المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌النوع التاسع: في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه صلى الله عليه وسلم ترفيعا لشأنه - شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - جـ ٨

[الزرقاني، محمد بن عبد الباقي]

الفصل: ‌النوع التاسع: في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه صلى الله عليه وسلم ترفيعا لشأنه

والإنابة والتوكل، فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، انتهى، ملخصًا من "المدارج" والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه صلى الله عليه وسلم فليراجع.

والرجوع "والتوكل" عليه في جميع الأمور، "فهما توحيدان لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما، توحيد المرسل"، وهو الله عز وجل، "وتوحيد متابعة الرسول، فلا يتحاكم إلى غيره" بالعدول عنه وطلب الحكم من غيره، "ولا يرضى بحكم غيره، انتهى ملخصًا من المدارج" للعلامة ابن القيم "والقرآن مملوء بالآيات المرشدة إلى الأدب معه صلى الله عليه وسلم فليراجع" وفيما ذكر كفاية.

ص: 529

‌النوع التاسع: في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة على عدوه صلى الله عليه وسلم ترفيعًا لشأنه

قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} [القلم: 1-2] لما قال المشركون: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ}

النوع التاسع:

"في آيات تتضمن رده تعالى بنفسه المقدسة"، أطلق النفس عليه تبعًا لقول إمام الحرمين أنه الصحيح، وقيل: إنما يجوز للمشاكلة نحو تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك، ورد بقوله: كتب ربكم على نفسه الرحمة، وخبر أنت، كما أثنيت على نفسك، وتقدير كتب رب نفوسكم، ولا تحصى نفسي بعيد "على عدوه"، يحتمل أن يريد المفرد وعمومه من الإضافة استغراق المفرد أشمل عند أهل البيان، ويحتمل أن يريد الجمع، فإن لفظ عدو يقع لغة على الواحد المذكر والمؤنث، والمجموع "صلى الله عليه وسلم ترفيعًا" مفعول لأجله وتضعيفه للمبالغة، إذ هو متعد بدونه "لشأنه" أمره وخطبه.

"قال تعالى: "{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} "، أي: الملائكة، ومر الكلام فيه مبسوطًا "{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} " [القلم: 1]، أي: انتفى عنك الجنون، بسبب إنعامه عليك بالنبوة وغيرها.

"لما" حين "قال المشركون: {يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ} القرآن في زعمه "{إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} "، أي: لتقول قولهم، بدعواك أنه نزل عليك لا الجنون الحقيقي للقطع بعدمه، فلا يريدونه لئلا يكذب من قاله: "أجاب تعالى" الأولى، فأجاب بالفاء، إذ الجملة الأولى

ص: 529

[الحجر: 6] ، أجاب تعالى عنه عدوه بنفسه من غير واسطة، وهكذا سنة الأحباب، فإن الحبيب إذا سمع من سب حبيبه تولى بنفسه جوابه، فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم بنفسه منتصرًا له؛ لأن نصرته تعالى له أتم من نصرته وأرفع لمنزلته، ورده أبلغ من رده وأثبت في ديوان مجده.

فأقسم تعالى بما بما أقسم به من عظيم آياته على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله مما غمصته أعداؤه الكفرة، به وتكذيبهم له بقوله:{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} "وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون"، هو أو هم؟ وقد علموا هم

كافية، وكأنه تركها؛ لأنها بيان لتعظيمه؛ بأنه أجاب "عنه عدوه بنفسه من غير واسطة"، وتوطئة لقوله:"وهكذا سنة الأحباب" أي: عادتهم، "فإن الحبيب إذا سمع من سب حبيبه، تولى بنفسه جوابه" وفرع على هذا قوله: "فههنا تولى الحق سبحانه جوابهم بنفسه منتصرًا له؛ لأن نصرته تعالى" التي تولاها بنفسه "له أتم من نصرته" عليه الصلاة والسلام لنفسه، كقتال العدو وإن كان لله، أو المعنى لو فعل.

وروى ابن أبي حاتم عن وهيب بن الورد، قال: يقول الله تعالى: ابن آدم، إذا ظلمت فاصبر وارض بنصرتي، فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفس.

ورواه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن وهيب، قال: بلغني أنه مكتوب في التوراة، فذكره، "وأرفع لمنزلته": مقداره العلي، "ورده" تعالى على عدوه بتكذيبهم "أبلغ من رده" لنفسه صلى الله عليه وسلم بإقامة الحجة، وإن كانت ليست لنفسه، بل الله، والمراد لو كان له رد ونصرة، كما مر، "وأثبت" أعظم وأقوى ثباتًا "في ديوان مجده" شرفه من أن يثبته هو بنفسه، فما أمضاه الله، لا نقض له، فاستعار لمجده ديوانًا يثبت فيه، فإذا أثبته الله حكان أتم وأكبر ثباتًا، وهكذا هو باقٍ إلى الأبد، "فأقسم تعالى بما أقسم به من عظيم آياته" أجمله، ليأتي على الخلاف السابق في تفسيره "على تنزيه رسوله وحبيبه وخليله مما غمصته""بفتح الغين المعجمة والميم، وبكسر الميم أيضًا وصاد مهملة" أي: احتقرته وعابته "أعداؤه الكفرة به، وتكذيبهم له، بقوله: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} "، بدل من قوله من عظيم آياته يدل بعض من كل، أو متعلق بتنزيه "وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون"، فيه إشارة إلى أن الباء زائدة، وهو أحد وجوه سبقت "هو أو هم"، واقتصر على الأعداء، مع أن الآية {فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُون} [القلم: 5] ؛ لأن القصد إخباره بأنهم سيعلمون ذلك، وأما ذكره عليه السلام فيها، فلأنه أدعى للقبول في مقام المحاجة، نحو: وأنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، وقول حسان:

أتهجوه ولست به بكفء

فشركما لخيركما فداء

ص: 530

والعقلاء ذلك في الدنيا، ويزداد علمهم به في البرزخ، وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى الخلق كلهم في العلم به. وقال تعالى:{وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} [التكوير: 22] .

ولما رأى العاصي بن وائل السهمي النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من المسجد، وهو يدخل فالتقيا عند باب بني سهم وتحدثا، وأناس من صناديد قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاصي قالوا: من ذا الذي كنت تحدث معه، قال: ذلك الأبتر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة، فرد الله تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله:{إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 3] أي عدوك ومبغضك هو الذليل الحقير.

ولما قالوا: {افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [سبأ: 8] قال الله تعالى: {بَلِ الَّذِين

"وقد علموا هم والعقلاء" من غيرهم "ذلك" أي: أنهم المفتونون لا هو "في الدنيا" متعلق بعلموا، "ويزداد علمهم به في البرزخ": القبر، "وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة، بحيث تتساوى الخلق كلهم في العلم به، وقال تعالى": عطف على بقوله: {مَا أَنْت} من عطف الفعل على اسم يشبه الفعل، وهو المصدر، والمعهنى قوله:{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} ، وبقوله:" {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} "[التكوير: 22]، فقال:{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّس} .. إلخ.

"ولما رأى العاصي بن وائل السهمي" أحد المستهزئين الميت على كفره "النبي صلى الله عليه وسلم، يخرج من المسجد، وهو" أي: العاصي "يدخل، فالتقيا عند باب بني سهم": بطن من قريش، "وتحدثا وأناس من صناديد": جمع صنديد، وهو السيد الشجاع أو الحليم، أو الجواد، أو الشريف، كما في القاموس، "قريش جلوس في المسجد، فلما دخل العاصي، قالوا له: من ذا الذي كنت تحدث"، بحذف إحدى التاءين "معه، قال: ذلك الأبتر، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد توفي ابن لرسول الله صلى الله عليه وسلم من خديجة"، وهو القاسم أول من مات من ولده، أو عبد الله روايتان:"فرد الله تعالى عليه، وتولى جوابه بقوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} "[الكوثر: 3]، "أي: عدوك ومبغضك هو الذليل الحقير"، الذي لا عقب له ولا حسن ذكر، وأما أنت فتبقى ذريتك وحسن صيتك وآثار فضلك إلى يوم القيامة، ولك فيها ما لا يدخل تحت الوصف، ولا يرد أن العاصي أعقب عمرًا وهشامًا؛ لأنهما لما أسلما انقطع عقبه منهما، فصارا من أتباع المصطفى وأزواجه أمهاتهما، "ولما قالوا": أي: الذين كفروا على جهة التعجب لبعض هل

ص: 531

لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} [سبأ: 8] .

ولما قالوا: {لَسْتَ مُرْسَلًا} [الرعد: 43] أجاب الله تعالى عنه فقال: {يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [يس: 1-3] .

ولما قالوا: {أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} رد الله تعالى عليهم فقال: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} فصدقه ثم ذكر وعيد خصمائه فقال: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ} [الصافات: 36- 38] .

ولما قالوا: {أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور: 30]، رد الله عليهم بقوله: {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ

ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق أنكم لفي خلق جديد {أَفْتَرَى} "بفتح الهمزة للاستفهام واستغنى بها عن همزة الوصل"{عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} في ذلك، {أَمْ بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8] الآية، جنون، تخيل ذلك به، "قال الله تعالى": ردًا عليهم: {بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ} المشتملة على البعث والعذاب " {فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ} "[سبأ: 8] ، من الحق في الدنيا.

قال البيضاوي: رد الله عليهم ترديدهم، وأثبت لهم ما هو أفظع من القسمين وهو الضلال البعيد عن الصواب، بحيث لا ترجى الخلاص منه وما هو مؤداه من العذاب، "ولما قالوا {لَسْتَ مُرْسَلًا} [الرعد: 43] الآية، "أجاب الله تعالى عنه" بالإقسام، "فقال:{يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [يس: 1] الاية، ومرت مباحث ذلك، ولم يجعل الجواب من بقية الآية وهي {قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الرعد: 43] ومن عنده علم الكتاب، أي: على صدقي لعدم صراحتها في الرد، "ولما قالوا {أَئِنَّا} بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية، وإدخال ألف بينهما على الوجهين "{لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} " [الصافات: 36] ، أي: لأجل قول محمد "رد الله تعالى عليهم، فقال:{بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات: 37]" الجاثين به، وهو لا إله إلا الله، "فصدقه، ثم ذكر وعيد خصمائه، فقال:{إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} "، "ولما قالوا": ما حكى الله عنهم بقوله: {أَمْ يَقُولُون} هو "{شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} " [الطور: 30] الآية، حوادث الدهر، فيهلك كغيره من الشعراء، وقيل: المنون الموت، "رد الله عليهم، بقوله:" {وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي} " يسهل {لَهُ} الشعر {إِنْ هُوَ} ، أي: الذي أتى به {إِلَّا ذِكْرٌ} عظة {وَقُرْآنٍ مُبِين} [يس: 69] الآية، مظهر للأحكام وغيرها.

ص: 532

مُبِين} [يس: 69] .

ولما حكى الله عنهم قولهم: {إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} [الفرقان: 4] سماهم الله تعالى كاذبين بقوله: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] . وقال: {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [الفرقان: 6] .

ولما قالوا: يلقيه إليه شيطان قال الله تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين} [الشعراء: 210] ، وما ينبغي لهم وما يستطيعون.

ولما تلا عليهم نبأ الأولين قال النضر بن الحارث {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 31] قال الله تعالى: تكذيبًا لهم: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] .

وذكر وعيدهم، بقوله:{لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} [يس: 70]، "ولما حكى الله عنهم قولهم:{إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ} كذب {افْتَرَاهُ} محمد {وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ} من أهل الكتاب "سماهم الله تعالى كاذبين، بقوله: {فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] ، كفرًا وكذبًا، أي: بهما، "وقال" ردًا لقولهم: {أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الفرقان: 5] الآية، {قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ} الغيب {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 6] الآية، "ولما قالوا: "يلقيه إليه الشيطان"، قال الله تعالى: لهم {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِين} كما زعم المشركون أنه من قبيل ما يلقي الشياطين على الكهنة {وَمَا يَنْبَغِي} يصلح {لَهُمْ} أن ينزلوا به {وَمَا يَسْتَطِيعُون} [الشعراء: 210] الآية، ذلك أنهم عن السمع لكلام الملائكة لمعزولون، أي: محجوبون بالشهب "ولما تلا عليهم نبأ" خبر "الأولين" الآية، قال النضر بن الحارث"، الكافر، المقتول بعد بدر، المشتري لهو الحديث:{لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا} ؛ لأنه كان يأتي الحيرة يتجر، فيشتري كتب أخبار الأعاجم، ويحدث بها أهل مكة، ويقول: إن محمدًا يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم حديث فارس والروم، فيستملحون حديثه، ويتركون استماع القرآن {إِنْ} ما {هَذَا} القرآن {إِلَّا أَسَاطِيرُ} أكاذيب {الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 83] .

"قال الله تعالى: تكذيبًا لهم {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ} في الفصاحة والبلاغة {لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} ولو كان بعضهم لبعض ظهير [الإسراء: 88] .

ص: 533

ولما قال الوليد بن المغيرة: {إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 24]، قال الله تعالى:{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52] . تسلية له عليه الصلاة والسلام.

ولما قالوا: محمد قلاه ربه، فرد الله عليهم بقوله:{مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] .

ولما قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] .

ولما حسدته أعداء الله اليهود على كثرة النكاح والزوجات، وقالوا: ما همته إلا النكاح، رد الله تعالى عليهم عن رسوله ونافح عنه فقال: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس

أي: معينًا، "ولما قال الوليد بن المغيرة" المخزومي الميت على كفره:" {إِنْ} " ما " {هَذَا} " القرآن " {القرآن إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ} " ينقل عن السحرة.

" {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] الآية، كما قالوا: إنما يعلمه بشر، "قال الله تعالى: " {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رٍَسُول إِلَّا قَالُوا} " هو " {سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} "[الذاريات: 52] . الآية، "تسلية له عليه الصلاة والسلام"؛ لأن المعنى مثل تكذيبهم لك، بقولهم: إنك ساحر أو مجنون، تكذيب الأمم قبلهم لرسلهم، بقولهم: ذلك، "ولما قالوا: محمد قلاه ربه": أبغضه، "فرد" بالفاء في جواب لمبالغة قليلة "الله عليهم بقوله: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى} [الضحى: 3] . ما أبغضك "ولما قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 7] الآية، لولا أنزل إليه ملك، فيكون معه نذيرًا، أو يلقى إليه كنز، أي: من السماء ينفقه ولا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش، أو تكون له جنة يأكل منها، أي: من ثمارها، فيكتفي بها، "قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَاّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ} [الفرقان: 20] الآية، فأنت مثلهم في ذلك، وقد قيل لهم كما قيل لك، وكسرت إن؛ لأن المستثنى محذوف، أي: إلا رسلًا إنهم، أو جملة إنهم حالية اكتفى فيها بالضمير، "ولما حسدته أعداء الله اليهود على كثرة النكاح والزوجات"؛ لأنه صفة كمال لا يقدرون عليها، وعبروا عن هذا، "وقالوا: ما همته إلا النكاح" لإيهام الاعتراض والتوبيخ، خلاف ما أبطنوه من الحسد الذي هو تمني زوال نعمة المحسود، "رد الله

ص: 534

عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] .

ولما استبعدوا أن يبعث الله رسولًا من البشر بقولهم الذي حكاه الله عنهم: {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: 94] وجهلوا أن التجانس يورث التآنس، وأن التخالف يورث التباين. قال الله تعالى:{قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95] ، أي لو كانوا ملائكة لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر وجب أن يكون رسولهم من البشر.

عليهم عن رسوله، ونافح" "بالفاء والحاء المهملة"، أي: منع ودافع "عنه، فقال:{أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس} " أي: محمدا صلى الله عليه وسلم "{عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} " من النبوة وكثرة النساء، أي: يتمنون زواله عنه، ويقولون: لو كان نبيًا لاشتغل عن النساء، "{فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ} " جد محمد صلى الله عليه وسلم، كموسى وداود، وسليمان "{الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} ": النبوة "{وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} " [النساء: 54] الآية، فكان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسيمان ألف ما بين حرة إلى سرية، "ولما استبعدوا أن يبعث الله رسولًا من البشر، بقولهم: الذي حكاه الله عنهم، " {وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا} " أي: قولهم منكرين " {أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا} "[الإسراء: 94] ، وجهلوا أن التجانس يورث التوانس"، فيمكن مخاطبته والفهم عنه، "وأن التخالف" في الجنس "يورث التباين"، فلا يمكن ذلك، فمن حكمة الله جعل الرسول بشر إلا ملكًا.

"قال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [الإسراء: 95] الآية، يحتمل أنه حال من رسولًا، وأنه مفعول، وكذلك بشرًا، والأول أوفق، "أي: لو كانوا ملائكة، لوجب أن يكون رسولهم من الملائكة، لكن لما كان أهل الأرض من البشر، وجب أن يكون رسولهم من البشر"، لتمكنهم من الاجتماع به واللقى معه، وأما الإنس، فعامتهم عماة عن إدراك الملك والتلقف منه، فإن ذلك مشروط بنوع من التناسب والتجانس، قال البيضاوي، وفي الشفاء أي: لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن هو من جنسه، أو من خصه الله واصطفاه، وقواه على مقاومته، كالأنبياء والرسل، وفي الآية الأخرى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} ، أي: جعلناه على صورة رجل ليتمكنوا من رؤيته، إذ لا قدرة للبشر على رؤية الملك، "فما أجل هذه الكرامة"، أي:

ص: 535

فما أجل هذه الكرامة، وقد كان الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم، ويردون على أعدائهم، كقول نوح عليه السلام:{يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَة} [الأعراف: 61]، وقول هود {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَة} [الأعراف: 67] وأشباه ذلك.

الإكرام من الله لنبيه، حيث كان هو الراد عنه، لا الأمر الخارق للعادة، "وقد كان الأنبياء إنما يدافعون عن أنفسهم ويردون على أعدائهم، كقول نوح عليه السلام" رادًا لقولهم له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِين} ، [الأعراف: 60] الآية، قال:{يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَة} [الأعراف: 61] فنفيها أبلغ من نفيه، "وقول هود" دفعًا لقولهم:{إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ} الآية، قال:" {يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَة} " الآية جهالة، "وأشباه ذلك" من دفعهم عن أنفسهم.

ص: 536