداة ضعفها على دام، وتوسيط غير/ ليس لم يمتنع، فإلّا يمتنع توسيط خبر دام أولى. وأما السماع فقد تقدم، فالصحيح إذًا ما عليه الناسُ. وقد نكّت أيضًا عليه في موضع آخر، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله.
ووجه هذا التوسيط، وكذلك التقديم الآلى: أن هذه الأفعال متصرفة في نفسها، والقاعدة كل عامل تَصرّف في نفسه يتصرّف في معموله. وهذا ظاهر فيما عدا ليس وما دام. وأما ما دام فإن عدم التصرّف طارئٌ عليها، ولذلك لم يؤثر فيها عدم التصرّف سَلْبَ الدلالة على الزمان، وإذا كان عارضًا لم يُعتدّ به. وأما ليس فهى وإن كانت غير متصرّفة في اللفظ في تصرّفت من جهة المعنى؛ إذ يصح تقييدُ خبرها بالزمان الماضى وغيره فتقول: ليس زيد قائمًا أمس، وليس قاعدًا غدًا، ونحو ذلك. وهى لو تَصرّفت حقيقة لم يكن معناها إلا الدلالة على الأزمنة؛ فقد ناب تقييد خبرها عن ذلك، فصحّ لها معنى التصرّف، تصرّفت في معمولها. بهذا النحو استدلّ الفارسي على تصرّفها، وسيأتى من ذلك شئ بُعيد هذا إن شاء الله.
هذا ما قال في توسيط الخبر، وأمّا تقديمُه عليها فقسّمَ الناظم الأفعال بحسب ذلك ثلاثة أقسام
أحدها: ما يمتنع فيه التقديم باتفاقٍ، وهو: دام وحدها وعليه نبّه
بقوله: «وكلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ» .
كُلٌّ: مبتدأ، وهو مقطوع عن الإضافة للعلم بالمضافِ إليه، وهم النحويُّون. وسبْقَهُ: مفعول حَظَر -بالظاء المعجمة- وهو الخبر. وضمير «سَبْقَة» عائد على الخبر وهو فاعل «سبقه» ، ودام مفعوله. والتقدير: وكلُّ النحويِّين حَظَر أَن يَسْبِقَ الخَبرُ دامَ.
وحَظَر، معناه: مَنع. ومنه قول الله تعالى: {وَمَا كانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورَا} .
ويعنى أن جميع النحويين منعوا من تقديم خبر دام عليه، فلا يجوز أن تقول: لا أُكلِّمك قائمًا ما دام زيدٌ. وهذا الإجماعُ ذكره ابنُ الإنباري؛ وسببُ ذلك أنها لازمةٌ لما كما تقدم، «وما» هى المصدريّةَ، وهي موصولةٌ صلتها ما يليها من فعلٍ وما تعلّق به، فالخبر هنا من صلتها. والقاعدة المطردة أَنّ بعض الصلة لا يتقدم على لموصول، فلم يصحّ تقدّمُ الخبر هنا على ما.
فإن قيل: فهل يتقدّم على «دام» دون «ما» ، ولا يُلْغَى في ذلك المحذور؟
فالجواب: أن ذلك يمتنع أيضًا لأَنّ ما مع الفعل كالشى الواحد، باتصال الفعل بما صار من هذا الباب، وعَدِمَ التصرّف الذى كان له في الأصل. فالصواب عدم الجواز، وهو رأى شيخنا، رحمةُ الله عليه. والمسألة عند النحويين مفروضة في تقدّم الخبر على ما، لا على الفعل دون ما.
فإن قلت: فعبارة الناظم إذًا مشكلةٌ لأنه قال: «وكلٌّ سَبْقَهُ دَامَ حَظَرْ» . ولم يقل: سبقه دَامَ وما، فهو يقتضى أن الإجماع المنقول إما هو في سَبْقِ
الخبر لدام وحدها، ولا مع ما.
وهذا غير مستقيم، بل الإجماع في سبقه لما، وعلّلوا المنع بما تقدّم من منع تقدّم ما في حَيِّزِ الصّلة على الموصول. وهذا الإشكالُ موجودٌ في التسهيل لأنه قال فيه:«ولا يتقدم خبر دام اتفاقًا» ، فالاعتراض وارد على الكتابين.
فالجواب: أن العبارة وقعت على غير تحرير، بل/ على تسامح وتساهل، وهكذا يفعل كثيرٌ من النحويين للعلم بمرادهم في ذلك، ولو حَقّق العبارة لكان أحسن. ومثل هذا التساهُلِ ما تقدم من قوله:«إِنْ كَانَ غيرُ الماضِ منه استُعْمِلا» .
والقسم الثاني: ما يمتنع فيه التقديمث باختلاف، وذلك ليس على الخصوص، وسنذكرها في البيت الذى يلى هذا. وما دخلت عليه ما النافية من هذه الأفعال على العموم، وهو الذى قال فيه:«كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ ما النّافيهْ» .
ما النافية: مفعول بِسَبْق، وسَبْقُ: مصدرٌ مضاف إلى الفاعل. ويعنى أن سَبْقَ الخبر وتقديمه على ما النافية محظورٌ أيضا لا يجوز، وحكمُه في ذلك حكمُ سَبْقِهِ لما دام، وهو معنى: كذاك، فالإشارةُ بذلك إلى سَبْق في قوله:«وكلٌّ سَبْقَه دام حَظَرْ» .
والذى تتقدم عليه ما من هذه الأفعالِ جميعُها إلا ما دام. فما زال، وما انفكّ، وما فَتِئَ، وما بَرِحَ: لا يجوزُ تقديم أخبارها عليها، فلا تقول: قائمًا ما زال زيدٌ، ولا سائرًا ما زالُ بكر، ولا مطلقا ما ينفكّ أخوك، ولا ما
أشبه ذلك. وكذلك إذا دخلت «ما على» سائر هذه الأفعال، الحكم فيها واحدٌ، فلا يجوز أن تقول: قائمًا ما كان زيدٌ، ولا سائرٌ ما أصبح عَمْرو، ولا عالمًا ما صار أخوك. ولا ما كان نحو ذلك.
وإمّا امتنع التقديم مع ما؛ لأن لها صدرَ الكلام، كأدواتِ الاستفهام والشرط، ولذلك كانت من أدواتِ التعليق حسبما يأتى، إن شاء الله.
ودلّ هذا الكلام على أن غير «ما» من أدوات النفي ليس لها ذلك الحكم، بل يجوز تقديم الأخبار عليها، كلا، ولَنْ، ولمْ، فتقول: قائمًا لا يكون زيدٌ، وفاضلًا لم يزل أخوك، وعالمًا لن يصير زيد. وكذلك سائرها، لأَنك تقول: زيدًا لن أضربَ، وعمرًا لم أكرمْ، وأما زيدًا فلن أضرب. نَصّ على ذلك السيرافيُّ وغيرُه. وهو صحيح؛ فإن هذه الحروف -ما عاد ما- لم تستحقّ أن يكون لها صدرُ الكلام.
والسبب في ذلك مبنى على قاعدةٍ، وهي أَنّ العامل إِذا تغيّر معناه تغيّر حكمه، وإذا لم يتغيّر معناه لم يتغير حكمه. وبيان ذلك أن لن ولم مع الفعل بمنزلة الجزء منه، لأن لم يَفْعَلْ جواب: فَعَلَ، ولن يفعلَ جواب سيفعلُ، كما ذكره سيبويه وغيره، وكان الأصل أن يكون النفي داخلًا على الإيجاب، فكنت تقول: لَمْ فْعَلَ، ولن سيفعلُ، كما كان ذلك في «ما» حين قلت في جواب فَعَل: ما فَعل، وفي جواب يقعل: ما يفعلُ، فأدخلت حَرْفَ النفي على الكلام الموجب نَفْسِه لتردّهُ على المتكلِّم به. وإذا قلت ذلك تَغَيّر معنى الفعل من الإيجاب إلى النفي، فجاء ذلك فيما تَغَيّرَ حُكمهُ حين تغيّر معناه، فكان التقديم جائزا قبل ورود النفي، فلما
وَرَدَ امتنع التقديم. ولو فَعَلت العرب ذلك في سيفعل وفَعَل فأدخلت عليهما لم ولن، لتغيّر الحكمُ فامتنع التقديمُ، لك لم تفعل ذلك، بل أتت بـ «لن أفعلَ» كلّه جوابا عن: سيفعل، وبـ «لم يفعل» كلّه جوابًا عن: فعل، وسيفعل كالكلمة، فكذلك: لن أفعل، وفَعَلَ كلمة واحدة، فلم يفعل بمنزلته، وما وضع كالكلمة الواحدة فهو على أَصْلِ معناه الذى وُضِع للدلالة / عليه، فلم يتغير معناه الأصلى إذًا، فيجب أن لا يتغيّر حكمه. بخلاف ما، فإنها لم توضع أولًا مع الفعل، بل وُضِع الفعلُ موجبا، ثم غيّر بدخول ما عليه، فوجب تغيُّرُ حكمه.
فهذا فرق ما بين ما وبين غيرها في جواز التقديم عليها ومنعه. وهذا معنى قوله في الكتاب في أبواب الاشتغال: «وإذا قلت: زيدًا لم أضرب، وزيدًا لن أضرب -لم يكن فيه إلا النصبُ، لأنك لم توقع بعد لم ولن شيئا يجوز [لك] أن تقدمه قَبْلَهما فيكون على غير حاله بعدهما» . قال: ولن أضرب: نفي لقوله: سأضرب، كما أن لم أضرب نفي: ضربت». وهو تفسير ابن عصفور وابن الضائع لكلام الإمام، وهو أولى ما يتعتبر به. وقد فَسّرَ السيرافى والفارسىّ وابن خروف والشلوبين على غير ذلك، فعليك به في الشروح. ولكن القاعدة في نفسها صحيحة، وهي مُبَيّنةٌ في الأصول.
وقد دلّ كلامُ الناظِمِ أيضا على جواز التقديم على لا، فتقول: قائمًا لا يزال زيد، وشاخصًا لا يكون أخوك، ونحو ذلك. وكذلك التقديم على إِنْ نحو: قائمًا إنْ يزال زيد وشاخصًا إن كان زيد.
وهذا فيه نظرٌ من جهة النقل والقاعدة؛ أما النقل فإن النحويين قالوا في إِنْ: حكمُها حكمُ ما، وهى من أدوات الصدور [لأنها بمنزلة ما، فكما لا يتقدم الخبر على ما كذلك لا يتقدم على إِنْ]. ونصّوا في لا على مذهبين:
أحدهما: التفرقة بين أَنْ تقع جوابا للقسم أو لا، فإن وقعت جوابا للقسم لم يجز التقديم، فلا تقول: والله قائما لا يزال زيدٌ. وإن لم تقع جوابًا له جاز فتقول: قائمًا لا يزال زيد. وهو قولُ ابن أبي الربيع.
والثاني: أن الفارسىّ نصّ في التذكرة على امتناع: زيدًا لا أضرب. ذكره في الجزء التاسع عشر. وهو لازم في هذه الأفعال بلا بُدٍّ، فيمتنع فيها عنده.
فالناظم لم يذهب إلى واحد من المذهبين. وأما القاعدة فإنها تقتضى المنع مع «لا» و «أنْ» كما تقتضيه مع «ما» ؛ لأن كل واحد منهما داخل على مُوجبَه؛ إذ هما جواب لقولك: يقوم زيد، وقام زيد، ولا يقوم زيد، وإن قام زيد. وإذا كان كذلك فقد غيّرا معنى الفعل الذى دخلا عليه، فوجب أن يُغَيِّرا حكمه.
وجواب هذا أن السيرافي وابن الأنباري قد نصّا على جواز التقديم على لا مطلقا، فلعله اتبعهما في ذلك. ووجه ذلك أَنّ لا حرف متصرف يعمل ما قبله فيما بعده، كقولك: جئت بلا شئٍ، وأعجبني أن لا تقوم، ونحو ذلك.
فصار لها بهذا حكم آخر سوى ما كان الأصلُ فيه. وأما إِنْ فالظاهر أنه لم يتكلم على حكمها لقلّتها في النفي بالإضافة إلى غيرها.
ودلّ كلامه أيضًا على أن هذا التقديم الممنوع إنما التقديم على ما. وهو نصّه بقوله: «كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ ما النّافيهْ» . فقد يشعر هذا بأن تقدم الخبر متأخرا عن ما خارجٌ عن المنع. وقد نصّ ابن الناظم في شرحه على الجواز، وأنك تقول: ما قائما كان زيدٌ. واستدلّ على صحة ذلك بما في الحدي، عن النبي صلى الله عليه وسلم:«فَوَاللهِ ما/ الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ» . والمفعول وخبر كان متضاربان.
وما قال قد صحّ في غير المقيّد بالنفي.، وأما ما كان النفي من شرط دخوله في هذا الباب، فالجواز فيه غير مسلّم؛ قال شيخنا -رحمة الله عليه-: ويمتنع عند الكل توسيطه بين الفعل وحرف النفي، لأنهما لما تلازما صارا كالشئ الواحد. انتهى. وهذا ليس بخاصٍّ بما وحدها، بل هو عام في سائر حروف النفي، فلا يصح أن يقال: لا قائما يزال زيد. وما خارجًا انفك عمرو.
فإن قال: إن الفصل بين حرف النفي والفعل هنا قد جاء نحو قول الشاعر:
ولا أَرَاها تَزَالُ ظالِمَةً
وقوله:
ما خِلْتُنِى زلتُ بعدكُمُ ضَمِنَا
وإذا جاز ذلك جاز هذا
قيل: قد اعتدّ به في التسهيلِ حَتّى أطلق العبارة في (أنّ) الاتصال بين النفي والفعل غيرُ لازمٍ، فيدخل تحت إِطلاقه مثلُ هذا.
فهذا ممكن أن يقال، لولا أن ظاهر نَقْلِ شيخنا الاستاذ رحمه الله أنهم اتفقوا على المنع. والأولى في جواب هذا أن يقال: إن الناظم لم يتعرّضْ للتنبيه على المسألة، وإنما قصد التنبيه على فرق ما بين ما وبين غيرها من أدوات النفي، وتبقي هذه المسألةُ مسكوتا في نظمه، كما سكت عنها في التسهيل وشرحه. والله أعلم.
وقوله: «فَجِئْ بِهَا مَتْلُوّة لا تالِيَهْ» . معنى متْلُوّة: متبوعة. لا تالية: لا تابعة. يعنى أَنّ الخبر إِنما يقع بعدها يتبعها، لا قبلها بحيث تتبعه. وليس في هذا دلالة على ما قال ابن الناظم من جواز ما قائمًا زال زيدٌ. وما أشبهه، ولا على غير ذلك من الافعال، بل قصدهُ نفغيُ التقديم على ما. وفي العبارة تأكيدٌ لهذا المَعْنى.
فإن قيل: إِن هذا الكلام مُعتَرَض عليه من وجهين، زيادة على ما تقدم:
أحدهما قيل: إِن ظاهر سياقه يدلُّ على أَنّ هذه المسألة متفق عليها من النحويين، لأنه قدّم في دام أن منع التقديم متفق عليه أن هذا أيضا متفق عليه. وهذا أيضا متفق عليه. وهذا غير صحيح، لشهرة الخلاف فيها:
أما مازال وأخواتها فحكى ابن الأنبارى أن الكوفيين غير الفراء، وابن كيسان من البصريين يجيزون تقدم أخبارها على ما. وذكر النحاس أن التقديم جيد بالغ عند البصريين. وحكى ابن خروفٍ الجواتز أيضا عن البصريين والكسائي، والمنع عن الفراءِ. والمنع هو الذى اشتهر عند البصريين وهو الذى اعتمد ابن الأنبارى، وهو المعروف من مذاهبهم. وقد ذكر ابن مالك الخلاف في التسهيل. وأما غير هذه الأربعة فالخلافُ فيها يتخرّج على ما نقله في شرح التسهيل عن الكوفيين، لأنهم يجيزون التقديم على «ما» في سائر الأفعال، إلا الفراء فإنه على أصله في المنع. وأصلُهم في ذلك أن «ما» لم تستحقّ التصدير، كما لم تستحقّه لم ولن ولا؛ ولذلك أجازوا: طعامك ما زيدٌ آكلا. وباب «ما مع» باب كان واحد في الحكم. وأيضًا قد أجاز الفارسى في التذكرة: زيدًا/ ما أضربْ. فنحا في ذلك نحو الكوفيين، ولا فرق بين الفعل التام والناقص في ذلك. وإذا كان الخلاف موجودا وعدمُ الإجماع مشهورًا، فكيف يقول:
«كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ ما النّافِيه» ؟
والثاني: أن قوله: «فَجِئْ بِها مَتْلُوّةً لَا تَالِيَهْ» تكرار لما تقدم، وفَضْلٌ غير محتاج إليه؛ لأن قوله:«كَذَاكَ سَبْقُ خَبَرٍ مَا النافِيَهْ» ، معناه: لا يجوزُ أن تكون ما تاليةً، بل متلوّةٌ، أى يمتنع تقديمُ الخبر على ما. ومن عادة الناظم -رحمه الله تعالى- أن لا يأتى في هذا النظم بحشو ولا تكرار، كيف وهو من شُحِّه بالألفاظ فيه يلتزمُ في أكثره الشذوذات، حتى إنه ليكاد أن يكون حرف العطف عنده مجتنبًا، فكيف يأتى بما لا يَزِيدُ فائدة فيه؟
فالجواب عن السؤالين معًا: أنه حكى أَوّلًا في دام الإجماع على منع تقديم خبرها عليها، ثم أراد أن يحيل على حكم المنع ولا يكرّره فقال: كذاك كذا وكذا، وإيثارًا للاختصار، لكن لما عارضه فيه الإشكال الأول وهو إيهام الإجماع على المنع، وهو غير صحيح، عَيّن ما أحال عليه بقوله: فَجِئْ بِها مَتْلُوّةً لَا تَالِيَهْ» تنبيها على أن الإجالة على ما تقدّم، ليست على منع التقديم خاصّةً، فَجِئْ بها مَتْلُوّةً لَا تَالِيَهْ، كما فعلت ذلك في دام. فخرج بهذه الجملة التى بينت المراد تَوَهُّم الاشتراك في حكم الاجماع. وهذا كما تقول أعطى الأمير زيدًا جُبّةً وعمامة [وكذلك عمرو أعطاه عمامة، فلو سكت عن قولك «أعطاه عمامة لأوهمت أن الذى أعطى عمرًا جُبّة وعمامة] لقولك: وكذلك عمرو. فلما جئت بالبيان ظهر أَنّ الإشارة بـ «كذاك» إلى بعض ما تقدّم لا إلى جميعه. وهذا بيّن فخرجت المسألة عن الحكم عليها بالإجماع، وبقي حكمُه بما يرتضيه مذهبًا لنفسه. فعمّ بالمنع جميع ما تتقدّمُه ما النافية، مُنكّتًا على خلاف من خالف في شئ من تلك الجملة بقوله:«لا تاليه» . فإنه كان يُجزِئُه أن يقول: «فَجِئْ بِها
مَتْلُوّةً» من غير زيادةٍ، لكنه أتى بالزيادة تنبيها، كأنه قال: لا تاليةً كما يزعمه من خالف.
فإن قيل: هذا كله تشغيب وتطويل، مع أنه قادر على إزالته بحكاية الخلاف!
فالجواب: أن حكاية الخلاف ثانيةٌ عن ثُبوت الخلاف في كل ما تَقَدّمه «ما» من هذه الأفعال. والخلاف في الجميع غير ثابت. أما في مازال وأخواتها فثابت، وأما في نحو: ما كان أخوك منطلقا، وما اشبه -فلم يَثبُتْ فيه نصُّ خلاف، وإنما هو مخرّج على قول الكوفيين والفارسىّ من مسألةٍ أخرى، وإِذا لم يكن منصوصًا عليه لم يَسَعْه أن يحكي الخلافَ في الجميع، لإمكان أن لا يُسَلّم ذلك التخريجُ لوجود فَرْقٍ مُؤَثّر لم نَطلِعْ عليه، ولا أن يحكي الخلافَ في «ما زال» وأخواتها خاصة والوفاقَ فيما عداها، لأنه يمكن أن يكون التخريج صحيحا فيجرى الخلاف، وأيضًا يكون أطول مما أتى به من العبارة، فرأى السكوت عن الخلاف وعدم الإشارة، مع إخراج المسألة عن الوفاق المتقدم في ما دام أولى، وأبرأُ في التقصّى عن عهدة النقل. وهذا حسن من القصد إن كان أراده، والله أعلم.
ولم يبق في المسألة إلا الاحتجاج لما نقله من المنع والتزامه. فأما الاحتجاج على الكوفيين في تجويرهم: طعامَكَ ما زيدٌ أكلا، وعلى الفارسىّ في تجويزه: زيدًا ما ضربتُ/ -فظاهر من القاعدة المتقدمة، وأيضا فقد ثبت أَنّ ما لها صدرُ الكلام في كلام العرب، فلا محيد عن
ذلك، وقياسهم على لم ولن غيرُ صحيح لما تقدم من الفرق. وأما الاحتجاج عليهم في «ما زال» وأخواتها فهذا الذى تقدّم. ويخصّ ابنَ كيسان شئٌ آخر، وذلك أنه سلّم أن «ما» لها صدر الكلام، إلا أنها دخلت على أفعالٍ معناها النفي، وهى: زال وأخواتها، والنفي إذا انتفى صار إيجابًا، وإذا كان كذلك صار «ما زال» بمنزلة كان في أنه إيجاب، فكما أن كان يجوزُ تقديمُ خبرها عليها، فكذلك ما في معناها؛ من حيث لم يبق للنفي حكمٌ في ما زال وأخواتها، وإنما يعتبر النفي إذا كان معناه ثابتها، وليس هنا بثابت؛ يدلّ على ذلك أنّ العربَ لا تُدْخلُ معها «إِلا» التى هى إيجاب بعد النفي، فنظيرها: كان زيد إلا قائما، وهذا غير جائز إذ لا نفي فيه، وكذلك مسألتنا؛ فإذا كانا في معنى واحدٍ فليكن حكمهما في جواز التقديم واحدًا.
والجواب عن ذلك أنا قد أجمعنا على أن ما للنفي في هذا الموضع، ولذلك صار الكلام إجابًا، وإلّا فلو لم تكن للنفي -وقد فرضنا أن زال وأخواتها نفي- لَمَا صار الكلام بها إيجابًا، وإذا كان معنى النفي ثابتًا فيها، وهى دالّة عليه، فقد استوت مع «ما» الداخلة على «كان» وما أشبهها. وإذا استوت في الموضعيين وهى في أحدهما مستحقة للصدر فيجب أن تكون كذلك في المسألة المتنازَعِ فيها. وإذا سلّمنا أَنّ معنى النفي غير معتبر فيها فذلك لا يمنع استحقاقها للصدر، اعتبارًا بالأصل، كما لم يمنع استحقاقُ الاستفهامِ للصدر زوال معناه إذا قلت: علمت أَيُّهم قائم، وعلمت أزيد في الدار أم عمرو. ولذلك لما قيل في قول سيبويه:«هذا بابُ علمِ ما الكَلِمُ من العربية» ، إنه وضعها غير مشير بها، واعترض عليه بأن لو كان كذلك لأعرب اسم الإشارة، لزوال
موجب البناء -أجاب بعض المحققين عن ذلك بأنه لا يلزم الإعراب اعتبارًا بالأصل، كما لم تعمل «علمت» في الاستفهام اعتبارًا بالأصل.
* * *
ثم قال:
وَمَنْعُ سَبْقِ خَبَرٍ لَيْسَ اصْطُفِي
وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي
وَمَا سِوَاهُ ناقِصٌ، وَالنَّقْصُ فِي
فَتِئَ لَيْسَ زَالَ دَائِمًا قُفِي
هذه المسألة من مسال القسم الثاني، وهو الممنوع التقديم باختلافٍ. ويعني أن المختار وفي خبر ليس منعُ تقديمه على ليس، فلا يجوز أن يقال: قائمًا ليس زيدٌ، ولا أخاك ليس بكرٌ.
ومعنى «اصطُفِى» : اختير. وهو مأخوذ من صَفْوِ الشئ وصَفْوَتِهِ.
ويبقى النظر في المُصْطَفِى، من هو؟ وهو يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يريد مَنِ اختار المنع من النحويين، وهم الكوفيين.
وحكاه ابنُ الأنباري وابنُ جني عن المبرد/. ووافق المبردَ أيضا على المنع ابنث السراج والفارسىُّ في الحلبيات، خلافُ ما اختاره في الإيضاح من الجواز.
ويُحْتَمُل أن يريد نفسه، أى: إِنى اخترتُ هنا مذهب المانعين، لِمَا قام على صحته من الدليل، وإن كنت في ذلك مخالفًا لجمهور البصريين.
وذلك أن ابن مالك بَنَى في هذا العلم على الاجتهاد، ولم يُخْلِدْ فيه إلى حَضِيضِ التقليد، فتراه موافقًا للكوفيين حربًا على البصريين تارةً، وتارةً موافقًا للبصريين مخالفًا لمن عداهم، فِعْل المجتهدين المبرزينِ. وهو الواجب على من بَلَغَ رتبةَ الاجتهاد، لامتناع التقليد عليه عند جمهور الأصوليين. وابنُ مالك مشهودٌ له بالإمامة والتبريز في هذا العلم، فَبحَقٍ ما اتبَعَ اجتهاده، ولم يتّبع قول غيره بغير دليل، إلا أنه في العربية ينحو نحو الظاهرية، ولا يحكّم القياس تَحكيم غيره، فهذه طريقته.
والأظهر أن فاعل «اصطُفِى» هو الناظم، فإنه قد أشار لذلك في التسهيل حيث قال:«ولا يتقدّم خبر دام اتفاقا، ولا خبر ليس على الأصحّ» . فنبّه على أن المنع هو الأصحّ عنده.
وإلى المنع أيضا ذهب ابن الأنباريّ في الإنصاف؛ ودليله: أَنّ «ليس» فعلٌ غير متصرّف فلا يجرى مجرى الفعل المتصرف، كما أُجريت كان مجراه، لأن كان فعل متصرف فتصرف في معموله، وليس غير متصرّف فلا يتصرف في معموله، كعسى ونِعْم وبِئْس، وفعل التعجب -وأيضًا فإن ليس أشبهُ شئٍ بـ «ما» في المعنى والعمل، ولذلك زعم البغداديّون أنها حرف، ووافق على ذلك طائفة من أهل النظر من البصريين؛ وإذا كان كذلك، وكانت ما لا يصح تقدُّم خبرها عليها، فمن الواجب أن تكون ليس أختُها كذلك. وأيضا لما أشبهت ليس
ما له صدر الكلام -وذلك ما- كان من الواجب أن يحكم عليه بالصدرية.
فإن قيل: الدليلُ على جواز التقديم أوجه:
أحدهما: أن الدليل قد قام على أن ليس فعلٌ، وإذا ثبت أنها فعل -والأصل في العمل للأفعال- فالعمل لها بحق الأصل، وإذا كان كذلك فينبغي أن تتصرّف في معمولاتها كسائل الأفعال، وإن فاتها تصرف الأفعال فقد وُجِد فيها وجهان من التصرف، أحدهما: التصرف المعنوى، وهو صحة تقييد خبرها بالماضى وغيره. وقد تقدّم ذكره. والثاني: أنها نعمل في المعرفة والنكرة، [والظاهر] والمضمر، وهذا تصرف صحيح.
ووجه آخر من التصرف، وهو خاصّ بمسألتنا: تقدمُ خبرها على اسمها، فوجب بهذا حين شاركت الأفعال المتصرفة أن تتصرف في معمولاتها، وقد خرجت نِعْم وبِئْس وعسى وفعل التعجب عن هذا الحكم، لأجل ما فُقد فيها من هذا التصرّفِ الذى وُجِد في ليس. (فلا يعملان في نكرة ولا عَلَم ولا في ضمير، وأما عسى) فإنها إنما تعملُ النصب في موضع الفعل، فلا يكون خبرها اسمًا مصرحًا به إلا شاذًا. وأما فعل التعجب فيلزم طريقة واحدة، ولا يكون فاعله إلا ضميرًا مع ما، وفي «أَفْعِلْ» كذلك عند قومٍ، أو مجرورًا بالباء عند آخرين، وحبّذَا مثلُ نِعْم وبِئْس، بل أقل تصرفًا؛ إذ يقتصر بفاعلها على ذا فلا يكون غيره.
فالحاصل من هذا أن ليس ظهر تصرُّفها في نفسها، فَلْيَجُز تصرّفها في معمولها.
والوجه الثاني: أن ليس قد صحّ تصرُّفها في معمولها بتقدمه إذا كان المنصوب على اسمها المرفوع، وإذا كان ذلك جائزًا باتفاق فليجز التقديم على ليس قياسًا، وإلّا فلا يخلوُ أَنْ يكون تقدُّم منصوبها على مرفوعها -مع أن أصله التأخير- تصرّفًا أولا، ولا يمكن أن يقال إنه ليس بتصرّفٍ، بل هو تصرّف في/ معمولها، وأنتم قلتم: إن ما لا يتصرّف في نفسه لا يتصرف في معمولها، فيجب إذًا أن لا يجوزَ عندكم تقدُّم المنصوب على المرفوع، لأنه تصرّف في المعمول، لكنكم قد أَجَزْتم ذلك، فَلْتُجيزوا هذا التصرف الآخر، وهو التقدمُ على ليس.
والوجه الثالث: أن ليس قد تقدّم معمول خبرها في قول الله تعالى: {ألَا يَوْمَ يَأتيهمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عنهم} . فيومَ يأتيهم: ظرفٌ متعلق بمصروف. وتقديمُ المعمول لا يصحُّ إلّا حيث يصحُّ تقديمُ العامل. هذه قاعدةٌ مسلّمة عند القدماء كالفارسىّ وابن جنى وغيرهما وإذا كان كذلك ثبت بالآية جوازُ تقدُّم الخبر، وهو المطلوب.
والوجه الرابع: أن سيبويه قد ظهر منه أنه قائل بجواز التقديم؛ لأنه أجاز أن تقول: أزيدًا لَسْتَ مثله؟ بنصب زيد، بإضمار ليس، من باب الاشتغال. والقاعدة أن المفسّر من شَرْطِهِ صحةُ عَمَله في الأول لولا شغله بالضمير أو السبب، فلولا أن ليس عنده مما يصحّ تقدم خبرها عليها لم
تَجُزْ هذه المسألة، كما لا يجوز النصب في نحو: أزيدٌ أنت الضاربه؟ وأزيدٌ ما أنت ضاربه؟ وأذكَرٌ أن تَلِده ناقتُك أحبٌّ إليك م أنثى؟ وما أشبه ذلك. فإجازته المسألة دليل على ما قلناه.
فالجواب عن الأول: أّنّ كون «ليس» فعلًا يَدُلُّ على جوازِ إعمالها عَمَل الأفعال، ولا يدلّ على تصرّف في معموله بالتقديم، بل الذى يدل على ذلك تَصَرُّفه في نفسه. وقد عُلِم أَنّ ليس غير متصرّف في نفسه فلا يتصرف في معموله. فنحن أعملنا فيه الدليلين، فأثبتنا له أصل العمل لوجود أصل الفعلية، وسلبناه وصف العمل -وهو التقديم- لفقد وصف الفعلية-
وهو التصرّف- فاعتبرنا الأصل بالأصل، والوصف بالوصف. والدليل على ما قلناه وجودُ ذلك استقراءً؛ فإن الأفعال المتصرّفة ثبت لها أصل العمل لمّا ثبت لها أصل الفعلية، وثبت لها وصفُ العمل -وهو التصرف- بالتقديم لما ثبت لها وصف الفعلية، وهو التصرّف للأزمنة، فقلت: عمرًا ضربَ زيدٌ، وقائمًا كان عمرو.
والأفعال غير المتصرفة نحو: نِعْمَ وبِئْسَ، وفعل التعجب، وعسى، ثَبَتَ لها أصل العمل لما ثبت لها أصل الفعلية، فعملت الرفع والنصب، وسُلِبت وصفَ العمل، فلم يجز تقدمُ معمولاتها (عليها) لمّا سُلِيت وصفُ الفعلية -وهو التصرف للأزمنة- لَمّا كانت من القبيل الثاني- وجب لها حكمُه. وما ذُكر من أوصاف التصرّف لا يخرجها عن عدم التصرّف الذى هو المعتبر، وهو اختلاف
الأبنية لاختلاف الأزمنة. وإذا سلمنا أن ذلك القدرَ مُعتبرٌ ففي مقدار مّا من التصرف، لا في مطلق التصرف وذلك المقدار هو جواز توسط الخبر/ بينها وبين الام، فلا تَوازِنُ المتصرفَ بإطلاق، ولا غير المتصرف بإطلاق. وبهذا يجاب عن الوجه الثاني.
وأمّا الثالث فإن تلك القاعدةَ منازعٌ فيها لأنها لا تطّرد كل الاطراد؛ ألا ترى أنك تقول أمّا زيدًا فاضرب، وفي القرآن:{فَأَمّا اليتيمَ فَلَا تَقْهَرْ. وَأَمّا السّائِلَ فَلَا تَنهرْ} ، فقد تقدم هنا مفعولُ الفعلِ ولا يصحُّ وقوعُ الفعل واليًا لأمّا. وكذلك تقول: ما اليوم زيدٌ ذاهبًا -في اللغة الحجازية- ولا يجوز تقديمُ الخبر إلى موضع المعمول، وهو متفق عليه. وأجاز الكوفيون: هذا طعامك رجلٌ يأكلُ، وزيدًا ضربي فأكرمتُ، فقدّموا معمول يأكل -وهو نعت لرجل- على المنعوت، ومعمول أكرمت -وهو معطوف على ضربي، وهو معطوف عليه- والمعطوف لا يتقدّم على المعطوف عليه، ولا النعت على المنعوت. وقد حمل الزمخشري قول الله تعالى:{وَقُلْ لَهُمْ في أَنْفُسِهِمْ قَولًا بلِيغًا} [فجعل (في أنفسهم) معمول (بليغا)]، فلم يعتبِرْ تلك القاعدة. والمنازَعُ فيه لا يُبْنَى عليه.
وإذا سلّمنا صحةَ القاعدة فالمتقدِّم في الآية هو الظرف، وهم مما يتّسعُون في الظروف والمجرورات كثيرا ما لا يتسعون في غيرها، فلعل
هذا من جملة ما اتُّسِعَ فيه؛ ألا ترى أنهم يقولون: إن بك زيدًا مأخوذٌ، وإن غدًا أخاك راحِلٌ، فتقدّم الظرف والمجرور -وهما معمول الخبر- على الاسم، مع أن الخبر لا يجوز تقديمه تقديمه البتة.
وإن سلّمنا ذلك فلا يتعيّن في الآية دليلٌ لاحتمالها أمرين غير ذِكر:
أحدهما: أن يكون (يَوْمَ) مبينًا على الفتح لإضافته إلى الفعل. وهو رأىُ الناظم في قوله تعالى: {هَذَا يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقين صِدْقُهُمْ} فيومَ: مبتدأ، خبره: ليس وما بعدها، على حذف الضمير من الخبر، وهو فيه، [وذلك] جائز على قلّة.
والثاني: أن يكون (يَوْمَ) منصوبا لكن بفعل من معنى ما بَعْدُ، كما يُقَدِّرون ذلك في كثير من المواضع، نحو {وَكَانُوا فِيْهِ مِنَ الزّاهدِيِن} و {إِنّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ القَالِينَ} . أو بفعل من معنى ما قبلُ، كأنه على تقدير: يَعْرِفُون يوم يأتيهم، و (لَيْسَ مَصْرُوفًا) جملة حالية مؤكدة، أو مستأنفة. وهذا تقديرُ المؤلّفُ.
وإذا أمكن في الآية هذا كلُّه سقط الاستدلال بها.
وأما الرابع فإنّ المحققين لا يُعَيِّنُون لسيبويه من ذلك مذهبًا، ولا دليل فيه، إذ قد يفسّر ما لا يعمل، وذلك كثيرٌ، نحو قولك: زيدًا عليك. ومنه {كِتَابَ اللهِ
عَلَيْكُمْ}، على تسليم أن (عَلَيْكُمْ) اسمُ فِعْلٍ. وكذلك إِنْ زيد قام أكرمتُه، ومنه:{وَكَانُوا فِيه من الزاهدين} . وأشباهه.
وقد أخذ بعضهم جواز التقديم، وأنه مذهب سيبويه من هذه المسألة، وليس دليل، والإمام لم يتعرّض لها في غير هذا الموضع. ومن العجيب أن الفارسىّ ذكر في التذكرة عن ابن كيسان أنه حكى أنّ سيبويه يجيز: منطلقا ليس زيد. قال الفارسى: وليست هذه المسألة في الكتاب، فلا أدرى من أين له هذا؟
فالذى ظهر من هذا أن الأصحّ ما ذهب إليه الناظم.
وَلَمَا تبيّن ما يمتنع تصريحه/ وفاقًا، وما يمتنع على خلافٍ فيه -فُهِم أن (ما) عدا ما تَقَدّم جائز فيه التقديم مطلقًا، وهو القسم الثالث من التقسيم الأول، ولا أعلم في ذلك خلافا يعتدُّ (به) إلا ما حكى ابنث السّراج عن بعض النحويين أنه يمنع تقديمُ الخبرِ أو توسيطه إن كان جملة، فلا يجوز عند هؤلاء: أبوه قائمٌ كان زيد، ولا كان أبوه قائم زيدٌ. قال ابن السراج: والقياس جوازه وإن لم يُسْمَعْ.
قال المؤلف في الشرح: وهو الصحيح، فإنه إن لم يُسْمَع مع
كان فقد سمع مع الابتداء، كقول الفرزدق:
إِلى مَلِكِ ما أمُّه مِنْ مُحَارِبٍ
أَبوه، وَلَا كَانَتْ كُلّيبٌ تُصاهِرُهْ
أراد: أَبُوهُ ما أمُّه من مُحَارِبٍ، فأبوه: مبتدأ، وأمُّه: مبتدأ ثان. ومن مُحارب: خبره والجملة خبرُ الأول. فلو دخلت «كان» لم يمتنع التقديم ولا التوسيط من باب أولى.
فإن قبل: إن المؤلف لم يُبَيِّن ما يلزمُ فيه تقديم الخبر أو توسيطه أو تأخيره، وكان من حقّه ذلك، وكذلك لم يُبيّن ما يمتنع تقديمه أو تأخيره أو توسيطه، وذلك من الأمور الضرورية في النحو، ولا سيّما وقد ظهر من كلامه إطلاق الجواز فيما سوى ما ذكر، فكان مُوهِمًا، وقد حَرّر في التسهيل عبارته حيث قال في التوسيط:«ما لم يعرض مانع أو موجب» . وكذلك قال في التقديم: وكذا تقديم خبر صار وما قبلها جوازا ومنعًا ووجوبا».
فالجواب من جهتين، إحدهما: أن ما ذكره هو الأصل في الباب مع قطع النظر إلى عروض العوارض. وأما إذا نظرنا إلى ما يعرض فحينئذ يَرِدُ السؤال. و [والظاهر أن] الناظم لم يتعرّض لها.
والثانية: أنّ وجوب التقديم أو التأخير أو التوسيط، أو امتناع ذلك، يستفيده الناظر في نظمه من باب الابتداء، ومن باب الفاعل، والمفعول الذي
لم يُسّمّ فاعله. فمن حصل ما ذكره وأشار إليه في تلك المواضع، قدّر على استخراج مثل ذلك هنا من غير كلفة. ولأجل هذا لم يُبَيِّن في التسهيل المنع والوجوب، بل أحال على العلم بذلك مما ذكره في نظائره وهذا ظاهر.
ثم قال:
وَذُو تَمامٍ ما بِرَفْعٍ يَكْتَفِى
وَمَا سِوَاهُ ناقِصٌ
…
...
لما كانت هذه الأفعال تستعمل استعمالين، وتُلَقّب بحسب كلِّ استعمالٍ منهما بلقَبٍ، أخذ يذكر السبب الذى تُسمّى لأجله ناقصةً أو تامة، وما يستعمل منها الاستعمالية معًا، وما يقتضى به على أحدهما وهو النقص. فذكر أولًا السبب في التسمية، وأن ما شأنهُ أن يكتفي بمرفوع فهو المسمى تامًا، وما لم يكتف به دون المنصوب فهو المسمى ناقصا.
فقوله: «وَذُو تَمَامٍ مَا بَرِفْعٍ يَكْتَفِي» . ما: موصولة، وهى مبتدأ خبره: ذو تمام، أى: إنه يُسمَّى ذا التمام، وهو التامُّ، وما سواه ناقص.
وقوله: ما برفع، هو على حَذْفِ المضاف، أى: بذى رفع، وهو المرفوع. ويحتمل أن يريد الرفع على حقيقته، ويكون راجعا إلى العمل، كأنه يقول: ما اكتفي بعمل الرفع فهو التام، وما سواه مما يعمل النصب مع الرفع، ولا يكتفي بعمل الرفع، فهو الناقص.
وقصد الناظم بيان مذهبه في تسمية هذه الأفعال نواقِصَ. والمشهور -في ذلك- أنه إنما سُمِّيت نواقصَ لنقصان دلالتها، وذلك أن الفعل أصلهُ أن يدلّ على أصْله، وهو المصدر، وذلك معنى دلالته على الحدث، وأن يدلّ
على/ الزمان الذى وضع له الفعل، كضرب مثلا: دالٌّ على الحدث الذى هو الضربُ، وعلى زمانه وهو الماضى. (ثم) إن هذه الأفعال تجرّدت عن الدلالة على الحدث وصارت تدلّ على الزمان منفردًا، فصارت ناقصة الدلالة، فَسُمِّيتَ نواقص والناظم لم يرتضِ هذا الرأى من تجرّدها عن الدلالة على الحدث، بل ذهب فيها مذهب ابن خروف أَنّها دالة على الحدث كما هي دالة على الزمان، إِلّا ليس فلا تدل على حدث كما لا تدل على الزمان. وإنما سُمِّيت نواقص لعدم اكتفائها بمرفوع.
قال في شرح التسهيل: وإنما لم تكتف بمرفوع لأن حدثها مقصودٌ إسناده إلى النسبة التى بين معموليها، [فمعنى قولك: كان زيد عالمًا، وجد اتصاف زيد بالعلم]، والاقتصار على المرفوع غير واف بذلك، فلذلك لم يستغن عن الخبر، وكان الفعل جديرًا أن ينشب إلى النقصان»، قال:«وقد أشار إلى هذا المعنى سيبويه بقوله: «تقول: كان عبد الله أخاك، فإنما أردت أن تخبِر عن الأخوة» . فبيّن أن «كان» مسندةٌ إلى النسبة». (ثم) قال: فمن ثمّ [بَيّنّا] عدم الاكتفاء
بالمرفوع.
ثم استدلّ على بطلان مذهب الجمهور من أوجهٍ عشرة:
أحدهما: أن مدّعى تجرّدها عن الحدث مقرٌّ بفعلية هذه العوامل، والفعلية تستلزم الدلالة على الحدث والزمان معًا؛ إذ الدالّ على الحَدَثِ وَحْدَه مصدرٌ، والدالّ على الزمان وحده اسم زمان. وهذه العوامل ليست بمعان ولا أسماء زمان، فبطل أن تكون دالّة على أحد المعنيين دون الآخر.
والثانى: أَنّ مُدّعِىَ ذلك معترف بأنّ الأصل في كل فعلٍ الدلالةُ على المعنييين، فإخراجه [لها] عن ذلك إخراج عن الأصل، فلا يقبل إلا بدليل.
والثالث: أنها لو كانت دلالتُها مخصوصةً بالزمان لجاز أن ينعقِدَ من بعضها ومن اسم معنى جملةٌ تامة، كما ينعقد منه ومن اسم زمان، وفي جواز ذلك وامتناع هذا دليل على بطلان دعواه.
والرابع: أن الأفعال كلّها إذا كانت على صيغة مختصّةٍ بزمان مُعَيّن، فلا يمتاز بعضها من بعض إلا بالحدث، كضرب وقعد، فإذا فُرِض زوالُ ما به الامتياز، وبقاءُ ما به التساوى، لزم أَلّا يكون بين الأفعال فرق، فلا يكون بين قولك: زيد غنيًا، وصار زيد غنيًا -فرقُ، والفرق حاصل، فبطل ما يوجبُ خلافه. وأيضًا لو كان كذلك لزم التناقضُ مَنْ قال: أصبح زيدٌ ظاعنًا وأمسى مقيما، لأنه على ذلك التقدير (بمنزلة): زيد قبل وقتنا ظاعن، (وإنما) يزول
التناقض بمراعاة دلالة الفعلين على الإصباح والإمساء، وذلك هو المطلوب.
والخامس: أن من جملتها انفكّ، فلو لم تدلّ إلا على زمان الخبر، لزم أن يكون معنى؛ ما انفك زيدٌ غنيا: ما زيدٌ غنيا في وقت من الأوقات الماضية، وذلك نقيض المراد، فوجب بطلان ما أفضى إليه.
والسادس: أنّ من جملتها دام، ومن شرط إعمالها عمَل كان كونُها صلة لما المصدرية، ومن لوازم ذلك صحة تقدير المصدر في موضعها، نحو: جُدْ ما دُمْتَ وَاجِدًا، أى: مدة دوامك واجدًا، فلو كانت دام مجردة عن الحدث لم يقم مقامها اسمُ الحدث.
والسابعُ: أنها لو لم/ يكن لها مصدر لم يدخل عليها أَنْ، لأنها وما وصلت به في تأويل المصدر. وأيضا قد جاء مصدر كان صريحًا نحو قوله:
بِبَدْلٍ وحِلْمْ سَادَ في قَوْمه الفتى
وَكَوْنُكَ إِيّانُ عَلَيْكَ يَسِيرُ
وحكى أبو زيد مصدر فَتئَ، وحكى غيره: ظَلِلْتُ أفعلُ كذا ظُلُولًا. وقالوا في كاد -وهى فعل ناقص ككان-: لا أفعلُ ذلك ولا كَيدًا، أى: ولا أَكادُ كيدا. هذا مع أنها أضعفُ من كان؛ إذا لا يُستعمل لها اسم
فاعل بخلاف كان، فاستعمال مصدر كان التى هى أقوى أَحْرَى.
والثامن: أنها لو كانت لمجرّد الزمان لم يُغْنِ عنها اسمُ الفاعِلِ، كما في الحديث:«إنّ هذا القرآن كائِنٌ لكم أجرًا، وكائنٌ عليكم وِزْرًا» . وحكى سيبويه عن العرب: هو كائنُ أَخِيك؛ لأن اسم الفاعل لا دلالة له على الزمان، وإنما يدل على الحدث، وما هو به قائم، أو ما هو عنه صادر، وقال الشاعر:
قَضَى اللهُ -يا أَسْمَاءُ- أَنْ لَسْتُ زَايلًا
أُحِبُّكِ حَتّى يُغْمِضَ الجَفْنَ مُغْمِضُ
والتاسع: أن دلالة الفعل على الحدثِ أقوى من دلالته على الزمان، لأن دلالته على الحدث لا تتعين بقرائن، ودلالته على الزمان تتعين بالقرآئن، فدلالته على الحدث أولى بالبقاء من دلالته على الزمان.
والعاشر: أن هذه الأفعال لو تجردت عن الحدث لم يُبْنَ منها أمرٌ؛ لأن الأمر لا يُبْنَى مما لا دلالة فيه على الحدث.
هذا ما استدلّ به المؤلّفُ. ثم ذكر [أن] كَونُ هذه الأفعالِ دالّةً على مصادرها هو الظاهر من قول سيبويه والمبرّد والسيرافىّ أجاز الجمع بين كان ومصدرها تأكيدًا. وقد استدل ابنُ خروف على ذلك بأنها مشتقّةٌ من المصادر،
وبقولك: أعجبني [كون] زيد قائمًا. وهو كثير الاستعمال، وبأنّ كائنا في نحو: زيدٌ كائنٌ أخاكَ لا يخصّ زمانًا، قال: فلو لم تدلّ على حدثٍ لم يَكُنْ لها معنًى، وإن أردت فيها تخصيص الزمانِ جئت بالظرف المختصّ.
واعلم أن هذه الأدلّة كلّها قابلةٌ للنظر، ومحتملة للبحث، وغالبها أو جميعُها لا ثيبتُ عند التحقيق الذى حقّقه الجمهورُ، وقد بَيّنتُ ذلك في غير هذا. ولولا أن القصدَ توجيهُ ما ذهب إليه في هذا النظم المُتَعرضُ لشرح مقاصده دون النظر في تحقيق المسائل على الإطلاق، لبينتُ ذلك، ولكنى التزمت الانتصار لمذاهبيه والترجيح لها على غيرها ما قدرتُ على ذلك. فإذا لم أجد في انتحاله للاصابة مذهبا صرحتُ بما هو الحقُّ عندى وعند أئمة هذا الشأن. فهذا هو القصد هنا، والله المستعان.
فإن قيل: كيف قال: «وذُو تَمامٍ مّا بِرَفْعٍ يَكتَفِى» . وهذا إنّما يصدقُ على ما كان منها غير متعدٍّ، وأمّا ما تعدّى منها إلى مفعولٍ به، فهو من جهة معناه غير مكتفٍ بالمرفوع دون أن ينصب ما يقتضيه من المفعول، كصار ضَمّ أو قَطّع، وكان بمعنى غَزَل، وشبه ذلك؟
فالجواب أن معنى الاكتفاء بالمرفوع أن يستقلّ به الكلام حتى يكون جملة من فعل وفاعل يصحّ السكوت عليها، ويستفيد بها المخاطب كضرب زيد، وأكرم عمرو، [و] عند النحويين أن الفعل إذا أخذ فاعله فقد تمّ الكلام لوجود المسند
والمسند إليه، وأما المفعول/ ففضله -لعدم الاحتياج إليه في الإسناد، فإنما جرى كلامه على معهود الاصطلاح.
ثم نَبّه على استُعمِلَ تامًا أيضا فقال:
…
... وَالنّقْصُ فِي
فَتِئَ لَيْسَ زَالَ دَائَمًا قُفِى
يعنى أن هذه الأفعال الثلاثة النقصُ لها لازمٌ دائم، لا يستعمل واحدٌ منها تامًا البتة؛ فأما فَتِئ وليس فما قاله فيهما صحيح. وأما زال فإنها على وجهين:
أحدهما: أن يكون مضارعها يزول أو يَزِيلُ، وهذا لم يتكلم فيه الناظم، فإنهما لا يستعملان على النقص، بل تقول: زال الشئ يَزِيله زيلًا: إذا مَيّزه منه وفَرّقه. ويقال: أزلتُه فلم يَنْزَلْ -على يَنْفَعِل-. فهذان على فَعَلَ بفعُلُ، وفَعَل يَفْعِلُ، لا يكونان ناقصين.
والثاني: الذى على فَعِل يَفْعَل، وهو الذى قصد ذكره، والذى لا يستعملُ عنده إلا ناقصًا.
فإن قيل: كيف زعم ذلك وقال: إن النقص فيها دائمًا تُفِى -أى: تُبِّعَ، يقال قفوت أثَرَه، أى: تبعتُه- فالمعنى أن السماع تُتِبّع فوجد كذلك، ونحن نجد الأمر بخلاف ما قال، ففي الحماسة من قولِ عبد الله بن ثعلبةً الحنَفِىّ:
لِكُلِّ أُنَاسٍ مَقْبَرٌ بِفِنَائِهِمْ
فَهُمْ يَنْقُصُونَ والقُبُورُ تَزِيدٌ
وَمَا إِن يَزَالُ رَسْمُ دَارٍ قَدَ اخْلَقَتْ
وَبَيتٌ لِمَيْتٍ بِالفِنَاءِ جَديدُ
فيزالُ -هنا- لا خَبَر له، والكلام قد تَمّ. وكذلك قولُ الآخر، أنشده المؤلف:
وَلَا يَزَالُ وَهْوَ أليَسُ
كأنّه قال: ولا يبرحُ في هذه الحال. فقد وُجِدت زال -التى على فَعِل يَفْعَلُ- تامةٌ لغوًا؟
فالجوابُ: أن هذا محتمل للنقصان على حذف الخبر، أما بيت الحماسة فإنّ ابن خروف حمله على أن الخبر محذوف دلّ عليه المجرور المتقدم، وأراد: وَمَا إنْ يزالُ بِها رسمُ دارٍ. وأعادَ الضميرَ على البلدةِ أو البقية. وأما البيت الآخر فقد تأوّله المؤلف على حذف الخبر كذلك، فانظر فيه في الشرح. وإذا كان ذلك يحتملُ النقصانَ لم يثبت التمامً إلا بأمرٍ بين وشاهدٍ ظاهرٍ، وإلا فالأصلُ الرجوعُ إلى ما ثبت وهو النقصان؛ فلذلك جَزَم الناظم بلزوم النقص وأكّده تنبيهًا على أنّ ما يُتوهّمُ فيه التمامُ ليس بمتعيّن له، وعلى أن ما أجازه الفارسىّ في «الحلبيّات» من وُقوعِ زال تامّةَ لا يثبتُ.
ولما عَيّنَ للاختصاص بالنقصان هذه الأفعال الثلاثة، دَلّ على أنّ ما عداها قد يأتى تامًا، وذلك صحيح.
فأما كان فتأتى بمعنى ثَبَت أو وُجِد أو وَقَع، أو نحو ذلك، ومنه ما أنشده سيبويه، من قول مَقّاس العائذى:
فِدًى لِبَنِى ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ ناقَتِى
إِذَا كَانَ يَوْمٌ ذُو كَواكبَ أَشْهَبُ
وأنشد ابن خروف:
كَانُوا وَكُنّا فما ندرى عَلَى وَهَمٍ
أَنَحْنُ فيها لَبِثْنَا أَمْ هُمُ عَجِلُوا
فالمعنى: أقاموا ودمنا، ولها معانٍ [أُخَر] غير هذا المعنى.
وأما ظَلّ فتكون تامة بمعنى: دام وطال، وهو فَعِل يَفْعَل كالناقص، تقول: ظَلِلْتُ، بالكسر.
وأمّا بات فتكون بمعنى: عَرّسَ، وهو النُّزولُ ليلًا، ومنه في أَحَدِ الاحتمالين قول ابن عُمَر رضي الله عنه: / «أما رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقد بات بمنًى وظلّ» . قال ابن خروف: يجوزُ فيهما
النقصانُ والتمام. وأنشد القالى:
بِحَاجَةِ مَحْزُونٍ يَظَلّ وَقَلْبُهُ
رَهِينٌ بِبَضّاتِ الحجالِ صَدِيقُ
وقال امرؤ القيس:
وَبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ
كَلَيْلَةِ [ذِى] العَائِرِ الأَرْمَدِ
وأما أضحى فتكون تامّةً بمعنى: دخل في الضحى، تقول: أقمتُ بالمكان حتى أضحيتُ ومنه قولُ عُمَر بن الخطاب -رضى الله عنه-: «أَضْحوا بصلاة الضحى» ، يعنى: لا تصلّوها إلى ارتفاع الضحى.
وأما أصبح فتكون بمعنى: دخل في الصباح، ومنه تقول: أقمتُ بالمكان حتى أصبحتُ.
وأما أمسى فتكون بمعنى دخل في المساء. والشاهد عليهما معًا قولُ الله -سبحانه-: {فَسُبْحانَ اللهِ حِيْنَ تُمْسُونَ وَحينَ تُصْبِحُونَ} .
وأمّا صار فتكون بمعنى برجع، تقول: صِرْتُ إلى كذا. ومنه في القرآن: {أَلَا إِلَى اللهِ تَصيرُ الأمُور} . وتكون بمعنى أمالَ، وبمعنى قطع. ومنه في
القرآن: {فَصِرْهُنّ إِلَيْكَ} ، فقد فُسِّرت قراءة الكسرةِ بالوجهين، وهى قراءة حمزة، أى: ضُمّهُنّ وأَمِلْهُنّ إليك. أو قَطِّعُهنّ، و (إِلَيْكَ) تتعلّق بـ (خُذْ). ومن الإمالة قولُ الشاعر:
وَفَرْع يَصِيرُ الجيد وَحْفٍ كأنه
عَلَى اللِّيت قِنْوانُ الكُرُومِ الدوالحُ
وأنشد قُطْرُب:
وَكُنْتُ -إِذَا لَمْ يصِرْني الهَوَى
وَلَا حُبُّها كَانَ مِنِّى- نَفُورَا
وعلى قراءة الضمّ لا مدخل لها في هذا المعنى المقصود من بيان التامّ، لأنها من صاره يصوره، فلا اشتراك بين هذا وصار الناقصة؛ لأن الناقصة من الياء، وهذا من الواو.
وأما بَرِح فتكون بمعنى: ذهب، نحو {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: لا أَبْرَحُ} .. الآية وتقول: ما برححْتُ من مكاني. وبمعنى: ظَهر، ومنه قولهم: بَرِحَ الخفاء.
وأما انفكّ فتكون بمعنى انفصل، نحو فَكَكْتُ الخاتم فانْفَكّ. وهو أحد
التأويلان في قول ذي الرمّة:
حَرَاجِيجُ، مَا تَنْفَكُّ إِلّا مُنَاخَةً
عَلَى الخَسْفِ، أَوْ نَرْمِى بِهَا بَلدًا قَفْرا
قال ابن خروف: لم تدخل «إِلّا» إلّا وقد نُوِى التمام.
وأّمّا دام فتكون بمعنى: بقِي، كقوله تعالى:{خَالِدِينَ فِيها مَا دامَتِ السّمواتُ والأرضُ} .
وقال امرؤ القيس:
وَمَا المرءُ -مَا دَامَتْ حشَاشَةُ نَفْسِهِ
بِمُدْرِكِ أَطْرافِ الخُطُوبِ وَلَا آل
وَلَا يَلِى العَامِلَ مَعْمُولُ الخَبَرْ
إِلّا إِذَا ظَرْفًا أَنى أَوْ حَرْف جَرْ
وَمُضْمَرَ الشّأْنِ اسْمًا انْوِ إِنْ وَقَعْ
مُوْهِمُ مَا استَبَانَ أَنّهُ امْتَنَع
هذه مسألة من مسائل التقديم والتأخير، وذلك تقديم معمول الخبر على الخبر، (وتقديم معمول الخبر على الخبر-) جائز - على الجملة- إذا كان متصرفا في نفسه، على الأصل في أن كل عامل متصرّف في نفسه يتصرّف في
معموله؛ فإذا كان الخبر عاملًا متصرفا تُصُوِّر في تقديم معموله عليه في باب كان صورٌ ثلاث: تقديمه على الخبر خاصة، وعلى المبتدأ والخبر -ومن كان- وعلى الجميع. ومقتفضى كلامه جوازُ ذلك كُلّه إلا تقديمه على الخَبرِ والمبتدأ دُون كان بحيثُ يكونُ واليًا لها؛ فإن ذلك غيرُ جائزٍ ما لم يكن ظرفًا أو مجرورا، وذلك قوله:«وَلَا يَلى العَامِلَ معمولُ الخَبَرْ» .. إلى آخره.
يعنى أنه لا يجوز تقديم معمول الخبر بحيث يصير واليًا للعامل -الذى [هو]: كان، أو واحدًا مما جرى مجراها- إلا إذا كان ذلك المعمول ظرفًا زمانيا أو مكانيا، أو حرف جرّ مع مجروره/، فإن ذلك جائز مثال ذلك: ما كان طعامَك زيدٌ آكلًا، فطعامَك معمول آكلًا، وقد ولى كان، وليس بظرفٍ ولا مجرور، فلا يجوز إذًا. وكذلك إذا قلت: كانت زيدًا الحُمّى تأخذُ، وكان أخاك زيدٌ مكرمًا. وما أشبه ذلك.
ومثله في المنع، إذا قدّمت الخبر على الاسم فقلت: كان طعامَك آكلًا زيدٌ، وما كان أخاك مكرمًا زيدٌ، لأن المعمول قد وَلِىَ كان. ووجه المنع ههنا هو ما نُقِل عن سيبويه -وهو رأى الزجاجىّ في التعليل- أنك أوليت كان ما ليس معمولًا لها. ونصُّ سيبويه في المسألة أنه لما أنشد قول حُمَيد الأرقط:
فَأَصْبَحُوا والنَّوَى عَالِى مُعَرّسِهِم
وَلَيْسَ كُلّ النّوَى تُلْقِي المَسَاكِينُ
قال: «ولا يجوز أن تحمل «المساكين» على ليس وقد قدّمت فجعلت الذى يعمل فيه الفعلُ الآخِرُ يلى الأول»، قال:«وهذا لا يحسن ولا يجوز، لو قلت: كانت زيدًا الحُمّى تأخذ، أو تأخذ الحُمّى، لم يجز وكان قبيحا» . وهذا معنى ما نقلوا، وهو الذى اعتمد الناظم.
فالحاصل: أن الناظم منع هنا مسألتين:
إحداهما: كان طعامَك زيدٌ آكلا. وهو مذهب الجمهور فيها، وقد نقل ابن أبي الربيع أَنّ ذلك لا خلاف فيه. وليس كما قال، بل ذكر السيرافي الخلاف، وأن بعض من يجيز المسألة احتجّ على الجواز بقول الشاعر:
فَنافِذُ هَدّاجُونَ حَوْلَ بُيُوِتِهِمْ
بِمَا كَانَ إيّاهُمْ عَطِيّةُ عَوْدا
ثم قال: ولا حجة فيه لأمرين: إمكانُ حَمْلِ كان على أن فيها ضمير الشأن -كما ذكر الناظم- وإمكانُ زيادةِ كان.
والثانية: كان طعامَك آكلًا زيدٌ. وهو ظاهر كلام سيبويه وتعليله. وقد عَلّل أبو على الفارسىُّ المسألة الأولى بأن المنع لأجل الفصل بين كان واسمها بأجنبى منهما.
وجرى على التعليل بهذا بعضٌ. وهو يقتضى جوازه هذه المسألة. والوجه ما رآه الناظم من المنع كالمسألة الأولى؛ إذ لا فرق بينهما في الحقيقة؛ قاله: فإن
قيل: فإن قيل: النيّةُ فيه التأخيرُ فكذلك هو في الوجه الآخر، قال: ولا تأثير بكونه قد وَلِىَ عاملَه قريبًا أو بعيدًا، وإذا كان أُولى غير عامله، ولم يرد به سماع.
ثم استثنى الظرف والمجرور من المنع فقال: «إلا إِذَا ظَرْفًا أَتَى أَوْ حَرْفَ جَرّ» . يعنى أنهم أجازوا تقديم معمول الخبر، وإن ولى كان، إذا كان ظرفًا. نحو: كان عندك زيدٌ مقيمًا، وكان مكانَكَ زيدٌ قاعدًا. أو حرف جر، نحو: كان في الدار زيدٌ قاعدًا، وكان إليك عَمْروٌ سائرًا. وما أشبه ذلك.
قال ابن أبي الربيع: ولا أعلم في جَوازِه خلافًا، ومنه في القرآن المجيد:{وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} .
وأنشد سيبويه:
لَتَقْرُبِنّ قَرَبًا جُلْذِيّا
مَا دَامَ فِيهنّ فَصِيلٌ حَيّا
ولَمّا تَقَرّر ما يمتنع في هذا التقديم دَلّ على أنّ ما عدا ذلك جائز، نحو قولك: كان زيدٌ طَعَامَك آكلا، وكان آكلًا طعامَك زيدٌ، وطعامَك كان آكلًا زيدٌ، وطعامَك كان زيدٌ آكلا. وما أشبه ذلك.
ولمّا كان في السماع ما يظهر منه جوازُ ما منع نبه على أن ذلك على
غير ظاهره، بل هو متأوّل فقال:«وَمُضْمَر الشّأْنِ/ اسْمًا انْوِ» .
مضمر: مفعول بأنو. واسمًا: حال من مضمر الشأن.
ويعنى أنه إِنْ وَقَع من كلام العرب ما يُوهِمُ جَوَازَ ما ذكرتُ امتناعَه، فليس بمخالف في الحقيقة، ما هو راجعٌ إلى ما يجوز، وذلك إذا أضمرت في كان ضمير الأَمْر والشأن. والذى نَبّه عليه قول الشاعر، أنشده السيرافىّ وغيره:
قَنَافِدُ هَدّاجُونَ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ
بِمَا كَانَ إِيّاهُمْ عَطِيّةُ عَوّدَا
فهذا مثل قولك: كان طعامَك زيدٌ آكلا، وكانت زيدًا الحُمّى تَأْخُذُ. وقد تقدّم منعُه، حملُه على أنّ في كن ضمير الشأن، أى: بما كان الأمر إيّاهم عطيّةُ عَوّدا. وإذا أمكن هذا التقديرُ صارتِ الجملةُ بعد كانَ على وجهٍ جائزٍ؛ لأنك تقولُ: أخاك زيدٌ ضارب، وأخاك زيدٌ ضَرَبَ إذا ثبت هذا فقد وقعت الجملةُ مستقلّةً، وهى مفسرةً ضمير الأمر والشأن، ولم يل معمولُ الخبر فيها العامل الذى كان، فلم يَبْقَ إشكالٌ. وإنما احتاج إلى هذا الاعتذار لأن الكوفيين أجازوا ما منعه من المسألتين بهذا البيت.
وقد تَقَدّم عن السيرافىّ اعتذارٌ ثانٍ، وهو الحملُ على زيادة كان. وأيضًا فهو من النوادر التى لا تكاد توجدُ إلا ضرورة، ولو كَثُر في السماعَ لأُجيِزَ، بل تقديمُ المجرور الذى هو جائزٌ عند الجميع قليلٌ لسماع حتّى إِنّ الفارسىّ قال: لم أعلم شيئًا من ذلك مرّ بي في كلامهم -يعنى- والله أعلم- مُتَعيِّنا للتقديم وإلا فقد أتى سيبويه بالآية والبيت المتقدمين،
لكنهما محتملان- قال: إلا أنِّي رأيتُ أبا الحسن في «المسائل الصغير» يجيز ذلك في مسائل له يفصل بينها بالظرف (المتعلق) بالخبر، قال:(وقد) وقفنا بعدُ على قول الشاعر:
فَلَا تَلْحَنِى فِيهَا؛ فَإِنّ بِحُبِّهَا
أَخَاكُ مصابُ القلب جَمّ بَلَابُلهْ
فالباء: من صلة الخبر؛ ألا ترى أن التقدير: مصابُ القلب بحبّها. ثم ذكر أَنّهم أجازوا ذلك لاتساعهم في الظروف والمجرورات؛ إذ قد يُفْضَل بها في موضعٍ لا يفصل بغيرها، كفصلهم بها بين المضافِ والمضاف إليه، وبين إن واسمها. ولم يستجيزوا ذلك في غيرها، فكذلك استجيز فيها هذا الضرب.
ذكر ذلك في «التذكرة» في مسألة: ما كان فيها أحدٌ خيرًا منك، من مسائل الكتاب.
فنبّه -كما ترى- على قلّة وجود مثل ذلك في السماع، حتى استشهد بمسألة «إِنّ» على مسألة «كان» ، من حيث كان الحكم فيها واحدًا إذ ما يجوز من ذلك في «كان» يجوز في «إنّ» وظننت وسائر النواسخ. وقد فَرّع سيبويه مسائل البابين -كان وإنّ- تفريعًا واحدًا، وقال ابن خَرُوف: لو قلت: رأى عمرًا زيدٌ رجلًا ضاربًا. تريد رأى زيدٌ رجلًا ضاربا عمرًا -لم يجز. وقال: إن هذا
لا يختصُّ بكان وأخواتها. ولعل الناظم رمز القاعدة هنا بقوله: «وَلَا يَلِىِ العَامِلَ مَعْمُولُ الخَبَرْ» ، ولم يقل: ولا يلى كان، أو ذا الفعل، أو نحو ذلك مما يعطى الاختصاصَ بكان وأخواتها، بل أتى بلفظ يَعُمُّ عوامل المبتدأ والخبر، تنبيها على اتحاد الحكم في الجميع.
فإن قلت: لو كان كذلك لم نبّه على المسألة في باب «ما» ، بل كان يكتفي بعموم المسألة هنا.
قيل: ولو لم يكن كذلك لنبه عليها/ في باب «إن» . فقد يظهر أن المساة هنا عامة، وإنما ذكرها في باب «ما» لحكم آخر ضروري يختصّ بـ «ما» حسب ما يُذكر في بابه، إن شاء الله.
واستبان الشئُ، وتبيّن، وأبانَ: كلها بمعنًى واحدٍ، وهو هنا غير متعدٍّ. وقد يستعملُ متعديًا فيقال: استَبنْتُ الشئَ، كما يقال: تَبَيّنْتُه، وأنبتُه. وكذلك: بَيّن الشئُ وبيّنْتهُ.
وَقَدْ تُزَادُ كَانَ فِى حَشْوٍ كَمَا
كَانَ أَصَحّ عِلْمَ مَنْ تَقَدّمَا
يعنى أن كان -من بين سائر أخواتها- تكون في الكلام زائدةً، لكن ذلك قليل، ولأجل ذلك أتى بقد المفيدة للتقليل. ومعنى زيادتها أن تكون دخولُها كخروجها بالنسبة إلى العمل لا بالنسبة إلى المعنى؛ فإنها إما تُزادُ لمعنًى وهو الدلالةُ على الزمان الماضى، كما هى في أصلها، وإنما الزيادةُ من حيثُ إِنها تجئُ غير عاملةٍ في معمول، فكأنها ملغاةٌ
أُتِي بها استدراكًا للدلالة على الزمان، كما يُؤْتَى بأفعال القلوب استدراكًا للدلالة على وَجْهِ حُصُولِ الخبر من العلم أو الظن. ويقع النظرُ هنا في ستّ مسائلَ:
إحدها: في تخصيصه كانَ من بين سائر أخواتها؛ إذ لم يذكر ذلك في غيرها، وذلك في مشهور الكلام صحيح؛ لأنّ كان أصلٌ لكلِّ فعلٍ وحدثٍ، وأصل في هذا الباب لسائر أفعاله، فتصرّفوا فيها لذلك ما لم يتصرّفوا في غيرها. فأما أصلٌ لكلّ فِعْلٍ وحدث فلأنه يصحُّ أن يُعَبّر بالكون عن كُلّ فعل، فتقول في ضرب وقام وخرج وذهب وأكل: ضربٌ، أو قيام، أو خروج، أو ذَهابٌ، أو أكلٌ. وكذلك ما أشبهه. وأما أنها أصلٌ في هذا الباب فلأن كلّ فعل فيه يصحّ تعويض «كان» منه، بخلاف سائر الأفعال، فإنها ليست كذلك -فتصرفوا في كان بالزيادةِ والحذف. وجملةُ ما تصرفوا به فيه: الزيادةُ -وهاهى ذى- والحذفُ جملة، وحذف لامها. وكلٌّ قد ذكره الناظم.
وقد أتى في النادر زيادةُ غيرها من أفعالِ هذا البابِ، وذلك: أصبح وأمسى، في قولهم: ما أصبح أَبْرَدَها! وما أمسى أدفأها! ثبت في الكتاب وليس من كلام سيبويه. وهو من الشاذّ، فلم يَعْبَأْ به.
والثانية: أنه خصّ «كان» دون «يكون» ، فدلّ ذلك على اختصاص الزيادة بها، وإلّا فكان يقول: وقد يزادُ فِعلُ الكون، أو ما يعطى هذا المعنى، وهذا صحيح. وسبب الاختصاص تعيينُ الزمان في «كان» دون المضارع. وشذّ زيادة المضارع كقول أم عقِيل بن أبي طالب، أنشده المؤلف:
أَنْتَ تَكُونَ مَاجِدٌ نَبِيلُ
إِذَا تَهُبُّ شَمْأَلٌ بَليِلُ
والثالثة: أنه خصّ كان بالزيادة فدلّ على أنها لا معمول لها، وإلّا فلو كان لها معمولٌ لم يكن الزائدٌ كان وحدها، بل الجملةَ كلّها. وهذا رأىُ جماعة، وإليه ذهب ابن السراج والشلوبين. وَوُجِّه في الشرقيّة هذا المعنى، وأن كان الزائدة لا تعمل شيئًا. ذكر ذلك في التعجب، ووجه ذلك أن فائدة الزيادة إنما هى الدلالة على الزمان، وذلك حاصل مع الاقتصار على الفعل، فلو لزمت زيادة مرفوعٍ لكان ذك لغير فائدة زائدة، مع أن السماع موافق لذلك.
فإن قيل: يلزمُ من ذلك تجرّدُ فِعْلٍ عن مرفوع، وذلك غير موجود/؛ وبأن ذلك قد جاء سماعًا، وأنشد الزجاجىُّ وغيره:
فَكَيْفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدارِ قَوْمٍ
وَجِيَرانٍ لَنَا كَانُوا كَرِامِ
وبهذين يحتج من يزعُم أن فيها ضميرا، كالسيرافيّ وابن خروفٍ، وطائفة.
فالجواب عن الأول أن كان المحكومً يزيادَتِها تُشبه الحرف الزائد،
فلا مبالاة بخلوها من الإسناد، كما أن «قَلّ» في: قلّما يقوم زيد، لما أشبهت ما النافية عَرِيَتْ عن الإسناد فلم تفتقر إليه، وكالفصل لما قُصِد به قَصْدَ الحروف لم يكن له موضع من الإعراب، وكان عاريًا من الإسناد إليه أو إسناده. وأيضًا فإنها قد زيدت بين الجارّ والمجرور، فلو نُوِى معها فاعلٌ لزم الفصلُ بين الجارّ والمجرور بجُملةٍ، وذلك معدومُ النظير، وإذا نُوِى الفصلُ بها وحدها كان فصلًا بكلمة واحدة، ولذلك نظائر، وما له نظير أولى بالالتزام مما لا نظير له.
وأما قوله: «كَانُوا كِرامِ» . فإنه نادرٌ، وأيضًا فقد تأوّله الناس على أحد وجهين: إِما على أَنّ كان ناقصة، والخبر: لنا. وهو رأىُ المبرد. وإِما على أنّ أَصل الضميرب توكيد للضمير في «لنا» ، والتقدير: وجيران لنا هم كرام، فلما زِيدَتْ كان كرهوا كون التوكيد بعدها بصورة الضمير المنفصل من غير داعية، فوصلُوه بها إصلاحًا للفظ.
وقد احتُّجوا بظننتُ وأخواتها فإنها زِيدتً مع فاعلها باتفاقٍ ولم يكن محذورًا. فكذلك هنا.
وللناظم أن يجيب بأنهم قالوه حيث تعيّن، إذ لا بدّ من القول به، ولم يتعيّن ذلك هنا، فلا ينبغي أن يقال به مع إمكان العدول عنه، فالقياسُ على باب ظننت غيرُ ناهضٍ مع وجود الفارق.
والرابعة: أَنّه عيّن للزيادة موضعًا واحدًا، وهو الحشوُ، فقال: وَقَدْ تُزَادُ في حَشْوْ، وَحَشُو الكلام: أثناؤُه ووسطُه، فهذا عنده من شرط الزيادة، فإذًا لا تزاد في أول الكلام ولا في آخره. أما أوله فإنه محل الاعتماد، وتقديمُ الشىّءِ
دليلٌ على الاعتناءِ به، وكان ملغاةة في الحكم فلا يصحُّ التقديمُ مع الزيادة، كما لم يصحّ إلغاء ظَنّ وأخواتها مع التقديم.
قال الفارسى في التذكرة: حكم ما تُلغيه أن توسطه ولا تبتدئُ به قياسًا على «هو» [الفصل]، ولا تبتدئ به، لأن الملغَى غير معتدٍّ به، وإذا كان غير معتدٍّ به، وكان القصدُ في باب الإفادة غيره، قبح أن تؤخر ما الاهتمام به أكثر، وتقدم ما الاهتمام به أقلُّ.
وقد خالف ابنُ الطّراوة في هذا، فأجاز إلغاء كان متقدمة. وهو غيرُ صحيح لما تقدّم ولأن السماعَ به معدومٌ.
وأما آخر الكلام فإنه معدومُ الاستعمال أيضا، ولأن الزيادةَ على خلافِ الأصل، فلا تستباحُ في غير مواضعها المعتادة. وقد خالف بعضُهم في هذا -ومنهم الشلوبين- فأجازُوا وقوع كان آخرًا قياسًا على الإلغاءِ في باب ظننت. ولا قياسَ مع مخالفة السماع؛ إذ لولا السماعُ لما قيل بالزيادة، فكيف نُلحِقُ ما لم يُسْمَعْ منها بما سُمِع.
والخامسة: أنه أشار إلى قلّة وجود الزيادة فيها لكن لما لا ينافي القياس؛ إذ قال: «وَقَدْ تُزَادُ» . وهذه العبارة (يطلقها) مريدًا بها القياسَ على قلّةٍ وضعفٍ، كما قال في الضمائر:
وَقَد يُبِيِحُ الْغَيبُ فِيهِ وَصْلًا
مع اختلافٍ مّا/. وقال في الابتداء:
…
... وَقَدْ
يَجُوزُ نَحُو فَائِزٌ أو لُو الرّشَدْ
ومواضع كثيرةٌ من هذا النوع.
ثم مَثّل بباب التعجب، وذلك قوله: «مَا كَانَ أَصَحّ عِلْم من تَقَدّم، إلا أن فعل التعجب مسلوب الدلالة على المعنىّ، فأتى بما يدلّ على ذلك. وبابُ التعجب أكثرُ ما تزاد فيها كان، وما سواه دونه، فلذلك مثّل به. وقد شذّت زيادتُها بين الجار والمجرور. ولم يَعْنِهِ الناظم، وذلك في قول الشاعر:
سَرَاةُ بَنِى أَبِى بكُرْ تَسَامَوا
عَلَى كَانَ المُسَوّمةِ العِرَابِ
وقد نبّه بمثاله على مراده من مواضع الزيادة، وجملة المواضع التى تزاد فيها موضعها، وهى المسألة السادسة:
أحدهما: بين مسند ومسند إليه، نحو قولك: زيدٌ كان قائمٌ، وهذا كان صاحبُك. وقد حُمِل على ذلك كان في قول الله تعالى:{قَالُوا: كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ في المَهْدِ صَبِيّا} . ومنه أيضًا باب التعجب، نحو: مَا كَانَ أَحْسَنَ زَيْدًا. وقد ذكر المؤلف من هذا قول العرب: «لم يُوجَدْ كانَ مِثْلُهُمْ» .
والثاني: بين صفة وموصوف، نحو مررتُ برجلٍ كان فاضلٍ. ومنه قوله:
فَكَيفَ إِذَا مَرَرْتُ بِدَارِ قَوْمٍ
وَجِيرانٍ لَنَا كَانُوا كرِامِ
ثم ذكر حَذْفها فقال:
وَيَحْذِفُونَهَا وَيُبْقُونَ الْخَبَرْ
وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كَثِيرًا ذَا اشْتَهَر
وَبَعْدَ أَنْ تَعِوْيضُ مَا عَنْهَا ارْتُكِبْ
كَمِثْلِ: أَمّا أَنْتَ بَرًا فاقْتَرِبْ
قوله: «وَيَحْذِفُونَها» : جملة معطوفة على ما بعد «قد» في قوله: «وَقَدْ تُزَادُ كَانَ» .
فتدخل معها تحت التقليل بقد؛ فإن حَذْفَها أيضًا قليل، لكنه قياسٌ. ولا يناقضُ إخبارهُ بالتقليل قوله:«وَبَعْدَ إِنْ وَلَو كَثِيرًا اذَا اشْتَهَرْ» ، لصحّةِ الجمع بينهما، فيكون المعنى: إن ذلك الحذف القليل اشتهر في هذين الموضعين.
ويحتمل أن تكون الجملة معطوفةً على الأخرى من غير إدخالٍ لها في حكم التقليل، فيكون المعنى: إِنّ العرب تفعلُ هذا بكان، ولا إشكال على هذا في كون الحذف قياسًا. لكنه قسّم الحذف قسمين: أحدهما: جائز غير لازم، والآخر لازم البتّةَ.
فأما الحذف الجائز فهو الذى أخبر به أولًا في قوله: «وَيَحْذِفُونَها وَيُبْقُونَ الخَبَرْ» ، يعنى أنّ العرب من شأنهم أن يحذفوا كان مع اسمها لا وحدها، ويبقون الخبر دَالًا عليها، كقولك: المرءُ مَجْزيُّ، إنْ خًيرًا فخيرٌ، وَإنْ شرًا فَشرٌ. والمرأ مقتولٌ بما قَتَل به، إِنْ سَيفًا فَسَيفٌ، وإِنْ خِنْجَرًا فَخِنْجرٌ». تقديره: إِنْ
كان عملُه خيرًا فجزاؤُه خيرٌ، وإن كان شرًا فجزاؤُه شَرٌّ. وكذلك: إِنْ كان ما قتَل به سيفًا فالمقتولُ به سيفٌ، وإِنْ كان خِنجرًا فهو خِنْجَرٌ. قال سيبويه:«وإن شئت أظهرت الفَعْلَ -يعنى كان- فقلت: إِنْ كان خنجرًا، وإِنْ كان شرًا فشرُّ» . ومثل ذلك: مررت برجل إن لا صالحًا فطالح. ومررت برجل إِنْ زيدًا وإِنْ عَمْرًا. ومن ذلك قولُ النابغة، أنشده سيبويه:
حَدِبَتْ عَلَىّ بُطُونُ ضِنّة كُلُّها
إِنْ ظَالِمًا فِيهمْ وَإِنْ مَظْلُوما
أىْ: إن كنتُ ظالمًا وإن كنت مظلوما. وأنشد أيضًا لليلى الأخيليّة:
لا تَقْرَبَنّ الدَّهْرَ آلَ مُطَرِّفٍ
إِنْ ظَالِمًا أَبَدًا وَإِنْ مَظْلُومَا
وأنشد قولَ ابن همّام:
وَأَحْضَرْتُ عُذْرِى، عَلَيْهِ الشُّهو
دُ، إِنْ عَاذِرًا لِى وإِنْ تَارِكَا
/ وَقَوْلَ النعمان بن المنذر:
قَدْ قيل ذَلِكَ، إِنْ حَقًا وَإِنْ كَذِبًا
فَمَا اعْتِذَارُكَ مِنْ قَوْلٍ إِذَا قيْلا
وقولُه: «وَبَعْدَ إِنْ وَلَوْ كثيرًا ذا اشتهَرْ» ، ذا: إشارة إلى الحذف المفهوم من قوله: «وَيَحْذِفُونَها» . يريد أنّ كثرة هذا الحذفِ إِنّما جاءت بعد إِنْ المكسوة الخفيفة -وهى الشرطية- ولو الشرطية أيضا. فأما بعد إِنْ فقد تقدم تمثيله، وأما بعد لو فنحو قولك: ألَا طعامَ ولو تمرا؟ قال سيبويه: «كأنّك قُلْتَ: ولو كان تمرًا» . وَأْتِنِى بِدَابّةٍ ولو حَمَارًا، وادفع الشرّ ولو إِصْبَعًا، وَأْتِنِى بِمَاءٍ ولو باردًا، وأَلَا ماءَ ولو باردا؟ وأنشد في شرح التسهيل:
لَا يَأْمَنِ الدّهْرَ ذُو بَغْىٍ وَلَوْ مَلَكًا
جُنُودُه ضَاق عَنْهَا السّهْلُ وَالجَبَلُ
وقول الآخر:
عَلِمْتُكَ مَنّانًا فَلَسْتُ بآمِلٍ
نَذَاكَ، وَلَوْ غَرْثَانَ ظَمْآنَ عَاريَا
ووجهُ كثرةِ إضمار كان بعد هذين الحرفين أنهما من الأدواتِ الطالبة للفعل، لأنهما شرطان فلا بُدّ لهما من إضمار الفعل؛ ففي النصب كان الناقصة، وهو الذى تَكَلّم عليه الناظمُ، لأنه قال:«وَيُبْقُونَ الخَبَرْ» ، وذاتُ الخبرِ هى الناقصةُ. وفي الرفع ما يصلح من كان التامّة أو غيرها، إذا قلت:
إِنْ صالحٌ فَصَالِحٌ، ولو باردٌ. وهذا لم يتكلم عليه.
وتحرز بقوله: «وَبَعْدَ إِنْ كَثيرًا ذَا اشْتَهَرْ» ، مما جاء منها محذوفًا بعد غيرهما، فإنه لم يشتهر بل وقع نادرا، وذلك بعد لَدُنْ فيما أنشد سيبويه من قوله:
مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإلى إِتْلائِها
نصب «شولًا» على إضمار كان، تقديره: من لَدُ كانت شولًا؛ فإن لدن تضاف إلى الجملة، ولا يجوز أن تضاف إلى مفرد ليس بزمان ولا مكان إذا اقترنت بها «إلى» ، تقول: جلستُ من لدُ صلاةِ العصر إلى وقت المغرب، وذرعت من لدُ مقعدِك إلى الأسطوانة. والشولُ: جمع الناقة الشائلة، فلا زمان ثَمّ ولا مكان، فلا بدّ من تقديره، أو تقدير ما يعطى معناه؛ إذ لا يقال: من لد زيد إلى دخول الدار. والذى يصح تقديره بينهما كان. وقدره سيبويه: من لدُ أَنْ كانت شولًا. وهو تقديرٌ معنوىٌّ لا إعرابىٌّ؛ لأن شولًا يصير على ذلك
التقدير من صلة أَنْ، والموصولُ لا يُحذَف ويبقى بعض الصلة نَصّ عليه سيبويه في باب الاستثناء في قوله:
…
إِلّا الفَرْقَدَانِ
وإنما التقدير: من لدُ كانت، أى: من لَدُ كونها شولًا؛ لأن الجملة تقدّر بالمصدر إذا أضيف إليها الظرفُ. هذا مأخذُ ابن خَرُوفٍ وابن الضائع وابن عصفور، وهو رأى الناظم.
وظاهِرُ السيرافىّ وجماعة أنه تقدير إعرابي، لأنه قدرها بأَنْ كما قدرها سيبويه:«من لَدُ أن كانت شولًا» ، أى: من لد كونها. قال: والمصادر تستعمل في معنى الأزمنة نحو: مقدم الحاج، وخلافَةَ المقتدر، وصلاة العصر. وهذا رأى الشلوبين وابنِ أبي غالب.
قال ابن مالك: وعندى أَنّ تقدير أَنْ مستغنى عنها، كما يستغنى عنها بعد مذ.
وهنا نظر، وذلك أنه قال:«وَيَحْذِفُونها» ، فأعاد الضمير على كان المتقدمة هى التى على صيغة الماضى، وأن المضارع
غير داخل في مراده، فكذلك يكون الحكم هنا مقيدًا بالماضى، لأنه على ذلك أحال، فاقتضى/ أن المضارع لا يدخل في هذا الحكم. لكنّ هذا الاقتضاء مشكلٌ؛ لأن المضارع أيضًا يقدّر هنا؛ ألا ترى أنّ ما كان فيه نفي لا يصحّ أن يقدّر فيه إلا المضارع، نحو: مررتُ برجلٍ إِلّا صالحًا فطالحٌ. وفي المثل: إِلّا حَظِيّةً فلا أليّةً، فالتقدير: إِلّا يكون صالحًا، وَإِلّا أكُنْ خطيّةً -ولا يستقيمُ تقدير الماضى، لأنك لو أظهرت الفعل على الوجه الآخر الجائز في المسأة لقلت: إلّا يكن صالحًا، وَإِلّا أكُنْ حظيّةً. ولا تقول: إِلّا كان صالحًا، وإلّا كنت حظيّةً. وكذلك ما أشبهه.
ولا يقال: إن تقدير المضارع قليلٌ، بل هو كثير، بل نقول: إن الماضى هنا واقع مع إِنْ موقع المضارع، فجائزٌ لك تقديرُه ابتداءً وإن لم يكن ثَمّ نَفْىٌ. فقولك: إن خيرًا فخير، يصحُّ فيه تقدير: إن يكن خيرًا فخير، كما يجوزُ لك إظهاره، ولا نزاع في ذلك.
ولا جواب لي عن ذلك إلا أن يكون لم يقصد تقييد كان المتقدمة بالمضىّ، فقوله:«وقد تزاد كان» ، يريد به الفعلَ من الكون على الجملة، ثم عطف على ذلك حذفها من غير تعيين أيضًا. وهذا كما يقال: كان كذا وكذا، والمراد الفِعْلَ من الكون لا خصوصها ويبقى تعيين المزيد ما هو؟ والمحذوف ما هو؟ محالًا به على السماع؛ لأنه ساق المسألتين مساق السماع فقال:«وقد تُزَادُ كَانَ» ، فالفاعل العرب، وقال:«وَيَحْذِفُونها» -يعنى العرب- فترك النظر في التعيين إلى الناظر، فهو الذى يأخذه من
السماع. وهذا جواب ضعيف لا يليق بابن مالك.
وقد تَمّ القسم الذى تضمر فيه كان ويجوز إظهارُها. وأما القسم الذى يمتنع فيه إظهار كان فهو الذى قال فيه: «وَبَعْدَ أَنْ تَعْوِيضُ مَا عَنْها ارتُكِبْ» . يعنى أنهم حذفوا أيضا كان بعد أن المفتوحة وَعَوَّضوا منها ما، فصارت أَنْ أَمّا، وحكم المعوض أن لا يجمع مع المعوض منه. فيريد أَنّ كان مع ما لا يجوز إظهارها. وما قاله هو نصّ سيبويه، قال:«فإنما هى أَنْ ضُمّتْ إليها ما، وهى ما التوكيد» . قال: «ولزمت كراهية أَن يُجْحِفُوا بها، ولتكون عوضًا من ذَهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف في الزّنادقة واليماني عوضًا من الياء» . يعنى الياء في زناديق، وياء النسب في يَمَنى، فالياء لا تظهر مع الهاء في زنادقة، ولا مع الألف في يمانِ، فكذلك الفعل مع وجود ما، فإذا لم تأت بما ظهر الفعل فتقول: لأَن كنت منطلقا انطلقت معك. وهذا مذهب الجمهور.
وذهب المبرد إلى جواز إظهار الفعل مع ما، وكأنه جعل ما زائدةً كزيادتها في نحو:{فَبِما نَقْضِهِمْ} ، قالوا: ولا دليل له على ما زعم، لأنّها -وإن كانت زائدةً- قد لزمت عَوِضًا ولم تستعمل إلا على ذلك، فلا سبيل إى تسويغ ما لم تسوّغه العرب.
وإنما حَسُنِ حذف الفعل/ هنا لأن أَنْ هذه لا يقع بعدها الاسمُ
مبتدًأ، فكَانَ بمنزلة فعلٍ محذوفٍ لحضور ما يدلُّ عليه.
[وَمَثّل ذلك بقوله: (أَمّا أَنْتَ بَرّا فَاقْترِبْ) فالتقدير: لأَن كُنتَ بَرّا اقترب، أى: لأجل هذا المعنى الذي كان منك في الماضي أطلب منك القرب مني. فأَنْ على أصلها من المصدرية، وإذا وَلِى أَنْ الماضي فهو ماضٍ ليس إلا. وقد شَبّهها سيبويه بِإذ لاشتراكهما في المعنى. ودخلت الفاء في قوله: فاقْترِب، لأن الثاني مستَحقٌّ بالأول، فهو مسبب عنه، والأول سبب فيه، فأشبه الشرط والجزاء.
ومثل ذلك: أما أنت منطلقا انلطقتُ معك، وأما زيدٌ ذاهبًا ذهبتُ معه. وأنشد سيبويه لعباس بن مرداس:
أَبَا خُرَاشَةَ، أَمّا أَنْتَ ذَا نَفَرٍ
فَإنّ قَوْمِىَ لَمْ تَأْكُلْهُمُ الضّبُعُ
أى: لأجل أن كنت ذا نفر.
فالمعنى في الجميع على المعنى، وهو تفسير البصريين. وذهب الكوفيون إلى أَنّ أنْ هنا جزائية، بمعنى إِنْ، ولذلك دخلت الفاء، والمعنى: إن كنت منطلقا انطلقت معك، وعليه قراءة غير حمزة:{أَنْ تَضِلّ إِحْدَاهُما فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} . وقرأ حمزة: {إِنْ تَضِلّ إِحْدَاهُما
فَتُذَكِّرُ}. والمعنى عندهم في القراءتين سواء. وليس للناظم هنا إشارةٌ إلى هذا الخلافِ، ولا تَعَرُّضُ لمعنى المسألة، لكن قد يُعلم أن مذهبه مذهب البصريين من باب الجزاء، حيث لم يعدّ أَنْ من أدوات الجزاء. والترجيح بين المذهبين لا يليق بهذا الموضع، ويكفي من ذلك عدم (ثبوت) كون أَنِ المفتوحة تقع بمعنى إِنِ المكسورة.
ثم اعلم أنّ الناظم هنا لم يُحَرِّر عبارته في المحذوف ما هو؟ فإنه قد ذكر أنّ المحذوفَ مع إِنْ ولو كان واسمُها، لا كان وحدها، ثم عقّب ذلك بأنّ ما تأتى عوضًا من كان مع أَنْ، ولم يشعر بأنّ الاسم ثابت، فيُوهم أنه يُحْذَفُ أَيضًا معها. وذلك غير صحيح، بل «أنت» في قوله:«أَمّا أَنْتَ بَرّا» وهو اسمُ كان، وبَرّا وخبرها. وعلى هذا يجرى حكم سائر المُثُل، وإذا كان كذلك ثبت أن عبارته مُوهِمة.
وقد يُعتَذَرُ عنه بأنه لما ذكر هنا التّعويض مخصوصًا بكان وحدها، وذلك قوله:«وَبَعْدَ أَنْ تَعوِيضُ ما عَنْها ارتُكِبْ» ، فضمير عنها عائدٌ إلى كان وحدها -أشعر بأن المحذوف كان وحدها، إذ لا يحذف شيئان فيعوضَ من أحدهما دون الآخر. ولم نَجِدْ ذلك مقولًا ولا منبّهًا عليه هنا إلا في كان دون اسمها، وإذا كان كذلك لم يبق إلا أن يعتقد اختصاصُ كان بالحذف دون اسمها وخبرها. والله أعلم.
والبَرُّ: ضد الفاجر؛ يقال: رجلٌ بَرٌّ وبارٌّ. وقد تقدّم.
والاقتراب والقرب، بمعنًى.
(ثم قال):
وَمِنْ مُضارِعٍ لكَانَ مُنْجَزِمْ
تُحْذَفُ نُونٌ وَهْو حَذْفٌ مَا اُلْتُزِمْ
من مضارع: متعلق بتُحَذفُ. ولكان: في موضع الصفة لمضارع. ومنجزم: مجرور أيضا صفة لمضارع. يعنى أَنّ يكونُ -مضارع كان- إِذا كان منجزمًا حُذِفَت نونُه، فتقول في لم يكنْ: لم يَكُ. وفي لا تكنْ/: لا تَكُ. ومنه في القرآن: {وَلَاتَكُ في ضَيْقِ ممّا يَمْكُرُونَ} ، {قَالُوا: لَمْ تَكُ مِنَ المُصَلِّينَ. وَلَمْ نَكُ نُطُعِمُ المِسْكينَ}، {وَلَمْ يَكُ مِن المُشْرِكين} ، {إِنّها إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبّةٍ} . وهو كثير.
وهذا الحذف جائزٌ لا لازم، فلذلك قيّده بقوله:«وَهْوَ حَذْفٌ ما التُزِم» ، أى: إن هذا الحذف جائزٌ إِنْ شئتَ حذفت، وإن شئتَ أتيتَ بالفعل على أصله فقلت: لم يكن، ولَا تكُنْ، وإن يَكُنْ كذا يكُنْ كذا.
ووجهُ هذا الحذف أنها لما كثر استعمالهُم لها؛ إذ هى أصلٌ لكلّ فعل وحدث، وجرت في كلامهم، وكانت النون تشبه حرف اللين إذا كانت ساكنة، لأنها غُنّة في الخيشوم، عاملوها معاملة حرف اللين، فحذفوها مع الجازم تشبيها لها به. فالعلّة أمران: كثيرةُ الاستعمال، والتشبيه بحرف
اللين؛ ولذلك لم تحذف نون: لم يَضُن، ولم يَهُنْ، ولم يَبِينْ؛ لأنها لم يكثر استعمالها كثرة استعمال لم يكن. وكأن المؤلف لم يعتمد إلا على كثرة الاستعمال، فبنى عليه التعليل بالاستثقال ولم يراع الشبه بحرف اللين لأجر السماع في زعمه.
وأطلق القول في حذف هذه النون، ولم يقيّد ذلك بشئ، فدلّ على أن الحذف عنده مطلقٌ، كان بعدها ساكن أولا، فكما تقول: لم يك زيد قائما، كذلك تقول: لم يكُ الرجل قائما. وهذا مذهب يونس، وبموافقته صرّح في التسهيل وشرحه. وأما سيبويه فاستثنى من ذلك ما إذا لقي النونَ ساكنٌ فَثبتُ عنده النُون فيه فتقول: لم يكنِ الرجلُ قائما. ولا يجيز الحذفَ، لأن الوجهَ الذى لأجله جازَ الحذفُ عنده لم يتم؛ إلا ترى أنّ السكون قد زال من النونِ لأجل الساكن، فضعُف شبهُ النون بحرف اللين، حيث قَويت النونُ بالحركة، فلم يَجُزِ حذفها. واحتج ابن مالك لما ذهب إليه بأن النونَ لم ُيحذف لما ذكر من شبهها بحرف اللين على الإطلاق؛ بل لأجل التخفيف، وثِقلُ اللفظ بثبوتها قبل ساكن أشدُّ من ثقله بثبوتها دون ذلك، فالحذف حينئذ أولى. ولا يقال: إن السماع مع سيبويه؛ ألا ترى كيف جاءت النونُ فيه محذوفةً دون الساكن، وثابتةً البتةَ مع لقائه، فجاء:{وَلَاتَكُ في ضَيقٍ} {وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المسْكينَ} . وجاء {لَمْ يَكُنِ اللهُ ليَغْفِرَ لَهُمْ} ، {لَمْ يَكُنِ الّذِينَ كَفُروا} ، ولم يأت فيه الحدفُ مع الساكن أصلًا، فدلّ
على أنّ ذلك لقوة النونَ بالحركةِ وضَعْفِ شبهها بحرف اللين -لأنّا نقول:
الثبوت دون ساكن ومع ساكن أكثر من الحذف على الجملة، فلدلك جاء القرآنُ بالثبوت مع الساكن. وقد استعملت العربُ الحذف معه كثيرًا، ثم أنشد ما أنشده أبوَ زْيدٍ لحُسَيلِ بن عُرْفُطَةَ، وقال أبو حاتم: حُسَينُ بن عُرْفُطَة:
لم يكُ الحقُّ على أن هَاجَهُ
رسمُ دارٍ قد تَعَفّى بالشِّررْ
وقال الخِنْجَرُ بن صَخر الأسدى:
فَإن لا تكُ المرآةُ أبدت وسامةً
فقد أبدت المرآة جبهة ضيغم
وأنشد/ أيضًا بيتا آخر صدره:
إذا لم تكُ الحاجاتُ من هِمّة الفتى
قال: ولا ضرورة في هذه الأبيات لإمكان أن يقال في الأول: «لم يكن حقٌّ سوى أن هاجه» . وفي الثاني: «فإن تكن المرآة أخفت وَسَامَةً» . وفي الثالث: «إذا لم يكن من همة المرء ما نوى» .
هذا ما احتج به. أما التعليل بالستثقال فكان ينهض لو ساعده السماع، وأمّا ما أتى به من الشواهد فالاحتجاج بها مبنى على أن من شرط الحكم بالضرورة أنها ضرورة أَنْ لا يمكن في الموضع خلافها. وهى قاعدة واهية وقد تقدّم ما فيها.
(ثم قال):