المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وهذه الأوجه الأربعة قويّة الورود على الناظم، يصعُب الجواب عنها. (ثم - شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية - جـ ٢

[الشاطبي الأصولي النحوي]

الفصل: وهذه الأوجه الأربعة قويّة الورود على الناظم، يصعُب الجواب عنها. (ثم

وهذه الأوجه الأربعة قويّة الورود على الناظم، يصعُب الجواب عنها.

(ثم قال):

‌أَعْلَمَ وَأَرَى

هذا هو النوعُ السابعُ من نواسخ الابتداءِ، وهو بابُ ما يتعدّى إلى ثلاثة مفعولين، أصلُ الثانى والثالث منها المبتدأ والخبر، ويسمّى باب أَعْلَمَ. وقدّم هنا فعلين خاصّةً وقد ذكر معهما خمسة لكن آخر الباب، ولم يُصدِّر بها كُلّها، وكان الأولى أن يُصَدّر بالجميع على عادته فى ذلك وعادة غيره، فَيُسأَلُ: لِمَ لَمْ يفعل ذلك؟

والجواب: أنه إنما أتى بهذين الفعلين صدر الباب لأنهما الأصل فيه، وأما الخمسة الباقية فدخيلةٌ فيه بتضمين معنى أَعْلَمَ؛ فإن هذه الخمسة التى ذكرها آخر الباب -وهى: أنبأَ، ونبّأَ، وأخبرَ، وخَبَّر، وحَدّثَ- أصلها عند العرب أن تتعدّى بحرف الجرّ إلى الأثنين وبنفسها إلى الثالث، نحو: نبّأتُ زيدًا عن عَمْروٍ بكذا. وقد يسقط الجارّ من الأول نحو: نبّأت زيدًا عمرًا بكذا، ومنه ما أنشده سيبويه للفرزدق:

نُبِّئْتُ عبدَ الله بالجوِّ أَصْبَحَتْ

كرامًا مَوَاليها لَيئمًا صميمُها

ص: 510

وحمله على حذف الجارّ، كأنه قال: تُبِّئت عن عبد الله.

وقد يحذف الثالث فتقول: نَبأتُ زيدًا عمرًا، أو الثانى فتقول: نبأت زيدًا بكذا، ونبأت زيدًا كذا، على حذف الثانى أيضا. وفى القرآن الكريم:{فَلَمَّا نَبّأتْ بِه وأَظْهَره الله عَلَيْهِ عَرّفَ بعضَه وأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ، فَلَمَّا نبَّأَها بِهِ قالَتْ: مَنْ أَنْبأَكَ هذا؟ قالَ: نَبَّأَنِىَ العليمُ الخبيرُ} ، ففى الآية دليلٌ على أنها ليست من باب أعلمَ، فلما كانت كذلك لمَ يِلقْ بالناظم أن يجعل ما صدَّر به الباب مع الخمسة الأُخَر فى نصابٍ واحدٍ، ولهذا لما ذكر السيرافى أفعال هذا الباب قَسَّمها ثلاثة أقسام، أحدها: ما نُقِل بالهمزة من البا قبل هذا، وهو أعلم وأرى. والثانى: ما في معنى الخبر والتقدير فيه حرف الجر، وذلك الخمسة الباقية. والثالث: ما يُبْلَغُ به الثلاثة بالاتساع وليس مما يذكره الناظم هنا. فجعل الثانى مما أصلُه أن يتعدّى بالحرف، وهو صحيح.

* * *

(ثم قال الناظم):

إِلَى ثَلَاثَةٍ رَأَى وَعَلِمَا

عَدّوْا إِذَا صَارَا أَرَى وَأَعْلَمَا

/ يعنى أنّ رأى وعلم المتقدّمين قبلُ إذا نُقِلا بالهمزة فصارا إلى

ص: 511

صيغة أفعل نحو: أرى وأعلَمَ، تعدّيا إلى ثلاثة مفعولين، مثال ذلك: أعلمتُ زيدًا عمرًا أخاك، ورأيت بكرا بشرً قائما. وفى هذا الكلام تنبيهُ على أُمورٍ سوى المعنى المفهوم أولا:

أحدها: أن هذين الفعلين منقولان بالهمزة مما يتعدّى إلى مفعولين، فليسا فى هذا التعدّى أَصِيلِين، وذلك بَيِّنُ من قوله:«إذا صَارا أرى وَأَعْلَما» ، يعنى بالتعدّى بالهمزة المتعدّية اللاحقة لرأى وعَلِم.

والثانى: أنه لما أطلق القول فى رأى، وكان قد قدّم لها معنيين تكون بهما من النواسخ، أشعر ذلك بأنها كذلك إذا نقلت بالهمزة فمثال العِلّميّة ما تقدم، ومثال الحُلُمية قول الله سبحانه:{إِذ يُريكَهُمُ الله في مَنَامِك قليلًا ولو أراكَهُم كَثِيرًا لفشلتم} الآية. ثم قال: {وَإِذْ يُرِيكُمُوُهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُم في أَعيُنِكُمْ قَلِيلًا} ، فهذه بصرية تتعدّى بالهمزة إلى أثنين، و (قليلًا) حالُ لا مفعولُ ثالث.

والثالث: أن قوله «عَدّوا» ، يريد بضميره العرب، ففيه تنبيهُ على أَنّ هذه التعدية إنّما قيل بها لما كانت العربُ قد أتَتْ بها، ولولا ذلك لم يُقَلْ بها قياسًا؛ إذ القاعدة الاستقرائية أنّ التعدّى بالهمزة فيما يتعدّى إلى اثنين سماعُ وليس بقياس؛ إذ لم يكثر كثرةً توجب القياس، بخلاف غير المتعدّى فإنه يتعدّى بالهمزة قياسًا، لكثرة ما جاء منه فى السماعِ، وكذلك المتعدّى إلى واحدٍ قد

ص: 512

يُعدَّى بالهمزة قياسًا. وسببُ القياس فى هذا وعدمِ القياس فى المتعدّى إلى اثنين أنّ التعدية إنما هى إلحاقُ للمعدَّى بما قَصُر عن أن يتعدّى تعديته بحقّ الأصل، فإذا لم يكن ثم ما يتعدّى بحق الأصل إلى ثلاثة كان قياس هذا أن لا يُعدّى. وهذا المعنى مبسوط فى باب التعدّى. وإذا كان كذلك ثبت أن أعلمَ وأرى على خلاف القياس، فلا يقاس عليهما غيرُهما، وهذا مذهب الجمهور.

وذهب أبو الحسن إلى جواز إلحاق أخوات علم وأرى بهما فى التعدية بالهمزة قياسًا، فيقال: أظننتُ زيدًا عمرًا أخاك، وأحسبتُ بشرًا زيدًا صديقك، وأزعمتُ زيدًا بكرًا مقيما، وأخلْتُه عمرًا منطلِقًا، وأوجدتُك زيدًا رفيقك وما أشبه ذلك.

وقد رُدَّ مذهبُ الأخفش بما أشير إليه من أنه ليس للمتعدّى إلى اثنين بنفسه ما يُلحَقُ به في باب الثلاثة؛ إذ ليس فى باب الثلاثة ما يتعدّى إليها بنفسه فيلحق هذا به بالهمزة.

وقوله: «رأى وعَلِما» منصوبان على المفعولين بعدوّا، والمجرور متعلق به أيضا، أى: عَدّوا رأى وعَلِم إلى ثلاثة إذا صارا أَرَى وأعلَمَ.

والتعدّى: هو نصبُ الاسم على المفعول به.

وفى قوله «عدّوا» مع قوله «إذا» إشكال لفظىّ، لأنّ عَدّوا ماضٍ، وإذا لما

ص: 513

يستقبل، ولا يَعْمَلُ الماضى فى المستقبل، لا تقول: قمتُ إذا طلعتِ/ الشمس، وإنما الموضع لإذ.

والجواب: أن المؤلف قد حكى أنّ إذا تقع موقع إذ، فتأتى للزمان الماضى، وجعل من ذلك قول الله تعالى:{وَلَا عَلَى الّذِينَ إِذَا ما أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ: لا أَجِدُ} .. الآية، وقوله تعالى:{وَإِذَا رَأَوا تِجَارَةً أَو لهوًا انفضُّوا إِلَيْها} . وفى الشعر من ذلك أشياء كقوله:

وَنَدمانٍ يزيدُ الكأسَ طيبًا

سَقَيتُ إِذَا تَغَورَتِ النجومُ

فهذا من ذلك على رأيه فيها.

* * *

ثم شرع فيما يتعلّق بهما من الأحكام فقال:

وَمَا لِمَفْعُولَى عَلِمْتُ مُطْلَقَا

لِلّثانِ وَالثّالثِ أَيْضًا حُقِّقَا

يعنى أن كلّ حكم ثبت لمفعولى علمتُ وأخواتها فإنه ثابتُ هنا للمفعول الثانى والثالث، محقّقُ من غير استثناءِ أَمْرٍ، وهو معنى قوله «مطلقا» مع مجئ ما المقتضية لعموم الأحكام. والذى قَدّم لمفعولَى علمت

ص: 514

من الأحكام أربعة:

أحدها: الإلغاء، فتقول: عَمْروُ منطلق أَعلمتَك، وعمرو -أعلمتُكَ- منطلق- وحكى المؤلف عن العرب: البركةُ -أعلَمنَا اللهُ- مع الأكابر. وأنشد:

وأنت -أَرانى اللهُ- أَمنعُ عاصمٍ

وأمنَحُ مستكفىٍ وأسمحُ واهبِ

ووجود السماع يدلّ على صحة القول بما قال الناظم من جواز الإلغاء هنا، وهى مسألة مختلفِ فيها على ثلاثة أقوال: الجواز مطلقًا، أعنى في الثانى والثالث لا فى الأَوّل؛ إذ لا يجوز فيه إلغاءُ ولا تعليقُ أتفاق، وهذا هو رأى الناظم. والمنع بإطلاق، وهو رأىُ الشلوبين، وأضافه إلى المحققين. والفرق بين أن يبنى الفعلُ للمفعول فيجوزُ لمساواته فى الحكم لباب علم، وبين أن يبنى للفاعل فلا يجوز؛ لأن الفعل يكون إذ ذاك مُعْمَلًا مُلْغىً فى حالة واحدة، وذلك تناقض، ويظهر هذا الفرقُ من الجزولى. والسماع والقياسُ يدلّان على صحة الأوّلِ، أما السماع فقد مرّ، وأما القياس فَيما بين عَلِمَ وأعلم من المناسبة اللفظية والمعنوية، فاللفظية اتَحاد المادة، والمعنوية اتحاد المعنى الذى دلت عليه المادة، وأيضًا فاتحادهما فى التصرف، وإنما افترقا بزيادَةِ أَعلمَ مفعولًا آخر، وذلك غير ضارّ؛ فإن الأصل عَلِم، وإنما تَعدَّى بلَحاقِ الهمزة،

ص: 515

فالهمزة مزيدةٌ على عَلِمَ، فينبغي أن يبقى في أَعلَمَ حكمُ عَلِمَ، ألا ترى إلى بقاء أحكام عَلِمَ فيه بعد النقل: من عدم الاقصار على أحد المفعولين الثاني والثالث، وغير ذلك من الأحكام؟

وأمّا كونه مُعمَلًا في حالٍ واحدة فذلك قياس مع وجود السماع، وأيضًا فذلك من وجهين مختلفين؛ إذ الفعلُ من جهة المعنى مؤثّرٌ في الأول فلم يصحّ إلغاؤه بالنسبة إليه كما لم يصحّ إلغاءُ ضربتُ ولا كسوتُ، وغير مؤثّرٍ في الثاني والثالث فصحّ إلغاؤه عنهما [كما صح إلغاؤه عنهما] قبل النقل باتفاق. وإنما يمتنع الإلغاء وعدمُه في حالةٍ واحدةٍ إذا لم تختلف الجهتان، ولذلك لم يصحّ إلغاء عَلِمَ عن أحد مفعوليه دون الآخر، وإنما رُفِضَ لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر والخبر بلا مبتدأ، وذلك مفقود.

والحكم الثاني: التعليق، نحو أعلمت زيدًا أأبوه عندك أم أخوه؟ ، وأعمتك/: ما زيدٌ قائمٌ، ومنه في نَبّأَ الآتية بعد هذا قول الله تعالى:{وقال الذين كفَرُوا هَل نَدُلُّكُم على رَجُلٍ يُنَبِّئكُم إذا مُزّقتُم كُلّ مُمَزّقٍ إنّكُم لفي خَلقٍ جديد} . وأنشد المؤلّف:

حَذَارِ فقد نُبّئتُ أنّك للّذي

ستُجزَى بما تسعى فتسعدَ أو تَشقى

ص: 516

فهذا عند الناظم جائزُ قياسًا، وهو أحُد المذاهب الثلاثة المحكيّة. والثاني: المنعُ بإطلاق، والثالث: التفرقة المذكورة فى الإلغاء. والحُجَةُ للمذهب الأول ما تقدم، وأيضًا فلا محذور فى تعليق الفعل عن بعض معمولاته دون بعض، كما جاز ذلك في عَلِم، فكما يجوز لك أن تقول علمتُ زيدًا أبو من هو، كذلك يجوز أن تقول: أعلمتُ زيدًا أنُهم فى الدار فإن قيل: إن زيدًا مع علمت مُعَلّق من جهة المعنى، بخلاف هذا.

فالجواب: أن امتناع الجمع بين التعليق وعدمه فى المعمولات هنا إما أن يكون لأمرٍ لفظى أو لأمر معنوىّ، فإن كان لأمر لفظى -وهو مَنحُ اللفظ- فَلْيمنع فى: علمت زيدًا أبو من هو؛ لأن العامل قد عُلِّق عن أحد المعمولين دون الآخر، وإن كان لأمر معنوىّ فليس ما ذكرت، بل لأجل أن الفعل مؤثر في الأول فلا يعلّق عنه، وغير مؤثر فى الباقين فيصحّ تعليقُه عنهما، كما أن علمت غير مؤثّر فى معموليه فيصحّ تعليقه عنهما. وأما التفرقة بأنّ زيدًا مع علمت مُعَلَّق عنه الفعلُ من جهة المعنى بخلاف الآخر، فلا معنى له. وأما تفرقة الجزولىّ هنا وفى المسألة قبل فمعتمدُه فيها أن المبنى للمفعول صار بصورة المتعدّى إلى اثنين، فجاز فيه ما جاز فى عَلِم. وهو فرقٌ ضعيف.

والحكم الثالث: امتناع حذف المفعولين أو أحدهما اقتصارًا، فلا تقول: أعلمتُك زيدًا، ولا: أعلمتك قائما، [ولا: أعلمتُكَ]، ولا: أعلمت زيدًا - فتحذف الثلاثة.

ص: 517

وهذه ستُّ مسائل تضمّن كلامُ الناظم في إحالته امتناعها، وهي فى الحقيقة ترجع إلى ثلاث مسائل إذ اعتبرتها؛ فأمّا الأولى والثانية والرابعة والخامسة فمتفق على امتناعها؛ إذا صار المبتدأ فيها بلا خبر، والخبر بلا مبتدأ. وأمّا الثالثة -وهى حذف الثاني والثالث دون الأول- فوافق الناظمُ فى منعها جماعةً منهم ابن خروف وشيخه، خلافًا لمن أجاز ذلك منهم: الأخفش والسيرافى والخِدَبُّ فى بعض الأقات ثم رجع إلى المنع، والمؤلف فى التسهيل وشرحه، فهو ممن اضطرب رأيه فى المسألة. وحجةُ المنع هنا ستأتى. وأما السادسة -وهى حذف الثلاثة فامتنعت لأجل حذف الثانى والثالث لا لأجل حذف الأول؛ إذ الأول لم يَنُصّ على امتناع حذفه اقتصارًا، فيفهم له من استثنائه له أَنّ حكمه حكم غيره من المفعولات التى يجوز الاقتصار دونها، ولا يجوز فيها إلغاء ولا تعليق، كمفعولى باب كسا، وقد ذكر جوازُ الاقتصار فى غير ما أصله المبتدأ والخبر فى بابه، فمن هناك/ يؤخذ له جوازُ الاقتصار على الثانى والثالث هنا دُونَ الأوَّلِ، فإذا حُذِف الأول معهما كان ممتنعًا عنده أيضا، فالخلافُ فيها مع من تقدم فى الثالثة.

وقد يحتج لما ذهب إليه أنه لما كان باب أَعْلَمَ محمولًا على باب عَلِم فى كثير من الأحكام؛ إذ جرت فيه أحكام الاقتصار والمنع منه على الجملة، والإلغاء والتعليق، وكانت جملة مسائل الاقتصار ممنوعة في علم

ص: 518

لموجبات اقتضت المنع، حُمِلَ [جَميعُ] مسائله فى باب أعلم ذلك المحمل، ما فيه منها موجب، وذلك الأولى والثانية والرابعة والخامسة، وما ليس فيه موجب وذلك الثالثة والسادسة؛ إذ الفائدة حاصلة إذا قلت: أعلمتك، أو أعلمت، بخلاف عَلِمْتُ، كما تقدم، ليجرى الباب مجرىً واحدًا. ولا تستضعف هذا المأخذ فإنّ له فيه أسوة، وهو القاضى أبو الواليد الوَقّشِىُّ، فإنه قال فى المسألة نفسها: لمّا امتنع بإجماع حذف الثانى وحده والثالث وحده، وحذف الأول والثالث معًا، وحذف الأولى والثانى معًا، حُمِل حذف الأول وحده والثانى والثالث وحدهما على الأربعة المذكورة فى الامتناع، من باب حَمْلِ الأقلّ على الأكثر. هذا ما قال، وهو عينُ ما ذهب إليه الناظم لمّا كان الأولُ مثلَ الأولِ فى باب كسا.

هذا حكم الحذف اقتصارًا، وأما الحذفُ اختصارًا فقد قدّم هو أنه فى باب عَلِم جائز، فكذلك يكون هناك جائِزا. وهو الحكم الرابع، فتقول -لمن سأل: هل أعلمتَ زيدًا عمرًا-: أعلمت. منطلقا؟ وتقول: أعلمتُ زيدًا، أو: أعلمت عمرًا، أو: أعلمت عمرًا منطلقا، أو: أعلمت منطلقا أو ما أشبه هذا؛ لأن المحذوف اختصارًا فى حكم الملفوظ به.

وقوله: للثانِ، أصله: للثانى، إلا أنه حذف الياءَ ضرورة، كما قال

ص: 519

الأعشى، أنشده سيبويه:

وَأَخُو الغَوانِ متى يَشَأْ يصْرمْنَهُ

وَيصُرْت أعداءً بُعَيدَ وِدَادِ

ويجوز مع ذلك فى الكلام قليلًا.

ومعنى: حُقِّق: أُثْبِتَ، أى: أثبت ما لمفعولى علمتُ من الأحكام للثانى والثالث هنا، لأنّهما هما. والحقُّ معناه: الثابتُ.

* * *

(ثم قال):

وإِنْ تَعَدّيا لِوَاحِدٍ بِلا

همْزٍ فَلاِثْنَينِ بِهِ تَوَصَّلَا

وَالثّانِ مِنْهُمَا كثانىِ اثْنَى كَسَا

فَهْوَ بِهِ فىِ كُلِّ حُكْمٍ ذُو انْتُسِآ

لما كان أعلم وأرى فى تعدّيهما على وجهين: وكان سببُ ذلك تعدّى أصلهما، أخذ يعرّف بالوجهين، فتكلم أولًا على أحد الوجهين وهو حيث يكونُ أصلهما متعدِّيا إلى اثنين، ثم عطف بالوجه الثانى وهو حيث يكون أصلهما متعدِّيا إلى واحدٍ، فيعنى أنّ أرى وأعلم إن كن قبل النقل بالهمزة يتعدّيان إلى

ص: 520

مفعول واحد فإنهما إذا نُقِلا بالهمزة تعدّيا إلى اثنين؛ فقوله: «بلا هَمزْ» أراد قبل النقل، وقوله:«به» ، يريد بالهمزة أى: فبالهَمْزِ توصّلا إلى التعدّى إلى اثنين. والحاصلُ أن الهمز يُوَصِّلُ إلى زيادة منصوب على المفعولية، أما عَلِم فقد قدّم هو أنه إذا كان بمعنى عرف تعدّى إلى مفعولٍ واحدٍ فى/ قوله:«لِعلْم عِرْفَانٍ وَظَنٍّ تُهَمَهْ» .. إلى آخره. ومثاله: علمت زيدًا، فإذا نقلت هذا بالهمزة قلت: أعلمت زيدًا الخبر، أى: عرّفته إياه. وأما رأى فتكون بمعنى أبصر فتتعدّى إلى واحدٍ، نحو: رأيتُ وجهك، وتكون بمعني اعتقد نحو: رأيت قول مالك. أى: اعتقدت، وتكون بمعننى الإصابة فى الرئة، فتقول: رأيت زيدًا، أى: ضربته فى رئته. فكلّ هذا يتعدّى الفعل فيه إلى واحدٍ، فإذا نقلته بالهمزة قلت: أريتُ وجهك زيدًا، وأريتُ زيدًا قول مالك، وأريت زيدًا عمرًا.

فإن قلت: لِمَ اقتصر هنا على ذكر ما يتعدّى إلى واحدٍ قبل النقل، وقد كان من الفرض أن يذكر ما لا يتعدّى أصلًا؛ إذ هو خارج عن هذا البابِ، كما كان المتعدّى إلى واحدٍ، فإما أن يخرج الجميع، وإما أن يسكت عن الجميع، وسكوتُه عن الجميع مخلٌّ؛ إذ يدخل فى الباب ما ليس منه، فسكوته عن البعض أيضًا كذلك، فكان الأولى أن يقول: وَإنْ تَعَدّيا بلا هَمْزٍ إلى واحدٍ وَصَلا به إلى اثني، وإن لم يتعديا أصلًا بلا همز توصَّلا به إلى واحدٍ.

فالجواب: أن رأى وعلم ليسا ممّا يستعملان غير متعديين

ص: 521

استعمالًا متعدًّا به، أما رأى فلم يحكه المؤلف فيه فى التسهيل ولا شرحه، على اتساع باعه فى الحفظ. وأعلم فإنما حكاه فى قولهم: عَلِم فهو أعلم: إذا انشقّتْ شفته العليا. وليس فى الاستعمال بشهير شهرة غيره من الاستعمالات، فلم يَحْفِلْ به. وأيضا فإذا حققنا قصده مما تقدّم له فى الباب قبل هذا وجدناه لم يتعرّض إلا للأفعال القلبية، وقد مَرَّ بيان هذا، فلم يدخل له هنا بحسب قصده إلا رأى بمعنى اعتقد، وعلم بمعني عرف. وأمّا رأى بمعنى الإبصار أو بمعنى الإصابة، وعَلِم بمعنى شَقّ الشقة فلا دخول لها هنا، والله أعلم.

ثم ذكر حكم المفعولين هنا، وهل لهما حكم ما تقدّم أم لا فقال:«والثانِ منهما كَثَانِى اثْنَىْ كَسَا» ، حذف هنا ياء الثانى كما حذفت فى قوله:«للثّانِ والثّالِثِ أيضًا حُقِّقَا» . وأراد أَنّ الثانى من هذين المفعولين فى: أريت زيدًا رأى مالك، وأعلمت زيدًا الخبر، كالثانى من مفعولى كسا، لا كالثانى من مفعولى عملت العلميّة. ووجه الشبه بينهما أن الثانى فيهما غير الأول، كما إذا قلت: كسوت زيدًا ثوبًا، فزيدُ غير الثوب، وكذلك إذا قلت: أعلمت زيدًا الخَبَر، فزيدُ غيرُ الخَبَرِ، بخلاف: علمت زيدًا أخاك، فإن الأخ هو زيد، وزيدُ هو الأخ. وإذا كان مثل الثانى فى كسا «فهو به فى كل حُكم ذو ايُتا» ، يريد أنّ الثانى من مفعولى أعلمت ههنا فى جميع أحكامه مثلُ ثانى مفعولى كسا.

والأحكام التى تتعلّق بمفعول كسا جملة، سيذكرها فى بابها إن شاء الله، فمنها: جواز حذفه دون الأول اقتصارًا، فتقول: أعلمت زيدًا، وأريت

ص: 522

زيدًا، كما تقول: كسوت زيدًا. وجواز حذف الأول دون الثانى اقتصارًا أيضا، فتقول: أعلمتُ الخبر، وأريتُ مذهب مالك، كما تقول: كسوت ثوبا. وجواز حذفهما معًا نحو: أعلمت، وأريت، كما تقول: كسوتُ. ومنها منعُ الإلغاء والتعليق كما امتنع ذك فى كسا، إلى غير ذلك من الأحكام المتعلّقة بكسا، حسبما يأتى إن شاء الله./ إلا أنّ فى هذا الكلام نظرًا من وجهين:

أحدهما: أنّ قوله: «كثانى اثنى كسا» إما أن يكون ثانى بمعناه الظاهر، واثنى كسا مرادفًا لقولك: مفعولى كسا، حتى كأنه قال: كثانى مفعُولى كسا. وإما أن يكون بمعناه فى قولك: ثانى اثنين، وثالث ثلاثة، أراد: كأحد اثني كسا. وعلى كلا الأمرين فتخصيصه الثاني بالحكم بقوله: الثان منهما كثانى كذا، لا وجه له؛ فإن الأول منهما أيضًا كذلك. وأيضًا فذلك التخصيص يوهم أن المفعول الأوّل ليس كأحد مفعولى كسا. وهذا مخلٌّ، فكان الأولى أن يقول: وحكمُ المفعولين هنا حكمُ مفعولى كسا، فلو قال مثلًا:

* ثُمَّ هُمًا هُنَا كمفعولَىْ كَسَا *

أو ما أعطى ذلك من النظم، لتَمّ كلامه وصحّ.

والثانى: أنه قال: «فَهْوَ به فى كلِّ حُكم ذُو أتسا» ، فهو: عائد إلى الثانى وبه: عائد إلى ثانى اثني كسا، أى: هو مثله فى كلّ حكمً تَعلَّق به، ومن جملة الأحكام المتعلقة بثانى اثني كسا أنه لا يُعلَّق عنه

ص: 523

فعلُه، فاقتضى أن الثانى من مفعولى أعلمت بمعنى عرفت لا يعلّق عنه فعلهُ، وكذلك أريت. وذلك غيرُ صحيح، بل تقول: أعلمتُ زيدًا أبو من عمرو، فى المنقول من: عَلِم زيدُ أبو من عمرو، كما تقول: عرف زيدُ أبو من عَمْرو، وفى المنقول منه: عَرّفت زيدًا أبو من عَمْرو. ويلحق بها أيضًا «أريت» فى هذا الحكم إن قلنا بالقياس الذى أشار إليه فى التسهيل. وإذا ثبت هذا كانت كُلِّيتُه غير مستمرَّة.

والجواب عن الأول أن مراده -كما تقدم أَنَّ الثانى من مفعولَى أعلمت وأريت غيرُ الأول، كما أنّ الثانى فى كسا غير الأول، وإذا كان معنى هذا كانَ فى قوة أن لو قال: والثانى مع الأول كذا، وإذا كان كذلك فليس الثانى مع الأول بمخصّصٍ بالذكر دون الأول، لأنه إذا كان الثانى مع الأول كان الأول مع الثانى كذلك، ويلزم من ذلك أن يكون حكمُ الأول مع الثانى كحكم الثانى مع الأول. وأيضًا فإذا كان الثانى غير الأول كما فى كسا، وكان ثانى كسا حكمه حكم الأول، فكذلك يجب أن يكون ثانى أعلم هنا حكمهُ حكمُ الأول، فلا يلزم على هذا محذور.

وأما الثانى فإنّ المسألة تقتضى وجود الخلاف فيها من مسألة أعلم، حيث اختلف فى جَوازِ التعليق فيها مع الاتفاق عليه فيما نقلت منه، فكذلك يلزم فى أعلمت المنقولة من علمت -بمعنى عرفت- أن يجرى فيها الخلاف، ويكون وجه المنع ما تقدم عدم ورود السماع بذلك.

ص: 524

والائتساءُ ممدودُ، وهو مصدر ائتسى به: إذا اقتدى به واتبعه، والأسوة: القدوة، أى: فهو به ذو اقتداء فى كل حكم. ولا يعنى أنه ذو اقتداءٍ به بمعنى أنه مقيس عليه، وإنما أراد فى تعريف الحكم خاصة.

وبقى هنا فى كلامه مسألة، وذلك أَنّ قوله: «وَإِنْ تعدّيا لواحدٍ بلا هَمْزٍ، .. إلى آخره، يقتضى جواز تعدِّى مثل: عرفتُ زيدًا، بالهمز، حتى يصير به متعدِّيًا إلى اثنين، ويلزم على جواز هذا جواز ما لا يتعدّى أن يتعدّى بالهَمْزِ إلى واحدٍ قياسًا، وهو بذلك أولى من المتعدّى. وقد تقدّم فى أرى وأعلم أنه عنده سماع، فالمتعدّى بنفسه إلى اثنين لا يتعدى بالنقل إلى ثلاثة قياسًا عنده، فمذهبه فى المسألة مذهب ابن خروف، وهو التفرقة. وقيل: إنه لا يجوز قياسًا إلا فيما لا يتعدّى، كقام وأقمتُه، وقعد وأقعدته. وأمّا ما يتعدّى فلا يجوز أن يتعدّى بالنقل، وما جاء من نحو: لبس الثوبَ وألبسته إياه وعلمت زيدًا قائمًا، وأعلمت زيدًا قائما فسماع، ويظهر هذا من سيبويه. وقيل: يجوز قياسًا فى الجميع.

وينتهى التعدّى إلى ثلاثة مفعولين خاصّةً، أعنى التعدّى بالهمزة باتفاق. وهذا رأى الأخفش، وقد تقدم التنبيه عليه، ولم يأت عنه النصّ فى هذا إلّا فى ظنّ وأخواتها، وأُلْزِم على ذلك إجازةَ أكسيتُ زيدًا عمرًا ثوبًا، هو لازم.

ووجه ما ذهب إليه الناظم القياس والسماع، أما القياس فهو أن المتعدّى بالهمزة إنما عدّى بها ليلحق بالمتعدّى بنفسه فى الرتبة التى فوقه، فما لا يتعدّى يلحق بالمتعدّى لواحدٍ بنفسه كضرب، فتقول: أقمته كما تقول:

ص: 525

ضربته. وما يتعدّى إلى واحد بنفسه يلحق بالمتعدّى إلى آثنين بنفسه ككسا، فتقول: ألبسته ثوبا، كما تقول: كسوته ثوبا وأما ما يتعدّى إلى اثنين فلا يلحق بما فوقه بالهمزة؛ إذ ليس فوقه ما يتعدّى إلى ثلاثة بنفسه فيلحق هذا به. ومن هنا قال بعضهم: إن نصب الظرف أو غيره على المفعول به اتساعًا لا يصحّ فيما كان متعدّيا إلى ثلاثة، لأن نَصْبَه على الاتساع تشبيه له بالمفعول الصحيح مما فوقه فى الرتبة، وليس ثَمَّ مفعولُ به رابعُ لمفعولِينَ ثلاثة؛ إذ الثلاثة هى النهاية، فلا يصح الاتساع فى الظرف إلا إذا كان الفعلُ غير متعدٍّ، ومتعدّيًا إلى واحدٍ أو اثنين. وما ذهب إليه الناظم هو أيضًا ظاهر الفارسىّ فى الإيضاح. وأما السمع فهو فى غير المتعدّى كثير جدًّا وفى المتعدّى كثير أيضا، إلا أنه لا يكثر كثرة الأول، ومنه: لبس الثوبَ، وألبستُه الثوبَ. ونلتُ الشئ وأنُلتكَه. وعطا الرجلُ الشئَ، أى: تناوله، وأعطيته إياه. ورأيت الشئ، أى أبصرته، وأريتَكَه، وسمعت الكلام، وأسمعته إياه. وعَلِم الشئ وأعلمته إياه، أى: عرّفتهُ إياه. ومثل الفارسى المسألة بقولك: أضربت زيدًا عمرًا، قال: «وتقول: أبى زيد الماء، وآبيتُهُ الماء. وأنشد لساعدة بن جؤُية:

ص: 526

قَدْ أُوِبَيتْ كُلَّ ماءٍ فَهْىَ صَادِيةٌ

مَهْما تُصِبْ أُفُقًا مِنْ بَارِقٍ تَشِمِ

هذا كلّه ظاهِرُ أن يقاس مثلُه، بخلاف ما يتعدّى إلى اثنين بنفسه فإنه لا يكثر تعدّيه بالهمزة إلى ثلاثةٍ، بل هو قليلُ لا يبلغ مبلغ أن يقاس عليه. والله أعلم.

* * *

(ثم قال الناظم):

وَكَأَرَى السَّابِقِ نَبَّأَ أَخْبَرَا

حَدّث، أَنْبَأَ، كَذَاكَ خَبَّراَ

يعنى أَنَّ هذه الأفعال الخمسة، وهى -نبَّأَ، وأَخْبَرَ، وحدَّثَ، وأنبأَ، وخبَّرَ- مثلُ أَرَى الذى تقدّم ذكره/ وسبق أول الباب، وهو المتعدّى إلى ثلاثة، فتتعدّى هذه الأفعال تعدّيه، ويكون حكمُها حكمَه.

وتحرّز بالسابق من أرى المتعدى بعد النقل إلى اثنين، وهو المنبّه عليه بقوله:

وَإِنْ تَعدّيا لواحِدٍ بلَا

هَمْزٍ فلا ثْنَينِ به تَوَصّلَا

فلو لم يُقيِّد بالسابق لتوهّم أنه أحال على أقرب مذكور، وذلك

ص: 527

إخلال، فتقول: نَبَّأتُ زيدًا عمرًا أخاك، وأخبرتُه بشرًا صَدِيقَك، وكذلك سائرها. ومن مُثُلِ ذلك عند بعضهم قولُ الله تعالى:{وقال الذينَ كَفَرُوا: هَلْ ندلُّكُمْ على رجل يُنبِّئكم إذا مُزِّقْتُم كُلَّ مُمَزَّق إِنَّكم لَفِى خَلْقٍ جديد} . ومن ذلك قولُ كعب بن مالك، رضى الله عنه:

سألتُ بك ابنَ الزِّبعرى فَلَمْ

أَنَبَّأك فى القومِ إلا هَجِينَا

وقال الآخر:

نُبِّئْتُ زُرعَةَ والسفاهة كاسمها

يهدى إلىّ غرائب الأشعار

فَيُهدى: فى موضع المفعول الثالث. وقال الآخر، أنشده ابن خروف:

وَأُنْبُتُ قَيْسًا وَلَمْ أَبْلُهُ

-كَمَا زعمُوا- خَيْرَ أَهْلِ اليَمَنْ

وقال الحارث بن حِلِّزة:

أَوْ مَنَعْتُمَ ما تُسأَلُونَ فَمنْ

حُدِّئْتُمُوهُ لَهُ عَلَينا العَلَاءُ

ص: 528

وقد تَقَدَّم وجهُ تأخيره هذه الأفعال، وأيضًا فإن إِثبات هذه الخمسة من هذا الباب فيه نظر؛ لأنها لم تتعيَّن له، وما ذكر من السماع فيقدّر إسقاط الجارّ منه فى بعض المفولين كما قَدّر سيبويه -فى: نُبِّئت زيدًا، يريد: عن زيدٍ- وكذلك غيره، وأيضا فالنصب بعد إسقاط الجارّ ثابت فى قولهم: نُبِّئتُ زيدًا مقتصرًا عليه، وبعد أنبأَ فى قوله تعالى:{مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا؟ } ، ولم يَثْبُت إجراؤهما مجى أعلم إلا حيث يحتمل حذف الجارّ، فكان الحملُ عليه أولى، هذا فى نَبَّأَ مع كثرة استعمالها، وأما أخواتها فيندر استعمالها على تلك الصورة، كقول الحارث بن حِلِّزة، فَيْجُعْل التقدير فيه: فمن حُدِّثْمُ عنه. والجملة بعد المنصوب حالية، أو على إضمار القول. فلما كان كذلك، مع أن النحويين لم يتحاشوا من عدّها فى هذا الباب، رأى أنَّ ذكرها اقتداءً بهم أولى، مع التنبيه على قصورها عن أعلم وأرى بتأخيرهما عنهما. والله أعلم.

* * *

ص: 529