المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حكم المفردات والجمل التي لها محل من الإعراب: - الإيضاح في علوم البلاغة - جـ ٣

[جلال الدين القزويني]

الفصل: ‌حكم المفردات والجمل التي لها محل من الإعراب:

‌حكم المفردات والجمل التي لها محل من الإعراب:

إذا أتت جملة بعد جملة فالأولى منهما إما أن يكون لها محل من الإعراب1 أو لًا. وعلى الأول2 أن قصد التشريك بينها وبين الثانية في حكم الإعراب1 أولًا. وعلى الأول2 أن قصد التشريك بينها وبين الثانية.

في حكم الإعراب3 عطفت عليها4 وهذا كعطف المفرد على5 المفرد؛ لأن الجملة لا يكون لها محل من الإعراب حتى تكون واقعة موقع المفرد، فكما يشترط في كون العطف بالواو ونحوه6 مقبولًا في المفرد أن يكون بين المعطوف والمعطوف عليه7 جهة جامعة8

1 بأن تكون في محل رفع كالخبرية، أو نصب كالمفعولية، أو جر كالمضاف إليها -وقوله أو لا أي لا محل لها من الإعراب كالجملة الاستئنافية.

2 أي على تقدير أن يكون للأولى محل من الإعراب.

3 أي الذي للأولى مثل كونها خبر مبتدأ أو حالًا أو صفة أو نحو ذلك.

4 أي عطفت الثانية على الأولى ليدل العطف على التشريك المذكور.

5 فإنه إذا قصد تشريك المفرد لمفرد قبله في حكم إعرابه من كونه فاعلًا أو مفعولًا أو مجرورًا بحرف كالذي قبله، وجب عطفه عليه في الاستعمال الأغلب، وإن كانوا قد أجازوا ترك العطف في الأخبار والصفات المتعددة مطلقًا قصد التشريك وجب العطف. والفرق بينهما أن الصفات المفردة كالشيء الواحد من الموصوف لعدم استقلالها بخلاف الجمل فهي لاستقلالها لا يدل على تعلقها بما قبلها إلا العطف.

6 أي نحو الواو مما يقتضي التشريك في الحكم كالفاء وثم وحتى وهذا خطأ؛ لأن هذا الحكم مختص بالواو فقط ولا يشاركها فيه شيء من حروف العطف.

7 مفردين أو جملتين.

8 أي وصف له خصوص يجمعها في العقل أو الوهم أو الخيال وبقرب أحدهما من الآخر.

ص: 98

كما في قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} ، يشترط في كون العطف بالواو ونحوه مقبولًا في الجملة ذلك1، كقولك: زيد يكتب ويشعر2 أو يعطي ويمنع وعليه قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون} ، ولهذا عيب على أبي تمام قوله:

لا والذي هو عالم أن النوى

صبر وأن أبا الحسين كريم3

1 أي وجود الجهة الجامعة.

2 لما بين الكتابة والشعر من التناسب الظاهر "جامع خيالي بين المسندين" مع اتحاد المسند إليه في الجملتين، وكذلك بين يعطي ويمنع من التضاد ما يجمع بينهما في العطف بخلاف نحو زيد يكتب ويمنع أو يعطي ويشعر، وذلك أي اشتراط الجامع بينهما لئلا يكون الجمع عند انتفاء الجهة الجامعة عبثًا لا طائل تحته كالجمع بين الضب وهو حيوان بري والنون -أي الحوت- وهو حيوان بحري ومثل هذا قول الكميت:

أم هل ظعائن بالعلياء رافعة

وإن تكامل فيها الدل والشنب

3 راجع البيت وشرحه في كتابي "شرح البديع لابن المعتز ص61"، وفي 443 من الصناعتين، 25 جـ3 زهر الآداب، 173 من الدلائل، 118 من المفتاح، 22 جـ2 ابن السبكي.

والشاهد فيه عطف جملة "وأن أبا الحسين كريم" على جملة "أن النوى صبر" مع عدم المناسبة الظاهرة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى فهذا العطف غير مقبول سواء جعل عطف مفرد على مفرد كما هو الظاهر؛ لأن أن تؤول مع خبرها بمفرد مضاف لاسمها أو جعل عطف جملة على جملة باعتبار وقوعه موقع مفعولي عالم اللذين أصلهما المبتدأ والخبر؛ لأن وجود الجامع شرط في عطف المفرد وعطف الجملة.

والبيت من قصيدة لأبي تمام منها:

زعمت هو اك عفا الغداة كما عفا

عنها طلال باللوى ورسوم

لا والذي.............

...........

ما زلت عن سنن الوداد ولا غدت

نفسي على ألف سواك تحوم

فقوله "لا، نفي لما زعمته الحبيبة من أندراس هو اه بدلالة البيت السابق - وجواب القسم "لا والذي" هو قوله في البيت الذي بعده: "ما زلت عن سنن الوداد. والصبر بكسر الباء: عصارة شجر مر. =

ص: 99

إذ لا مناسبة بين كرم أبي الحسين ومرارة النوى، ولا تعلق لأحدهما بالآخر.

= ملاحظات:

1-

العطف بالفاء وثم وحتى في المفردات والجمل لا يشترط فيه وجود الجهة الجامع؛ لأن هذا هذا الشرط مختص بالواو؛ لأن بكل حرف من هذه الحروف معنى محصلًا غير التشريك والجمعية فإن تحقق هذا المعنى حسن العطف وإن لم يوجد جهة جامعة بخلاف الواو فليس بلازم في الربط بغير الواو من حروف العطف إلا تحقق معنى الحرف كالتعقيب والتراخي ونحوهما فمتى تحقق معنى حرف العطف عطفت سواء كان المعطوف مفردًا أو جملة وسواء كانت الجملة الأولى المعطوف عليها لها محل من الإعراب أم لا؛ لأن معاني هذه الحروف جامعة بنفسها في غنى عن الجهة الجامعة الأخرى وإن كان مع ذلك لا ضير في أن توجد جهة جامعة أخرى غير معاني هذه الحروف بل كثيرًا ما يوجد ذلك في أساليب البلغاء.

فالعطف بالواو لا بد فيه من مناسبة خاصة "جهة جامعة" والعطف بغيرها لا يجب فيه ذلك وإن كان يكثر فيه ملاحظة تلك المناسبة الخاصة.

2-

عطف المفردات غير الصفات بالواو يشترط فيه أمران:

قصد التشريك ووجود الجهة الجامعة.

وقصد التشريك يفهم تغاير المعنى بين المفردات واختلافه اختلافًا مقصودًا:

وذلك مثل الآية: {يَعْلَمُ مَاْ يَلِجُ فَيْ الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَاْ يَنْزِلُ مِنَ الْسَّمَاْءِ وَمَاْ يَعْرُجُ فِيْهَا} ، لما بينهما من التقابل بالتضاد في الأولين، وعطف العارج في السماء والنازل فيها كذلك.

3-

المفردات الواقعة صفات الأصل فيما عند عدم تقابلها ترك العطف نظرًا؛ لأنها جارية على موصوف واحد مع تلاؤمها وتناسبها. وقد تعطف مع عدم التقابل الصفة على الأخرى.

أما إذا تقابلت الصفات فالواجب فيها العطف إلا إذا قصدت من الصفتين معنى واحدًا.

وعلى أي حال فهذه الصفات من المفردات والحكم على أي حال في الجمع لا يكاد يختلف.

4 الجمل متى كان للأولى منها "المعطوف عليها" حكم من الإعراب كأن حكم العطف فيها كحكمه بين المفردات، فمتى قصد التشريك ووجدت الجهة، الجامعة فالوصل، وإلا فالفصل.

ص: 100

وإن لم يقصد1 ذلك ترك عطفها عليها كقوله تعالى: {وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، أم يعطف الله يستهزئ بهم على إنا معكم؛ لأنه لو عطف عليه لكان من مقول المنافين2 وليس منه، وكذا قوله تعالى3:{وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ} ، وكذا قوله:{وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كما آمَنَ النَّاس قَالوا أَنُؤْمِنُ كما آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} .

1 رجع 178 من الدلائل، 114 من المفتاح.

وقوله إن لم يقصد ذلك، أي لم يقصد تشريك الثانية للأولى في حكم إعرابها سواء أكان بينهما جهة جامعة أم لا - ترك عطف الثانية على الأولى، لئلا يلزم من العطف التشريك في الحكم وهو ليس بمقصود بل المقصود الاستئناف.

2 فلو عطف عليه لزم تشريكه له في كونه مفعول قالوا فيلزم أن يكون مفعول قول المنافقين وليس كذلك وإنما قال: على {إنَّا مَعَكُمْ} دون {إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ؛ لأن قوله: {إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} عطف بيان لقوله: {إنَّا مَعَكُمْ} فحكمه حكمه وأيضًا العطف على المتبوع هو الأصل وإن كان قد قيل أنه ليس في: {إنَّا مَعَكُمْ} إيهام واضح حتى يكون إنما نحن مستهزؤون بيانًا لها بل هي تأكيد لها أو بدل اشتمال منها أو مستأنفة استئنافًا بيانيًّا، ولعل المراد بالبيان هنا البيان اللغوي وهو الإيضاح لا الاصطلاحي، ولكن كلام الشارح في شرح المفتاح يقتضي أن المراد بالبيان البيان الاصطلاحي.

هذا هو الحاصل أن الجملة التي لها محل من الإعراب إن لم يقصد تشريك الثانية للأولى في حكم إعرابها وجب ترك العطف "وإن قصد فإن وجد الجامع عطفت" وإلا فلا فالمعتبر هو الجامع فلو جعله محل التقسيم لكان أنسب؛ لأن منع العطف لعدم قصد التشريك تكفل به النحو.

3 راجع 85 و114 من المفتاح في الكلام على الآية.

ص: 101