المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع السادس: في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٨

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: ‌النوع السادس: في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير

فيكون على هذا أقسم تعالى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد} ، وبعمره في قوله: لعمرك، الآية، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب تعظيم الظرف فكيف حال المظروف، قال: ووجه القسم كأنه تعالى قال: ما أعظم خسرانهم إذا أعرضوا عنك. انتهى.

العصر هو عصره صلى الله عليه وسلم، الذي هو فيه، فيكون على هذا أقسم الله تعاىلى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد} سواء قلنا؛ أنه مكة أو المدينة، إذ كل مكانه، "وبعمره في قوله:{لَعَمْرُك} ، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب": ثبت، وحق "تعظيم الظرف" بالأقسام به، "فكيف حال المظروف" استفهام تعجيب.

"قال" الرازي: "ووجه القسم كأنه تعالى قال": "ما أعظم خسرانهم إذ أعرضوا عنك" انتهى كلام الرازي وهو وجيه.

ص: 497

‌النوع السادس: في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج المنير

اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بـ"النور" في قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ} [المائدة: 15]، وقيل: المراد القرآن.

العصر هو عصره صلى الله عليه وسلم، الذي هو فيه، فيكون على هذا أقسم الله تعاىلى بزمانه في هذه الآية، وبمكانه في قوله تعالى:{وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَد} سواء قلنا؛ أنه مكة أو المدينة، إذ كل مكانه، "وبعمره في قوله:{لَعَمْرُك} ، وذلك كله كالظرف له، فإذا وجب": ثبت، وحق "تعظيم الظرف" بالأقسام به، "فكيف حال المظروف" استفهام تعجيب.

"قال" الرازي: "ووجه القسم كأنه تعالى قال": "ما أعظم خسرانهم إذ أعرضوا عنك" انتهى كلام الرازي وهو وجيه.

النوع السادس:

"في وصفه تعالى له عليه الصلاة والسلام بالنور والسراج": المصباح، جمعه سرج، ككتاب وكتب "المنير" وصف به للتأكيد، أو؛ لأن بعض السرج لا يضيء إذا رق فتيله وقل زيته، وقد قيل ثلاثة تضني: رسول يضيء وسراج لا يضيء ومائدة ينتظر إليها من يجيء، "اعلم أن الله تعالى قد وصف رسوله صلى الله عليه وسلم بالنور" أي: أخبر عنه بأنه نور "في قوله تعالى: {قَدْ جَاءَكُم} الخطاب لأهل الكتاب في قوله: يا أهل الكتاب وهو شامل للتوراة والإنجيل، وكانوا يخفون ما فيها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم "{مِنَ اللَّهِ نُور} " هو محمد صلى الله عليه وسلم "{وَكِتَابٌ مُبِين} " قرآن بين ظاهر.

"وقيل: المراد" بالنور "القرآن"، وعليه فالعطف للتفسير، وقوله: يهدي به الله في موقعه، وعلى الأول أفرده مع تغايرهما وعطفهما بالواو لرجوعه لهما معًا باعتبار المذكور، أو؛ لأنهما معًا كالشيء الواحد وهداية أحدهما عين هداية الآخر، فإن خلقه القرآن، وما أفاده المصنف من ترجيح الأول هو الصحيح، فق اقتصر عليه الجلال، وقد التزم الاقتصار على أرجح الأقوال، وبه جزم عياض في محل وساوى بينهما في آخر، وتبعه المصنف في الأسماء الشريفة، وفسر النور.

ص: 497

وصفه عليه الصلاة والسلام أيضًا بـ"السراج المنير" في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا} [الأحزاب: 46] .

والمراد: كونه هاديًا مبينًا كالسراج الذي يرى الطريق ويبين الهدى والرشاد، فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس، وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من المشس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها فكذا نفس النبي صلى الله عليه وسلم تفيد الأنور العقلية لسائر الأنفس البشرية، وكذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج حيث قال:{وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61] .

أيضًا بالإسلام، "وصفه عليه الصلاة والسلام أيضًا بالسراج المنير في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا} على من أرسلت إليهم " {وَمُبَشِّرًا} " من صدقك بالجنة، " {وَنَذِيرًا} " منذرًا من كذبك بالنار، " {وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ} " إلى طاعته " {بِإِذْنِهِ} " أي: أمره فهو على ظاهره؛ لأن أمره إذن له أو المراد به الإرادة، فإنه كثيرًا ما يتجاوز به عنها وعن الأمر، كما في مجاز القرآن لابن عبد السلام، وفسر أيضًا بتوفيقه وتيسيره، " {وَسِرَاجًا مُنِيرًا} " [الأحزاب: 46] ، يستضاء به من ظلمات الجهالة، ويقتبس من نوره أنوار البصائر، "والمراد كونه هاديًا مبينًا كالسراج يرى الطريق"، أي: يكون سببًا في إراءتها، فالإسناد مجازي "ويبين الهدى والرشاد" الصلاح، وهو خلاف الغي والضلال، وهو إصابة الصواب، "فبيانه أقوى وأتم وأنفع من نور الشمس"؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل والشمس إنما يتبين بها ما يدرك بحاسة البصر من الألوان ونحوها فهو تفريع على قوله يبين الهدى، "وإذا كان كذلك وجب أن تكون نفسه القدسية أعظم في النورانية من الشمس، فكما أن الشمس في عالم الأجسام تفيد النور لغيرها ولا تستفيد من غيرها، فكذا. نفس النبي صلى الله عليه وسلم تفيد الأنوار العقلية لسائر" أي: لجميع "الأنفس البشرية" ولم يقل ولا تستفيد من غيرها، كما قال في الشمس؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يستفيد الوحي من جبريل، ولذا وقع تشبيهه بالسراج؛ لأنه في غاية الوضوح والبلاغة؛ لأنه يستضيء من الوحي ويضيء للناس بما أتاهم به، ففيه من البلاغة ما ليس في قوله: شسمًا وقمرًا.

قال القاضي أبو بكر بن العربي: قال علماؤنا: سمي سراجًا؛ لأن السراج الواحد يؤخذ منه السرج الكثيرة ولا ينقص من ضوئه شيء، وكذلك سرج الطاعات أخذت من سراجه صلى الله عليه وسلم ولم ينقص من أجره شيء "وكذلك وصف الله تعالى الشمس بأنها سراج، حيث قال:{وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا} [الفرقان: 61] ، وفي قراءة سرجًا بالجمع، أي: نبرات وخص القمر

ص: 498

وكما وصف الله تعالى ورسوله بأنه نور، وصف نفسه المقدسة بذلك فقال:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} [النور: 35] ، فليس فيهما إلا الله، ونوره المقدس هو سر الوجود والحياة والجمال والكمال، وهو الذي أشرق على العالم فأشرق على العوالم الروحانية، وهم الملائكة، فصارت سرجًا منيرة، يستمد منها من دونها بوجود الله، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم، فليس في الوجود إلا نور الله الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه.

والنور في الأصل: كيفية يدركها الباصر أولًا، وبواستطها سائر المبصرات،

منها بالذكر لنوع فضيلة، "وكما وصف الله تعالى رسوله بأنه نور وصف نفسه المقدسة، بذلك فقال:{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} [النور: 35] .

قال ابن عباس وغيره: أي: هادي أهلهما، قال الرازي: في شرح الأسماء وهو حسن، إلا أن تفسيره به في الأسماء التسعة والتسعين لا يجوز؛ لأنه يصير محض تكرار، وأجيب: بجواز أن الهادي أعم، كما قالوه في الرؤوف الرحيم، أو يعتبر به هداية بالغة إلى حد لا يتناهى، فتحصل به المغايرة في الجملة، كالرحمن الرحيم، فلا وجه لقوله: لا يجوز؛ لأن له نظائر في الأسماء، وفي حواشي الكشاف معنى نور السماوات والأرض هادي العالمين، مبين ما يهتدون به ويتخلصون من ظلمات الكفر ولضلال بوحي منزل ونبي مرسل، "فليس فيهما إلا الله ونوره المقدس" أي: المراد به "هو سر الوجود" أي: إيجاده العالم " والحياة والجمال والكمال" وفي الأنوار أصل الظهور هو الوجود، كما أن أصل الخفاء هو العدم والله موجود بذاته، موجد لما عداه، "وهو الذي أشرق على العالم" كله، وهو ما سوى، لكن وقع ذلك الإشراق على وجوه متنوعة، "فأشرق على العوالم""بكسر اللام" جمع عالم "الروحانية" بضم الراء"، فهو من عطف المفصل على المجمل نحو توضأ فغسل وجهه، "وهم الملائكة، فصارت سرجًا، "بضمتين""منيرة يستمد""بفتح أوله""منها من دونها "فاعل" "بوجود الله، ثم سرى النور إلى عالم النفوس الإنسانية، ثم طرحته النفوس على صفحات الجسوم"، أي: جوانبها: جمع جسم، "فليس في الوجود إلا نور الله الساري إلى الشيء منه بقدر قبوله ووسع استعداده ورحب تلقيه" "بضم الراء وفتحها"، وعطفه على ما قبله كالمسبب على السبب، فالاستعداد هو الأسباب التي يكون اجتماعها فيه سببًا، لحصول المعرفة وقبول ما يلقى إليه، ورحب التلقي قوة قبوله لما يلقي إليه وحسن استماعه له، "والنور في الأصل" عند الحكماء لا اللغة، فإنه الضوء وأصله من نار ينور إذا نفر ومنه نوار للظبية، وبه سميت المرأة فوضع للضوء لانتشاره أو لإزالته الظلام فكأنه

ص: 499

كالكيفية الفائضة من النيرين -الشمس والقمر- على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم، بمعنى: ذو كرم، أو بمعنى منور السماوات والأرض، فإنه تعالى نورهما بالكواكب، وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء من قولهم للرئيس الفائق في التدبير: نور القوم؛ لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا التأويل قراءة علي بن أبي طالب وزيد بن علي وغيرهما نورًا فعلًا ماضيًا، والأرض بالنصب.

وقوله تعالى: {مَثَلُ نُورِهِ} أي: مثل هداه سبحانه وتعالى.

وأضاف النور السماوات والأرض، إما دلالة على سعة إشراقه، وفشو إضاءته حتى تضيء له السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماوات والأرض، أنهم

ينفر منه "كيفية" أي": صفة، لكن لفظ كيفية لم يسمع من العرب، كما صرح به أهل اللغة "يدركها الباصر أولًا، و" يدرك "بواسطتها سائر المبصرات، كالكيفية الفائضة من النيرين الشمس والقمر على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما.

وبعضهم زعم أنه أجرام صغار تنفصل من المضي وتتصل بالمستضيء، "وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله" لاستحالته إذ هو عرض أو جسم، وكلاهما محال عليه "إلا بتقدير مضاف، كقولك: زيد كرم بمعنى ذو كرم"، فمعنى الله نور، أي: ذو نور، "أو بمعنى منور السماوات والأرض" فهو من إطلاق المصدر وإرادة اسم الفاعل، "فإنه تعالى نورهما بالكواكب وما يفيض عنها من الأنوار، وبالملائكة والأنبياء" وذلك مأخوذ "من قولهم للرئيس الفائق في التدبير"، وهو فعل الأمر عن فكر وروية، "نور القوم؛ لأنهم يهتدون به في الأمور، ويؤيد هذا التأويل قراءة علي بن أبي طالب زيد بن علي" بن الحسين بن علي "غيرهما نور فعلًا ماضيًا" مفتوح النون، والواو ومشددة، "والأرض بالنصب" مفعول.

وأدعى الغزالي أنه حقيقة؛ لأن النور معناه الظاهر بنفسه المظهر لغيره، وهو ميل لقول الإشراقيين، قال: شارح حكمة الإشراق الله نور السماوات والأرض، لا بمعنى منورهما على ما يقوله بعض المفسرين هربًا من إطلاق اسم النور عليه، بمعنى أنه محض النور البحث، وأن سائر الأنوار تشرق من نوره، كذا قال، "وقوله تعالى:{مَثَلُ نُورِهِ} " [النور: 35]، أي: مثل هداه سبحانه وتعالى.

وفسره البيضاوي بالصفة العجيبة، "وأضاف النور إلى السماوات والأرض، إما دلالة على سعة إشراقه وفشو إضاءته حتى تضيء له، السماوات والأرض، وإما لإرادة أهل السماوات

ص: 500

يستضيئون به.

وعن مقاتل: أي مثل الإيمان في قلب محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة فيها مصباح، فالمشكاة نظير صدر عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلم، والمصباح نظير الإيمان والنبوة في قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

وعن غيره: المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل عليهما، والمصباح جسد محمد صلى الله عليه وسلم، والشجرة: النبوة والرسالة.

وعن أبي سعيد الخراز: المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله في قلب محمد صلى الله عليه وسلم.

والأرض" وأضاف النور إليهم لأجل "أنهم يستضيئون به" والإضافة تجيء لأدنى ملابسة.

"وعن مقاتل، أي: مثل الإيمان في قلب محمد صلى الله عليه وسلم، كمشكاة" كوة غير نافذة، والكوة بفتح الكاف وضمها اسم ما لا ينفذ، قيل: معربة من الحبشية، وقيل: هي القنديل، وقيل: موضع الفتيلة منه، وقيل: معلاقة، "فيها مصباح" قنديل أو الفتيلة، مأخوذ من الصباح أو الصباحة، "فالمشكاة نظير صدر".

كذا في جميع النسخ والأولى صلب "عبد الله والزجاجة" مثلثة الزاي، والضم أعرفها وأفصحها، "نظير جسد محمد صلى الله عليه وسلم، والمصباح نظير الإيمان والنبوة في قلب محمد صلى الله عليه وسلم وعن غيره"، أي: غير مقاتل "المشكاة نظير إبراهيم، والزجاجة نظير إسماعيل عليهما السلام، والمصباح جسد محمد صلى الله عليه وسلم، والشجرة النبوة والرسالة" التي يتوقد منها المصباح، ونحوه قول من قال: المشكاة أبدان آبائه، والزجاجة أصلابهم، والمصباح نوره المستودع فيهم، "وعن أبي سعيد الخراز" إبراهيم، وقيل: أحمد بن عيسى البغدادي، قال الخطيب: كان أحد المشهورين بالورع والمراقبة وحسن الرعاية، وحدث يسيرًا صحب السقطي وذا النون وغيرهما.

قال الجنيد: لو طالبنا الله بتحقيقة ما عليه أبو سعيد لهلكنا، أقام كذا كذا سنة، ما فاته ذكر الحق تعالى بين الخرزتين.

وقال السلمي: الخراز، إمام القوم في كل فن من علومهم وأحسنهم كلهم ما خلا الجنيد، فإنه الإمام لذلك، فإن جماعة يقولون الخراز قمر الصوفية، فأفاد أن أمثلهم مطلقًا الجنيد، فهو الشمس، والخراز القمر، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، وقيل: غير ذلك: "المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح النور الذي جعل الله في قلب محمد صلى الله عليه وسلم".

ص: 501

وعن كعب وابن جبير: النور الثاني هنا محمد صلى الله عليه وسلم.

وعن سهل بن عبد الله: مثل نور نبوة محمد إذ كان مستودعًا في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا وكذا، وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاج صدره، أي كأنه كوكب دري لما فيه من الإيمان والحكمة.

توقد من شجرة مباركة، أي من نور إبراهيم، وضرب المثل بالشجرة المباركة.

"وعن كعب" بن ناتع، بفوقية، المعروف بكعب الأحبار، "وابن جبير" سعيد أحد الأعلام، "النور الثاني هنا" في قوله: مثل نوره "محمد صلى الله عليه وسلم" بطريق المجاز الأول هو الله، أضيف لجميع مخلوقاته للتعميم، والثاني مضاف لله تعالى للتشريف والتعظيم، والثالث في قوله {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} إضافته، كلجين الماء أتى به بيانًا للتشبيه الذي بنيت عليه الاستعارة، فالمعنى أنه نور عم نوره جميع مخلوقاته، وخص نبيه صلى الله عليه وسلم بأوفر اسم منه، فسماه باسمه وألبسه حلية، كما ألبسه الرأفة والرحمة.

"وعن سهل بن عبد الله" بن يونس بن عيسى التستري، بفوقيتين أولهما مضمومة، وفتح الثانية بينهما مهملة ساكنة، مدينة معروفة، الصالح المشهور، الذي لم يسمع الدهر بمثله علمًا وورعًا، وله كرامات، مات سنة ثلاث وثمانين ومائتين، وقيل غير ذلك:"مثل نور نبوة محمد إذ كان مستودعًا""بفتح الدال" في الأصلاب"، أي: أصلاب آبائه، وضمير كان راجع لنور أو لمحمد نفسه، ورجع بأنه كان في صلب آبائه لا نوره، ورد بأن نوره كان ظاهرًا في جباههم من آدم لأبيه عبد الله، كالقمر ليلة البدر، والمستودع في الأصلاب مادة جسمه، والنور تابع لتلك المادة، "كمشكاة صفتها كذا وكذا" كناية عن قوله فيها مصباح.. إلخ، فإنها استعملت كذلك، أي: صفة نوره كصفة نور مشكاة فيها مصباح "وأراد بالمصباح قلبه وبالزجاجة صدره" والمشكاة جسده الشريف، "أي: كأنه" أي: صدره الشريف "كوكب دري" أي: مضيء "بضم الدال وكسرها، وفتحها مع الهمزة، وبدونها مشدد الياء"، قيل: أنه منسوب إلى الدر لحسنه وصفاته "لما فيه" أي: الصدر "من الإيمان والحكمة" وجعل ذلك في الصدر بواسطة القلب، ولا يبعد عود الضمير للقلب والحكمة العلم النافع.

وقيل: المراد بها هنا النبوة، كقوله:{ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ} [النخل: 125] ، "توقد" المصباح بالماضي، وفي قراءة بمضارع أوقد مبنيًا للمفعول بالتحتانية، وفي أخرى بالفوقانية، أي: الزجاجة "من شجرة مباركة، أي: من نور إبراهيم"؛ لأن النسب شبيه بالشجرة، وإبراهيم جده صلى الله عليه وسلم، وهو دعوته، "وضرب المثل" وهو كلام شبه مضربه بمورده، وضربه ذكره

ص: 502

وقوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} أي تكاد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تبين للناس قبل كلامه، حكى هذا الأخير القاضي أبو الفضل اليحصبي والفخر الرازي، لكنه عن كعب الأحبار.

وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي. قال عبد الله بن رواحة:

لو لم تكن فيه آيات مبينة

كانت بديهته تنبيك بالخبر

كذلك بمعنى نباته "بالشجرة المباركة" على استعارة التمثيلية؛ لأنه شبه ظهور نبوته المتصلة بأبيه إبراهيم، وشبه المتصل به بمصباح أضاء بزيت من شجرة مباركة، واقتصر على أجزاء التمثيل لظهور ما فيه، وفائدة التمثيل كما في الكشاف إبراز المعقول في هيئة المحسوس ليتضح ويرسخ في الأذهان، ولذا كثر في الأحاديث والكتب الإلهية.

"وقوله تعالى: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ} [النور: 35] ، ولو لم تمسسه نار، "أي: تكاد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تبين" مضارع بأن أي: اتضح "للناس قبل كلامه" أي: تكليمه ودعواه النبوة وتحديه كذا الزيت والكلام يأتي مصدرًا بمعنى التكليم، كقوله: فإن كلاميها شفاء لما بيا، أو المراد ما يتكلم به فيقدر مضاف، أي: قبل إيراد كلامه الذي يتكلم به، وقيل: أن يوحى إليه، "حكي هذا الأخير" من قوله.

وعن سهل "القاضي أبو الفضل" عياض "اليحصبي""بفتح التحتية وسكون المهملة وتثليث الصاد مهملة" نسبة إلى يحصب بن مالك أبي قبيلة باليمن، "والفخر الرازي، لكنه" أي: الرازي، إنما حكاه "عن كعب الأحبار" لا عن سهل بن عبد الله، فإن صح النقلان فيكونان معًا، قالاه، وفي شرح الشفاء للتجاني؛ أنه تأويل بعيد عن ظاهر القرآن، والصحيح ما عليه جمهور المفسرين أنه تعالى ضرب هذا مثلًا لنوره، وتمثالًا لقصور أفهام الخلق، إذ لولاه ما عرف الله، قال: وما أشبه هذا بتأويل الفضل قول الفرزدق:

أخذنا بأطراف السماء عليكم

لنا قراها والنجوم الطوالع

لما سأله الرشيد عنه، فقال: أراد بالقمرين إبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم عليهما، وبالنجوم الطوالع أنت وآبائك، فقال له الرشيد: أحسنت. انتهى.

"وعن الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة": العلم النافع "قبل الوحي" به إليه، "قال عبد الله بن رواحة" الخزرجي الأمير الشهيد بمؤتة:

لو لم تكن فيه آيات مبينة

كانت بديهته تنبيك بالخبر

ص: 503