الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وبه صرح العلامة التاج بن السبكي في جمع الجوامع.
بالجواز، "وجوز غيره تخصيص الكتاب والسنة بالقياس" المستند إلى نص خاص ولو خبر واحد، سواء كان القياس جليًا أو خفيًا على المختار، "وبه صرح العلامة التاج" عبد الوهاب "بن علي "السبكي في جمع الجوامع" في مبحث التخيص، وأجاب شيخنا في التقرير عن استدلال الرازي بهذه الآية، بأنا لا نسلم أن معارضته بالقياس حرج كما ادعى، وإنما هو تردد في فهمه: هل هو موافق أم لا.
النوع الثامن: فيما تتضمن الأدب معه صلى الله عليه وسلم
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] .
النوع الثامن:
"فيما" موصول أو نكرة موصوف، أي: الآيات التي تتضمن، أو في آيات "تتضمن"، أي: تدل، أو تستلزم لا خصوص دلالة التضمن الاصطلاحية "الأدب"، بحذف مضاف، أي: طلب الأدب "معه صلى الله عليه وسلم" في جميع، الأقوال والأفعال.
"قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] الآية، وجه تضمنها الأدب، النهي عن الشيء أمر بضده، وهو طلب التأخر وهو أدب.
روى البخاري عن ابن الزبير: قدم ركب من تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر، ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية، حتى انقضت الآية.
وروى ابن المنذر عن الحسن: أن ناسًا ذبحوا قبله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم أن يعديوا ونزلت الآية.
وأخرج الطبراني عن عائشة: أنا ناسًا كانوا يتقدمون الشهر، فيصومون، فنزلت.
وأخرج ابن جرير عن قتادة، قال: ذكر لنا أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل في كذا، فنزلت ولا شك أن الأصح الأول؛ لأنه مروي البخاري، ويحتمل تعدد الأسباب.
وقد قال الرازي: الأصح أنه إرشاد عام يشمل الكل، ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات
فمن الأدب لا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهي ويأذن كما أمر الله بذلك في هذه الآية، وهذا باق إلى يوما لقيامة لم ينسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم.
قال مجاهد: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء، حتى يقضيه الله على لسانه.
وتقدم واستبداد بالأمر، وإقدام على فعل غير ضروري بلا مشاورة، "فمن الأدب أن لا يتقدم بين يديه" أي: عنده، سواء كان تجاهه، أو عن يمينه، أو يساره أو خلفه "بأمر ولا نهي ولا إذن ولا تصرف"، ويداوم على ذلك "حتى يأمر هو، وينهى ويأذن كما أمر الله بذلك في هذه الآية".
وظاهر هذا؛ أنه من قدم لازمًا بمعنى تقدم، وفي النوار، أي: لا تقدموا أمرًا، فحذف المفعول ليذهب الوهم إلى كل ما لا يمكن أو تركه؛ لأن المقصود نفي التقدم رأسًا، أو لا تتقدموا منه مقدمة الجيش لمتقدمهم، ويؤيده قراءة يعقوب: لا تقدموا، وفي ابن عطية: قال ابن زيد: معنى لا تقدموا لا تمشوا بين يدي رسول الله، وكذلك بين يدي العلماء، فإنهم ورثة الأنبياء هذا ظاهر في أن معناه التقدم الحسي.
"وهذا" النهي عن التقدم "باق إلى يوم القيامة لم ينسخ" سواء كان التقدم حقيقة أو حكمًا، "فالتقدم بين يدي سنته" الواردة عنه بإسناد صحيح أو حسن، ولا معارض راجح "بعد وفاته، كالتقدم بين يديه في حياته"، لقوله تعالى:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ، "لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم"، وقد علم التقدم أعم من كونه حقيقة أو حكمًا، فلا يرد أنه ينتهي بوفاته صلى الله عليه وسلم، فيتعذر النسخ بوفاته الانقطاع الوحي فلا يحسن بل لا يصح تفريعه على ما قبله.
"قال مجاهد" عند البخاري في تفسير لا تقدموا، "لا تفتاتوا" أي: لا تسبقوا "بشيء على رسول الله صلى الله عليه وسلم" بل أمهلوا وامتنعوا عن العمل فيه بشيء "حتى يقضيه الله على لسانه" فاعملوا به، فالغاية لمقدر.
قال الزركشي: الظاهر أن هذا التفسير على قراءة ابن عباس ويعقوب "بفتح التاء والدال" والأصل لا تتقدموا، فحذف إحدى التاءين.
قال الدماميني: بل هو متأت على القراءة المشهورة أيضًا، فإن قدم بمعنى تقدم.
وقال الضحاك: لا تقضوا أمرًا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى.
وانظر أدب الصديق رضي الله عنه معه عليه الصلاة والسلام في الصلاة. أن تقدم بين يديه كيف تأخر فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف أورثه مقامة والإمامة بعده، فكان ذلك التأخر إلى خلفه، وقد أومأ إليه أن أثبت مكانك، سعيًا إلى قدام بكل خطوة إلى وراء مراحل إلى قدام
قال الجوهري: وقدم بين يديه، أي: تقدم، "وقال الضحاك" أي:"لا تقضوا أمرا دون رسول الله" أي: دون أمره "صلى الله عليه وسلم" بل انتظروا أمره، "وقال غيره: لا تأمروا حتى يأمر، ولا تنهوا حتى ينهى" فأمروا حينئذ بأمره ونهيه، "وانظر أدب الصديق رضي الله عنه معه عليه الصلاة والسلام في الصلاة" أي: فيما فعله فيها؛ "أن تقدم بين يديه" أن مصدرية "بفتح الهمزة وتقدير اللام" أي: لأن تقدم علة لقوله: "كيف تأخر" مقدم عليه، أي: انظر كيف تأخر لتقدمه الحاصل بين يديه، أي: في غيبته صلى الله عليه وسلم، فقدم بعد إحرام أبي بكر، وفي نسخة: إذ لكن إصلاحًا ولا حاجة إليه، فإن بهذا التقدير كإذ.
روى مالك والشيخان من طريقه، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد؛ أنه صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف وحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس؟، فأقيم، قال: نعم، فصلى أبو بكر، فجاء رسول الله والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس من التصفيق، التفت أبو بكر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار إليه أن أمكث مكانك فرفع أبو بكر يديه وحمد الله على ما أمر به صلى الله عليه وسلم من ذلك ثم استأخر حتى استوى في الصف، وتقدم صلى الله عليه وسلم، فصلى بالناس، ثم انصرف، فقال: يا أبا بكر ما منعك أن تثبت إذ أمرتك، "فقال": أبو بكر "ما كان لابن أبي قحافة""بضم القاف وخفة الحاء المهملة" عثمان بن عامر أسلم في الفتح، ومات سنة أربع عشرة في خلافة عمرو، عبر بذلك دون أن يقول: ما كان لي أو لأبي بكر تحقيرًا لنفسه "أن يتقدم".
وفي رواية: أن يصلي "بين يدي رسول الله"، وفي رواية: أن يؤم النبي "صلى الله عليه وسلم"، ففيه إن من أكرم بكرامة، تخير بين القبول والترك إذا فهم أن الأمر ليس على اللزوم، وكان القرينة التي بينت ذلك لأبي بكر أنه صلى الله عليه وسلم شق الصفوف حتى انتهى إليه، ففهم أن مراده أن يؤم الناس، وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام والتنويه بقدره، فسلك هو طريق الأدب، ولذا لم يرد صلى الله عليه وسلم اعتذاره "كيف أورثه مقامه والإمامة" الخلافة "بعده، فكان" بمعنى صار "ذلك التأخر إلى خلفه، والحال أنه "قد أومأ" أشار "إليه أن أثبت مكانك".
تنقطع فيها أعناق المطي.
ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم أن لا ترفع الأصوات فوق صوته، كما قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2] .
قال الرازي: أفاد أنه ينبغي أن لا يتكلم المؤمن عنده صلى الله عليه وسلم كما يتكلم العبد عند سيده؛ لأن العبد داخل في قوله تعالى: {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْض} ؛ لأنه للعموم، فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم كما يجهر العبد للسيد، وإلا كان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض.
قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6] ، والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه، حتى لو كانا في مخمصة
وفي رواية: فأشار إليه يأمره أن يصلي، وأخرى: فدفع في صدره ليتقدم، فأبى "سعيًا" خبر كمان "إلى قدام"، أي: كان في المعنى شروعًا وعملًا في طلب التقدم عبد الله بسبب أدبه مع نبيه، فنال "بكل خطوة إلى وراء" فهو متعلق بمقدر "مراحل" مفعول المقدر "إلى قدام تنقطع فيها أعناق المطي"، ولا توصل إليها، "ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم؛ أن لا ترفع الأصوات فوق صوته"؛ لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام، ومن خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة، فلا يخرج منه الصوت بقوة، ومن لم يخف بالعكس، "كما قال تعالى:" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} " إذا نطقتم " {فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} " إذا نطق، " {وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ} " إذا ناجيتموه، " {كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} " بل دون ذلك إجلالًا له.
قال المصنف: وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك؛ أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة، فكيف وهم خير الناس، بل المراد؛ أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره وتعزيره.
"قال الرازي: أفاد أنه ينبغي أن لا يتكلم المؤمن عنده صلى الله عليه وسلم كما يتكلم العبد عند سيده"، بل يكون صوته دون صوته مع سيده؛ "لأن العبد داخل في قوله:{كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ} [الحجرات: 2] ؛ "لأنه للعموم" فيشمل ذلك، "فلا ينبغي أن يجهر المؤمن للنبي صلى الله عليه وسلم، كما يجهر العبد للسيد، وإلا كان قد جهر له كما يجهر بعضكم لبعض" فيدخل في النهي، "قال: ويؤيد ما ذكرناه قوله تعالى: " {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} "[الأحزاب: 6] الآية، "والسيد ليس أولى عند عبده من نفسه حتى لو كانا في مخمصة".
ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وسلم ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده لا يلزمه أن يلقي نفسه في التهكلة لإنجاء سيده، ويجب لإنجاء النبي صلى الله عليه سولم، فكما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره؛ لأن عند خلل القلب مثلًا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة، فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي صلى الله عليه وسلم لهلك هو أيضًا بخلاف العبد والسيد، انتهى.
إذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجبًا لحبوط الأعمال فما الظن برفع الآراء، ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به.
واعلم أن في الرفع والجهر استخفافًا قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة.
مجاعة، "ووجد العبد ما لو لم يأكله لمات، لا يجب عليه بذله لسيده، ويجب البذل للنبي صلى الله عليه وسلم، ولو علم العبد أن بموته ينجو سيده، لا يلزمه أن يلقي نفسه في التهكلة" أي: الهلاك لإنجاء سيده، "ويجب لإنجاء النبي صلى الله عليه وسلم" على كل أحد، "فكما أن العضو الرئيس أولى بالرعاية من غيره" بقاء الاستئناف، وعلل الأولوية بقوله:"لأن عند خلل القلب مثلًا لا يبقى لليدين والرجلين استقامة" حذف المشبه، أي: كذلك تجب رعايته صلى الله عليه وسلم وفداؤه على المؤمنين بأنفسهم، إذ لو لم يدفع الهلاك عنه وقدم غيره لهلك ذلك الغير، وأشار إلى هذا المعنى بفاء التعليل، فقال:"فلو حفظ الإنسان نفسه وترك النبي صلى الله عليه وسلم لهلك هو أيضًا"، ويحتمل أن الفاء زائدة، والمعنى أن رعايته وتقديمه على النفس مشبهة بالعضو الرئيس في رعايته وتقديمه على بقية الأعضاء، "بخلاف العبد والسيد. انتهى" كلام الرازي.
"إذا كان رفع الأصوات فوق صوته موجبًا لحبوط الأعمال" أي: فسادها وهدرها مصدر لحبط من باب فرح، وفي لغة من باب ضرب، وبهذا قرئ شاذًا، كما قال تعالى:{أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُم لَا تَشْعُرُونَ} ، أي: خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين، "فما الظن برفع الآراء": جمع رأي، "ونتائج الأفكار" ما يظهر لها تشبيهًا بنتائج الحيوان، وهو ما يلده "على سنته وما جاء به".
"واعلم أن في الرفع والجهر استخفافًا" بحسب الصورة "قد يؤدي إلى الكفر المحبط، وذلك إذا انضم إليه قصد الإهانة وعدم المبالاة"، وإلا فالرفع والجهر لا يلزمهما الاستخفاف.
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه، لما نزلت هذه الآية قال: والله يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار، وقد روى وأن عمر كان إذا حدثه حدثه كأخي السرار ما كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حديثه بعد هذه الآية حتى يستفهمه.
وقد روي أن أبا جعفر أمير المؤمنين ناظر مالكًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله عز وجل أدب قومًا فقال:{لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} الآية ومدح قومًا
"وروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية، قال: والله يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي" أي: صاحب "السرار""بكسر السين مصدر سارة"، أي: الكلام الخفي الذي يراد كتمه.
وفي البخاري عن ابن أبي مليكة: كاد الخيران أن يهلكا أبا بكر وعمر، رفعا صوتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه، ركب بني تميم فأنزل الله:{لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} .
قال: ابن الزبير: فكان عمر لا يسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر.
"وقد روي؛ أن عمر كان إذا حدثه حدثه كأخي السرار، ما كان يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حديثه بعد" نزول "هذه الآية حتى يستفهمه"، وفي الاعتصام من البخاري؛ فكان عمر بعد ذلك إذا حدثه يحدثه كأخي السرار، لا يسمعه حتى يستفهمه، ففي تعبيره بروي في هذا شيء، وفيهما وفي غيرهما نزل؛ {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّون} .
"وقد روي" فيما أسنده القاضي عياض من طريق أبي الحسن علي بن فهراي، مؤلف فضائل مالك بسنده؛ "أن أبا جعفر" المنصور عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، "أمير المؤمنين"، ثاني الخلفاء من بني العباس، ولي الخلافة اثنتين وعشرين سنة، وكان محدثًا، فقيهًا، بليغًا، حافظًا للقرآن والسنة، جماعًا للأموال، فلذا لقب أبا الدوانيق، مات سنة ثمان وخمسين ومائة بقرب مكة محرمًا بالحج وله ثلاث وستون سنة، "ناظر" مفاعلة من النظر، بمعنى الفكر، لا لأن كلا منهما ينظر في كلام من يجادله "مالكًا" الإمام في مسئلة فرفع صوته "في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم" ولم يذكروا ناظره فيه؛ لأنه لا يترتب عليه فائدة هنا، "فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله عز وجل أدب قومًا، فقال:{لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] الآية".
روى ابن جرير عن قتادة، قال: كانوا يجهرون له بالكلام ويرفعون أصواتهم، فنزلت:
فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ} الآية، وذم قومًا، فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَات} الآية. وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا، فاستكان لها أبو جعفر.
ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضًا، قال تعالى:{لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] وفيه قولان للمفسرين.
أحدهما: لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول الله مع التوقير والتواضع، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى المفعول، أي: دعاءكم الرسول.
"ومدح قومًا" كالعمرين وثابت بن قيس وغيرهم، "فقال:{إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُم} " [الحجرات: 3] "الآية، وذم قومًا" أي: بني تميم "فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُم} " أي: حجرات نسائه بأن أتوها حجرة حجرة، فنادوه أو تفرقوا عليها متطلبين له؛ لأنهم لم يعلموه بأيها مناداة الإعراب، بغلظة وجفاء أكثرهم، لا يعقلون محلك الرفيع وما يناسبه من التعظيم، إذ العقل يقتضي حسن الأدب، وفيه تسلية وتلميح بالصفح عنهم "الآية، وإن حرمته ميتًا كحرمته حيًا" إذ هو حي في قبره، فيجب أن يراعى بعد مماته ما كان له في حياته، "فاستكان": خضع وذل "لها"، لهذه المقالة والموعظة.
وفي نسخة له، أي: لمالك أي: لقوله "أبو جعفر" المنصور، لوضوح استدلاله، "ومن الأدب معه أن لا يجعل دعاؤه كدعاء بعضنا بعضًا.
"قال تعالى: {لَا تَجْعَلُو دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] ، بأن تنادوه باسمه، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول الله بلين وتواضع وخفض صوت.
روى أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس، قال: كانوا يقولون: يا محمد يا أبا القسم فأنزل الله {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} ، فقالوا: يا نبي الله يا رسول الله، "وفيه قولان للمفسرين".
"أحدهما: لا تدعوه" وفي نسخة تدعونه على أنه خبر بمعنى النهي "باسمه، كما يدعو" ينادي "بعضكم بعضًا، بل قولوا: يا نبي الله يا رسول الله".
وهذا ما دل عليه سبب النزول المذكور "مع التوقير" الإجلال "والتواضع" وخفض الصوت لآية الحجرات، "فعلى هذا" القول "المصدر مضاف إلى المفعول، أي: دعاءكم الرسول" أي: نداءكم له، "والثاني: أن المعنى لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم
والثاني: أن المعنى: لا تجعلوا دعاءه لكم بمنزلة دعاء بعضكم بعضًا، إن شاء أجاب وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة، فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة، فعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، أي دعاءه إياكم، وقد تقدم في الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي أن الصلاة لا تبطل بإجابته صلى الله عليه وسلم.
ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد، أو رباط، لم يذهب أحد مذهبًا في حاجة له حتى يستأذنه، كما قال الله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62] . فإذا كان هذا مذهبًا مقيدًا لحاجة عارضة لم
بعضًا، إن شاء أجاب، وإن شاء ترك، بل إذا دعاكم لم يكن لكم بد": فراق ومحالة "من إجابته، ولم يسعكم التخلف عنها البتة""بقطع الهمزة"، "فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، والمراجعة بغير إذنه محرمة"، أي: الرجوع عن تمام ما ندب إليه، لقوله تعالى:{اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ} [الأنقال: 24] ، "فعلى هذا المصدر" في دعاء الرسول "مضاف إلى الفاعل، أي: دعاءه إياكم" ولو في الصلاة.
"وقد تقدم في الخصائص من المقصد الرابع عن مذهب الشافعي"، وهو المعتمد في مذهب مالك "أن اصلاة لا تبطل بإجابته صلى الله عليه وسلم"، وقال جماعة: تجب الإجابة، وتبطل الصلاة، "ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم أنهم إذا كانوا معه على أمر جامع من خطبة أو جهاد أو رباط".
وفي الإكليل قال ابن أبي مليكة: الآية في الجهاد والجمعة والعيدين، وقال عطاء: أمر عام، وقال مقاتل: طاعة يجتمعون عليها.
أخرجها ابن أبي حاتم: "لم يذهب أحد مذهبًا في حاجة" عرضت "له حتى يستأذنه، كما قال الله تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ} [النور: 62] ، ففيه وجوب استئذانه قبل الانصراف عنه في كل أمر يجتمعون عليه.
قال الحسن: وغيره صلى الله عليه وسلم من الأئمة مثله في ذلك لما فيه من أدب الدين وأدب النفس.
قال ابن الفرس: ولا خلاف في الغزو أنه يستأذن إمامه إذا كان له عذر يدعوه إلى الانصراف، واختلف في صلاة الجمعة، إذا كان له عذر كالرعاف وغيره، وقيل: يلزمه الاستئذان سوءا كان إمامه الأمير أم غيره، أخذًا من الآية، "فإذا كان هذا مذهبًا"، أي: سببًا يقصد، مقيدًا
يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين، أصوله وفروعه، ودقيقه وجليله، هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] .
ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم أنه لا يستشكل قوله، بل تستشكل الآراء بقوله، ولا يعارض نصه بقياس، بل تهدر الأقيسة وتلقى لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال مخالف، يسميه أصحابه معقولًا، نعم هو مجهول وعن الصواب معزول، ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد، فكل هذا من قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم وهو عين الجراءة عليه.
ورأس الأدب معه صلى الله عليه وسلم كمال التسليم له والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه صاحبه آراء أذهانهم، فيوحد التحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل
لحاجة عارضة، لم يوسع لهم فيه إلا بإذنه، فكيف بمذهب مطلق في تفاصيل الدين: أصوله وفروعه ودقيقه": قليله "وجليله" كثيره، "هل يشرع الذهاب إليه بدون استئذانه؟، {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} العلماء {إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] الآية، ذلك فإنهم يعلمونه "ومن الأدب معه صلى الله عليه وسلم أن لا يستشكل قوله"، الثابت عنه بلا معارض راجح، بقوله أيضًا، ونحوه:"بل تستشكل الآراء بقوله: ولا يعارض نصه بقياس"؛ لأه فاسد الاعتبار مع وجود النص، "بل تهدر": تطرح "الأقيسة وتلقى": عطف تفسير لتهدر "لنصوصه، ولا يحرف كلامه عن حقيقته لخيال" أي: ظن "مخالف، يسميه أصحابه معقولًا، نعم هو مجهول، وعن الصواب معزول"، أي: مصروف إلى غيره، "ولا يتوقف قبول ما جاء به على موافقة أحد"، بل يقبل، ثم تارة يعمل به، وتارة لا لقيام دليل غيره على عدم العمل به، "فكل هذا من قلة الأدب معه صلى الله عليه وسلم، وهو عين الجرأة" بزنة غرفة وضخامة، أي: الهجوم بلا توقف، وذلك مذموم "ورأس الأدب معه صلى الله عليه وسلم كمال التسليم له والانقياد": الإذعان "لأمره، وتلقى خبره بالقبول والتصديق دون أن يحمله خيال" ظن" "باطل يسميه صاحبه" معقولًا، أو يسميه شبهة، أو شكا، أو يقدم عليه "آراء" الرجال، "وزبالات أوساخ "أذهانهم": جمع ذهن، وهو الذكاء والفطنة، كما في المصباح، "فيوجد التحكيم"، أي: يجب على كل أحد أن يجعل الحاكم هو النبي صلى الله عليه وسلم، "والتسليم والانقياد والإذعان" من أذعن: انقاد فهو عطف مساوٍ، "كما وحد المرسل""بكسر السين"، وهو الله سبحانه "بالعبادة"، فجعله مستحقا لها دون غيره، "والخضوع والذل" عطف تفسير، "والإنابة"