المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌«ما» و «لا» و «إن» المشبهات بليس - شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: ‌«ما» و «لا» و «إن» المشبهات بليس

«مَا» و «لَا» و «إِنْ» المشَبَّهاتُ بِليسَ

هذا هو النوع الثاني من نواسخ الابتداءِ، وهو ما عمل في المبتدأ والخبر عمل ليس بالشبه (بها)، وذلك ثلاثة أخرى من حروف النفي [هى]: ما ولا وإنٍ. ونبّه في الترجمة على علّة عملها، وهو الشّبَه بِليس، إشارةٌ إلى أن عملها ليس بحق الأصالة لفِقْدان شرطه، وذلك أنه ثبت في الأصول أن الطلبَ الاختصاصِىّ أصل العمل، فكلُّ شئٍ طلب شيئًا طلبًا غير اختصاصىّ، فلا عمل له فيه، كحروف الاستفهام، لأنها يقع بعدها الاسم والفعل فلا تختص بأحدهما دون الآخر. فإن طَلَبه طلبا اختصاصيًا فحينئذٍ يصح له العمل فيه، لكن بشروط معتبرة لا بدّ منها. وهذه الحروف قد فُقِد منها أصل العملِ، وهو الطلب الاختصاصي؛ إذ كانت تدخلُ على الاسم والفعل، فتقول: ما قام زيد، ولا يقومُ زيدٌ، وإِنْ يقومُ زيدٌ؛ وفي القرآن:{إِنْ يقولُونَ إِلّا كَذِبًا} ، وكذلك تقولُ: ما زيد قائم ولا زيد قائم ولا عمرو، وإن زيدٌ إلا قائم، وفي القرآن:{إِنْ أَنْتُمْ إِلّا تَكْذِبُونَ} ، {إِنْ أَنْتُمْ إِلّا فِي ضَلَالٍ مُبِيِنٍ} ؛ فكان الأصل أَن لا تعملَ كما لم تعملْ حروفُ الاستفهام ولامُ الابتداء وحروفُ العطف، وما أشبه ذلك. فأما بنو

ص: 215

تميم من العرب فَراعَوا هذا الأصلَ فلم يُعملوا هذه الحروفَ، فيقولون: ما زيدٌ قائم، وإن زيدٌ قائم، ولا رجلٌ قائم وما أشبه ذلك؛ قال سيبويه:«وهو القياس» . وأما أهل الحجاز فأعملوا ما -وإن كنت غير مختصّة- مراعاةً للشبه بما هو مختصّ، وذلك ليس، ما أشبهَها من ثلاثة أوجه:

أحدهما: إن كلّ واحدة منهما أداةُ نفي.

والثاني: أن النفي بهما محمول على الحال ما لم يقترن بالكلام ما يخرجهما عن ذلك؛ فإذا قلت: ما زيدٌ قائما، أو ليس زيدٌ قائمًا -فهما محمولان على النفي في الحال حتى تقول: أمسِ، أو غدًا، أو نحو ذلك.

والثالث: دخولُهما على المبتدأ والخبر.

فلما حَصَل لما الشبهُ المذكورُ أَثّر الإعمال؛ فإن للشبه تأثيرًا؛ ألا ترى أن الاسم يُمتنع الجرّ والتنوينَ لشبهه بالفعل الذى لا يدخله جَرٌّ ولا تنوين. وَيَعْمَل عَمَل الفعل لشبهه به، ويُبْنى كما يبنى الحرف، ولا أصلَ للاسم في شئٍ من ذلك. فكذلك عملت ما حملًا على ليس للشبه المذكور، ثم أُلْحِق بما: لا، وَإِنْ، لوجود الشبه بينهما وبين ليس في كونها أدواتٍ للنفي/، لكن لما لم يتمكّن الشبه فيهما تَمكّنا تامًا. كان إعمالهما قليلًا؛ ألا ترى أن «لا» لا تنفى الحال عند سيبويه والجمهور، وكذلك إِنْ عند الفارسىّ في التذكرة -وإن كان فيه نظر فقد قيل ذلك- والّا ظهر أَنّ إِنْ كما، لأنها تقع موقعها، كقوله الله تعالى:{إِنْ يَقُولُون إِلّا كَذِبًا} ، {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلّا إِنَاثًا} . وما أشبه ذلك. وقد زعم المؤلف أَنّ لا تنفي

ص: 216

الحال، واستشهد بآياتٍ، كقوله:{وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ؟ } ، {وَمَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ للهِ وَقَارًا؟ } . وذلك كثير. فعلى هذا تُلْحَق لا وإِنْ بما في الشبه المذكور على مذهب ابن مالك.

وأوسعُ هذه الحروف عملًا ما، فلذلك قَدّمَ الكلام فيها، ولأنّ ما يشترطُ في ما يُشتَرَط في غيرها وتزيد الأخُرُ شروطا، فكأنّ ما هى أُمُّ هذا الباب، فذكرها أولا فقال:

إِعْمالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ

مَعَ بَقَا النّفْى وَتَرتِيبٍ زُكِنْ

إعمالَ: منصوب على المصدرية بأُملت، وهو مصدرٌ مُشبّه به، كأنه قال: أُعمِلت ما إعمالًا مثل إعمال ليس. وهذا في لُغةِ الحجازيّين كما تقدّم، وظاهر كلام الناظم أن الإعمال فيها لجميع العرب لقوله:«أعَمِلتْ ما» ، فكانّ من حقّه تبيينُ أَنّ ذلك لغة قوم، أو أنّ ذلك على الجواز لا على اللزوم؛ فإنّه المستقر من جَمْعِ اللغتين. لكنه لم يفعل ذلك، فصارت عبارته موهمة لشئ لا يصحّ.

وقد يعتذر عنه بأن هذه اللغة لما كانت هى التى نزل بها القرآن فهى أشهر -وإن كانت الأخرى أقيس- اقتصر على ذكرها، ولم ينبّه على سواها. والحقّ أنه ترك التحرّز من الإيهام.

ولما كان قد تقدّم أن ليس تعملُ الرفع والنصب، فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، وأحال عليها بعمَل ما، كان كالتصريح بأنّ ما ترفع المبتدأ اسمًا لها،

ص: 217

وتنصب الخبر خبرًا لها. وهذا مذهب أهل البصرة. وذهب الكوفيون إلى أنها إنما تعمل في المبتدأ خاصّةً الرفع، وأما نصب الخبر فعلى إسقاط الخافض. والأصحُّ ما ذَهَبَ إليه الناظم والبصريون، لأن الشبه الحاصل بين ما وليس إذا كان متَمكِّنا فلا مانع من إعطائه حقّه من الإعمال، كما أنّ كان وأخواتِها لما أشبهت الفعل المتعدّىّ أُعطِيت عمله كلّه بحقِّ ذلك الشبه. وكذلك اسم الفاعل لم يُنْتَقص من عَمَلِ فعله الذى أشبهه شيئًا، بل عَمَلَه تاما، إعمالًا للشبه الحاصل بينهما.

فإن قيل: فالقاعدة أن المشَبّه لا يقوى قوة ما شُبّه به، فلو أعطى العمَل تامًا لم يكن بين الأصل المشبّه به، والفرع المشبّه، فرقٌ. لكنهم يُفرِّقون بينهما، فيكون للأصل من القوة في العمل ما لا يكون للفرع، فأين ذلك هنا؟

فالجواب: أن تفاوت ما بينهما ظاهر؛ ألا ترى أن «ما» لا تعمل إلا بشروط ثلاثة، بخلاف ليس، فإنها تعمل دون شرط منها، فالأصل أقوى تصرّفًا من الفرع إذًا. وأيضًا لو كان عَمَلُ «ما» الرفع خاصة لم يتقرّر للشّبه تأثير، ولا كان عليه دليل؛ إذ ليست دعوى أن الشبه إنّما أَثّر في عمل الرفع خاصّة بأولى من دعوى أن «ما» لم تعمل البتة، أو عملت الرفع لا لأجل الشبه؛ إذ لا مناسبة في ذلك، وإذ ذاك يلزم خلاف الإجماع.

فإن قيل: الدليلُ على أن النّصب على إسقاط الجارّ أَنّ مِنْ شأنه أن يُوجِب النصبَ كالظروف والمجرورات، فإن أصل قولك: قعد زيدٌ أمامك: قعد في أمامِك. وتقول: مررتُ بزيد، فإن حذفت الجارّ نصبت. ومن ذلك كثير، فكذلك هذا. وأيضا مما يدل على ذلك هنا أَنّ النصب لا يكون إِلّا حيثُ يصحّ دخولُ

ص: 218

الباء، فتقول: ما زيد قائمًا، لجواز ما زيد بقائم، ولا يجوزك ما قائما زيد، ولا ما زيدٌ إلا قائما؛ إذ لا يجوز: ما بقائمٍ زيد، وما زيد إلا بقائم.

فالجواب: أن إسقاط الجارّ ليس من شأنه ذلك، بدليل وجود الرفع عند إسقاطه، كقولك: بحسبك زيدٌ، وحسبُك زيد، وما في الدار من رجلٍ، وما في الدار رجلٌ. وكثير من ذلك؛ فإنما النصب والرفع عند إسقاطه لمقتضٍ آخر لا لنفس الإسقاط. وهذا الموضع لو لم تكن «ما» فيه عاملة في الخبر، لكان النصبُ لغير مقتضٍ، وهذا لا نظير له. وبعضُ هذا المعنى للفارسى في التذكرة، وبعضه لابن الأنباري.

وأمّا كونُ النصب حيث تدخل الباء، وعدمه حيث لا تدخلُ، فمنتقَضٌ بما التى دخلت إِنْ؛ فإنك تقول: ما إن زيد بقائم، ولا مانعَ من هذا، ولا تقول: ما إن زيدٌ قائمًا، فلا حُجُةً فيما زعموا. وأيضا فإن النصب مختصٌّ بلغة أهل الحجاز كما تقدم، والباءُ في الخبر لا تختصّ بهم دون بني تميم، فلو كان إسقاط الخافض يوجب النصب لكان موجودًا في اللغتين، لكن ذلك باطل بالإجماع، فبطل ما أدّى إليه. وسيأتى ذكرُ دخولِ الباء في الخبر، إِن شاء الله.

ثم أخذ في ذكر شروط إعمالِ ما عَمَل بقوله: «دُونَ إِنْ مَعَ بَقَا النّفْي» .. إلى آخره،

فاشترط ثلاثة شروط:

أحدها: أن لا يكون معها إِنْ، وذلك قوله:«دُونَ إِنْ» . وهو ظرف متعلق بأُعْمِلَتْ أى: أُعْمِلت ما إذا كانت منفردة عن «إِنْ» ، فلو كان معها إِنْ لم تعمل،

ص: 219

نحو ما أنشدوا من قول الشاعر:

فَمَا إِنْ طِبُّنا جُبْنٌ، وَلَكِنْ

مَنَايَانَا وَدَوْلةُ آخَرِينَا

وقول الآخر، أنشده ابن السِّكِّيت:

بَني غُدَانَةَ مَا إِن أَنْتُمُ ذَهَبٌ

وَلَا صَرِيفٌ، ولكنْ أَنْتَمُ خَزَف

ولا أتقلّد أن قائلي البيتين من عرب الحجاز. على أنّ بعضهم قد استشهد بالأول على المسألة، وإنما بطل العمل لأنّ «إنْ» كافةٌ لها عن العمل، كما وقعت «ما» كافة نحو: إنما زيدٌ قائمٌ. ولا يصح أن يقال: إِنّها نافية، إذ لو كانت كذلك لكان الكلام بها إيجابا، لأن نفي النفي إيجاب. ووجّه المؤلفُ بطلان العمل معها بأن دخولها أبطل شبه «ما» بليس، لأن ليس لا تدخل معها إِنْ، فإذا دخلت مع ما نَقَصَ الشبهُ، لتبايُنِهما في الاستعمال، كاسم الفاعل إذا كانت بمعنى الماضى لا يعمل لنَقْضِ شبهه بالمضارع. وهذا ظاهر.

والشرطُ الثاني: أن يكون النفيُ باقيا لم يُصْرَفْ إلى الإيجاب، وذلك قوله: «مَعَ النفى، يريد: بقاءه على الخبر الذى هو تمٌّ فائدة الكلام، فلو بطل

ص: 220

النفي لبطل العمل؛ فإذا قلت: ما زيد إلا قائم، رفعتَ لأنّ «ما» إنما اشبهت ليس في حصول النفي بها، فإذا زال النفي زال أصل الشبه، فرجعت ما إلى أصلها من عدم العمل. هذا معنى تعليل سيبويه، ومنه في القرآن:{وَمَا مُحمدٌ إِلا رَسُولٌ} ، {وما أَنتُمْ إِلّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} .

قال المؤلف: ورُوى عن يونس -من غير طريق سيبويه- إعمالُ ما في الموجب بإلّا، واستشَهَد على ذلك بعض النحويّين بقول الشاعر.

وَمَا الدّهرُ إِلّا مَنْجَنُونًا بِأَهْلِهِ

وَمَا صَاحِبْ الحَاجَاتِ إِلّا مُعَذّبَا

وهذا شاذّ يحفظ ولا يقاس عليه.

وخالف بعضُ الكوفيين هذا الشرط في مسألةٍ، فأجاز: ما ما زيدٌ قائما، بإدخال ما على ما.

قال الفارسىّ: وهذا ينبغي أن لا يجوزَ، لأن النفي قد انتقض وهو أعظم السببين -يعنى في إعمالها- قال: وكما لا يجوز ذلك مع إِلّا كذلك لا يجوز في ما.

فإن قال: أَدْخَلْتُ الأولى على كلام قد عمل بعضُه في بعض، فلم أُغَيّر. قيل له: فإنك أيضا قد أَدْخَلْتَ إلّا على ذلك، فأجره مُجرى ليس، فكما لا يجوز

ص: 221

هذا في إلّا لنقص النفي كذلك لا يجوز في ما إِذا أُدخلت على ما. انتهى

ويلزمُ على قول من قال: إِنّ إِنْ في نحو: ما إن زيدٌ قائمٌ، للنفي، أن يكون إبطالُ العمل لإبطال النفي، لأن نفي النفي إيجاب. ولكنه لا يقول ذلك، بل هما معًا أداتان تنفيان ما بعدهما. وإنما هو إلزام لهم.

والشرط الثالث: بقاءُ الترتيب الأصلىّ المعلوم، وذلك قوله:«وَتَرتْبٍ زُكِنْ» . وهو جرٌّ بالعطف على نَفْي، كأنه قال: مع بقاءِ النفي ومع بقاء الترتيب تَحَرُّزًا من زواله، وذلك أن الترتيب المعلوم في ذلك تقديم اسم ما على خبرها، وخبرها على معموله، نحو: ما زيدٌ ضاربًا عمرًا. فإذا اختلّ هذا الترتيب بطل العمل، قولك: ما قائم زيدٌ، بتقديم الخبر على الاسم. وما جاء بخلاف ذلك فقليل.

حكى الفارسىّ عن الجَرْمِىِّ أن ناسًا قد رَووا عن العرب نصب خبر ما مقدّمًا، نحو: ما منطلقًا زيدٌ. قال: وليس ذلك بكثير، والأجودُ الرفع. وأنشد سيبويه للفرزدق

فَأَصبحُوا قَدد أعادَ الله نِعْمَتُهم

إِذْ هُمْ قُرَيشٌ وَإِذْ ما مِثلَهُم بَشَرُ

وقال سيبويه: «وهذا لا يكاد يعرف» .

واستدل الفارسىّ في التذكرة على جواز نَصْبِ الخبر مقدمًا، بدخول الباء عليه مقدمًا، في قول الشاعر:

ص: 222

أَمَا واللهِ عالِمِ كُلِّ غَيْبٍ

وَرَبِّ الحِجْرِ وَالبَيْتِ العَتِيقِ

لَو انّكَ -يا حُسَيُن- خُلقَت حرًا

وَمَا بالحرِّ أَنْتَ وَلَا الخَلِيقِ

وهذا منه بناءٌ على أن الباءَ إنما تدخلُ في خبر الحجازيّة لا التميميّة. ولم يُوَافَق على ذلك وسُيَبيّن بُعَيد هذا بحول الله.

وكذلك إذا عُدِم الترتيب بسبب تقديم معمول الخبر، فإن العمل يبطلُ، فلا تقول: ما زيدًا أنا ضاربا، وما طعامَك زيدٌ آكلا. ومن إبطال العمل قولُ مَزاحم العقيلى، وأنشده سيبويه:

وَقَالُوا: تَعرّفْها المنازِلَ مِنْ منًى

وما كُلّ مَن وافي منًى أنا عارِفُ

على رواية نصب «كلّ» . وأما من روى رَفْع كلّ فهو على الحجازيّة، والجملة في موضع نصب على خبر ما. قاله في الكتاب.

هذا إذا كان المعمول غير ظرف ولا مجرور، فإن كان ظرفًا أو مجرورًا فله حكمٌ يذكره.

وسببُ إبطالِ عملها عند فَقْدِ هذا الشرط أَنّ تقديم الخبر على الاسم تصرف في المعمول، ولم يبلغ من قُوّة ما أن تتصرّف في المعمول، ولم يبلغ من قُوّة ما أَن تتصرّف في معمولها. وأما إبطال عملها عند تقديم معمول الخبر فراجع إلى القاعدة المتقدّمة في قوله:«وَلَا يَلى العَامِلَ معمولُ الخَبَرْ» ؛ فإن ما إذا كانت عاملة استوت مع كان في الحكم. فإن قَدّرتَ ما تميميّة صحّ التقديم،

ص: 223

وكانت الجملة مفردةً عن ما، فكما يجوز لك] أن تقول: طعامَكَ زيد آكلٌ، كذلك إذا دخلت ما وهى غير عاملة؛ قال سيبويه في هذه المسألة:«فإن رفعتَ الخبرَ حَسُن حملُه على اللغة التميميّة، كما قلت: أَمّا زيدًا فأنا ضارِبٌ، كأنّك لم تذكر أَمّا، وكأنّك لم تذكر ما، وكأنك قلت: زيدًا أنا ضاربٌ» .

فإن قيل: فتفسرُ مرادِ الناظمِ في الترتيب أَنّه أرادَ ترتيبَ معمول الخبر على الخبر، كما أراد ترتيب الخبر على الاسم -غيرُ فحتاج إليه لتقدم ذكره في القاعدة المتقدمة. وأيضا ليس التقديم مبطلا للعمل، بل العملُ هو المانعُ من التقديم في كان وإنّ، بخلاف تقديم الخبر على الاسم. والدليل على ذلك قول سيبويه:«فإن رفعت الخبر حَسُن حملُه على اللغة التميمية» ، ولم يَقُلْ إن ذلك مما يستعملُه أهلْ الحجاز، بخلاف تقديم الخبر، فإن أهل الحجاز يقدمون ولا يعملون، كما أنهم ينسخون النفي فلا يعملون، فأهل الحجاز يقولون: ما زيدٌ إلا قائم، وما قائم زيد، ولا يقولون: ما طعامَك زيد آكلٌ، ولا آكلًا، بمقتضى قول سيبويه المتقدم. وأيضًا قال بعد إنشاء البيت: «وقال بعضهم:

وما كلُّ مَنْ وَافَى مِنًى

...

لزم اللغة الحجازية». قال الشلوبين: إنما هو أن بعض أهل الحجاز أنشد هذا البيت فاضطر إلى الرفع، أى لما لزم اللغة الحجازية رفع. وأيضًا فإن هذا على الحجازية أولى، لأن التميميّ لا يضطرّ إلى الرفع لإمكان النصب، ولا يمكن لأهل الحجاز إلا الرفع. فالحاصل أن تقديم معمول الخبر

ص: 224

لا يصحُّ في لغة أهل الحجاز البتّةَ، أعملوا أو لا. فالظاهر أنه غير محتاج إليه إن كان قصده.

فالجواب: أنه يحتمل أن يقصد ذلك، لكن من حيث إِنّ أهل الحجاز لا يتكلمون بنحو: ما طعامَك زيدٌ آكلًا، من غير نظر إلى سبب المنع، بل بالنظر إلى محصول الحكم. ولا شَكّ أن الحكم كذلك.

ويُحَتملُ أَنْ لم يقصِدْ إلا التنبيه على ترتيب الخبر على المبتدأ خاصّةً، وأما معمول الخبر فقد نَبّه عليه قبلُ، وإنما ذكر معمولَ الخبر -إذا كان ظرفًا أو مجرورا- لجوازه على الجملة، ولما سَيذكر على أَثَرِ هذا إن شاء الله. أو يكون إنما نبّه في باب كان على تقديم المعمول المختصّ بالباب، ثم ذكر في باب «ما» ما يختص بالباب من ذلك، وترك ذكر ذلك إِنّ إِحالةً على استعمال القياس. والله أعلم.

فإذا اجتمعت هذه الشروط فحينئذ تعمل ما عند الحجازيين فتقول: [ما زيدٌ منطلقا، وما زيد ضاربًا عمرًا] ومنه في القرآن: {مَا هَذا بَشَرَا} و {مَا هُنّ أُمهاتِهِمْ} . وأكثر ما وُجِد [مجرورًا بالباء]، قال الأصمعي:

ص: 225

ما سمعت نصب خبر ما في شيءٍ من أشعارِ العرب.

قال السيرافي: وأنشدنا ابن دُرَيد في معاني الأشْنَاندانى:

وَأَنَا النّذِيرُ بِحَرّةٍ مُسْودّةٍ

تَصِلُ الجيوشُ إليكُمُ أقوَادها

أبناؤُها مُتَكَنّفُونَ أَباهُمُ

حَنِقُو الصدورِ، وماهم أولادَها

وقوله: «وَتَرْتيبٍ زُكِنْ» ، معنى زُكِنَ: عُلِمَ، أى: ترتيب عُلِم؛ يقال: زَكنتُ الأمر -بالكسر- أَزْكَنُه زَكَنًا، أى علمته. ذكر ذلك الزُّبَيدى والجوهري وابن القوطية. وأنشد الجوهري لِقَعْنَبِ بن أمِّ صاحب:

وَلَنْ يُراجَعَ قَلْبِى وُدَّهُمْ أَبَدًا

إِنْ كُنْتُ مِنْ أَمْرِهِمْ مِثْلَ الذي زَكِنُوا

ص: 226

ويقال أيضًا: زكنت الأمر أزكنه زكنا: إذا ظننتَه وقَدّرْته وتفَرّسْته.

وقد أنكر ابن درستويه زكنت بمعنى علمت، وقصر اللغة على الاستعمال الثاني. ونقلُ أهلِ اللغة حجة عليه.

ثم/ أخرج الظرف والمجرور إذا كانا مَعْمُولى الخبر وتقدّما عن حكم إبطال العمل، فقال:

وَسَبْقَ حَرْفَ جَرٌّ اوْ ظَرْفٍ كَمَا

بِي أَنْتَ مَعْنِيًا أَجَازَ العُلَمَا

سَبْقَ: مفعول مقدّم بأجاز. وكما: متعلّق باسم فاعل حالٍ من «حَرْفِ جَرٍّ أو ظَرْفٍ» . والعامل في [الحال]«سبق» ، لأنه مصدرٌ مقدّر بأن والفعل مضافٌ إلى الفاعل.

يُريد أنّ العلماء أجازوا في ما الحجازية أن يتقدم معمول خبرها على اسمها إذا كان ظرفًا أو حرف جَرٍّ، يعنى مع مجروره، فتقول: ما بي أنت معنيًا. فأنت: هو اسمها، وخبرها: معنيًا. وبي: متعلق بالخبر، كأنه قال: ما أنت مَعْنيًا بي. ومثله قولك: ما عند زيدٌ مقيما، وما في الدار زيدٌ قائمًا. كل هذا جائز.

وعَبّر بالسبق -وحقيقة السبق هو: التقديم على ما- وهو لا يريدُه وإنما يريد السبقَ على الاسم والخبر فقط، اتّكالًا على أن التقديم على ما غير جائز، حسبما مَرّ في باب كان، فلم يبق إلا السبق على الاسم والخبر. وأيضًا قد عَيّن مثالُه السبق المراد، فلم يفتقر إلى

ص: 227

تقييده بِسَبْقِ ما بعد «ما» .

ومَعْنِىٌّ: اسمُ مفعولٍ من العناية، وهى الاهتمامُ بالشئ، من قولهم: عنيتُ بحاجتك أُعْنَى بها فأنا معنّى بها، وهو لازم للبناء للمفعول في اللغة الشهيرة. وإنما أتى الناظم بهذه المسألة -وقد تقدمت- تنبيهًا على أن تقديم هذا المعمول لا يضير جواز الإعمال، بل يصحّ الإعمال مع تقديمه، وليس مثل تقديم الخبر، ولا مثل تقديم معموله إذا لم يكن ظرفا ولا مجرورًا.

فإن قيل: فالقاعدةُ أن المعمول لا يتقدّم إِلّا حيث يصحُّ تقدم العامل، وإذا كان كذلك فالخبر هنا مقدّر التقديم، وعند فرض تقديمه يبطل عمل ما، فكذلك ينبغي أن يكون الحكمُ إذا تقدّم معموله، لأنّه نائبه في التقديم فالجواب من وجهين:

أحدهما: أن هذه القاعدة غيرُ مسلّمة عند ابن مالك، فقد نازَع فيها في شرح التسهيل، ومرّ ذلك هنا في مسألة تقديم خبر ليس عليها، وإذا لم تكن مسلّمةً عنده فلا يصحّ بناؤُه عليها، وإذا لم يبنّ عليها لم يكن تقديم ذلك المعمول مُؤذِنًا بتقديم العامل، وإذا لم يُؤْذِنْ به فتأخيره حاصل، وهو شرطُ إعمال ما، فالإعمال مع تقديم ذلك المعمول صحيح.

والثاني -على تسليم صحة القاعدة- فقد نَبّه هو على أن ذلك التقديم مُلْغًى عند العلماء، لقوله: إن العلماء أجازوا الإعمال في المسألة مع وجود التقديم، وكثير ممّن يجيزها يصحّح القاعدة، وما ذلك إلا لعدم اعتبارهم لها في

ص: 228

هذا الموضع. والسر في ذلك أنّ التقديم المعتبر في إبطال عمل ما هو تقديمُ الخبر نفسه، لا تقديمُ معموله، فثبت أَنّ تقديم المعمول مؤذنٌ بتقديم العامل، فالعامل بعدُ لم يتقدّم، وإذا لم يكن متقدّمًا فكيف يبطل العمل مع وجود شرطه. وأيضًا فالمتقد هنا من معمولات الخبر إِنّما هو الظرف أو المجرور، وهما مما يُتّسع فيها؛ ألا ترى أن المعمول إذا كان غير ذلك لم يتقدّم، فلا تقول: ما طعامَك زيدٌ آكلا -وقد مر ذلك- فأخبرك الناظم أن هذا التقديم مُغْتَفَر غيرُ قادحٍ في صِحّة عَمَلِ ما.

ونَسَبَ جوازَ المسألة للعلماء، ولم ينسُبْ ذلك للعرب، ولا أطلَقَ القول، ليُنَبّه -والله أعلم.

/ على أنّ السماعَ في مثلِ هذا معدومٌ، أو في حكم المعدومِ. على أنّه أنشد في الشرح بيتًا عَجُزه:

فَما كلّ حِينٍ مَنْ تُوَالِى مُوالِيَا

وذلك في السماع قليلٌ، إلا أَنّ القياس قابل له؛ إذ لا فَرْقَ بين كان وما فيه هذا المعنى، فكما جازَ ذلك في كان، كذلك يجبُ أن يَجُوزَ في ما. وهو قياسٌ صحيحٌ. والله أعلم.

وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ بَلِكِنْ أَوْ بِبَلْ

مِنْ بَعْدِ مَنْصُوبٍ بِمَا الْزَمْ حَيْثُ حَلْ

ص: 229

اعلم أن عادة الناظم رحمه الله أن يتكلّم في بعض الأبواب على جملة من أحكام التوابع، كما فعل هنا، وفي باب إنّ ولا، وباب اسم الفاعل، والمصدر، والنداء. وغير ذلك من الأبواب. ويَرِدُ عليه في بادئِ الرأى سؤالٌ، وهو أن يقال: إِنّ باب التوابع قد ذكره، وبيّن أحكام التوابع وما يختصُّ بكل واحد منها، فكان من الواجب أن يقتصر على ما ذكره هنالك، وعليه يجري الحكم ههنا وفي كل باب، فَلِمَ فعل من ذلك ما فَعَل؟

والجواب: أَنّ هذا المَنْزَعَ هو شان أئمة هذا الشأن، وإنما سلكوا في طريقه لأن الأحكام المتعلقة بالتوابع على ضربين:

أحدهما: الأحكام العامة التى لا تختصّ بمسألة دون أخرى.

والثاني: ما يختَصُّ منها ببعض الأبواب دون بعض.

فالأَوّلُ لم يذكر منه في هذه الأبواب شيئًا. وأما الثاني فهو الذى ذكره في مواضعه حيث احتاج إليه؛ إذ هو متعلّق به، كمسألتنا هذه؛ فإنّ مُطلق العطف لا يمشى هنا، لاقتضائه النصبَ في العطف على المنصوب مطلقًا بأىّ حرف كان، فكنتَ تقولُ: ما زيدٌ قائما بل قاعدًا، وما زيدٌ باكيا ولكن ضاحكا. وهذا لا يصحُّ، فلم يكن بُدٌّ من التنبيه على العطف هنا بهذين الحرفيين خاصّة، لتعلم مخالفتها لسائر حروف العطف. وترك ذكر سائر التوابع إذ لا يتعلّق بهذا لاباب فيها خاصٌّ، كما أنه لم يذكر باقي حروف العطف؛ إذ لا مزيد على الحكم المطلق فيها، وكذلك سائر الأبواب التى ذُكِر فيها حكم من أحكام التوابع ثم نرجع إلى كلامه فقوله:«وَرَفْعَ مَعْطُوفٍ» . رَفْعَ: منصوب بالزم. وبلكن: متعلّق بمعطوفٍ. ومِنْ بَعْدِ: متعلّق باسم فاعل هو صفة لمعطوف والعامل فيه رَفْع. وبِمَا:

ص: 230

متعلّق بمنصوب.

وأراد: أن المعطوف على المنصوب بما الحجازية إما أن يكون معطوفًا بحرف من هذين الحرفين، وهما: بل ولكن، أو بغيرهما من حروف العطف. فإن كان معطوفًا بأحدهما فالرفع في المعطوف لازم بلا بُدّ، فتقول: ما زيد قائمًا بل قاعدٌ، وما زيدٌ عالما لكن جاهلٌ. ولا تقول: بل قاعدًا، ولا: لكن جاهلًا؛ لأن بل تُوجِب للثاني ما نُفِى عن الأول، وإذا كان كذلك فالمعطوف لا بُدّ أن يقدّر حلولُه في محلّ المعطوف عليه.

هذا هو الشائع في كلام، ولو جعلت الاسم الواقعَ بعد بَلْ خبرًا لم يصحّ النصب؛ لأنّ النفي المشروطَ بقاؤه قد زال، فحكمُه حكمُ ما بعد إلّا في قولك: ما زيدٌ إلا قائم. وكذلك لكن حُكمُها هذا الحكمُ من غير فرق، فلذلك وجب الرفع في المعطوف/ بهما.

ويلزم في هذين الحرفين النصبُ بعدهما على رأيين، أحدهما: رأىُ يونسَ الحاكي نصب الخبر بعد إِلّا، فيقولُ على قياس ذلك: ما زيد قائمًا بل قاعدًا. وما زيدٌ قائمًا لكن قاعدًا. والثاني: رأىُ المبرّد، وهو مختصٌّ ببل؛ إذ يقول فيما بعد: بل إنه محتمل لتسلط النفي عليه، فيقول: ما زيدٌ قائما بل قاعدًا، على معنى: بل ما هو قاعدًا. والعربُ لا تقول هذا، فهو حجّةٌ عليهما فيما دهبا إليه.

وقوله: «حيث حَلّ» ، الضمير في «حَلّ» يحتمل أن يعود على العطف المذكور، أى حيث حلّ هذا العطف المذكور. وَيَحْتَمِل أن يعود إلى المعطوف بأحد الحرفين، كأنه يقول: ذلك حكمُه، سواءٌ كان في موضع يتبع فيه

ص: 231

منصوبا لفظاً [أو] محلًا، أو مجرورًا لفظًا منصوبا محلا؛ فإذا قلت: بل قاعدٌ بالرفع خاصّة، فلا تُتْبعُ هنا على اللفظ فتقول: بل قاعدٍ، جرًا، ولا على الموضع فتقول: قاعدًا نصبًا. وكذلك يجب أن تقول: ما زيدٌ بقائم لكن قاعدٌ بالرفع، ولا تقول: لكن قاعدٍ على اللفظ، و [ولا] لكن قاعدًا على الموضع؛ فإن الإيجاب يمتنعُ النصب لإبطال النفي، ويمنع لاجر لأن الباءَ في تقدير الثبوت في المعطوف، والباء لا تُزَادُ في الإيجاب وإنما تزاد تأكيدا للنفي، فوجب الرفع. ويكون قولُه:«من بَعْدِ منصوبٍ» على هذا التغير، يريد به المنصُوبَ لفظًا أو موضعًا؛ فالمجرور بالباء في موضع نصب.

وإن كانَ المعطوفَ على الخبر معطوفًا بغير بل ولكن، فلا يُرفعُ البتة لزوما. وهذا هو المفهوم من قوله: وَرَفْعَ معطوفٍ بكذا الزمْ، فقيّد لزومَ رفع المعطوف بقيدٍ، وهو كونه معطوفًا بأحد الحرفين، فمفهومه أنه إِنْ لم يكن معطوفًا بواحدٍ منهما فلا يلزمُ الرفعُ، وعدم اللزومُ هو الجوازُ. فالرفعُ إذًا بعد المعطوفِ على المنصوب بواو أو فاءٍ أو ثُمّ، أو غيرها جائزٌ لا لازمٌ. ولا بدّ إذ ذاك من وجهٍ آخَرَ غير الرفع، وهو النصب عطفًا على الخبر، ولما كان المنصوبُ ضربين: مَنْصُوبٌ لفظًا ومنصوبٌ محلًا مجرّدٌ لفظًا، كان في المسألة أوجه؛ فإذا قلت: ما زيدٌ قائما ولا قاعدًا، كان لك في قاعدٍ الرفعُ على إضمار مبتدأ -وكذا في كلّ وجه يكون الرفع واجبا أو جائزًا، كأنه قال: ولا هو قاعدٌ. والنصبُ عطفًا على قائم. وإذا قلت: ما زيد بقائم ولا قاعدٍ -وهى الحجازية- كان لك في قاعدٍ ثلاثَةُ أوجه: الرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على الموضع، والجرّ على اللفظ. وكذلك إذا قلت: ما زيدٌ قائمًا ولا قاعدًا أبوه، يجوز لك في قاعد النصب عطفًا

ص: 232

على قائم، وأبوه فاعلُ به، والرفع من وجهين، أحدهما: أن تجعل أبوه مبتدأ خبره قائم، وهو متقدّم عليه. والثاني أن يكون مبتدأ وأبوه فاعلٌ به سدّ مسدّ الخبر وجاز ذلك لاعتماد الصِّفَةِ على النفي. وإذا قُلت: ما زيدٌ بقائم ولا قاعد أبوه -وهى الحجازية- جاز في قاعدٍ الرفعُ على الوجهين، والنصب على موضع الباء، كما في قوله:

فَلَسْنَا بِالْجِبالِ وَلَا الْحَدِيدَا

والجرّ على اللفظ. وعلى هذا يجرى/ الحكمُ في سائر حروف العطف. وأما مع التميمية فلا حاجة بنا إلى الكلام فيه، لأنه لم يتعرّضْ له في النظم.

(ثم قال)

وَبَعْدَ مَا وَلَيْسَ جَرّ الْبَا الخَبَرَ

وَبَعْدَ لَا وَنَفْىِ كان قَدْ يُجَرْ

يعنى أن الباءَ تدخل في خبر أربعة أشياء، وهى: ما، وليس، ولا، وكان المنفية، لكن دخولها في خبر ما وليس كثيرٌ، دلّ على ذلك عدم تقييد الناظم لها بقلّة، ودخوله في خبر لا وكان قليل، بقوله:«قد يُجَرْ» . والضمير في «يجرّ» عائد على الخبر. فأما دخولها في خبر ما فنحو: ما زيد. وفي القرآن المجيد: {وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمّا يَعملُونَ} ، {وَمَا أَنْتَ

ص: 233

بِمُؤمِنٍ لَنَا}.

وما هذه التى ذَكَر تحملُ أمرين:

أحدهما: أن يُرِيدَ بها الحجازية، وهى التى تكلّم فيها في الباب؛ إذ لم يتعرّض للتميمية، فتكون التميمية عنده غير متعرِّضٍ لها في هذا الحكم. ولا شك أن الباء تدخل في خبر الحجازية باتفاق، وهو قد جاء في القرآن المنزل بلغة الحجاز.

والثاني: أن يُرِيدَ ما النافية على الإطلاق في اللغتين معا. ويدلّ على أن هذا مرادُه، إطلاقه لفظ ما ولم يقيدها بالحجازية، ولا أعاد الضمير عليها فيَقُلْ: وبعدها وفي ذلك تنبيهٌ على خلاف من خالف في المسألة، وأن الباء لا تدخل في خبر التميمية، وإنما تختصّ بالحجازية. وهو مذهب طائفة كابن السراج والفارسيّ، فقد تقدّم استشهادُ الفارسيِّ بقوله:

وَمَا بِالحرّ أنْتَ وَلَا الخَلِيق

على صحة نصب الخبر مع التقدم. فلم ير الناظم هذا المذهب، بل اعتمد رَأْىَ من رَأى أنها تدخل في خبر ما على اللغتين معًا، قالوا: وهو ظاهر كلام سيبويه، أشار إلى ذلك في أبواب الاستثناء في مسألة: ما زيدٌ بِشيءٍ إلّا شئ لا يُعْبَأُ به. والأصح ما ذهب إليه من أوجه:

أحدها: أن بني تميم يدخلونها في الخير فيقولون: ما زيد بقائم، فإذا لم يدخلوها رفعوا؛ قال ابن خروف: إن بني تميم يرفعون ما بعدها بالابتداء

ص: 234

والخبر، ويدخلون الباء في الخبر لتأكيد النفي. ثم حكي عن الفراء أنه قال: أنشدتني امرأة:

أما والله أَنْ لو كُنت حُرًا

وما بالحرِّ أَنتَ وَلا العَتِيِق

قال: فأدخلت الباء فيما يلى ما، فإن ألقتها رَفَعَت. أنتهى

وقد أنشد سيبويه للفرزدق، وهو تميمي:

لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بِتَارِكِ حقّه

ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مَتَيسِّرُ

وهو كثير في أشعارهم لمن بحث عنه.

والثانى: أن الباءَ إنما دخلت على الخبر بعد ما لكونه منفيا، لا لكونه خبرًا منصوبًا، ولذلك دخلت في خبر «لم أكن» ، ولم تدخل في «كنت» . وإذا ثبت أن المسوغ لدخولها إنما هو النفي فلا فرق بين منفيّ منصوب المحلّ، ومنفيّ مرفوع المحل.

والثالث: أَنّه قد ثبت دخول الباء مع إبطال العمل، ومع أداةٍ لا عمل لها البتة، نحو قوله:

لَعَمْرُكَ مَا إِنْ أَبُو مَالكٍ

بِوَاهٍ ولا بضعيف قُواه

ص: 235

وأنشد الفارسي في التذكرة للفرزدق:

يَقْولُ -إِذَا قْلَوْلَى عَلَيْهَا وَأَقْرَدَتْ-: أَلَا هَلُ أَخْو عَيْشٍ لَذِيدٍ بدائِم

وإنما دخلت بعد هل لشبهها بحرف نفي، فدخولها بعد النفي المحض -وهو ما التميمية- أحق؛ قال ابن مالك: لأنّ شَبَه ما بها أكملُ من شبه هل بها. ثم ذكر ما حكى الفراء عن كثير من أهل نجدٍ أَنّهم يجرّون الخبر/ بعد ما بالباء، وإذا أسقطوا الباء رفعوا. قال ابن مالك: وهذا دليل واضح على أن وُجُودَ الباء جارّةً للخبر بعد ما لا يلزم كونُ الخبر منصوبَ المحلِّ، بل جائزٌ أن يقال: هو منصوب المحل، وأن يقال: هو مرفوع المحلّ، وإن كان المتكلم به حجازيًا فإِنّ الحجازىّ قد يتكلّم بلغته، وغيره يتكلّمُ بلغته؛ إلا أن الظاهر أن محل المجرور نصبٌ إن كان المتكلم حجازيًا، ورفعٌ إن كان تميميًا أو نجديًا. قال: فمن دخولِ اللغةِ التميمية في الحجازيّة كسرُ هاءِ الغائب بعد كسرةٍ أو ياءٍ ساكنة، وإدغام نحو:{وَلَا يُضَارّ كَاتِبٌ ولَا شَهِيد} ، ورفع الله من قوله:{قُلْ: لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السّمواتِ والأَرْضِ الغَيْبَ إِلّا اللهُ} ؛ لأن اللغة الحجازية: بِهُو، وفِيهُ، بالضم. ولا يضارَرْ، بالفك، وإلا اللهَ، بالنصب؛ لأن الاستثناء

ص: 236

منقطع.

قال: وإذا جاز للحجازىِّ أن يتكلّم باللغة التميمية جاز للتميمىّ أن يتكلم باللغة الحجازية، بل التميميُّ بذلك أولى لوجهين، أحدهما: أن الحجازية أفصح، وانقياد غير الأفصح لموافقة الأفصح أكثر وقوعًا من العكس. والثاني: أنّ معظم القرآن حجازىّ، والتميميون متعبدون بتلاوته كما أُنْزِل، ولذلك لا يقرأ أحدٌ منهم:{ما هَذَا بَشَرٌ} إلا من جَهِل كونه منزّلًا بالنصب.

هذا ما قال، وفيه نَطَرٌ لا يليق بهذا الموضع. وقد استُدِلّ على صحة دعوى الناظم بغير هذا مما يكفي منه ما ذكر.

وأما دخولُ الباء في خبر ليس فنحو قولك: ليس زيدٌ بجبانٍ، وفي القرآن:{أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ} ، {أَلَيْسَ اللهُ بأحكمِ الحَاكِمينَ} .

وأما دخولها في خبر لا فإن ذلك قليل، كما أشار إليه، لكن يَحْتَمِلُ أن يريد لا التّى للتبرئة. وهو الذى نصّ عليه في التسهيل. ويَحْتَمِل أن يُرِيدَ التى كليس أو ما هو أعمُّ من ذلك.

وهذا أولى؛ إذ ليس في لفظِه ما يُقَيِّدُ ضربًا من تلك الأضربِ، بل قال:«وَبَعْدَ لا» . وهذا اللفظ يُعطِى ما هو أعَمُّ من كونها عاملةً أو غير عاملة. وهذا صحيح. ففي السماع ما يدخل في ثلاثة الأضرب، فقد قال الفارسيّ -في قولهم

ص: 237

: «لا خير بخيرٍ بعده النارُ، ولا شرّ بشرٍّ بعده الجنةُ» -: «يجوزُ أن تكون لا التى لنفي لجنس، وأن تكون العاملة عمل ليس، والباء في الخبر فيهما زائدة، كأنه قال: لا خيرَ خيرُ بعده النارُ، أو: لا خيرٌ خيرًا بعده النار. وكذلك الآخر ومن دخولها في خبر التى كليس قولُ سواد بن قارب، رحمه الله:

وَكُنْ لِى شَفِيعًا يَوْمَ لا ذُو شَفَاعةٍ

بِمُغْنٍ فَتيِلًا عَنْ سوادِ بنِ قارِبِ

ومما هو محتلٌ قولُ المرقّشِ:

وَكَذَاكَ لَا خَيْرٌ وَلا

شَرٌّ عَلَى أَحَدٍ بِدَائِم

وأمّا دخولها بعد نَفْي كانَ، أى: بعد كان المنفيّة، فمثاله: ما كان زيدٌ بقائم. ومنه قول سواد بن قارب:

أَتَانا فحيّا بَعْدَ هَدْءٍ ورقْدةٍ

وَلَمْ يَكُ فِيمَا قَدْ عَهِدتُ بِكَاذِبِ

ثَلاث ليالٍ قوله كلُّ ليلة

أتاك نَبِيٌّ مِنْ لُؤَىِّ بِن غالِبِ

ص: 238

وقال الراجز:

لو كنتَ ماءً كُنْتَ غَيْر عَذْبِ

أَوْ كُنْتَ لَحْمًا كُنْتَ لَحْمَ كَلْبِ

أَوْ كُنْتَ سَيْفًا لم تكن بِعَضْبِ

وكلامُه هنا يدلُّ على أَنّ زيادة الباء في هذه المواضع الأربعةِ قياسٌ؛ أمّا في ما وليس فذلك ظاهر من كلامه. وأمّا في لا ونَفْىِ كان فإنّ عادته إذا أخبر بالقلّة نِصًا أو إشعارًا أَنّ ذلك قياسٌ عنده، وهو صحيح في مثل هذا. وحين لم يذكر خلاف هذه المواضع أشعر بأن زيادة الباء/ فيما سواها غير قياس؛ فقد زيدت في ثاني مفعولى وجدت، وذلك في قول الشاعر:

دَعَانِى أَخىِ والخيلُ ببينىِ وبينَهُ

فَلمّا دَعَانِى لَمْ يَجْدنِي بِقُعْدَدِ

وزيدت بعد «أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّ» ، كقول الله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّ الله الّذِي خَلَقَ السّمَواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيّ بِخَلقهِنّ، بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ المَوْتَى} . وإما زيدت هنا لأن المعنى: أو ليس الله بقادر، أو: لم يَروُا الله بقادر؛ لأن رأى عِلْميّة فزيدت في ثاني مفعوليها، من جهة المعنى، كما في «وجدت» المذكورة. وزِيدَتْ أيضًا بعد هل، وأنشد الفارسيّ في

ص: 239

التذكرة، والجوهري عن الأحمر، للفرزدق:

تَقُولُ -إِذَا قلَوْلَى عَلَيْهَا وأقردَتْ-:

أَلَا هَلْ أخو عَيْشٍ لَذِيذٍ بِدَائِمِ

وزيدت في خبر إنّ، قال امرؤ القيس:

فإن تَنْأ عَنْها حِقْبةً لا تُلاقِها

فَإِنّك مِمّا أَحْدَثَتْ بِالمجرّبِ

وزيدت في خبر لكنّ، وأنشد المؤلف:

ولكن أجرًا لو فعلت [بِهَيِّن]

وهل ينكر المعروف في الناس والأجرُ

وزيدت أيضا في المفعول، نحو قوله تعالى:{وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهَلُكَةِ} .

وزيدت في الفاعل في قوله:

ص: 240

أَلَمْ يَأْتِيْكَ وَالْأَنْبَاءُ تَنْمِى

بِما لَاقتْ لَبُتونُ بَنِى زِيَادِ

وفي المبتدأ في قولهم: بحسبك زيدٌ. وفي خبر المبتدأ من غير نفي، في قول الله تعالى:{جَزَاءُ سَيّئَةٍ بِمثْلِها} . فهذه المواضع مما يوقفُ زيادة الباءِ فيه على السماع؛ فلذلك اقتصر على المواضع الأربعة لأنّها مقيسةٌ، لكن يُعْتَرَضُ عليه بأنه ترك بعض مواضع مما الزيادة فيها قياسٌ. والحاضرُ منها الآن موضعان:

أحدهما: فاعل كفي، فإنك تقول: كَفَى بِالله شَهِيدًا، على معنى: كفى اللهُ شهيدًا، وأنت تقول: كفى زيدٌ فاضلًا، وكفى بزيد فاضلًا. ومن إسقاط الباءِ قول الشاعر:

كَفَى الشّيبُ والإسْلَامُ للمَرْءِ ناهيا

فهذه الزيادة مما عدّها الناس قياسًا.

والثاني: زيادة الباءِ في فاعل أَفْعلَ في التعجب، نحو: أكرم بزيدٍ؛ فإنها زائدة أيضًا، وزيادتها قياس. ولم يذكر ذلك، فيوهم اقتصاره على الزيادة القياسية فيما ذكر أنها في مثل هذين الموضعين موقوفة على السماع. وليس كذلك.

ص: 241

والجوابُ أن الزيادة في فاعل كفى راجعة في الحقيقة إلى السماع، لأنها مخصُوصة بهذا الفظ بعينه، فلا تتعدّى إلى غيره، ولا إلى ما هو من مادّته كالمضارع؛ إذ لا تقول: يكفي بالله شهيدا، إنما تقول يكفي الله شهيدًا. ولا معنى لوقفها على السماع إلا هذا.

وأما الباءُ في أَفْعِلْ به فينازع في زيادتها؛ ليس بمتفق عليه، والناظم لا إشعار له في نظمه بزيادتها حيث تكلم عليها في التعجب. ولو فُرِضَ أنّها عنده زائدةٌ فذلك مما يذكر في بابه، فلا اعتراض عليه بذلك. والله أعلم.

ثم ذكر باقي حروف الباب فقال:

فِي النّكِرَاتِ أعْمِلتْ كَلَيْسَ لا

وَقَدْ يلى لَاتَ وَإِنْ ذَا العَمَلا

وَمَا للَات فِي سِوَى حِيزٍ عَمَلْ

وَحَذْفُ ذِى الرّفْعِ فَشَا وَالعَكْسُ قَلْ

يعنى أَنّ لا النافية أُعمِلَتْ أيضًا عَمَلَ ليس، فترفع المبتدأ وتنصب الخبر، لأنّها أشبهت ليس لاجتماعهما في النفي والدخول على المبتدأ والخبر، لكن لم تتمكن في الشّبَهِ تمكُّن ما، لكونها في العالب إنما تنفي المستقبل/ عند الجمهور. بخلاف ليس فإنها لنفي الحال ما لم تقترن بها قرينة مثل ما، فنقصت عن ما درجةً، فلذلك لم تعملْ قياسًا إِلّا بشرط أن يكون معمولُها نكرةً، وهو قوله:«في النَكِرَاتِ أُعْمِلتْ كَلَيْسَ لَا» ، فلا تعملُ

ص: 242

عنده في المعارف، وإن جاء شئ من ذلك فهو شاذُ محفوظ، نحو قول النابغة الجعدي:

وَحَلّتْ سَوادَ القَلبِ لَا أَنَا باغيًا

سِوَاهَا، وَلَا عَنْ حُبِّها متباغيا

ومن مُثلُ إعمالها القياسي ما أنشده في الشرح من قول الشاعر:

تَعَزّ فَلَا شَئٌ عَلَى الأَرْضِ باقيا

وَلَا وَزَرٌ ممّا قَضَى اللهُ واقِيَا

وأنشد سيبويه لسعد بن مالك القيسي:

مَنْ صَدّ عَنْ نِيَرانها

فَأَنا ابن قَيْسٍ لا بَرَاحُ

كأنه قال: لا براحٌ موجودًا. فحذف الخبر.

وقوله: «أُعْمِلَتْ كَلَيْسَ» . على حذف المضاف، كأنه قال: أُعمِلتْ كإعمال ليس. وكونه أخبر أن العرب أعملتها ولم يقيد ذلك بِندُورٍ ولا وقْفٍ على السماع يدلّ على أن ذلك عنده قياس، كما قال في الابتداء:

وَأَخْبَرُوا باثْنَينِ أَوْ بِأَكْثَرا

عَنْ وَاحدٍ

...

ص: 243

وكذا قال في الشرح: «والقياس على هذا سائع عندى» . وَحَكَى عن المتنبي أنه استعمله في شعره. وما قاله صريحٌ في مخالفته لأبي الحسن القائل بانّ «لا» غيرُ عاملة. نصّ على ذلك في لات. وحُمِل عليه في «لا» دون تاءٍ، وللزجاج وابن السّراج القائليين بجواز الإعمال وعَدَمه إذا توفّرت الشروط. وتابعهما ابنُ خروف، ولابن الباذِش في أنها إنما تعمل في الاسمِ خاصّة، ثم هى واسمها في موضع مبتدأ. أما الأخفش فعنده أنها في القياس لا تعمل شيئا -يعنى لا- لأنها حرف وليست بفعل، فالمرفوع بعدها مبتدأ، والمنصوب على الظرف، والمبتدأ يُقدِّله خبرا، والظرف لا يقدّر له شيئًا، إلا ما يتعلق به الظرفُ. وكذلك يقول في لا دون تاءٍ، فارفع بعدها على الابتداء، والنصب على إضمار فِعْلٍ. وهذا كلُّه بناءً على أن خبرها لا يجتمع مع المبتدأ الذى يقع اسمًا لها؛ فإن القدماء لم يحكُوا إظهارهما معًا بعد لا ولا بعد لات.

وما ذهب إليه الأخفشُ مَرْجوعٌ لأمور:

أحدها: أن كونَها حرفًا غيرُ ما نع من العمل، كما لم يكن مانعا في ما التى هو موافِقٌ عليها. بهذا المعنى ردّ السيرافيّ قول الأخفش. والذى قاله الأخفش صحيح، وما قاله السيرافي صحيح. وموضع النكتة في المسالة أن النصب بعد لا قليلٌ، ومختصٌّ في لات بالحين، ولم يثبت عندهما عملها في اسمين ظاهرين، فهى بعدُ في العمل وعدمه على الاحتمال. فأما سيبويه فحملها

ص: 244

على الظاهر من الحال، ويُعَضِّده القياسُ على ما. وهو الذى قال السيرافي. وأما الأخفش فَبَقَىَ مع الأصل من عدم الإعمال، وعضّده احتمال الرفع والنصب بعدها أن يكونَ على غير إعمالها. وتعارضَ النظران عند الزجاج وابن السراج ومن تبعهما، فجوّزوا الوجهين ولم يَحْتُموا بأحدهما كما حَتَم الناظمُ بالإعمال، والأخفش بعدمه.

والثاني: أن السماع بإظهار الاسم مرفوعًا والخبر منصوبًا كأنه يُعَيِّن الإعمال، وذلك فيما أنشده المؤلف من قول الشاعر:

تَعَزّ، فلا شَئٌ على الأرض باقيا

وَلَا وَزَرٌ مما قَضَى الله واقيا

/ إذ لا يمكن فيه تقدير خبر المبتدأ إلا على تكلُّف لا حاجةَ إليه.

والثالث: على تسليم أن هذا لم يسمع فإن عدم تكرير لا دالٌّ، فهو الذى بيّن لهم أنها كليس؛ لأنها لو كانت غير معملة للزم تكريرها مع النكرات، كما يلزم التكرير مع المعارف، فكما تقولُ: لا زيد في الدار ولا عَمْرو، كذلك تقول: لا رجل في الدار ولا امرأة. وعدمُ التكرير نادر. فإن فُرِّق في لزوم التكرير بين النكرات والمعارف، فالتزم في المعارف دون النكرات. فذلك ممكن، إلا أن الأظهر التساوى، والله أعلم.

وقد ظهر بهذا كلّه وجهُ مخالفة الناظم لابن السراج ومن على مذهبه، فلا معنى لتكرير الاحتجاج.

وأما ابن الباذِش فرأى أنّ الذى يقتضيه مذهبُ سيبويه أن «لا» تعملُ عمل إنّ وعمل ليس في الاسم خاصة دون الخبر، وأن موضعها مع ما تعملُ فيه في الحالين رفع بالابتداء، قال: لأنها في الموضعين جواب

ص: 245

لشيء واحد نحو قولك: هل من رجل في الدار؟ ولما كان مُوجَبُها قد عملت فيه من وحده، فأزالت عمل الابتداء، وهى مع الاسم في موضع رفع، كذلك عملت لا فيه الرفع كليس والنصب كإنّ، وكانت مع معمولها في موضع رفع.

وما قاله غير ظاهر؛ أما أنها لا تعمل في الخبر وإنما تعمل في الاسم وحده، فغير بَيّن لما سَيُذكر إن شاء الله في باب «لا» بعد هذا. وأيضًا قد جاء الخبر منصوبا بعد ذكر الاسم في قوله:

تَعزّ، فلا شَىْءٌ على الأرض باقيا

وأما الحملُ على موجبها فذلك ليس بدليل قاطع؛ إذ لا يلزم أن يكون جواب الكلام في العمل أو غيره مثل الكلام، بل قد يكون الكلام على وجه، وجوابه على وجه آخر. فأنت ترى أّنّ لن يقوم جواب: سيقوم، ولم يتوافقا في العمل ولا في جعل الأداة مع الفعل كالجزء. وأيضا قالوا: لم يقم، (في) جواب: قام، وَلمّا يَقُم في جواب: قد قام. فخالفوا بين الأفعال، وكثير من ذلك. وأما أنّ ما ذكر هو مقتضى مذهب سيبويه فإن ذلك ظاهرًا في لا الناصبة للاسم، فكذلك يظهر في الرافعة له، إلا أن مالك لا يُسلِّم فيها ما قال، وذلك أنه قال في باب من أبواب لا:«وقد جُعِلتَ -وليس ذلك بالأكير- بمنزلة ليس» ، قال:«فإن جعلتها بمنزلة ليس كانت حالُها كحال لا في أنها في موضع ابتداءٍ، وأنها لا تعمل في معرفة» . ثم أنشد:

مَنْ صَدّ عَنْ نيرانها

البيت. وقال آخر الباب: «وإن شئت قلت: لا أحدٌ أفضلَ منك، في قول من جعلها كليس ويجريها مجراها ناصبة في المواضع، وفيما يجوز أن يُحمل

ص: 246

عليها». فهذا الكلام الثاني كالأول، إلا أن ابن خروف والسيرافي إنما حملاه على إعمال ليس في الرفع والنصب، ودلّ على ذلك من كلام سيبويه نصبه «أفضل» في قوله: لا أحدٌ أفضلَ منك.

وذكر ابن الباذش أن الضبط فيه «أفضلُ» بالرفع. وردّ عليه الأبذى هذا الضبط وقال: إنه تعصّبٌ لنصرة ما فهمه مكابرةٌ للجمهور في الرواية. وليس كما قال الأبذىّ. بل هما روايتان ثابتتان في الكتاب، فرواية النصب للرباحي، ورواية الرفع في النسخة/ الشرقية. هكذا رأيته في نسختى وكانت مقابلةً بنسخة ابن خروف التى أثبت فيها رواية النسخة الشرقية، وهو مما يعتمدها ويُفَسِّر عليها، ويذكر في شرحه الكتاب -واياتها وزيادتها. وإذا ثبت ذلك لم يكن اعتمادُ ابن الباذش على رفع «أفضل» تعصُّبًا، وإنما يبقي ترجيحُ إحداهما على الأخرى. ولا شك أنّ الجمهور على رواية النصب، فهوى أولى، وسيأتي ما في كلام سيبويه ورأيته في باب لا، إن شاء الله. فالأظهر ما ذهب إليه الناظم.

واعلم أنه لما قدّم أن «ما» لا تعمل عمل ليس إلا بشروطٍ ذكرها، وأخبر هنا أن لا أُعمِلت أيضًا عمل ليس، لزم من ذلك -ولا بدّ- أن يكونَ حكمُها في اشتراطِ تلك الشروط حكم -ما، ولم ينصّ على ذلك في لا، ولا ما بعدها، عِلْمًا بأن الفَرْعَ لا يقوى قُوّةَ الأصل، والمشبّه لا يكون في درجة المشبّه به، وقدّم ذلك في «ما» ، فظهر بذلك جريان حكم الاشتراط في غير

ص: 247

ما إذا كان المشبّه به واحدًا في الجميع وهو ليس. فيشترط إذًا في لا تلك الشروط الثلاثة، وهى: فِقْدَانُ إِنْ، وبقاء النفي، والترتيب. فإن وُجِد إِنْ مَعَ لا لم تعمل، فلا يقال: لا إِنْ أحدٌ قائما، وإنّما يقال: لا إِنْ أحدٌ قائمٌ. وكذلك إذا دخلت إلّا، فلا تقول: لا رجلٌ إلا قائمًا، وكذلك لا تقول: لا قائمًا أحدٌ. وما زشبه ذلك. وهو جارٍ أيضًا في إِنْ، إلا أنها لا يتأتّى معها دخول إِنْ في القياس، وإن دخلت فالحكم الإهمال. وكذلك إن وجب خبرها بإلّا نحو: إن زيدٌ إلا قائم، أو تقدم الخبر نحو: إن قائم زيد. وهذا كلّه ظاهر.

وقد نَصّ الجُزُولى على هذا الاشتراط في لا، فقال:«عملُ ما ولا المشبهتين بليس مشروطٌ بكذا. وعَدّ الشروط المذكورة، ثم قال: «ويفترقان في أَنّ «لا» لا تعملُ إلا في نكرة اسمًا وخبرًا». فلم يجعل بينهما فرقًا في الحكم إلا تنكير الاسم والخبر الذى نَصّ عليه الناظم. وهكذا يجرى الحكم في لات أيضًا، إلا أنها لا يُجمعُ فيها بين الاسم والخبر في اللفظ.

ووجهُ اشتراط التنكير أنها جواب لمن قال: هل من رَجُلٍ؟ فيجب أن يكون الجواب على حسب السؤال -وكذلك العامل عمل إنّ إنما علمت في النكرة خاصّةً اعتبارًا بجوابها، كما سيأتى، إن شاء الله.

ثم قال: «وَقَدْ يَلِى لَاتَ وَإِنْ ذَا العَمَلَا» ؛ يلى هنا من الولاية، كالإمامة وشبهها لا من وَلِى بمعنى قَرُب؛ يعنى أَنّ لات وإِنِ النافية قد يحصل لهما هذا العمل الحاصل للا من رفع المبتدأ ونصب الخبر. فقوله: ذا العمل، إشارة إلى أقرب مذكور، وهو لا، وقد مَرّ أنّ «لا» تعملُ بأربعة شروط، منها الثلاثة العامة في الكلّ، والرابع كونُ معموليها نكرتين، فكذلك لات وإن، فلا تعملُ واحدةٌ منهما

ص: 248

إلا في نكرة. وهذا في لات صحيح، وأما في إِنْ فلا، لأنها كما في الحكم، وما لا تختصّ بنكرة دون معرفة، كما مرّ، فهذا مُعْتَرَضٌ.

فإن قيل: لم يُشِرْ بذا إِلّا إلى العمل المذكور على الجملة دون اختصاصٍ بلا دون غيرها، قيل: فيقتضى إذًا عدمَ الاشتراط في لات -وليس كذلك؛ فإنها لا تعمل في معرفةٍ كما ستراه. ولم يشترط في التسهيل تنكيرَ معمول إِنْ، وهو صحيح، ولا تنكير معمول لات، وفيه ما رأيت. فالاعتراض وارد على الكتابين.

/ وقد يجابُ عن ذلك بأنّ لات هى لا، أُنِّثت بالتاءِ، فإذا كان أصلُها يشترط في معموله التنكير فكذلك باقٍ في الفرع الذى هو لات، بلابُدٍّ. وهذا ظاهر في الجواب عن التسهيل؛ إذ أشار إلى أنّ لا هى الأصل بقوله:«وَتُكْسَعُ بالتاءِ فتختص بالحين أو مرادفه» . وأمّا هنا فالجواب المذكور مبنىّ على أن لات هى لا، وكلامه محتمل فيها، وعلى أن الإشارة بذا لا تختص بعمل لا وحدها.

وعلى الجملة فكان الأولى به أن يحرِّرَ كلامه؛ فلو قال مثلًا:

فِى النَكِرَاتِ أُعْمِلتْ كَلْيسَ لَا

لات، وَمِثْلَ ما أَتَى إِنْ مُعْملَا

لحصل مراده من التحرير.

واعتراضُ ثانٍ، وهو: أنه أطلق القول في إعمال لا ولم يقيّده بقلةٍ، وقيّد بها لات وإنْ، فاشعر أنّ لا من الكثرة في درجة ما أو نحوها. وليس

ص: 249

كذلك؛ بل الأحرفُ الثلاثة في نَمَطٍ متقارب من القلة، بحيث لا تبلغ أن تقرب من ما؛ ألا ترى أن سيبويه قال:«وقد جعلت لا -وليس ذلك بالأكثر- بمنزلة ليس» . وكذلك قال السيرافي -وأيضًا إطلاقُه على لات القلة، ليس على حَدٍّ القلة في إنْ مثلًا، بل هى مختصةٌ بالحين، فلا تعملُ إلا فيه، ودخولها عليه واستعمالها فيه كثير. ولذلك لم يُقَيّده سيبيه بقلّة، وإنما ذكر أنها لم تصرف تصرفَ ليس. يعنى في أَنِ استُعملت في غير الحين، بل اقتُصِرَ بها على الحين خاصّةً، وذلك لا يقضى بقلتها في الاستعمال إذا كانت تُسْتعمل كثيرًا مع الحين.

وإذا كان كذلك لم تستحق أن تجعلَ من القليل في الكلام، بل من الكثير، وقد قال هو فيها:«وحذفُ ذى الرفعِ فشا» ، أى: كثر وشاع. وما كان قليلا لا يقال فيه: إنه فشا في الاستعمال. فهذا يشبه التناقض في كلامه. وأيضًا قلةُ استعمال إِنْ مثل ما لا يدلُّ على ضعف في القياس، ولاي قال في مثله: إنه قليل؛ لكون ما جاء فيها مقبولًا قياسًا، وهذا من السماع الذى يقاسُ عليه، كما يقاس على الكثير الشائع. ونظيره: شنوءَة -في باب فَعُوله، في النسب- إذ قيل فيه: شَنَئِىّ. ولم يسمع فَعَلِىٌّ في فَعُولة إلا في هذا اللفظ خاصّة، ثم إنهم أطلقوا القياس في فَعُولة إطلاقًا، ولم يقيدوه بقلةٍ، أولُهم سيبويه إلى هَلُمّ جرّا، ومنهم الناظم فلم يقيده بقلّةٍ كما قيّد هنا إِنْ. ولو فعل ذلك هنالك لكان مخطئًا، لأن ذلك السماع هو البابُ كلّه، كذلك قال أبو الحسن؛ وذلك لقاعدة في

ص: 250

الأصول العربية صحيحة. وهى أن الشئ إذا قلّ في السماع فلا يخلو أن يكون مقبولًا في القياس أَوْلا، فإن كان مقبولًا في القياس ولا معارض له، استوى مع ما كثر في القياس عليه مطلقًا، كما في مسألة شَنَئِىّ. وإن كان غير مقبول في القياس لوجود ما ينتقضُه ويعارضه فهذا هو الذى قد يُوقَف على السماع في بعض المواضع. وقد يطلق القباسُ فيه على استضعاف، وذلك بحسب قوّة المعارضِ وضعفه. وإذا ثبت ذلك ونظرت عامّة ما يطلق الناظمُ فيه القياس على قلّةٍ وجدته معارَضًا بما يضعفُ قياسه، وكذلك عادة غيره من النحويين، فإذا نظرنا إلى إِنْ في هذا الباب وجدناها تساوى ما في صريح القياس، لأنها مرادفتها، وَهبْ أنّ السماع قَلّ فيها، فذلك لا يُخرِجُها عن اللَحاق بما إذا لم يعارضها/ في هذا القياس معارضٌ يُضْعِف جرينه فيه، فكيف يسوغُ لنا تضعيفه؟ ! بل نقولُ: لو فرضنا عدم السماع في إنْ، وثبت لنا مساواتُها لما، لم يمنعْ مانع من إجراء القياس، كما قاس هو تركَ الإلغاءِ في كأَنّما ولعلّما ولكنّما، فأعملها مع وجود ما قياسًا على ليتما وَإِنّما. وهذا أيضًا مما يقوىّ إطلاق القياس فيه لا؛ لأنها عند الجمهور مختصّةً بنفي المستقبل، فخالفت «ما» فَضَعُف القياسُ عليها، والسماعُ قليلٌ، فاستحقتْ أن يطلق فيها لفظ القلّة. فالعجب من الناظم كيف عكس القضية، فَعَلّلَ ما لا يستحقّ التعليل، وترك ما يستحقه؟ !

والجواب: أن لا عنده من قبيل ما يسمع فيه الإعمال كثيرًا. وكذلك قال في التسهيل: «وتلحق بها -يعنى بما- إِنْ النافية قليلًا، ولا

ص: 251

كثيرًا». وإذا كان السماع فيها كثيرًا عنده، فهى في درجة ما أو قريبًا منها، فكما صحّ القياس في ما لكثرة السماع، صحّ في لا. وأما لات فإن القلة فيها ثابتة على الجملة، لأنها لما اختَصّ عمها بموضع واحد -وهو الحين- كان ذلك بالنسبة إلى ما تحتمله في القياس قليلا، وإن كان في موضعه المختصّ كثيرا. وعلى الاعتبارين يُحْمَلُ كلامه في الموضعين. ولا يتناقص؛ فقوله:«وَقَدْ يَلِى لَاتَ» باعتبار أن لها موضعًا واحدًا من كثير. وقوله: «فَشَا» باعتبار كثرتها في ذلك الموضع الواحد. وأَمّا القاعدةُ الأُصولية فصحيحة، ولا يلزم من صحتها اعتراض؛ وذلك لأن إِنْ مخالفة للقياس معارضةً به، وهو كونُ الإعمال على خلاف القاعدة لعدم الاختصاص. فالأصل في ما ولا وغيرهما أن لا تعمل؛ لكن جاء ذلك في ما كثيرًا شائعًا ثابتًا لغةً، فلم يكن بدُّ من إطلاق القياس فيها وإلّا خالفنا أهل الحجاز كلّهم. وأما إِنْ فلم يأت فيها من السماع ما يخرجها عن الأصل الأول من عدم الإعمال حتى تكون في درجة ما، فَأَخَذها الناظم في القياس من حيثُ قلةُ السماع، فلم يطلقه فيها، ولمعارضة الأصل الأوّل. ولم يِقْفها على السماع لمجيئها في القرآن (في قراءةٍ)، ولاعتبار الشبه بما. ومن ههنا يفهم قصده في لا، حيث لم يُقَيِّدها بقلّة لما كثر عنده من السماع فيها، فألغِىَ المعارض كما أُلغِىَ في ما باتفاق؛ فإذًا لا يصحُّ قياسها في إطلاق الإعمال على ما؛ لأنّ في «ما» ما ضَعّف المعارضَ وهو كثرةُ السماع، وليس كذلك في إنْ، فبقي المعارض على قوته. وإذا فُهِم هذا ظهر أن القياس على ما لا يصحّ في إِنْ، على فرض عدم السماع البتّةَ، لعدم قبول القياس الأَوّل له، (فَنفهم هذا

ص: 252

الأصل) فهو نافع جدًا يطلعُك على سِرّ ما قاس المتقدمون عليه من كلام العرب، وما لم يقيسوا عليه، وما قاسوا عليه على ضَعْفٍ أو بإطلاقٍ. وقد بَوّب ابن جني على القاعدة في الخصائص، وهذا شرحه وبه ظهر أنّ كلام الناظم صحيح في نفسه، لا اعتراضَ عليه فيه، وإنما يبقى فيه إثباتُ أن السماعَ في لا كثيرٌ، فهو الذى تَضَمّن عُهْدَته، وعليه بنيتُ الجواب، وبالله التوفيق.

ثم نعودُ إلى كلامه/، فقوله:«وَقَدْ يلِى لاتَ وَإِنْ ذَا العمل» . أما «لات، فَسيذكر. وأما إِنْ فإنّ سيبويه لم يُثيبِتْ لها عَمَلًا؛ لأنه لم يحفظ فيها شيئًا. ونِعِمّا فعل! وأما غيره فأثبت لها الإعمال؛ ذكر ذلك المبرد، وأنشد على ذلك:

إنْ هُوَ مُسْتَوليًا عَلَى أَحَدٍ

إِلّا عَلَى أَضْعَفِ المجانينِ

وتابعه على ذلك الفارسيّ وابنُ جنِّى، وحكى في المحتسب عن سعيد بن جبير أنه قرأ:{إِنِ الذين تَدعُونَ مِنْ دُونَ اللهِ عبادًا أَمْثَالكم} -بتخفيف «إِنْ» ونَصْبِ «عبادًا أمثالكم» ، على تقدير: ما الذين تدعون من دون الله عبادًا أمثالكم، أى: إنما هى حجارةٌ وخشب، وليسوا عقلاءَ مخاطبين مثلكم، فهم أقلُّ منكم، فكيف تعبدون ما هو أقلُّ منكم.

ص: 253

ثم عيّن موضع عمل لات فقال: «وَمَا لَلاتَ في سِوَى حِيْنٍ عَمَلْ» . يعنى أن عَمَلَ لات مختصّ بالحين لا يتجاوزه، يريدُ قياسًا، فإنه قد جاءَ شاذًا عملهُ في غير الحين، ففي الحماسة من قول التميمىّ:

لَهْفِى عليكَ لِلَهفَةٍ من خائِفٍ

يبغي جوارَكَ حين لات مجيرُ

فمجير هنا ليس بحين، والحين: الوقت، فهذا شاذّ، والشائع عمله في الحين، نحو قول الله تعالى:{وَلَاتَ حِينَ منَاصٍ} . وأنشد الفراء قال: أنشدني المفضّل:

تَذَكّر حُبّ ليلى لاتَ حينا

وأضحى الشيبُ قد قَطَعَ القَرينا

ولا يريد خصوصَ لفظ الحين، بل الزمان مطلقًا. وعلى ذلك حُمِل قولُ سيبويه:«وذلك مع الحين خاصّة» . وقال ابن عصفور: «من حَمَله على أنه يريدُ بقوله «لا يكون إلا مع الحين» : -الحاء، والياء، والنون- فخطأ؛ فقد جاء عملها في غيره؛ أنشد الفراءُ:

طَلَبُوا صُلْحنا ولات أوانٍ

فأجبنَا أَنْ لَيس حينٌ بقَاءِ

ص: 254

وأنشد أيضاً قال: أنشد المفضل:

وَلَتعرِفَنّ خَلَائقًا مشمولةً

ولتَندَمَنّ ولاتَ ساعَةَ مَنْدمِ

وعلى هذا تقول: خرجوا ولات يومُ خروجِ، وقدم زيدٌ ولات وقتُ قدومِ، ودعَوْا ولات ليلةُ إجابةٍ. وما أشبه ذلك.

فإن قيل: قد تقدّم أن من شرطها أن لا تعمل في معرفة، وقد وقعت بعدها «هَنّا» وهى اسمُ إشارةٍ، واسم الإشارة معرفة. وتقدّم أنها لا تعملُ إلّا في الزمان و «هَنّا» اسم إشارة للمكان البعيد عند الناظم، أو القريب عند غيره، وذلك نحُو قولِ الأعشى:

لَاتَ هَنّا ذِكْرى جُبَيَرةَ أَمْ مَنْ

جاءَ مِنْها بِطَائِفِ الأَهْوَالِ!

وقال حَجْلُ بنُ نَضْلَةَ الباهلى:

حَنّتْ نوار ولات هَنّا حنّت

وبدا الذى كانَت نوار أجنّتِ

ص: 255

وقال الطرماح:

لاتَ هَنّا ذِكْرى بُلَهْنِيةِ الدّهْر

وأَنّى ذِكرى السنِينَ المواضِىِ!

فكيف هذا؟

فالجواب: أن هَنّا لا تختص بالإشارة إلى المكان، بل قد يراد بها الزمان، ومن ذلك هذه المواضع، فإن معناها الإشارة إلى الزمان بلا بُدٍّ، أى ذكرى جُبرة ليس في هذا الزمان، وحنينها ليس هذا الوقت. وكذلك ما بقي. وأما عملها في المعرفة فإنها عند ابن مالكٍ غير عاملة في هذه المواضع، بل هَنّا منصوبٌ على الظرفية، وما بعدها إن كان اسمًا فهو مبتدأٌ خبره هنّا، وإن كان فعلًا فهو على تقدير «أَنْ» محذوفة، وأَنْ وصلتها في موضع مبتدأ خبره هَنّا؛ كأنه قال/: لا هنالك ذكرى كذا، أو لا هنالك حين. نَقَلَ هذا المعنى عن الفارسىّ. قال:«وزعم ابن عصفور أن هَنّا اسم لات. وما قاله غير صحيح، لأن هَنّا ظرف غير متصرّف، فلا يخلو من معنى في» ؛ فقد ظهرت صِحّةُ ما اشترط من عمل لات في النكرة وفي الحين.

ثم قال: «وَحَذْفُ ذِى الرّفْع فَشَا والعَكْسُ قَلّ» . يعنى أن المرفوع الذى رفعته لات فشا حذفٌه وشاحَ وكثر، وعليه القراءة المشهورة:{ولات حينَ مَناصٍ} . وجميع ما مرّ من الأبيات فإنما وقعت أسماء الزمان

ص: 256

بعدها منصوبةً، فالمرفوع محذوف تقديره: ولات حينُ ينادَوْنَ فيه حينَ مناصٍ. وكذلك يقدّر في سائر المواضع. وأما العكس، وهو حذف المنصوب وإبقا المرفوع، فقليل كما قال؛ فحكى سيبويه أن بعضهم قرأ:{ولاتُ حينُ مناصٍ} ، برفع الحين؛ قال سيبويه:«وهي قليلةٌ» . وعلى هذا يكون الخبر محذوفًا، أى: ولات حينُ مناصٍ حينصا ينادَون فيه. وكذلك يجوز رفع ما بعد لات في الأبيات على ذا القليل. وإنما جاز حذف المرفوع هنا -وإن كان الأصلُ ألا يحذفَ؛ إذ هو بارتفاعه بلات يشبه الفاعل، والفاعل لا يحذف- لأن أصل الكلام بعد لا الابتداءُ والخبر، فكما جاز حذفُ المبتدأ جاز حذف هذا. ولا يشبه هذا ما يرتفع بكان؛ لأن مرفوع كان بمنزلة ما يرتفع بالفعل الصريح؛ لأن تصرفها كتصرّفه، بخلاف لات فإن المبتدأ معها كأنه غير معموله لها، لما لم يصحّ إضماره فيها؛ ألا ترى أنك لا تقول: زمانُك لات زمانًا صالحًا، كما تقولُ: كان زمانا صالحًا، فكأنهم اعتبروا فيها هذا المعنى، فأجازوا حذف اسمها. وهذا تعليلٌ بعلّة قاصرة؛ إذ يلزم جواز الحذف في اسم ما ولا وإِنْ. وأما حذف الخبر دون الاسم فللشبه بالفضلة. وهذا أيضا تعليل قاصرٌ. وأما وجهُ كثرةِ حذفِ المرفوع وقلّةِ حذف المنصوب؛ لأن هذا الباب محمولٌ على بابِ كان، وقد ثبت أَنّ المنصوب في باب كان قائمٌ مقام معنى المصدر، فهو كالجزء من الفعل، بخلاف الاسم؛ ولأن الخبر به تمام الفائدة كما تقدّم، فلم يَسُغ حذفه في باب كان، وحُملَ لات على باب كان في ذلك.

ص: 257

فإن قيل: فكذلك ما ولا وإِنْ.

قيل: نَعَمْ، ولكن لات أقرب شبهًا بليس من أخوات كان من غيرها؛ لأن اتصال التاء بها جعلها مختصّة بالاسم، فهى قربُ. وهى أيضًا شبيهة بليس في اللفظ إذ صارت بالتاء على ثلاثةِ أحرف أوسطها ساكن كليس؛ إلا أن الاستعمال خالف هذا القياس، ولكن بقي فيه لفظُ الحمل، فتحاموا في الأكثر حذفَ الخبر لما أشبه الخبر الذى هو عِوَضٌ من حدث الفعل. وهذا تعليلٌ أُجلِبَ عليه من مكان بعيد، وقلّما تجدُ من تُعَلّلُ هذا الموضعَ، فإن وجدتَ أقرب منه فَخُذه وقد حصل من كلام الناظم أَنّ حَذْف اسمِ لات شائعٌ، وحذف قليل. وليس في كلامه ما يدلّ على عدم اجتماعهما في الفظ، وفيه دليل عى عدم اجتماعهما في الحذف؛ إذ معنى قوله:«وحذفُ ذى الرفعِ فَشا» يعنى دون ذى النصب، وكذلك في العكس -أما عدم اجتماعهما في اللفظ فمسكوتٌ عنه، وعند ذاك يعترض عليه؛ لأن السابق إلى الفهم إثباتهما، فلذلك لم ينبّه عليه في الثابت منهما. ونبه على الحذف- لكن اجتماعهما في لات غيرُ موجود في كلام العرب ولا شائع في القياس، وقد نصّوا على ذلك. وإذا ثبت هذا/ فمن أين يُؤْخَذُ له هذا الحكم؟ ويعتذر عنه بأن قوله:«والعكسُ قل» يُفهَمُ منه بأوّلِ النظر أن القلة هى مقابلة الكثرة المذكورة قبلُ، وإذا فُهِم ذلك لم يبق لحالةٍ ثالثةٍ موضع؛ فإنه إذا قال: وحذفُ المرفوع دون المنصوب هو الكثير وردَ عليه سؤالُ من يقول له: فما القليل؟ فأجاب بقوله: إن القليل هو حذفُ المنصوب دون المرفوع. فانحصر الاستعمالُ في هذين الطرفين، فلا سبيلَ إلى فرضِ أمرٍ ثالثٍ هو إثباتُهما مثلا، فاقتضى أَنه غيرُ

ص: 258

موجودٍ، وذلك هو المرادُ، فَتَفَهّمْه.

فإن قيل: فكيف تحقيقُ العكس في كلام الناظم، فإِنّ الظاهر أنه لا يتصوّر في قوله:«وحذفُ ذِى الرفع» خاصّة؟

فالجواب: أَنّ العكس ليس في هذا وحده، بل في أصل ذلك الكلام، وأصله: وحذف ذى الرفع وإثبات ذى النصب -أو: وحذف ذى الرفع دون ذى النصب- فشا. ولكن الناظم اختصره للعلم به. والعكس في هذا الكلام صحيح، فتقول: وحذف ذى النصب دون ذى الرفع قلّ.

وبقي في لات أنه لم يُبيّن معناها، ولا ما أصلها؟ والنحويون فيها مختلفون على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنها لا زِيدَتْ عليها التاءُ لمجرّد تأنيث الحرفِ، كثمّت ورُبّت، لأنها كلمة. وإمّا مبالغةً في المعنى المراد من نَفْىٍ أو غيره.

والثاني: أنها حرف مستقلٌ بنفسه، ليس أصلها لا.

والثالث: أنها ليس بعينها، لكن غُيّرت وأُبدلت سينها تاءً -كما قالوا: سِتّ وأصله: سِدْسٌ، بدليل التصغير على سُدَيس، والتكسير على أسداس- فصارت ليت، ثم انقلبت الياء ألفًا لتحركها في الأصل -إذْ أصلُها عندهم لَيِس- وانفتاح ما قبلها، فصارت لات، فلما تغيرت اختصّت بالحين.

ومذهب الناظم منافٍ لهذا الرأىِ هنا بدليل قوله: «وحذفُ ذِى الرفعِ فشا» فجعله محذوفا كما يُحذف خبرا المبتدأ أو المبتدأ، ولو كنت لات عنده هى ليس لم يصحّ هذا، لأن مرفوعها الضمير فيها ولا يحذف كما لا يحذف من

ص: 259

ليس. وقد يظهرُ من سيبيويه هذا المذهبُ، حيث أطلق لفظ الإضمار عِوضَ الحذف. وحلمه ابن خروف على التجوز لا على حقيقة الإضمار، بناءً على أنها عنده حرف لا فعلٌ.

وأما المذهبان الأولان فَيَحَتَمِل أن يكون الناظمُ ذهب إلى الأول منهما، لأن لما ترجم على الباب ذكر لا وما وإنْ، ولم يذكر لات، فأشعَر أن لات عنده هى لا كُسِعَتَ بالتاء، أى: ضُرِب في عَجُزها بها. ويحتملُ أن يكون مذهبه الثاني، لأنه لما ذكر حكمها ذكرها كالمستقلّة بنفسها، ولم يبيّن أنها هى لا، كما قال في التسهيل:«وتكسع بالتاء فتختص بالحين أو مرادفه» .

ص: 260