الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والطلب1 يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب لامتناع تحصيل الحاصل2. وهو المقصود بالنظر هنا.
1 المراد بالطلب معناه الاصطلاحي وهو الإلقاء فهو بالمعنى المصدري.
2 فلو استعملت صيغ الطلب لمطلوب حاصل امتنع إجراؤها على معانيها الحقيقية. ويتولد منها بحسب القرائن ما يناسب المقام. مثل: {يَا أيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ} ، [الأحزاب: 1] ، فالمعنى على طلب دوام التقوى.
أنواع الإنشاء الطلبي:
وأنواعه كثيرة1، منها:
أولًا: التمني 2.
واللفظ الموضوع له ليت3.
1 وهي خمسة: الأمر - النهى - التمني - النداء - الاستفهام. ومنهم من عد الترجي قسمًا سادسًا. ومنهم من أخرج التمني والنداء منها.
والترجي ترقب حصول شيء محبوب أو مكروه نحو لعل الحبيب قادم ولعل الصديق مريض. وألفاظه لعل وعسى وحري واخلولق. فهو عند البعض من أقسام الطلب وقيل ليس منها ترقب الحصول.
2 راجع 131 و133 من المفتاح.
وهو طلب حصول شيء على سبيل المحبة مع نفي الطماعية في ذلك بأن كان غير ممكن مثل:
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها
…
عقود مدح فما أرضي لكم كلمي
أو كان ممكنا لكنه بعيد مثل:
فيا ليت ما بيين وبين أحبتي
…
من البعد ما بيني وبين المصائب
وقيل: أن الأصل في التمني أن يستعمل فيما يمكن فيكون استعماله في غيره لمقامات تقتضيه.
3 فهي حروف تصير به نسبة الكلام إنشاء وهي باعتبار ما وضعت له مستلزمة لخبر وهو أن المتكلم يتمنى تلك النسبة. فالإنشاء يستلزم الخبر.
ولا يشترط في التمني الإمكان1، نقول:"ليت زيدًا يجيء"، و"ليت الشباب يعود2" قال الشاعر3:
يا ليت أيام الصبا رواجعا
وقد يتمنى بها4، كقول القائل:"هل لي من شفيع"، في مكان يعلم أنه لا شفيع له فيه5، لإبراز المتمني لكمال العناية به في صورة الممكن، وعليه قوله تعالى حكاية عن الكفار:{فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوْا لَنَا} .
وقد يتمنى بلو6، كقولك: لو تأتيني فتحدثني بالنصب7
1 أي بل كونه محالًا أو ممكنًا بعيد الوقوع بخلاف الترجي فيشترط فيه الإمكان ومثله الأمر والنهي والاستفهام، فإذا كان المتمنى ممكنا يجب أن لا يكون لك توقع وطماعية في وقوعه وإلا لصار ترجيًا.
2 قال أبو العتاهية وأنشده المبرد في الكامل وثعلب في أماليه أسلم بن غزية:
فيا ليت الشباب يعود يومًا
…
فأخبره بما فعل المشيب
313 ريحانة الألباب للشهاب الخفاجي". والبيت في البيان والتبيين "46 جـ3" منسوبًا لأبي العتاهية وروايته:
فيا ليت الشباب يعود يومًا
…
فأخبره بما صنع المشيب
3 هو العجاج. وليت عند الكوفيين تعمل عمل ظن في لغة تميم والبصريون على أن خبرها محذوف تقديره أقبلن رواجعًا مثلًا.
4 راجع 132 من أفتاح.
واستعمال هل في التمني من باب الاستعارة التبعية أو المجاز المرسل كما قالوا. ولم لا يكون استعمالها في التمني من مستتبعات التركيب لا غير.
5 لأنه حينئذ يمتنع حمله على حقيقة الاستفهام لحصول الجزم بانتفائه والاستفهام يقتضي عدم الجزم به. ومثال استعمال هل للتمني:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها
…
أو من سبيل إلى نصر بن حجاج
6 راجع 132 من المفتاح، 211/ 2 كامل المبرد. وهذا الاستعمال من التحول على ما قالوه.
7 على تقدير فإن تحدثني، فالنصب قرينة على أن "لو" ليست على أصلها إذ لا ينصب المضارع بعدها بإضمار أن وإنما تضمر بعد الأشياء الستة: التمني - الاستفهام - العرض ودخل فيه التحضيض - الأمر - النهي - النفي، والترجي لا ينصب جوابه خلافًا للكوفيين والدعاء داخل في الأمر، والمناسب هنا التمني. أما أن رفع الفعل بعدها فلا يتعين كونها للتمني بل احتمل. ومثل هذا المثال قول الشاعر:
فلو نشر المقابر عن كليب
…
فيخبر بالذنائب أي زير
قال السكاكي1:
"وكأن حروف التنديم والتحضيض هلا وألا بقلب الهاء همزة ولولا، ولومًا، مأخوذة منهما2 مركبتين مع لا وما المزيدتين لتضمنيهما معنى التمني، ليتولد3 منه4 في الماضي التنديم نحو هلا أكرمت زيدًا، وفي المضارع5 التحضيض نحو هلا تقوم.
وقد يتمنى بلعل فتعطي حكم ليت نحو لعلي أحج6 فأزورك بالنصب، لبعد المرجو عن الحصول7 وعليه قراءة عاصم في رواية حفص:{لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} ، بالنصب8.
1 133 من المفتاح.
2 أي من هل ولو اللتين للتمني حال كونهما مركبتين مع لا وما.
3 مصدر مضاف إلى مفعوله الأول، ومعنى التمني مفعوله الثاني.
4 علة للتضمين أو قوله لتضمينهما، فبأن أن الغرض المطلوب من هذا التركيب والتزامه هو جعل هل ولو متضمنتين معنى التمني، والغرض من تضمينهما معنى التمني ليس إفادة التمني بل أن يتولد إلخ.
5 أي من معنى التمني المتضمنتين هما إياه.
6 الصواب "وفي المستقبل"؛ لأن المضارع الواقع بعد هذه الحروف يحتمل المضي والاستقبال والتحضيض لا تعلق له بالمضارعة بل الاستقبال.
7 ولعل هنا للترجي، والترجي هو ارتقاب الشيء وهو يشمل المحبوب والمكروه فليس من أنواع الطلب حقيقة؛ لأن المكروه لا يطلب، فلا ينصب الجواب بعد لعل إلا إذا استعمل للتمني والتمني في هل ولو معنى مجازي وفي لعل من مستتبعات التركيب.
8 وبهذا يشبه المحالات والممكنات التي لا طماعية في وقوعها فيتواجد منه معنى التمني.
"ثانيًا - الاستفهام":
ومنها1 الاستفهام2:
والألفاظ الموضوعة له:
الهمزة وهل وما ومن وأي وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان
1 أي من أنواع الإنشاء الطلبي.
2 هو طلب حصول صورة الشيء في الذهن أي بأدوات مخصوصة فيخرج مثل علمني -والمراد بالصورة المعلوم وقيل العلم. فإن كانت الصورة التي طلب حصولها في الذهن وقوع نسبة بين أمرين أي مطابقتها للواقع- أو لا وقوعها -أي عدم مطابقتها للواقع، فحصلوها- أي فإدراك تلك الصورة - هو التصديق. وإلا تكن تلك الصورة وقوع نسبة أو لا وقوعها- بل كانت موضوعًا أو محمولًا أو نسبة مجردة أو اثنتين من هذه الثلاثة أو الثلاثة - فهو التصوير.
فالتصديق إدراك مطابقة النسبة الكلامية للواقع أو عدم مطابقتها له. والتصور إدراك الموضوع أو المحمول أو النسبة المجردة أو اثنين من هذه الثلاثة أو الثلاثة.
والفرق بين الاستفهام عن التصديق والاستفهام عن التصور هو:
1-
الأول حقه أن يؤتي بعده بأم المنقطعة دون المتصلة والثاني بالعكس.
2-
الأول يكون عن نسبة تردد الذهن بين ثبوتها وانتفائها والثاني يكون عند التردد في تعيين أحد الشيئين، وهذا هو ضابط الفرق بين أم المتصلة والمنقطعة أيضًا، ومن الفروق بينهما أيضًا أن المتصلة لا تقع إلا بعد استفهام لفظًا ومعنى أو لفظًا فقط والمنقطعة قد لا يأتي قبلها استفهام لا لفظًا ولا معنى، والمنقطعة للتصديق والمتصلة للتصور. وحاصل الفرق الثاني بأن السؤال عن التصديق يكون عن نسبة المحمول للموضوع أو سلبها وعن التصور يكون عن نفس المحمول أو الموضوع.
فالهمزة1 لطلب التصديق2، كقولك. أقام3. زيد، وأزيد قائم، أو التصور4 كقولك5: أدبس في الإناء أم عسل، وفي الخابية دبسك أم في الزق6، ولهذا 7 لم يقبح: "أزيد8 قام، وأعمرًا عرفت9".
1 راجع 142 السيد على المطول أيضًا.
2 هو انقياد الذهن وإذعانه لوقوع نسبة تامة بين الشيئين -والمراد بالإذعان لوقوع النسبة إدراك وقوعها أو لا وقوعها. فالتصديق إدراك وقوع نسبة تامة بين شيئين أو لا وقوعها أي إدراك موا فقتها لما في الواقع أو عدم موافقتها له وتفسير الإذعان بالإدراك هو مذهب المناطقة لا المتكلمين.
3 هذا في الجملة الفعلية وما بعده في الجملة الاسمية. فأنت عالم بأن بينهما نسبة أما الإيجاب أو السلب وتطلب تعيينها.
4 وهو إدراك غير النسبة.
5 أي في طلب تصور المسند إليه. والدبس هو شراب حلو يتخذ من تمر أو عنب، ففي المثال:"أدبس في الإناء أم عسل" أنت تعلم أن في الإناء شيئًا وتطلب تعيينه، واختار السيد في حاشيته على المطول أن الهمزة في المثال قد يصح أن تكون لطلب التصديق أيضًا.
6 والمثل الهمزة فيه لطلب تصور المسند فأنت تعلم أن الدبس محكوم عليه بكونه إما في الخابية أو في الزق والمطلوب هو التعيين فالمطلوب في جميع ذلك معلوم بوجه إجمالي ويطلب بالاستفهام تفصيله.
7 أي؛ لأن الهمزة تجيء لطلب التصور.
8 أي في طلب تصور المسند إليه -الفاعل- وفي الأصل "أزيد قائم" لا قام والظاهر أنه تحريف.
9 أي في طلب تصور المفعول -وذلك بخلاف هل زيد قام وهل عمرًا عرفت فإنهما قبيحان؛ لأن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل فيكون "هل" لطلب حصول الحاصل. وهذا واضح في أعمرًا عرفت؛ لأن الغالب كون تقديم المفعول للاختصاص وأما تقديم الفاعل فقد يكون كثيرًا لمجرد الاهتمام وشبهه فلا يستدعي التخصيص في الغالب الملزوم لطلب التصور.
والمسئول عنه بها1 هو ما يليها، فتقول، أضربت زيدًا إذا كان شك في الفعل نفسه وأردت بالاستفهام أن تعلم وجوده2 وتقول أأنت ضربت زيدًا إذا كان الشك في الفاعل من هو وتقول أزيدًا ضربت إذا كان الشك في المفعول من هو 3.
وهل لطلب التصديق4 فحسب، كقولك:"هل قام زيد"، و"هل عمرو قاعد5، ولهذا6 امتنع هل زيد قام أم عمرو7،
1 أي الذي يسأل عنه بالهمزة سواء كان تصوره أو التصديق به وقد سبق في بحث تقديم المسند إليه وتأخيره بيان ذلك، وراجع في ذلك دلائل الإعجاز ص87 و95.
2 هذا واضح فيما إذا كان الاستفهام للتصور أما إن كان للتصديق فإنه لما كان الغرض عند السؤال بها عن التصديق السؤال عن حال النسبة وهي جزء مدلول الفعل فلا بد أن يلي الفعل الهمزة، فإذا كان الشك في نفس الفعل من حيث صدوره من المخاطب أعني الضرب الصادر من المخاطب الواقع على زيد وأردت بالاستفهام أن تعلم وجوده فيكون لطلب التصديق، ويحتمل أن يكون لطلب تصور المسند بمعنى أنه قد تعلق فعل من المخاطب بزيد لكن لا تعرف أنه ضرب أو إكرام. هذا وتعيين أحدهما أي التصور أو التصديق بالقرائن اللفظية كاقتران معادل ما بعد الهمزة بأم المتصلة أو المنقطعة، أو بالقرائن المعنوية كما في "أفرغت من الكتاب الذي كنت تكتبه" فإنه للتصديق، وأكتبت هذا الكتاب أم اشتريته فإنه للتصور.
3 وهكذا قياس سائر المتعلقات.
4 هو مطلق إدراك وقوع النسبة أو لا وقوعها -هذا وندخل هل على الجملتين بشرط أن كون الجملة مثبتة- وراجع هل والكلام عليها في المفتاح ص123.
5 أي إذا كان المطلوب حصول التصديق بثبوت القيام لزيد والقعود لعمرو.
6 أي مجيء هل "للتصديق فحسب".
7 وذلك أن وقوع المفرد ههنا بعد أم دليل على أن أم متصلة وهي لطلب تعيين أحد الأمرين مع العلم بثبوت أصل الحكم، وهل إنما تكون لطلب الحكم فقط -ويلاحظ أن هل لا تقع بعدها أم المتصلة وإنما يقع بعدها أم المنقطعة فقط، فإذا جاءت أم بعد هل كانت منقطعة للإضراب.
وقبح "هل زيدًا ضربت1" لما سبق أن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل والشك فيما قدم عليه، ولم يقبح "هل زيدًا ضربته" لجواز تقدير المحذوف والمفسر مقدمًا كما مر2.
وجعل السكاكي3 قبح "هل رجل عرف" لذلك4 أي لما قبح له "هل زيدًا ضربت"، ويلزمه أن لا يقبح نحو "هل زيد عرف5" لامتناع تقدير التقديم والتأخير فيه عنده على ما سبق6.
1 أي من كل مثال تركيب هو مظنة للعلم بحصول أصل النسبة وهو ما يتقدم فيه المفعول على الفعل. وسر القبح كما ذكر أن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل فيكون هل لطلب حصول الحاصل وهو محال. وإنما لم يمتنع لاحتمال أن يكون زيدًا مفعول فعل محذوف أو أن تقديمه للاهتمام لا للتخصيص وحينئذ فلا يكون التقديم مستدعيًا للتصديق بحصول الفعل فلا تكون هل لطلب حصول الحاصل، لكن ذلك خلاف الظاهر -قال السعد: وفيه نظر؛ لأنه لا وجه لتقبيحه حينئذ سوى أن الغالب في التقديم هو الاختصاص وهذا يوجب أن يقبح "وجه الحبيب أتمنى" على قصد الاهتمام دون الاختصاص ولا قائل به، وعلى هذا يكون القبح مخصوصًا بتقدير الفعل وحينئذ يراعي ما حصل في نفس الأمر فإن قصد التخصيص امتنع وإن قصد تقدير الفعل قبح وإن قصد الاهتمام لم يقبح ولا يراعي في القبح المظنة كما في ابن يعقوب.
2 فيكون التقدير هل ضربت زيدًا ضربته فيكون السؤال حينئذ عن أصل ثبوت الفعل لا عن المفعول.
3 راجع 133 من المفتاح.
4 أي؛ لأن التقديم يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل لما سبق من مذهبه من أن الأصل "عرف رجل" على أن "رجل" بدل من الضمير في "عرف" قدم للتخصيص.
5 لأن تقديم المظهر المعرفة ليس للتخصيص عنده حتى يستدعي حصول التصديق بنفس الفعل مع أنه قبيح بإجماع النحاة للفصل بين هل والفعل بالاسم مع أنها إذا رأت الفعل في حيزها لا ترضى إلا بوجوده بجوارها، قال الشاعر:
مليحة عشقت ظبيا حوى حورا
…
فمذ رأته سعت فورًا لخدمته
كهل إذا ما رأت فعلًا بحيزها
…
حنت إليه ولم ترض بفرقته
6 فإن التقديم فيه ليس للتخصيص المستدعي لحصول التصديق بأصل للفعل. بل للا هتمام قالوا: وفيه نظر؛ لأن ما ذكره من اللزوم ممتنع لجواز أن لا يقبح لعلة أخرى فانتفاء علة من علل القبح وهي كون التقديم للتخصيص لا يستلزم انتفاء جميع العلل بل يجوز أن يقول فيه بالقبح لعلة أخرى.
وعلل غيره1 القبح فيهما بأن أصل هل أن تكون بمعنى قد إلا أنهم تركوا الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام2.
وهل تخصص المضارع بالاستقبال3 فلا يصح أن يقال هل تضرب زيدًا وهو أخوك4 كما تقول "أتضرب زيدًا وهو أخوك5"؟
1 أي غير السكاكي وهو الزمخشري في المفصل، وقوله القبح فيهما أي في هل رجل عرف "وهل زيد عرف".
2 أي وقوع هل في الاستفهام فأقيمت هي مقام الهمزة وقد تطفلت عليها في الاستفهام وقد من خواص الأفعال فكذا ما هي بمعناها وإنما لم يقبح "هل زيد قائم"؛ لأنها إذا لم تر الفعل في حيزها تسلت عنه بخلاف ما إذا رأته فإنها لا ترضى كما قلنا إلا بوجوده بجوارها.
3 بعد أن كان محتملًا له وللحال، وذلك بحكم الوضع كالسين وسوف، وأما الماضي والجملة الاسمية فيبقيان بعد هل على حالهما.
4 لأن الضرب واقع هنا في الحال على ما يفهم عرفًا من قوله: وهو أخوك.
5 قصدًا إلى إنكار الفعل الواقع في الحال بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون. وذلك؛ لأن هل تخصص المضارع بالاستقبال فلا يصح مجيئها لإنكار الفعل الواقع في الحال، بخلاف الهمزة فإنها تصلح لإنكار الفعل الواقع؛ لأنها ليست مخصصة للمضارع بالاستقبال، وهذا الامتناع جار في كل ما يوجد فيه قرينة تدل على أن المراد إنكار الفعل الواقع في الحال سواء عمل ذلك المضارع في جملة حالية كقولك "أتضرب زيدًا وهو أخوك" - لأن الاستفهام هنا للتوبيخ والتوبيخ لا يكون إلا بالهمزة- أو لم يعمل في جملة حالية كقوله تعالى:{أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُون} وكقولك أتؤذي أباك، وأتشتم الأمير، فلا يصح وقوع فعل في هذه المواضع.
هذا وقد أخطأ العلامة الشيرازي في تعليله للامتناع بأن الفعل المستقبل لا يجوز تقييده بحال، وهو سهو ظاهر لجواز أن تقول مثلًا سأدخل الامتحان غدًا.
قال الشاعر -سعد بن ناشب- الحماسي:
سأغسل عني العار بالسيف جالبًا
…
على قضاء الله ما كان جالبَا
وقال تعالى: {سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين} و {يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيْهِ الْأَبْصَار، مُهْطِعَيْنَ} .
ولهذين أعني اختصاصها بالتصديق وتخصيصها المضارع بالاستقبال كان لها مزيد اختصاص بما كونه زمانيًّا أظهر كالفعل1. أما الثاني فظاهر وأما الأول؛ فلأن الفعل لا يكون إلا صفة والتصديق حكم بالثبوت أو الانتفاء والنفي والإثبات إنما يتوجهان إلى الصفات لا الذوات.
ولهذا2 كان قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُون} أدل على طلب الشكر من قولنا: "فهل تشكرون" و"فهل أنتم تشكرون"3 إن إبراز
1 أي؛ لأن هل مختصة بطلب التصديق فلا تجيء لغير التصديق؛ ولأنها تخصص المضارع بالاستقبال كان لها مزيد اختصاص بما زمانيته ظاهرة وهو الفعل فلما كانت تخصص المضارع بالاستقبال دون الاسم كان لها مزيد اختصاص بالفعل دون الاسم؛ لأن الفعل المضارع نوع من مطلق الفعل واللازم للنوع لازم للجنس. والزمان جزء من مفهوم الفعل بخلاف الاسم فإنه إنما يدل عليه حيث يدل بعروضه له.
وأما اقتضاء تخصيصها المضارع بالاستقبال لمزيد اختصاصها بالفعل فظاهر لما تقدم.
وأما اقتضاء كونها لطلب التصديق لمزيد اختصاصها بالفعل؛ فلأن التصديق هو الحكم بالثبوت أو الانتفاء -أي هو إدراك أن النسبة الحكمية مطابقة للواقع أو غير مطابقة- والانتفاء أو الثبوت إنما يتوجهان إلى المعاني والأحداث التي هي مدلولات الأفعال لا إلى الذوات التي هي مدلولات الأسماء.
وقوله بما كونه زمانيًّا أظهر أي بالشيء الذي زمانيته أظهر وهو الفعل، فما موصولة، وكونه مبتدأ خبره أظهر وزمانيًّا خبر الكون.
2 أي؛ لأن لها مزيد اختصاص بالفعل بحيث إذا عدل بها عن موالاته الفعل كان للاعتناء بالمعدول إليه.
وراجع في ذلك 34 من المفتاح.
3 مع أنه مؤكد بالتكرير؛ لأن أنتم فاعل فعل محذوف.
ما سيتجدد1 في معرض الثابت2 أدل على كما ل العناية بحصوله من إبقائه على أصله3، وكذا من قولنا أفأنتم شاكرون" وإن كانت صيغته للثبوت4؛ لأن هل أدعي للفعل من الهمزة فتركه5 معها أدل على كما ل العناية بحصوله، ولهذا لا يحسن هل زيد منطلق إلا من البليغ.
وهي6: قسمان بسيطة وهي التي يطلب بها وجود الشيء7 كقولنا هل الحركة موجودة، ومركبة وهي التي يطلب بها وجود شيء لشيء8 كقولنا هل الحركة دائمة.
والألفاظ الباقية لطلب التصور فقط9.
1 الذي هو مضمون الفعل وهو الشكر.
2 أي صورة الثابت، حيث دل عليه بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت.
3 كما في "هل تشكرون"؛ لأن هل في "فهل تشكرون" وفي "هل أنتم تشكرون" على أصلها لكونها داخلة على الفعل تحقيقًا في الأول وتقديرًا في الثاني.
4 باعتبار أن الجملة اسمية.
5 أي فترك الفعل مع هل.
6 أي هل.
7 أي أو لا وجوده كقولنا هل الحركة لا موجودة. وقوله وجود الشيء أي التصديق بوقوع وجود الشيء.
8 أي أو لا وجوده كقولنا هل الحركة لا دائمة. فإن المطلوب وجود الدوام للحركة أو لا وجوده لها، وقد اعتبر في هذا شيآن غير الوجود وفي الأولى شيء واحد فكانت مركبة بالنسبة إلى الأولى وهي بسيطة بالنسبة إليها.
9 فهي تشترك في أنها لطلب التصور وتختلف من جهة أن المطلوب بكل منها لتصور شيء آخر فالمطلوب تصوره بواحد منها خلاف المطلوب بالآخر.
أما "ما": فيطلب به: أما شرح الاسم2 كقولنا ما العنقاء. وأما ماهية المسمى3 كقولنا: "ما الحركة4" والقسم الأول يتقدم على قسمي5 هل جميعًا، والثاني 6 يتقدم على هل المركبة دون البسيطة، فالبسيطة7 في الترتيب واقعة بين قسمي ما 8. وقال السكاكي9: يسأل بما عن الجنس120 تقول ما عندك أي أجناس
1 راجع 134 من المفتاح.
2 أي بيان مدلوله في الجملة، والمراد بالاسم هنا ما قابل المسمى فيشمل الفعل والحرف -فقولنا ما العنقاء؟ نطلب به أن يشرح هذا الاسم ويبين مفهومه فيجاب بإيراد لفظ أشهر.
3 أي حقيقته التي هو بها هو أي حقيقته الوجودية التي بها تحققت أفراد الشيء بحيث لا يزاد في الخارج عليها إلا العوارض ولم يرد بها الماهية التفصيلية.
4 أي ما حقيقة مسمى هذا اللفظ فيجاب بإيراد ذاتيَّاته من الجنس والفصل فيقال هي حصول الجرم حصولًا أو لا في الحيز الثاني، بعد أن يعرف أنها شيء موجود في نفسه لأجل أن يكون الجواب تعريفًا حقيقيًّا.
5 أي البسيطة والمركبة -والمرا د بالقسم الأول: ما التي يطلب بها شرح الاسم.
6 أي ما التي يطلب بها ما هية المسمى.
7 أي هل البسيطة.
8 إذ يطلب أو لًا شرح الاسم بما ثم يستفهم عن وجوده في نفسه بهل ثم يطلب بيان ماهية المسمى بها، ثم يستفهم بعد ذلك بهل المركبة عما يراد الاستفهام بها عنه: فالترتيب الطبيعي أن يطلب أو لًا شرح الاسم ثم وجود المفهوم في نفسه ثم ماهيته وحقيقته؛ لأن من لا يعرف مفهوم اللفظ استحال منه أن يطلب وجود ذلك المفهوم ومن لا يعرف أنه موجود ستحال منه أن يطلب حقيقته وماهيته إذ لا حقيقة للمعدوم ولا ما هية.
9 را جع 134 من المفتاح.
10 الجنس المراد به الحقيقة الكلية متفقة الأفراد أو مختلفتها مجملة أو مفصلة والمراد به الجنس اللغوي فيشمل جميع أقسام ما يقال في جواب ما هو من النوع والجنس والحقيقة الإجمالية والتفصيلية.
فالفرق بين القولين أن ما على الأل يطلب بها شرح الاسم كليا كان أو جزئيًّا، وعلى قول السكاكي لا يطلب بها إلى الكلي، ولا يخفى أن السؤال بها عن الجزئي داخل في السؤال عن الوصف كما سيأتي فالحق أنه لا فرق في السؤال بما بين القولين.
الأشياء عندك، وجوابه إنسان أو فرس أو كتاب أو نحو ذلك، وكذلك تقول ما الكلمة وما الكلام؟، وفي التنزيل:{وَمَاْ خَطْبُكُمْ} أي أي أجناس الخطوب خطبكم، وفيه:{مَا تَعْبُدُوْنَ مِنْ بِعْدِيْ} أي أي من في الوجود تؤثرونه للعبادة أو عن الوصف تقول ما زيد وما عمرو وجوابه الكريم أو الفاضل ونحوهما وسؤال فرعون: {وَمَاْ رَبُ الْعَالَمِيْنَ} أما عن الجنس لاعتقاده لجهله بالله تعالى أن لا موجود مستقلًّا بنفسه سوى الأجسام كأنه قال أي أجناس الأجسام هو، وعلى هذا جواب موسى عليه السلام بالوصف للتنبيه على النظر المؤدي إلى معرفته، لكن لما لم يطابق السؤال عن فرعون عجب الجهلة الذين حوله من قول موسى بقوله لهم:{أَلِا تَسْمَعُوْن} ، ثم لما وجده مصرًّا على الجواب بالوصف إذ قال في المرة الثانية:{رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِين} استهزأ به وجننه بقوله: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُون} ، وحين رآهم موسى عليه السلام لم يقطنوا لذلك في المرتين غلظ عليهم في الثالثة بقوله:{إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون} وإما عن الوصف، طمعًا في أن يسلك موسى عليه السلام في الجواب معه مسلك الحاضرين لو كانوا هم المسئولين مكانه لشهرته بينهم برب العالمين إلى درجة دعت السحرة إذ عرفوا الحق أن أعقبوا قولهم:{آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِين} بقولهم {رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ} نفعًا لاتهامهم أن عنوه وجهله بحال موسى إذ لم يكن جمعهما قبل ذلك مجلس بدليل قال أو لو جئتك بشيء مبين قال فائت به إن كنت من الصادقين فحين سمع الجواب تعداه عجب واستهزاء وجنن وتفيهق بما تفيهق من قوله: {لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِين} .
ملاحظات: الآية الكريمة موضع الشاهد في كلام السكاكي هي: {قَاْلَ فَرْعَوْنُ وَمَاْ رَبُ الْعَالَمِيْنَ، قَالَ رَبُ الْسَمَاوَاْتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إَنْ كُنْتُمْ مُوْقِنِيْنَ، قَاْلَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَاْ تَسْتِمِعُوْنَ، قَالَ رَبُكُمْ وَرَبُ آَبِائِكُمُ الأَوَلِيْنَ، قَالَ إَنَّ رَسُوْلَكُمُ الْذِيْ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُوْن
…
} إلخ.
وأما "من": 1
فقال السكاكي هو للسؤال عن الجنس من ذوي العلم2، نقول من جبريل! بمعنى أبشر هو أم ملك أم جني، وكذا من إبليس ومن فلان، ومنه قوله تعالى حكاية عن فرعون:{فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} ؟ أي أملك هو أم بشر أم جني منكرًا لأن يكون لهما رب سواه لإدعائه الربوبية لنفسه، ذهابًا في سؤاله هذا إلى معنى ألكما رب سواي فأجاب موسى عليه السلام بقوله:{رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} كأنه قال نعم لنا رب سواك، هو الصانع الذي إذا سلكت الطريق الذي بين بإيجاده لما أو جد وتقديره إياه على ما قدر، واتبعت فيه الخريت الماهر- وهو العقل الهادي عن الضلال لزمك الاعتراف بكونه ربا وأن لا رب سواه، وأن العبادة له منى ومنك ومن الخلق أجمع حق لا يدفع له3 وقيل هو للسؤال عن العارض المشخص لذي4 العلم وهذا أظهر؛ لأنه إذا قيل من فلان، يجاب بزيد أو نحوه مما يفيد
1 راجع 134 و135 من المفتاح.
2 المراد الجنس اللغوي فيشمل النوع والصنف.
3 وفي كلام السكاكي نظر؛ لأنا لا نسلم أنه سؤال عن الجنس وأنه مسح في جواب "من جبريل" أن يقال ملك، بل جوابه أنه ملك يأتي بالوحي إلى الرسل ونحو ذلك مما يفيد تشخصه وتعيينه، وأما ما ذكره السكاكي في قوله تعالى حكاية عن فرعون:{فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى} أن معناه أبشر هو أم ملك أم جني ففساده يظهر من جواب موسى بقوله: {رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} فإنه قد أجاب بما يفيد تشخيصه وتعينه شيء ما ذكرنا.
على أن فلانًا كناية عن العلم فكيف يجاب بذكر العلم، ولعل المراد إذا قال شخص فلان يعمل كذا فنقول من فلان؟ فيقال زيد، لكن في الاستفهام عن ذلك بمن فيه نظر فينبغي أن يقال ما فلان؟ كما قال ابن السبكي.
4 أي يطلب بمن الأمر الذي يعرض لدى العلم -أي العقل- فيفيد تشخصه وتعينه وهو خصوص الوصف.
التشخيص، ولا نسلم صحة الجواب بنحو بشر أو جني كما زعم السكاكي.
وأما "أي"1.
فللسؤال عما يميز2 أحد المتشاركين في أمر يعمهما3 يقول القائل عندي ثياب، فتقول: أي الثياب هي فتطلب منه وصفًا يميزها عندك عما يشاركها في الثوبية، وفي التنزيل: أي الفريقين خير مقامًا أي أنحن أم أصحاب محمد عليه السلام4، وفيه:{أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} أي الإنسي أم الجني.
وأما "كم":
فللسؤال عند العدد، إذا قلت: كم درهمًا لك وكم رجلًا رأيت، فكأنك فكأنك قلت أم عشرون أم ثلاثون. أم كذا أو كذا، وتقول كم درهمك وكم مالك أي كم دانقًا أو كم دينارًا، وكم ثوبك أي كم شبرًا أو كم ذراعًا، وكم زيد ماكث؟ أي كم يومًا أو كم شهرًا، وكم رأيتك أي كم مرة، وكم سرت أي كم فرسخًا أو كم يومًا؟ قال الله تعالى:{قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُم} أي كم يومًا أو كم ساعة، وقال:{كَمْ لَبِثْتُمْ فِيْ الْأَرْضِ عَدَدَ سِنَيْن} وقال: {سَلْ بَنِيْ إِسْرَائِيْلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ} .
1 راجع 135 من المفتاح.
2 أي عن موصوف وصف يميز.
3 وهو مضمون ما أضيف إليه "أي" غالبا، وقد يكون غير ما أضيف مثل:{أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا} فالمشترك كون الجميع من جنده.
4 فالمؤمنون والكافرون قد اشتركا في الفريقين وسألوا عما يميز أحدهما عن الآخر مثل الكون كافرين قائلين لهذا القول ومثل الكون أصحاب محمد عليه السلام غير قائلين.
بينة1؟ ومنه قول الفرزدق2:
كم عمة لك يا جرير وخالة
…
فدعاء قد حلبت علي عشاري
فيمن روى بالنصب3، وعلى رواية الرفع تحتمل الاستفهامية والخبرية4.
وأما "كيف":
فللسؤال عن الحال، إذا قيل: كيف زيد؟ فجوابه صحيح أو سقيم أو مشغول أو فارغ ونحو ذلك.
وأما "أين": 5
فللسؤال عن المكان، إذا قيل: أين زيد؟ فجوابه في الدار أو في المسجد أو في السوق ونحو ذلك.
1 من "آية" مميز "كم" بزيادة "من" لما وقع من الفصل بفعل متعد بين كم ومميزه.
فآية تميز كم ومفعول آتينا هم، وكم هنا للسؤال عن العدد لكن الغرض من هذا السؤال هو التوبيخ والتقريع من حيث دلالة الجواب على كثرة الآيات.
2 راجع البيت في 253 و293 و295 جـ1 من الكتاب لسيبويه، وفي ص135 من المفتاح -الفدع بفتح الدال: عوج في المفاصل كأنها قد زالت عن مواضعها. العشار: جمع عشراء كنفساء وزنًا ومعنى وهي الناقة التي مضى على حملها عشرة أشهر.
3 هذا "أي أنه على رواية النصب يتعين الاستفهام" غير مسلم، بل كم الخبرية قد تنصب المميز وعلى ذلك أنشد سيبويه البيت.
4 الكلام مع الاستفهام لا يحتمل الصدق والكذب ومع الخبرية يحتمل والذي يظهر أن كم في البيت خبرية. هذا وعلى رواية الجر تتعين الخبرية.
5 راجع 135 من المفتاح.
وأما "أنى":
فتستعمل تارة بمعنى "كيف1"، قال تعالى:{فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُم} 2، أي كيف شئتم، وأخرى بمعنى "من أين3" قال الله تعالى:{أَنَّى لَكِ هَذَا} 4؟، أي من أين لك5.
وأما "متى" و"أيان" 6:
فللسؤال عن الزمان7، إذا قيل. متى جئت؟ أو أيان جئت؟ قيل: يوم الجمعة أو يوم الخميس أو شهر كذا أو سنة كذا. وعن علي بن عيسى الربعي أن أيان تستعمل في مواضع التفخيم كقوله تعالى: {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة} ، {يَسْأَلونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّين} ؟.
1 ويجب أن يكون بعدها فعل إذ لم يرد أنى زيد بمعنى كيف هو.
2 قيل هي هنا شرطية، وقيل أنها بمعنى متى وأنه معنى ثالث لها.
3 ولا يجب أن يكون بعدها فعل.
4 فتتضمن الظرفية والابتدائية.
5 وليس المراد المكان حقيقة بل المراد من أي وجه نلت ما نلت؟ هذا وقوله "تستعمل" إشارة إلا أنه يحتمل أن يكون مشتركًا بين المعنيين اشتراكًا لفظيًّا وهو حقيقة فيهما، ويحتمل أن يكون في أحدهما حقيقة وفي الآخر مجازًا، ويحتمل أن يكون معناه أين إلا أنه في الاستعمال يكون مع "من" ظاهرة كما في قوله: من أين عشرون لنا من أنى.
أي: من أين، أو مقدرة كما في قوله تعالى: أنى لك هذا؟.
أي من أنى لك، أي من أين على ما ذكره بعض النحاة.
6 راجع 135 من المفتاح.
7 وفي مختصر السعد تخصيص أيان بالزمان المستقبل، وتستعمل "أيان" في موضع التفخيم مثل:{يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَة} .
وأخيرًا فالخلاصة أن أدوات الاستفهام ثلاثة أقسام: قسم مختص مطلب التصديق وهو "هل"، وقسم مختص بطلب التصور وهو ما عدا الهمزة وهل، وقسم يحتمل التصور والتصديق وهو الهمزة وذلك لعراقتها في الاستفهام. ولهذا يجوز أن يقع بعد أم سائر كلمات الاستفهام سوى الهمز كقوله تعالى:{أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّور} .
الأغراض البلاغية التي يخرج إليها أسلوب الاستفهام:
ثم إن هذه الألفاظ كثيرًا ما تستعمل في معان غير الاستفهام بحسب ما يناسب المقام1، منها:
الاستبطاء:
نحو كم دعوتك2؟، وعليه قوله تعالى:{حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} ؟.
ومنها التعجب:
نحو قوله: {مَاْ لِيَ لَاْ أَرَىْ الْهُدْهُدَ} 3؟
1 ودلالتها على هذه المعاني مجاز مرسل أو كناية أو من مستتبعات التركيب.
2 فالاستفهام عن عدد دعائه إياه للجهل به، المستلزم لاستنكاره عادة أو ادعاء؛ لأن القليل منه يكون معلومًا، واستكثاره يستلزم الإبطاء كذلك أي عادة أو ادعاء. فالاستفهام عن عدد دعائه إياه يستلزم الاستبطاء بهذه الوسائط فاستعمل لفظ الاستفهام في الاستبطاء.
وكذلك قوله تعالى: {مَتَى نَصْرُ اللَّه} ؟، فالاستفهام عن زمان النصر يستلزم الجهل بزمانه، والجهل بما يستلزم استبعاده عادة أو ادعاء، واستبعاده يستلزم الاستبطاء.
فخروج أداة الاستفهام إلى الاستبطاء إذا حمل على المجاز المرسل كانت علاقته السببية إذ هو من إطلاق اسم المسبب وإرادة السبب.
3 فالاستفهام عن سبب عدم رؤيته الهدهد سيستلزم الجهل به المناسب للتعجب عن المسبب أعني عدم الرؤية، فهو إذا حمل على المجاز المرسل من باب استعمال اسم الملزوم في اللازم؛ لأن سؤال العاقل عن حال نفسه مثلًا يستلزم جهله به والجهل به يستلزم التعجب منه؛ لأنه كان لا يغيب عن سليمان عليه السلام إلا بإذنه فلما لم يبصره مكانه تعجب من حال نفسه في وقت عدم إبصاره إياه، ولا يخفى أنه لا معنى الاستفهام العاقل عن حال نفسه. وقول صاحب الكشاف نظر سليمان إلى مكان =
ومنها: التنبيه على الضلال:
نحو: {فَأَيْنَ تَذْهَبُون} 1؟.
=الهدهد فلم يبصره، فقال: مالي لا أراه؟ على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول أهو غائب كأنه يسأل عن صحة ما لاح له يدل على أن الاستفهام على حقيقته هذا ومن خروج أدوات والاستفهام إلى التعجب قول كثير عزة:
فيا عجبًا للقلب كيف اعترافه
…
وللنفس لما وطنت كيف لت؟
وقل أبي تمام:
ما للخطوب طغت علي كأنها
…
جهلت بأن نداك بالمرصاد
وقول أبي الطيب وقد أصابته الحمى:
أبنت الدهر عندي كل بنت
…
فكيف وصلت أنت من الزحام
وقول إحدى النساء تشكو ابنا لها:
أنشا يمزق أثوابي يؤدبني
…
أبعد شيبي يبتغي عندي الأدبا؟
وقول الآخر:
ما أنت يا دنيا؟ أرؤيا نائم
…
أم ليل عرس أم بساط سلاف
ومن خروج أدوات الاستفهام إلى الاستبطاء قول البهاء:
مولاي إني في هو اك معذب
…
وحتام أبقى في العذاب وأمكث
وقوله:
يا أنعم الناس قل لي
…
إلى متى فيك أشقى
وقول ابن خفاجة الأندلسي:
فحتى متى أبقى ويظعن صاحب
…
أودع منها راحلًا غير آيب
وحتى متى أرعى الكواكب ساهرًا
…
فمن طالع أخرى الليالي وغارب
وقول صفوت الساعاتي:
وحتى متى وإلى كم طول وعدكمو
…
أما له أجل قبل انقضا أجلي
1 وخروج أداة الاستفهام هنا إلى هذا المعنى من باب المجاز المرسل الذي علاقته اللزومية إذ هو من استعمال اسم الملزوم في اللازم، فالاستفهام عن الشيء يستلزم تنبيه المخاطب عليه وتوجيه ذهنه إليه وذلك يستلزم تنبيه للضلال، ويجوز أن يجعل اللفظ مستعملًا في الاستفهام ليتوصل به إلى ذلك على طريق الكناية أو أن يجعل من مستتبعات التراكيب فلا يكون مجازًا ولا كناية كما يجوز ذلك في سائر ما يخرج إليه الاستفهام من معان بلاغية.
وراجع 136 من المفتاح.
ومنها: الوعيد:
كقولك1 لمن يسيء الأدب: ألم أؤدب فلانًا؟ إذا كان عالمًا بذلك، وعليه قوله تعالى:{أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَلِيْنَ} .
ومنها الأمر 2:
نحو قوله تعالى: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون} ، ونحو {فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر}
ومنها التقرير 3:
1 راجع 132 من المفتاح.
هذا وخروج أداة الاستفهام إلى معنى الوعيد من باب المجاز المرسل والعلاقة هنا اللزوم من استعمال اسم الملزوم في اللا زم، ولك أن تجعل الكلام من قبيل الكناية فاللفظ مستعمل في الاستفهام لينتقل منه إلى الوعيد. أو مستعمل فيهما على أن الوعيد من مستتبعات التركيب.
فالاستفهام في قولك: "ألم أؤدب فلانًا؟ " يستلزم تنبيه المخاطب على جزاء إساءة الأدب الصادرة عن غيره وهذا التنبيه يستلزم وعيده على إساءة الأدب.
هذا وعلم المخاطب أنك أدبت فلانًا قرينة المجاز المرسل إذا حمل الكلام عليه.
2 إذا حمل على المجاز فهو من باب الإطلاق والتقييد على نحو ما يأتي في التقرير.
3 إذا حمل على المجاز المرسل كان من باب الإطلاق والتقييد إذ الاستفهام عن أمر معلوم للمخاطب يستلزم حمله على إقراره بما هو معلوم منه، فالاستفهام طلب الإقرار بالجواب مع سبق جهل لمستفهم فاستعمل في مطلق طلب الإقرار ثم في طلب الإقرار من غير سبق جهل- هذا وراجع في التقرير 102/ 1 كامل المبرد و23 ما اتفق لفظه للمبرد، 136 من المبرد، 88 من الدلائل.
هذا والتقرير هو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه والجئة إليه، وقد يقال: التقرير بمعنى التحقيق والتثبيت فيقال: أضربت زيدًا بمعنى أنك ضربته البتة.
ويشترط في الهمزة1 أن يليها المقرر به، كقولك: أفعلت إذا أردت أن تقرره بأن الفعل كان منه، وكقولك: أأنت فعلت، إذا أردت أن تقرره بأنه الفاعل2. وذهب الشيخ عبد القاهر والسكاكي وغيرهما إلى أن قوله:{أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إبْرَاهِيمُ} ، من هذا الضرب. قال الشيخ3: لم يقولوا ذلك له عليه السلام وهم يريدون أن يقر لهم بأن كسر الأصنام قد كان، ولكن أن يقر أنه منه كان، كيف وقد أشاروا له إلى الفعل في قولهم {أأنْتَ فَعَلْتَ هَذَا} . وقال عليه السلام:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا} ، ولو كان التقرير بالفعل في قولهم "أأنت فعلت" لكن الجواب: فعلت أو لم أفعل، وفيه4 نظر لجواز أن تكون الهمزة فيه على أصلها إذ ليس في السياق ما يدل على أنهم كانوا عالمين بأنه عليه السلام هو الذي كسر الأصنام5.
وكقولك أزيد ضربت، إذا أردت أن تقرره بأن مضروبه زيد.
1 وخصت الهمزة بإيلائها المقرر به؛ لأن التفصيل المذكور لا يجري إلا فيها بخلاف هل مثلًا فهي للتقرير بنفس النسبة الحكمية وكذا ما سواها غير الهمزة فانتهت للتقرير بما يطلب تصوره بها، ولمثل ذلك خصت الهمزة بإيلائها المنكر.
2 أي المعنوي لا الاصطلاحي.
3 88 و89 من الدلا ئل.
4 أي فيما ذهب إليه عبد القاهر ومعه السكاكي.
5 أجيب على هذا بأنه يدل على أن الاستفهام ليس على حقيقته ما قبل الآية وهو أنه عليه السلام قد أقسم بقوله: {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِين} ، ثم لما رأوا كسر الأصنام {قَالُوْا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إَنَّهُ لَمِنَ الْظَالِمِيْن، قَالُوْا سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُهُمْ يُقَاْلُ لَهُ إبْرَاْهِيْم} ، فالظاهر أنهم قد علموا ذلك من حلفه وذمه الأصنام.
هذا ولا تنسى أن خروج أدوات الاستفهام إلى التقرير من باب المجاز المرسل الذي علاقته الإطلاق أو التقييد وقيل اللزوم والتحقيق أنه على طريق الكتابة أو من مستتبعات التركيب.
ومنها الإنكار1، إما للتوبيخ: بمعنى ما كان ينبغي أن يكون2 نحو أعصيت ربك؟ أو بمعنى لا ينبغي أن يكون كقولك للرجل يضيع الحق. أتنسى قديم إحسان فلان؟ وكقولك للرجل يركب الخطر. أتخرج في هذا الوقت أتذهب في غير الطريق والغرض بذلك تنبيه السامع حتى يرجع إلى نفسه فيخجل أو يرتدع عن فعل ما هم به وإما للتكذيب3 بمعنى لم يكن4 كقوله تعالى: {أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُكُمْ بِالْبَنِيْنِ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إَنَاثَاً} وقوله: {أَصْطَفْى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِيْنِ} ، وبمعنى لا يكون نحو أنلزمكموها وأنتم لها كارهون، وعليه قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي
…
ومسنونة زرق كأنياب أغوال5
1 راجع 89 وما بعدها من الدلائل، 136 من المفتاح، وقوله للتوبيخ أي على أمر قد وقع في الماضي أو خيف وقوعه في المستقبل.
2 أي أن يحدث ويتحقق مضمون ما دخلت عليه الهمزة وذيك في المستقبل نحو أتعصي ربك؟ بمعنى لا ينبغي أن يتحقق العصيان، فهذا لا يقتضي عدم وقوع الموبخ عليه بالفعل وإنما يقتضي كون المخاطب بصدد الفعل.
هذا وإذا حمل الإنكار على المجاز المرسل فالعلاقة بينه وبين الاستفهام أن المستفهم عنه مجهول والمجهول منكر والأولى حمله على الكناية أو جعله من مستتبعات التراكيب.
3 ويسمى الإنكار التكذيبي بالإنكار الإبطالي.
4 أي في الماضي -وقوله فيما يأتي: أو بمعنى لا يكون أي في المستقبل. وسكت عن الحال لعدم تأتيه إذ العاقل لا يدعي التلبس بما ليس متلبسًا به حتى يكذب بل يتأتى فيه نفي الانبغاء، وفي الأطول وابن يعقوب أن الإنكار الإبطالي إذا كان بمعنى لا يكون يكون للحال وللاستقبال.
5 راجع البيت في 91 من الدلائل. وسيأتي في الإيضاح أيضًا في باب التشبيه. المشرفي: السيف المنسوب إلى مشارف الشام. المسنونة: السهام المحدودة النصال، ووصفها بالزرقة لخضرتها وصفائها.
فيمن روى أيقتلني بالاستفهام وقول الآخر1:
أأترك إن قلت دراهم خالد
…
زيارته إني إذًا للئيم
والإنكار كالتقرير يشترط أن يلي المنكر2 الهمزة، كقوله تعالى:{أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُوْن} ، {أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيَّاً} ؟ {أَبَشَرَاً مِنَّا وَاْحِدَاً نَتَّبِعُهُ} ، وكقوله:{وَقَالُوا لوْلا نزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} ، أي: ليسوا هم المتخيرين للنبوة من يصح لها المتولين لقسم رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بباهر قدرته وبالغ حكمته، وعد الزمخشري قوله أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وقوله أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي من هذا الضرب، على أن المعنى أفأنت تقدر على إكراههم على الإيمان وأفأنت تقدر على هدايتهم على سبيل القسر والإلجاء، أي إنما يقدر على ذلك الله لا أنت.
وحمل السكاكي3 تقديم الاسم في هذه الآيات الثلاث4 على
1 هو عمارة بن عقيل بن جرير الشاعر يمدح خالد بن يزيد بن مزيد الشياني ويذم بني تميم بن خزيمة بن حازم النهشلي "راجع 149 جـ1 من الكامل للمبرد"، ومع البيت في الكامل أبيات كثيرة.
ولعمارة أبيات في مدح خالد في الكامل "ص268 جـ2" هذا والبيت في الدلائل ص92.
2 فعلًا كان أو فاعلًا أو مفعولًا أو حالًا إلى غير ذلك.
هذا ولا تنسى أن العلاقة بين الاستفهام والإنكار أن المستفهم عنه لمجهول والمجهول منكر، وقيل؛ لأن إنكار الشيء بمعنى كراهيته يستلزم عدم توجه الذهن إليه المستلزم للجهل به المقتضي للاستفهام.
3 136 من المفتاح.
4 أهم يقسمون رحمة ربك -أفأنت تكره الناس- أفأنت تسمع الصم.
هذا ويلاحظ أنه إذا قدم المرفوع على الفعل فقد يكون للإنكار على نفس الفاعل بحمل التقديم على التخصيص وقد يكون لإنكار الحكم على أن يكون التقديم لمجرد التقوي وجعل صاحب المفتاح الآيتين الأخيرتين من قبيل تقوية حكم الإنكار نظرًا إلى أن المخاطب هو النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتقد اشتراكه في ذلك ولا انفراده به من حيث جعلها صاحب الكشاف من قبيل التخصيص نظرًا إلى أنه عليه السلام لفرط شغفه بإيمانهم كأنه يعتقد قدرته على ذلك والكشاف يوافق في ذلك عبد القاهر فقد جعلها للتخصيص تنزيلًا "راجع ص94 من الدلائل".
البناء على الابتداء1 دون تقدير التقديم والتأخير كما مر في نحو أنا ضربت فلا يفيد في تقوي الإنكار.
ومن مجيء الهمزة للإنكار نحو قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه} 2؟، وقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
…
وأندى العالمين بطون راح
أي الله كاف عبده وأنتم خير من ركب المطايا؛ لأن نفي النفي إثبات، وهذا مراد من قال أن الهمزة فيه للتقرير أي للتقرير بما دخله للنفي لا للتقرير بالانتفاء3 وإنكار الفعل مختص بصورة أخرى4.
1 فهي عنده للتقوي لا للتخصيص.
2 راجع ص25 ما اتفق لفظه للمبرد.
3 فالتقرير لا يجب أن يكون بالحكم الذي دخلت عليه الهمزة بل بما يعرف المخاطب من ذلك الحكم إثباتًا أو نفيًا، فالحكم السابق -وهو أن الهمزة يليها المقرر به- أغلبي لا كلي، وقيل هو كلي والمجيز لكونها للتقرير هو الزمخشري والمصنف ليس على مذهبه بل عقده للإنكار. ومثل قوله تعالى:{أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَه} ، قوله تعالى:{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّه} ؟ فالهمزة فيه للتقرير بما يعرفه عيسى عليه السلام مما يتعلق بهذا الحكم وهو أنه لم يقل: "اتخذوني وأمي إلهين من دون الله" لا بأنه قد قال ذلك -هذا وقد تكلم السبكي على الآية في "293 و307/ 2 من الشروح".
4 أي لا يلي فيها الفعل الهمزة التي هي للإنكار كالصورة السابقة -ومثل الفعل ما في معناه كاسم الفاعل- وهذه الصورة هي أن يلي الهمزة معمول الفعل ثم يعطف على ذلك المعمول بأم أو بغيرها.
وهي نحو قولك أزيدًا ضربت أم عمرًا، لمن يدعي أنه ضرب إما زيدًا وإما عمرًا دون غيرهما؛ لأنه إذالم يتعلق الفعل بأحدهما والتقدير أنه لم يتعلق بغيرهما فقد انتفي من أصله لا محالة وعليه قوله تعالى:{قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْن} ؟ أخرج اللفظ مخرجه إذا كان قد ثبت تحريم في أحد الأشياء ثم أريد معرفة عين المحرم مع أن المراد إنكار التحريم من أصله. وكذا قوله: {آللهُ أَذِنَ لَكُمْ} ، إذ معلوم أن النهي على إنكار أن يكون قد كان من الله تعالى إذن فيما قالوه من غير أن يكون هذا الإذن قد كان من غير الله فأضافوه إلى الله، إلا أن اللفظ أخرج مخرجه إذا كان الأمر كذلك ليكون أشد لنفي ذلك وإبطاله، فإنه إذا نفي الفعل عما جعل فاعلًا له في الكلام ولا فاعل له غيره لزم فيه من أصله، قال السكاكي رحمه1 الله: وإياك أن يزول عن خاطرك التفصيل الذي سبق في نحو أنا ضربت وأنت ضربت وهو ضرب. من احتمال الابتداء واحتمال التقديم وتفاوت المعنى في الوجهين، فلا تحمل نحو قوله تعالى:{آللَّهُ أَذِنَ لَكُم} على التقديم2، فليس المراد أن الإذن ينكر من الله دون غيره، ولكن أحمله على الابتداء مرادًا منه تقوية حكم الإنكار. وفيه نظر؛ لأنه إن أراد أن نحو هذا التركيب أعني ما يكون الاسم الذي يلي الهمزة فيه مظهرًا لا يفيد توجه الإنكار إلى كونه فاعلًا للفعل الذي بعده فهو ممنوع، وإن أراد أنه يفيد ذلك إن قدر تقديم وتأخير وإلا فلا على ما ذهب إليه فيما سبق فهذه الصورة مما منع هو ذلك فيه على ما تقدم3.
1 136 من المفتاح.
2 اعترض على السكاكي بأن مذهبه يجيز في المعرف الحمل على التقديم فكيف يقول: "فلا تحمل على التقديم" فكأنه بنى هذا على مذهب القوم لا على مذهبه هو.
3 لأنه الاسم هنا ظاهر معرف فلا داعي عنده لتقدير التقديم والتأخير؛ لأنه يجوز الابتداء به دون هذا التقدير فيحمل عنده على الابتداء لإفادة التقوي.
لا يقال: قد يلي الهمزة غير المنكر في غير ما ذكرتم كما في قول "امرئ القيس":
أيقتلني والمشرفي مضاجعي
…
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
فإن معناه أنه ليس بالذي يجيء منه أن يقتل مثلي، بدليل قوله:
يغط غطيط البكر شد خناقه
…
ليقتلني، والمرء ليس بقتال1
يعني فيلزم أن لا يحصل الإنكار في نحو الله أذن لكم على شيء من المقادير عنه.
1 قبل هذا البيت وصف امرؤ القيس دبيبه ومخالقته الحراس وتمتعه بمحبوبته ثم قال:
فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها
…
عليه القتام سيء الظن والبال
يغط غطيط البكر شد خناقه
…
ليقتلني والمرء ليس بقتال
ليقتلني والمشرفي مضاجعي
…
ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وقوله يغط من غط البعير: هدر في الشقشقة. والبكر: الفتي من الإبل. الخناق: ما يخنق به كالحبل ونحوه.
ومصب هذا الاعتراض أن الظاهر هنا أن الاستفهام المراد به إنكار أن يكون هو فاعل القتل لا إنكار القتل نفسه، فقد وليت الهمزة غير المنكر أيضًا في هذا المثال.
هذا ومن مجيء الاستفهام للإنكار قولك: أتسيء لمن أحسن إليك وقوله تعالى: {أَتَعْبُدُوْنَ مَاْ تَنْحِتُوْنَ} ؟ وقول البحتري:
أأكفرك النعماء عندي وقد نمت
…
علي نمو الفجر والفجر ساطع
وقول المتنبي:
أتلتمس الأعداء بعد الذي رأت
…
قيام دليل أو وضوح بيان
وقد يجيء الاستفهام للنفي كقوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَان} ، وقول البحتري:
هل الدهر إلا غمرة وانجلاؤها
…
وشيكا وإلا ضيقة وانفراجها
وقول الآخر:
هل الدهر إلا ساعة ثم تنقضي
…
بما كان فيها من بلاء ومن خفض
ملاحظة: التوبيخ يشارك التكذيب في النفي، ويختلفان في توجه النفي: في التوبيخ لغير مدخول وهو الالبغاه ومدخولها واقع أو كالواقع، وفي التكذيب يتوجه لنفس مدخولها فمدخولها غير واقع.
لأنا نقول ليس ذلك معناه؛ لأنه قال والمشرفي مضاجعي، فذكر ما يكون منعًا من الفعل، والمنع إنما يحتاج إليه مع من يتصور صدور الفعل منه دون من يكون في نفسه عاجزًا منه.
ومنها التهكم:
ومنها التحقير2:
1 فالاستفهام عن كون صلاته آمرة له بذلك يناسب ادعاء أن المخاطب معتقد له وادعاء اعتقاده إياه يناسب الاستهزاء والتهكم وبالجملة استعلام هذه الحال منه يناسب التهكم به.
وإسناد الأمر إلى ضمير الصلاة مجاز عقلي باعتبار الإسناد للسبب في الجملة. أما أداة الاستفهام واستعمالها هنا في التهكم فذلك من باب المجاز المرسل الذي علاقته اللزوم؛ لأن الاستفهام عن الشيء يقتضي الجهل به وبفائدته والجهل بذلك يقتضى الاستخفاف به.
كان شعيب عليه السلام كثير الصلاة وكان قومه إذا رأوه يصلي تضاحكوا فقصدوا بقولهم: أصلاتك تأمرك؟ الهزء والسخرية لا حقيقة الاستفهام.
2 راجع 135 من المفتاح -والتحقير عد الشيء حقيرًا. أما الاستهزاء فعدم المبالاة به وإن كان كبيرًا في نفسه، وربما اتحد محلًّا وإن اختلفا مفهومًا. واستعمال الاستفهام فيه مجاز مرسل علاقته اللزوم؛ لأن الاستفهام عن الشيء يقتضي الجهل به وهذا يقتضي عدم الاعتناء به وتحقيره؛ لأن التحقير لا يلتفت إليه فلا يعلم والأولى أن يكون من الكناية أو من مستتبعات التراكيب. ومن مثل التحقير قول الشاعر:
فدع الوعيد فما وعيدك ضائري
…
أطنين أجنحة الذباب يضير
وقوله:
من أية الطرق يأتي مثلك الكرم
…
أين المحاجم يا كافور والجلم
ونحوه:
فما أنتم أنانسينا من أنتم
…
وريحكم من أي ريح الأعاصر
ونحوه:
من علم الأسود الزوجي مكرمة
…
أقومه البيض أم آباؤه الصيد
أم أذنه في يد النخاس دامية
…
أم قدرة وهو بالفلين مردود
كقولك: من هذا؟ وما هذا؟
ومنها التهويل 1:
كقراءة ابن عباس رضي الله عنهما: {وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بنِي إِسْرائيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ مِنْ فِرْعَوْنَ} ، بلفظ الاستفهام، لما وصف الله تعالى العذاب بأنه مهين لشدته وفظاعة شأنه، أراد أن يصور كنهه، فقال: من فرعون2 أي أتعرفون من هو في فرط عتوه وتجبره، ما ظنكم بعذاب يكون هو المعذب به، ثم عرف حاله بقوله إنه كان عاليا من المسرفين3.
1 راجع 82 من المفتاح، واستعمال الاستفهام في التهويل مجاز مرسل علاقته المسببية أو اللزوم على ما أرى.
2 فرعون مبتدأ ولفظ الاستفهام خبر أو بالعكس على اختلاف الرأيين في الاسم بعد من الاستفهامية، كالأخفش يذهب إلى الأول وسيبويه إلى الثاني.
3 فلا معنى لحقيقة الاستفهام هنا وهو ظاهر بل المراد أنه تعالى لما وصف العذاب بالشدة والفظاعة زادهم تهويلًا بقوله: {مِنْ فِرْعَوْن} أي هل تعرفون من هو في جبروته وطغيانه فما ظنكم بعذاب يكون هو المعذب به ولهذا قال: {إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ} زيادة في تعريف حاله وتهويل عذابه.
ومنها الاستبعاد 1:
ومنها التوبيخ والتعجيب جميعًا:
كقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أمْوَاتًا فَأحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي: كيف تكفرون والحال أنكم عالمون بهذه القصة أما التوبيخ؛ فلأن الكفر مع هذه الحال ينبئ عن الإنهماك في الغفلة أو الجهل، وأما التعجب؛ فلأن هذه الحال تأبى أن لا يكون للعاقل علم بالصانع، وعلمه به يجعله يأبى أن يكفر، وصدور الفعل مع الصارف القوي مظنة تعجب ونظيره: {أَتَأْمُرُوْنَ الْنَّاْسَ
1 أي عد الشيء بعيدًا. والفرق بينه وبين الاستبطاء أن متعلقه غير متوقع والاستبطاء متعلقه متوقع غير أنه بطيء. واستعمال الاستفهام في الاستبعاد مجاز مرسل علاقته المسببية أو اللزومية.
2 فلا يجوز حمل الاستفهام هنا على حقيقة الاستفهام وهو ظاهر بل المراد استبعاد أن يكون لهم الذكرى بقرينة قوله تعالى: {وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْه} ، أي كيف يذكرون ويتعظون ويوفون بما وعدوا من الإيمان عند كشف العذاب عنهم وقد جاءهم ما هو أعظم وأدخل في وجوب الأذكار، من كشف الدخان وما ظهر على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره فلم يذكروا وأعرضوا عنه. هذا ومن مثل خروج الاستفهام إلى الاستبعاد، قول ابن الفارض:
أين منى ما رمت هيهات
…
بل أين لعيني باللحظ لثم ثراكا
وقول مهيار:
وأبى كسرى علا إيوانه
…
أين في الناس أب مثل أبي
وقول الآخر:
خليلي فيما عشتما هل رأيتما
…
قتيلًا بكى من حب قاتله قبلي
وقول أبي تمام:
من لي بإنسان إذا أغضبته
…
وجهلت كان الحلم رد جوابه
بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَاب} 1.
1 الحاصل أن كلمة الاستفهام إذا امتنع حملها على حقيقة تولد منه بمعونة القرائن ما يناسب المقام ولا ينحصر فيما ذكره الخطيب من المعاني بل حكم ذوقك فسترى أن الاستفهام يخرج إلى معان كثيرة.
كالتحسر مثل قول البارودي:
يا دهر فيم فجعتني بحليلة
…
كانت خلاصة عدتي وعتادي
وقول الشاعر:
يا دار أين الساكنون وأين ذيا
…
ك البهاء وذلك الإعظام
يا دار أين زمان ربعك مونق
…
وشعارك الإجلال والإكرام
وكالتمني مثل:
أم هل لها بتكلم عهد
…
هل بالطلول لسائل رد
وكالتوبيخ مثل قول شوقي:
إلام الخلف بينكمو إلام
…
وهذي الضجة الكبرى علاما
ونحوه:
حتى متى أنت في لهو وفي لعب
…
والموت نحوك يهوي فاتحا فاه
وكالتعظيم مثل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه} ؟ وقول الشاعر:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
…
ليوم كريهه وسداد ثغر
وقوله:
من منكم الملك المطاع كأنه
…
تحت الطوابغ تبع في حمير
"ثالثا - الأمر":
ومن أنواع الإنشاء "الطلبي" الأمر:
والأظهر1 أن صيغته -من المقترنة باللام نحو ليحضر زيد، وغيرهما نحو: أكرم عمرًا، ورويد بكر2- موضوعة لطلب الفعل3 استعلاء، لتبادر الذهن عند سماعها4 إلى ذلك5 وتوقف ما سواه على القرينة.
1 راجع الكلام على الأمر في المفتاح ص137.
هذا والمراد بالأمر اللفظي -لأن الكلام في الأشياء وهو لفظي- لا في الأمر النفسي.
"والأمر هو طلب فعل غير كف على جهة الاستعلاء" بأن يعد المتكلم نفسه عاليًا -وذلك بأن يكون كلامه على جهة القوة لا التواضع. والمراد بالطلب الطلب اللفظي فقط. والمراد طلب فعل من حيث أنه فعل فدخل فيه: كف عن اللعب، وخرج عنه لا تلعب مثلًا.
وصيغة الأمر تنحصر في معان كثيرة: فاختلفوا في حقيقته الموضوعة هي لها اختلافًا كثيرًا، ولما لم تكن الدلائل مفيدة للقطع بشيء قال الخطيب "والأظهر إلخ".
2 فصيغة الأمر على ما أشار إليه هنا هي: فعل الأمر -اسم فعل لأمر- المضارع المقرون بلام الأمر -المصدر النائب عن فعل الأمر نحو وبالوالدين إحسانًا فالمراد بصيغته ما دل على طلب فعل غير كف استعلاء، سواء كان اسمًا أو فعلًا ويخرج بالاستعلاء التمني والعرض والاستفهام. والاستعلاء طلب العلو بمعنى عد الآمر نفسه عاليًا بإظهار الغلطة سواء كان عاليًا في نفسه أم لا ويخرج بالاستعلاء الدعاء والالتماس- هذا والأمر يشترط فيه الاستعلاء إما التمني والعرض والاستفهام ففيها طلب على جهة الاستعلاء ولكن لا يشترط فيها الاستعلاء.
3 أي ولو ندبًا فهي عند المصنف موضوعة للقدر المشترك بين الوجوب والندب والجمهور على أنها حقيقة في الوجوب.
4 أي سماع صيغة الأمر.
5 أي إلى ذلك المعنى أعني الطلب استعلاء ولو على سبيل الندب. والتبادر إلى الفهم أقوى أمارات الحقيقة.
قال السكاكي1. ولا طباق أئمة اللغة على إضافتها إلى الأمر.
بقولهم: صيغة الأمر، ومثال الأمر ولام الأمر2.
وفيه3 نظر لا يخفى على المتأمل.
ثم إنها -أعني صيغة الأمر- قد تستعمل في غير طلب الفعل بحسب مناسبة المقام.
كالإباحة:4
1 137 من المفتاح.
2 أي دون أن يقولوا صيغة الإباحة أو لام الإباحة مثلًا، وهذا مما يؤيد كونها حقيقة في الطلب على سبيل الاستعلاء؛ لأنه حقيقة الأمر.
3 أي في كلام السكاكي ووجه النظر هو أننا لا نسلم أن الأمر في قولهم صيغة الأمر مثلًا بمعنى طلب الفعل استعلاء، بل الأمر في عرفهم حقيقة في نحو قم وليقم ونحو ذلك، وإضافة الصيغة والمثال إلى الأمر من إضافة العام إلى الخاص بدليل أنهم يستعملون ذلك في مقابلة صيغة الماضي والمضارع وأمثالهما، ويمكن أن يجاب على هذا بأنا سلمنا ذلك لكن تسميتهم نحو قم وليقم أمرًا دون أن يموت إباحة مثلًا مما يؤيد ذلك في الجملة وإن لم يصلح دليلًا عليه.
هذا والخلاصة أن الخطيب والسكاكي يريان أن صيغة الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وهذا موضوع اختلاف بين الأصوليين: فقيل هي للوجوب وقيل هي للندب وقيل للقدر المشترك بينها وهو الطلب المشترك بينهما وقيل هي مشتركة بينهما لفظًا وقيل بالتوقف بين كونها للقدر المشترك بينهما وهو الطلب وبين الاشتراك اللفظي وقيل هي مشتركة بين الوجوب والندب والإباحة موضوعة لكل منها وقيل هو للقدر المشترك بين الثلاثة وهو الأذن. ويرى السيد في حاشيته على المطول أن كلام السكاكي في المفتاح يدل على أن الطلب على جهة الاستعلاء لا يتناول الندب.
4 خروج صيغة الأمر إلى غير معناها إما أن يكون لعلاقة مع قرينه مانعة فيكون مجازًا أو غير مانعة فيكون كناية. =
كقولك في مقام الإذن جالس الحسن أو ابن سيرين، ومن أحسن ما جاء فيه قول كثير:
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة
…
لدينا ولا مقلية إن تقلت1
أي: لا أنت ملومة ولا مقلية ووجه حسنة إظهار الرضا بوقوع الداخل تحت لفظ الأمر حتى كأنه مطلوب، أي مهما اخترب في حقي من الإساءة والإحسان فأنا راض به غاية الرضا فعامليني بهما وانظري هل تتفاوت حالي معك في الحالين.
والتهديد2 كقولك العبد شتم مولاه وقد أدبنه: اشتم مولاك
فإذا استعملت صيغة الأمر في غير طلب الفعل استعلاء -سواء كان الغير طلبًا على جهة غير الاستعلاء أو كان غير طلب- كان لك من خروج صيغة الأمر من غير معناها لغرض بلاغي.
وراجع في هذا 132 و137 من المفتاح.
هذا وخروج صيغة الأمر إلى الإباحة إذا استعملت الصيغة في مقام توهم السامع فيه حظر شيء عليه، والعلاقة بين الطلب والإباحة اشتراكهما في مطلق الإذن فهو من استعمال اسم الأخضر في الأعم. هذا ولا يجوز الجمع بين الأمرين في التخيير دون الإباحة فيجوز الجمع بينهما كما يجوز عدم الإتيان بشيء منهما.
1 ملومة بالرفع خبر مبتدأ محذوف أي لا أنت ملومة. مقلية: من القلي وهو البغض. وتقلت. أبغضت وهو التفات من الخطاب إلى الغيبة.
والبيت من قصيدة لكثير في زهر الآداب"70 و71/ 2 زهر"، وهو في العقد ص116 جـ2، وفي المفتاح ص129.
هذا وصيغة الأمر هنا للإباحة وأو قرينة.
2 والعلاقة بين الطلب والتهديد ما بينهما من شبه النضاد، ومجيئها للتهديد إذا استعملت الصيغة في مقام عدم الرضا بالمأمورية.
وراجع في ذلك المفتاح ص132- والتهديد التخويف وهو أعم من الإنذار؛ لأن الإنذار إبلاغ مع تخويف وفي الصحاح: الإنذار تخويف مع دعوة، والإنذار على ما في الصحاح، لا يكون إلا من رسول وعلى ما قبله يكون من الرسول وغيره وعلى الرأيين فالإنذار أخص من التهديد.
وعليه: {اِعْمَلُوْا مَاْ شِئْتُمْ} .
والتعجيز 1:
كقولك لمن يدعى أمرًا تعتقد أنه ليس في وسعه: افعله.
وعليه: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِه} 2.
1 والعلاقة بين الطلب والتعجيز ما بينها من شبه التضاد في متعلقة ما فإن التعجيز في المستحيلات والطلب في الممكنات - وتستعمل صيغة الأمر لتعجيز في مقام إظهار عجز من يدعي أن في وسعه أن يفعل ما يعجز عن فعله.
هذا ومن خروج صيغة الأمر للتعجيز قوله تعالى:
وقول الشاعر:
أروني بخيلًا طال عمرًا ببخله
…
وهاتوا كريمًا مات من كثرة البذل.
وقول الشاعر:
فارفع بكفك إن أردت بناءنا
…
ثهلان ذا الهضبات هل يتحلحل
وقول الآخر:
أريني جوادًا مات هزلًا لعلني
…
أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدًا
ومن حروج صيغة الأمر للتهديد قوله تعالى: {قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّار} وقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُم} وقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".
2 إذ ليس المراد طلب اتيانهم بسورة من مثله لكونه محالًا.
والظرف أعني قوله: "من مثله" متعلق بـ"فأتوا" والضمير لعبدنا أو صفة لسورة والضمير لما نزلنا أو لعبدنا.
فإن قيل: أم لا يجوز على الأول أن يكون الضمير لما نزلنا؟.
فالجواب: أن ذلك يقتضي ثبوت مثل القرآن في البلاغة بشهادة الذوق، إذ أن التعجيز على هذا الاحتمال إنما يكون عن المأتي به وهو السورة أي عن الإتيان بها مع وجود المأتي منه وهو المثل، فكأنه مثل القرآن ثابت لكنهم عجزوا عن أن يأتوا من المثل بسورة خلاف ما إذا كان وصفًا للسورة فإن المعجوز عنه هو السورة الموصوفة باعتبار انتفاء الوصف.
فإن قيل فليكن التعجيز على احتمال جعل الظرف متعلقًا بفأتوا وإعادة الضمير لما نزلنا -باعتبار انتفاء المأتي به منه، فيجعل التعجيز لا باعتبار انتفاء المأتي به لا باعتبار انتفاء المأتي منه وهو المثل.
قلنا: هذا احتمال عقلي لا يسبق إلى الفهم ولا يوجد له مساغ في اعتبارات البلغاء واستعمالاتهم فلا اعتداد به هنا: وللطيبي كلام هنا طويل لا طائل تحته.
والتسخير:
نحو: {كُوْنُوْا قِرَدَةً خَاسِئِيْنَ} 1.
والإهانة 2:
نحو كونوا حجارة أو حديدًا وقوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيم} .
والتسوية 3:
كقوله: {أَنْفِقُوا طَوْعًا أو كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُم} . وقوله: {اصْبِرُوا أو لا تَصْبِرُوا} .
1 والعلاقة هنا السببية. والتسخير جعل الشيء مسخرًا منقادًا لما أمر به. وذلك في مقام يكون فيه منقادًا للأمر بدون قدرة له والعلاقة هنا السببية وتحتمل أن تكون المشابهة في مطلق الإلزام.
2 والعلاقة هنا اللزوم؛ لأن طلب الشيء من غير قصد حصوله لعدم القدرة عليه مع كونه من الأحوال المهينة يستلزم إهانة المأمور، والفرق بين التسخير والإهانة أنه في التسخير يحصل الفعل المأمور به وفي الإهانة لا يحصل الفعل إذ ليس الغرض أن يطلب منهم كونهم قردة أو حجارة لعدم قدرتهم على ذلك بل المقصود قلة المبالاة بهم.
3 والعلاقة هنا التضاد، وقيل أن صيغة التسوية إخبارًا لا إنشاءًا وإفادة صيغة الأمر للتسوية في مقام توهم رجحان الأمرين على الآخر. ففي الإباحة كان المخاطب توهم أن الفعل محظور عليه فأذن له في الفعل مع عدم الحرج في الترك، وفي التسوية كأنه توهم أن أحد الطرفين من الفعل والترك أنفع له وراجح بالنسبة إليه فدفع ذلك وسوى بينهما.
والتمني1. كقول امرئ القيس:
ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي
…
"بصبح، وما الإصباح منك بأمثل"
والدعاء 2: إذا استعملت في طلب الفعل على سبيل التضرع نحو: رب اغفر لي ولوالدي.
والالتماس: إذا استعملت فيه على سبيل التلطف، كقولك لمن يساويك في الرتبة: افعل، بدون الاستعلاء.
والاحتقار 3:
1 والعلاقة هنا السببية أو الضاد أيضًا. والتمني يكون في مقام طلب شيء محبوب لا قدرة للطالب عليه وذلك في مخاطبة ما لا يعقل، ومثل البيت قول الشاعر:
يا قطر عم دمشق واخصص منزلًا
…
في قاسيون وصلة بنبات
وقول ابن زيدون:
ربا نسيم الصبا بلغ تحيتنا
…
من لو على البعد حيا كان يحيينا
وقول المعري:
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
…
ويا نفس جدي إن دهرك هازل
وهنا اعتراض وهو أن التمني من أقسام الطلب فيكف يكون الأمر إذا كان لا طلب فيه للتمني والجواب أن الأمر هنا لم يخرج إلى إفادة عدم الطلب أصلًا بل إلى إفادة الطلب لا على سبيل الاستعلاء، وقال السيد في الجواب:"كأنه أراد أن القسم الأول وهو أن لا يفيد الطلب المعتبر في الأمر أصلًا أعني ما يستدعي إمكان المطلوب وما لا يفيد هذا الطلب أصلًا جاز أن يفيد نوعًا آخر من الطلب فلا إشكال".
2 أي الطلب على سبيل التضرع واختيار السبكي أن استعمال الطلب فيه حقيقة لا مجاز وكذلك الالتماس.
3 هو والإهانة قريبان من بعض فما قيل هناك في مقام التجوز وعلاقته يقال هنا.
وهذا ومن خروج صيغة الأمر للدعاء قول الشاعر:
أسلم يزيد في الدين من أود
…
إذا سلمت، وما في الملك من خلل
نحو: {أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُون} .
ثم الأمر قال السكاكي حقه الفور.
أولًا: لأنه الظاهر من الطلب1.
وثانيًا: ولتبادر الفهم عند الأمر بشيء بعد الأمر بخلافة إلى تغيير الأمر الأول دون الجمع وإرادة التراخي2.
والحق خلافة لما تبين في أصول الفقه3.
= وللإرشاد.
كذا فليسر من طلب الأعادي
ومثل سراك فليكن الطلاب، وقول أبي العتاهية:
واخفض جناحك إن منحت إمارة
…
وارغب بنفسك عن ردى اللذات
وقول الأرجاني:
شاور سواك إذا نابتك نائبة
…
يومًا وإن كنت من أهل المشورات
وللالتماس قول الشاعر:
عرج على الزهر يا نديمي
…
ومل إلى ظله الظليل
وقول ابن زيدون:
دومي على العهد ما دمنا محافظة
…
فالحر من دان انصافًا كما دينا
أولى وفاء وإن لم تبذلي صلة
…
فالذكر يقنعنا والطيف يكفينا
هذا ويرد الأمر للنهي أيضًا. قال الجاحظ. قال رجل لابنه إذا أردت أن تعرف عيبك مخاصم شيخًا من قدماء جيرانك، فقال: يا أبت لو كنت إذا خاصمت جاري لم يعرف عيبي غيري كان ذلك رأيًا، قال الجاحظ وقد أخطأ الذي صنع هذا الحديث؛ لأن أباه نهاه ولم يأمره "125 جـ3 بيان".
1 كما في الاستفهام والنداء فإنه لا خفاء في أنهما يقتضيان الفور -وراجع كلام السكاكي في المفتاح ص137.
2 فإن المولى إذا قال لعبده: قم ثم قال له قبل أن يقوم: اضطجع حتى المساء، يتبادر الفهم إلى أنه غير الأمر بالقيام إلى الأمر بالاضطجاع ولم يرد الجمع بين القيام والاضجاع مع تراخي أحدهما.
3 وذلك؛ لأنا لا نسلم ما قاله السكاكي عن خلو المقام عن القرائن. والحاصل على الفورية والتراخي إنما يستفادان من القرائن فإذا انتفت كان المراد طلب الماهية مطلقًا. فعند خلو المقام من القرائن لا يكون مفهوم الأمر إلا الطلب استعلاء، والفور والتراخي مفوض إلى القرائن كالتكرار وعدمه فإنه لا دلالة للأمر على شيء منهما.
رابعا: النهي1.
ومنها النهي2.
وله حرف واحد، وهو "لا" الجازمة في نحو قولك: لا تفعل.
وهو كالأمر في الاستعلاء3.
وقد يستعمل في غير طلب الكف4 أو الترك5.
كالتهديد: 6 كقولك لعبد لا يمتثل أمرك: لا تمتثل أمري7.
1 راجع 137 من المفتاح -والنهي هو طلب الكف عن الفعل استعلاء والمراد بالطلب الطلب اللفظي هذا وقد اختلف في النهي هل هو للحرمة أو للكراهة أو للقدر المشترك بينها، فالأول هو قول الجمهور، والأخير قول الشارح. ولكن النهي يقتضي الفور بلا خلاف.
2 أي من أنواع الإنشاء الطلبي.
3 لأنه المتبادر إلى الفهم.
4 أي عن الفعل كما هو مذهب الأشاعرة.
5 كما هو مذهب المعتزلة الذين يقولون أن مدلوله عدم الفعل وهو المعبر عنه بالترك.
فقد اختلف الأصوليون في أن مقتضى النهي كف النفس عن الفعل بالاشتغال بأحد أضداده، أو ترك الفعل وهو نفس أن لا تفعل أي نفس عدم الفعل.
6 والعلاقة بين الشيء والتهديد السببية أو استلزام النهي للتهديد.
7 ويخرج أيضًا إلى الدعاء والالتماس، إذ فيهما طلب كف لا على وجه الاستعلاء والعلاقة الإطلاق.
ومثال خروج النهي للدعاء قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أو أَخْطَأْنَا} والالتماس كقول المعري:
لا تطويا السر عني يوم نائبة
…
فإن ذلك ذنب غير مغتفرا
وقول ابن زيدون:
لا تحسبوا نأيكم عنا يغيرنا
…
إن طالما غير النأي المحبينا
كما يخرج إلى الإرشاد والتمني والتوبيخ والتهديد والتحقير وسوى ذلك.
واعلم1 أن هذه الأربعة -أعني التمني والاستفهام والأمر والنهي- تشترك في كونها قرينة دالة على تقدير الشرط2 بعدها، كقولك ليت لي ما لا أنفقه أي أن أرزقه وقولك أين بيتك أزرك أي أن تعرفنيه وقولك أكرمني أكرمك أي إن تكرمني، قال الله تعالى:{فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي} ، بالجزم، فأما قراءة الرفع: فقد حملها الزمخشري على الوصف، وقال السكاكي الأولى حملها على الاستئناف دون الوصف لهلاك يحيى قبل زكريا عليهما السلام وأراد بالاستئناف أن يكون جواب سؤال مقدر تضمنه ما قبله، فكأنه لما قال فهب لي وليًّا قيل ما تصنع به؟، فقال: يرثني، فلم يكن داخلًا في المطلوب بالدعاء، وقولك: لا تشتم يكن خير لك أي إن لا تشتم.
وأما العرض كقولك لمن تراه لا ينزل: ألا تنزل تصب خيرًا أي أن تنزل فمولد من الاستفهام وليس به؛ لأن التقدير أنه لا ينزل
1 رجع 133 و137 و138 من المفتاح.
2 أي فعل الشرط أي مع الأداة - ويطلق الشرط أيضًا على الأداة وعلى التعليق.
فإذا قصدت السببية وجب الجزم وإلا وجب الرفع على الصفة أو الحال أو الاستئناف على حسب المعنى المراد.
وسر جواز تقدير الشرط بعد هذه الأربعة أن الحامل للمتكلم على الكلام الطلبي كون المطلوب مقصودًا للمتكلم أما لذاته أو لغيره لتوقف ذلك الغير على حصوله، وهذا معنى الشرط، فإذا ذكرت الطلب وذكرت بعده ما يصلح توقفه على المطلوب غلب على ظن المخاطب كون المطلوب مقصودًا لذلك المذكور بعده لا لنفسه، فيكون إذا معنى الشرط -وهو توقف الشيء على الشيء- ظاهرًا في الطلب -أي في الكلام الطلبي- مع ذكر ذلك الشيء. ولما جعل النحاة الأشياء التي يضمر حرف الشرط بعدها خمسة أشياء المصنف إلى ذلك بقوله:"وأما العرض فمولد من الاستفهام".
فالاستفهام من عدم النزول طلب للحاصل وهو محال1.. وتقدير الشرط في غير هذه المواضع لقرينة جائز أيضًا كقوله تعالى: {فَاللَّهُ هو الْوَلِي} 2 أي إن أرادوا وليًّا بالحق فالله هو الولي لا ولي سواه3. وقوله: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ ولَدٍ ومَا كَان مَعَهُ مِنْ إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِمَا خَلَقَ} ، أي لو كان معه إله إذًا لذهب.
1 فالعرض مولد من الاستفهام وليس شيئًا آخر برأسه؛ لأن الهمزة فيه للاستفهام دخلت على فعل منفي امتنع حمله على حقيقة الاستفهام للعلم بعدم النزول مثلًا، فتولد عنه بمعونة قرينة الحال عرض النزول على المخاطب وطلبه منه.
2 راجع 121 و138 من المفتاح.
3 وقيل لا شك أن قوله: {أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أو ْلِيَاء} إنكار توبيخ بمعنى أنه لا ينبغي أن يتخذ من دونه أو لياء وحينئذ يترتب عليه قوله تعالى: {فَاللَّهُ هو الْوَلِي} من غير تقدير الشرط كما يقال لا ينبغي أن يعبد غير الله فالله هو المستحق للعبادة.
والفاء على الوجه الأول رابطة لجواب شرط مقدر وعلى الثاني للتعليل للنفي.
ويرد على الرأي الثاني أنه ليس كل ما فيه معنى الشيء حكمه حكم ذلك الشيء والطبع المستقيم شاهد صدق على صحة قولنا "لا تضرب زيد فهو أخوك" بالفاء بخلاف "أتضرب زيدًا فهو أخوك" استفهام إنكار فإنه لا يصح إلا بالجملة الحالية.
خامسًا: النداء 1.
ومنها النداء 2.
وقد تستعمل صيغته في غير معناه3.
كالإغراء 4.
في قولك لمن أقبل يتظلم: يا مظلوم.
والاختصاص5.
1 راجع 138 من المفتاح.
2 أي من أنواع الإنشاء الطلبي.
والنداء طلب الإقبال بحرف نائب مناب ادعوا لفظًا أو تقديرًا -أي طلب المتكلم إقبال المخاطب حسًّا أو معنى والمراد بالطلب الطلبي اللفظي؛ لأنه هو الذي من أقسام الإنشاء.
فمفاد حرف النداء ومدلوله "أدعوا" ولذلك لا يجزم الفعل بعده وجوبًا، وأما الإقبال فهو مطلوب باللزوم فالنداء من أقسام الطلب لدلالته على طلب الإقبال لزومًا. وحروفه: أيا وهيا للبعيد وما نزل منزلته -وأي والهمزة لنداء القريب وما هو بمنزلته- ويا قيل هي حقيقة في البعيد ومجاز في القريب وقيل حقيقة في القريب والبعيد وهذا رأي ابن الحاجب والأول للزمخشري.
3 أي في غير معناه الأصلي وهو طلب الإقبال.
4 راجع 123 من المفتاح -والإغراء هو الحث على لزوم الشيء، فقولك للمظلوم يا مظلوم نقصد إغراءه وحثه على زيادة التظلم وبث الشكوى. ولست تقصد بذلك طلب إقباله؛ لأن الإقبال حاصل: فيكون اللفظ الموضوع لطلب الإقبال مستعمل فيه على المجاز المرسل بعلاقة الإطلاق والتقيد.
5 هو لغة قصر الشيء على الشيء واصطلاحًا تخصيص حكم علق بضمير باسم ظاهر صورته صورة منادى أو معرف بأل أو بإضافة أو بالعلمية.
في قولهم: أنا أفعل كذا أيها الرجل1، ونحن نفعل كذا أيها القوم، واغفر اللهم لنا أيتها العصابة، أي متخصصًا من بين الرجال ومتخصصين من بين الأقوام والعصائب.
"وقوع الخبر موقع الإنشاء2:
ثم الخبر قد يقع موقع الإنشاء3 أما: للتفاؤل4، أو لإظهار
1 فأي مبني على الضم في محل نصب مفعول لمحذوف وجوبًا أي أخص والرجل نعت لأي باعتبار لفظها والجملة في محل نصب على الحال، فقولك أنا أكرم الضيف أيها الرجل أفاد فيه قولنا أيها الرجل تخصيص الرجل بالإكرام الذي نسب لمدلول أنا وهو المتكلم ويلاحظ أن المجاز في أيها ونسب إلى حرف النداء؛ لأن "أيا" نزلت منزلة أدواته لكثرة استعمالها مع أدوات النداء فقولنا "أيها الرجل" أصله تخصيص المنادى بطلب إقباله عليك، فهو على المجاز المرسل لعلاقة الإطلاق والتقييد، فليس المراد بأي وبوصفه هو المخاطب بل ما دل عليه ضمير المتكلم، فأيها مضموم والرجل مرفوع والمجموع في محل النصب على أنه حال، ولهذا قال "أي متخصصًا" أي مختصًّا من بين الرجال.
هذا وقد تستعمل صيغة النداء في الاستغاثة نحو "يا لله" مجازًا مرسلًا من استعمال ما للأعم في الأخص.
وفي التعجب نحو يا للماء مجازًا مرسلًا لعلاقة المشابهة.
وفي التحسر والتوجع لذلك كما في نداء الأطلال والمنازل والمطايا وما أشبه ذلك.
2 راجع 138 و129 من المفتاح.
3 مجازًا مرسلًا في استعمال الماضي في الطلب والعلاقة الضدية، أو مجازًا لاستعارة لتشبيه غير الحاصل بالحاصل للتفاؤل أو للحرص على وقوعه. أما استعمال المستقبل في الطلب فيجوز أن يجعل مجازًا ويجوز أن يجعل كناية بأن يقال حصول الفعل في الاستقبال لازم لطلب الفعل في الحال فذكر اللازم وأريد الملزوم، وقد منع السبكي أن يكون كناية؛ لأنه فيها يكون خبرًا لفظًا ومعنى مع أنه إنشاء بصيغة الخبر.
4 بلفظ الماضي دلالة على أنه كأنه وقع نحو وفقك الله للتقوي.
الحرص في وقوعه كما مر1، والدعاء بصيغة الماضي من البليغ يحتمل الوجهين2.
أو للاحتراز عن صورة الأمر، كقول العبد للمولى إذا حول عنه وجهه: ينظر المولى إلى ساعة3.
أو لحمل المخاطب على المطلوب، أن يكون المخاطب ممن لا يحب أن يكذب الطالب4. أو لنحو ذلك5.
1 أي في بحث الشرط من أن الطالب إذا عظمت رغبته في شيء يكثر تصوره إياه فربما يخيل إليه حاصلًا نحو رزقني الله لقاءك.
2 أي التفاؤل وإظهار الحرص. وأما غير البليغ فهو ذاهل عن هذه الاعتبارات.
3 فلا يكون هذا وما بعده بلفظ الماضي بل بلفظ المضارع.
فالمتكلم يقول "ينظر" دون انظر؛ لأنه في صورة الأمر وأن قصد بذلك الأمر الدعاء أو الشفاعة.
4 أي ينسب إلى الكذب، كقولك لصديقك الذي لا يحب تكذيبك "تأتيني غدا" مقام "أتتني" تحمله بألطف وجه على الإتيان؛ لأنه إذا لم يأتيك غدًا صرت كاذبًا من حيث الظاهر لكون كلامك في صور الخبر وإن كان من حيث نفس الأمر لا كذب؛ لأن كلامك في المعنى إنشاء. هذا واستعمال الخبر في الصور الأربعة مجاز مرسل، ويحتمل أن يكون كناية في الصورتين الأخيرتين، والعلاقة في الأولين الضدية مجازًا مرسلًا، فالوجهان الأخيران اللذان بصورة المضارع "الاحتراز عن صورة الأمر -وحمل المخاطب على المطلوب" يحملان على الكناية، وجعل السكاكي الوجه الثالث هو لقصد الكناية قال، ووجه حسنه أما نفس الكناية إن شئت وأما الاحتراز عن صورة الأمر وأما هما معًا "129 من المفتاح".
5 كالقصد إلى المبالغة في الطلب حتى كان المخاطب سارع في الامتثال، وكالقصد إلى استعجال المخاطب في تحصيل المطلوب، وكالتنبيه على كون المطلوب قريب الوقوع في نفسه لقوة الأسباب المتآخذة في وقوعه ونحو ذلك من الاعتبارات.
هذا وقد يقع الإنشاء موقع الخبر لأغراض منها:
الاهتمام بالشيء كقوله تعالى: {قُلْ أمَرَ رَبِّي بِالقِسْطِ وأقِيمُوا وجوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} ، عدل فيه عن الخبر اهتمامًا بأمر الصلاة.
وكالرضا بالواقع حتى كأنه مطلوب كقوله صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار".
وكالاحتراز عن مساواة اللاحق بالسابق كقوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، مِنْ دُونِهِ} ، عدل فيه عن:"وأشهدكم" فرارًا من مساواة شهادتهم بشهادته.
تنبيه:
ما ذكرناه في الأبواب الخمسة السابقة1 ليس كله مختصًّا بالخبر.
بل كثير منه حكم الإنشاء فيه حكم الخبر يظهر ذلك بأدنى تأمل فليعتبره الناظر2.
"والله أعلم".
1 الإسنا د - المسند إليه - المسند - متعلقات الفعل - القصر.
2 مثلًا الكلام الإنشائي أما مؤكدًا أو غير مؤكد، والمسند إليه فيها إما محذوف أو مذكور إلى غير ذلك.
"والله أعلم".