الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
"
الجامع
1 ":
والجامع بين الجملتين2 يجب أن يكون باعتبار المسند إليه في هذه والمسند إليه في هذه، وباعتبار المسند في هذه والمسند في هذه جميعًا3 كقولك يشعر زيد ويكتب ويعطي ويمنع5 وقولك زيد شاعر وعمرو كاتب، وزيد طويل وعمرو قصير إذا كان بينهما مناسبة كان يكونا أخوين أو نظيرين6، بخلاف قولنا زيد شاعر وعمرو كاتب إذا لم يكن بينهما مناسبة7.
1 راجع ص172-174 دلائل 110 مفتاح، والجامع هو الوصف الذي يقرب بين الشيئين ويقتضي الجمع بينهما.
2 لهما محل من الإعراب أم لا.
3 سواء اتحد المسندان أو المسند إليهما أم تغايرا. هذا والمتعلقات يجب الجامع أيضًا فيها إن كانت مقصودة بالذات في الجملتين وإلا فلا.
4 للمناسبة الظاهرة بين الشعر والكتابة وتقاربهما في خيال أصحابهما مع اتحاد المسند إليه فيهما، فالجامع بين المسند إليه فيهما عقلي، وبين المسند فيهما عقلي باعتبار المناسبة والمماثلة بين الشعر والكتابة أو خيالي باعتبار التقارن في الخيال.
5 لتضاد الإعطاء والمنع فالجامع بينهما وهمي.
6 فلا بد من مناسبة وعلاقة خاصة ولا تكفي المناسبة العامة.
7 فإنه لا يصح وإن تحد المسندان، ولعدم المناسبة الخاصة المشترطة عند التغاير حكموا بامتناع "خفي ضيق وخاتمي ضيق" ولا عبرة بكونهما ملبوسين لبعدهما ما لم يوجد بينهما تقارن في الخيال لأجل ذلك أو لغيره أو يكن المقام مقام ذكر الأشياء المتفقه في الضيق من حيث هي ضيقة والإجاز العطف. وفي عبد الحكيم أن محل المنع إذا كان المقام مقام الاشتغال بذكر الخواتم أما إن كان مقام بيان الأمور المتعلقة بالشخص فيجوز.
وقولنا: "زيد شاعر وعمرو طويل" كان بينهما1 مناسبة أو لا.
وعليه قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون} ، فقطع عما قبله؛ لأنه كلام في شأن الذين كفروا وما قبله كلام في شأن القرآن.
وأما ما يشعر به ظاهر كلام السكاكي في مواضع من كتابه أنه يكفي أن يكون الجامع باعتبار المخبر عنه أو الخبر أو قيد من قيودهما فإنه منقوض بما مر وبنحو قولك هزم الأمير الجند يوم الجمعة وخاط زيد ثوبي، ولعله سهو فإنه صرح في موصع آخر منه بامتناع عطف قول القائل:"خفي ضيق" على قوله: "خاتمي ضيق" مع اتحادهما في الخبر2.
ثم قال3:
الجامع بين الشيئين عقلي وهمي وخيالي:
1 أي بين زيد وعمرو، فعدم صحة العطف لعدم تناسب الشعر وطول القامة فالمناسبة معدومة بين المسندين في الجملتين قطعًا، وكذلك بين المسند إليهما فيهما إذا لم تكن بينها مناسبة فهي معدومة من جهة أو جهتين -وراجع في هذا الدلائل ص173.
ملاحظة:
راجع نقد البيت:
"تكامل فيها الدل والشنب".
2 هذا وقد ذهب السيد إلى أن مجرد الاتحاد أو التناسب في الغرض الذي تصاغ له الجملة يكفي في صحة العطف ولولم يتحد الطرفان في الجملتين مثل أن تذكر ما وقع في يوم من الأيام فتقول، فيه اعتدل الجو وسافر الضيف ومرضت شقيقتي وهكذا. وقال العسكري: ومثل هذا قول القائل لو قال: "خلق فلان حسن وشعره جعد"، ليس هذا من تأليف البلغاء ونظم الفصحاء "371 الصناعين".
3 أي السكاكي إذ ذكر أنه يجب أن يكون بين الجملتين ما يجمعهما في القوة المفكرة جمعا من جهة العقل وهو الجامع العقلي، أو من جهة الوهم وهو الجامع الوهمي أو من جهة الخيال وهو الجامع الخيالي. =
........................................................................
= فالجامع العقلي هو الجامع الذي يجمع العقل بين الجملتين بسببه في القوة المفكرة والجامع الوهمي هو أمر يجمع بين الشيئين في القوة المفكرة جمعًا ناشئًا من جهة الوهم وذلك بأن يتحيل بسبب ذلك الجامع على جمعيهما في المفكرة وذلك كالتضاد وشبه التماثل. والجامع الخيالي أمر يجمع بين الشيئين في القوة المفكرة جمعًا ناشئًا من جهة الخيال بأن يتحيل على جمعهما في المفكرة وذلك كالتقارن.
هذا وإنما كان الجمع في المفكرة؛ لأن الجمع من باب التركيب وهو شأنها.
هذا والقوى الباطنية المدركة أربعة:
فالقوة العاقلة قائمة بالنفس تدرك الكليات والجزئيات المجردة عن عوارض المادة المعروضة للصور وعن الأبعاد. وخزانتها العقل الفياض المدبر لفلك القمر.
والقوة الوهمية قوة مدركة للمعاني الجزئية الموجودة التي لا تتأتى إلى مدركها من جهة الحواس كإدراك صداقة زيد وعداوة عمرو. ومحل تلك القوة أو ل التجويف الآخر من الدماغ. وخزانتها الذاكرة والحافظة وهي قائمة بمؤخر تجويف الوهم.
أما الحس المشترك: فهو القوة التي تصل إلى الصور المحسوسة الجزئية من الحواس الظاهرة فتدركها وهي قائمة بأول التجويف الأول من الدماغ من جهة الجبهة، والمراد بالصور المدركة بها ما يمكن إدراكه بالحواس الظاهرة ولو كان مسموعًا والمراد بالمعاني الجزئية المدركة للوهم ما لا يمكن إدراكه.
وخزانة الحس المشترك الخيال وهو قوة قائمة بآخر تجويف الحس المشترك تبقى فيه تلك الصور بعد غيبتها عن الحس المشترك.
وأما المفكرة فقوة في التجويف المتوسط بين الخزانتين تتصرف في الصور الخيالية وفي المعاني الجزئية الوهمية وفي العقلية، فإذا حكمت بين تلك الصور والمعاني بواسطة العقل كانت مفكرة في الحقيقة وإن حكمت بواسطة الخيال فمتخيلة أو بواسطة الوهم فمتوهمة. وليس لها خزانة بل خزانتها جميع خزائن القوى الأخرى.
هذا وعبارة السكاكي: أن يكون بين الجملتين اتحاد في تصور مثل الاتحاد في المخبر عنه أو الخبر أو في قيد من قيودهما، وذلك يقتضي أن الجملتين يكفي في الجامع بينهما الاتحاد في واحد ومن هذه الأشياء وقد سبق بيان ضرورة وجود الجامع بين المسندين والمسند إليهما في الجملتين، وقد أجيب عن السكاكي بأن كلامه هنا في بيان الجامع في الجملة لا في بيان القدر الكافي بين الجملتين فقد ذكره في موضع آخر أو أن مراده أن الاتحاد في واحد منها كاف حيث يقصد الاجتماع فيه بالذات وأما المصنف فحمل كلامه على ظاهره ودفع اختلاله بإبداله الجملتين بالشيئين وتعريفه كلمة "تصور" الواردة في كلام السكاكي منكرة، وإن كان ذلك قد أدى إلى خلل في كلام المصنف في قوله: "الوهمي أن يكون بين تصوريهما شبه تماثل أو تضاد أو شبه تضاد، والخيالي أن يكون بين تصوريهما تقارن في الخيال؛ لأن التضاد مثلًا إنما هو بين نفس السواد والبيان لا بين تصوريهما أعني العلم بهما وكذا التقارن في الخيال إنما هو بين نفس الصور.
"الجامع العقلي":
أما العقلي فهو:
أن يكون بينهما اتحاد في التصور1 أو تماثل2: فإن العقل بتجريده المثلين عن التشخص في الخارج يرفع التعدد، أو تضايف3 كما بين العلة والمعلول4 والسبب والمسبب والسفل والعلو الأقل والأكثر فإن العقل يأبى أن لا يجتمعا في الذهن.
1 الذي أو جب الجمع عند المفكرة قوة العقل والمدركة بسبب الاتحاد أو التماثل مثلًا فلذا يسمى كل منهما جامعًا عقليًّا فتسمية الاتحاد في التصور مثلًا جامعًا عقليًّا لكونه سببًّا في جمع العقل بين الشيئين، فالجامع العقلي هو السبب في جمع العقل سواء كان مدركًا بالعقل أو بالوهم وليس المراد ولا يكفي الاتحاد في متصور واحد. والمراد بالاتحاد في التصور أن يكون به ما كان مدركًا بالعقل وقوله اتحاد في التصور أي في جنس المتصور الثاني هو الأول.
2 بأن يتفقا في الحقيقة ويختلفا في العوارض. فالمراد بالتماثل ههنا اشتراكهما في وصف له مزيد اختصاص بهما.
3 وهو كون الشيئين بحيث لا يمكن تعقل كل منهما إلا بالقياس إلى تعقل الآخر فيكون تصور أحدهما لازمًا لتصور الآخر.
4 أي كالتضايف الذي بين مفهوم العلة -وهي كون الشيء سببًا- ومفهوم المعلول -وكون الشيء مسببًا عن ذلك الشيء أو بين ما صدق العلة وما صدق المعلول باعتبار مفهومها.
هذا وسمي جمع الاتحاد والتماثل والتضايف عقليًّا؛ لأن العقل يدرك بها الأمور على حقائقها.
"الجامع الوهمي":
وأما الوهمي1: فهو أن يكون بين تصوريهما:
1-
شبه تماثل2 كلون بياض ولون صفرة.
فإن الوهم يبرزهما في معرض المثلين ولذلك حسن الجمع بين الثلاثة في قوله: "محمد بن وهيب".
ثلاثة تشرق الدنيا ببهجتها
…
شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر2
2-
أو تضاد4 كالسواد والبياض والهمس والجهارة والطيب والنتن والحلاوة والحموضة والملاسة والخشونة وكالتحرك
1 هو أمر بسببه يحتال الوهم في اجتماع الشيئين عند المفكرة بخلاف العقل فإنه إذا خلى ونفلسه لم يحكم بذلك الاجتماع لهذا الأمر؛ لأن العقل يدرك الأمور على حقائقها بخلاف الوهم فمن شأنه خلاف ذلك.
فالجامع الوهمي ليس أمر جامعًا في الواقع بل باعتبار أن الوهم جعله جامعًا كشبه التماثل والتضاد وشبه التضاد.
2 المراد بالتماثل الاتحاد في النوع بأن يكون بين الشيئين تقارب وتشابه باعتبار وتباين باعتبار آخر.
3 فالوهم يتوهم الثلاثة من نوع واحد وإنما اختلفت العوارض، والعقل يعرف أنها أمور متباينة. والبيت من عطف المفردات، وهي كالجمل يشترط فيها الجامع.
4 وهو التقابل بين أمرين وجوديين يتعاقبان على محل واحد. خرج بالوجود بين تقابل الإيجاب والسلب وتقابل العدم والملكة وهو ثبوت شيء وعدمه عما من شأنه ذلك كتقابل العمى للبصر، والمراد بالوجودي هنا ما ليس العدم داخلًا في مفهوميته فيشمل الأمور الاعتبارية فيدخل المتضايقان فلا بد إذا من زيادة قيد "لا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر".
و"يتعاقبان على محل واحد" أي يمكن ذلك لا أن ذلك بالفعل؛ لأن الضدين قد يرتفعان.
والسكون القيام والقعود والذهاب والمجيء والإقرار والإنكار والإيمان والكفر1 وكالمتصفات بذلك كالأسود والأبيض والمؤمن والكافر.
3-
أو شبه تضاد2 كالسماء والأرض والسهل والجبل والأول والثاني، فإن الوهم ينزل المتضادين والشبيهين بهما منزلة المتضايقين فيجمع بينهما في الذهن ولذلك تجد الضد أقرب خطورًا بالبال مع الضد.
1 هذا بناء على أن الكفر وجودي وهو الجحد.
والحق أن بين الإيمان والكفر تقابل العدم والملكة؛ لأن الكفر عدم التصديق عما من شأنه التصديق. وقد يقال الكفر إنكار شيء من ذلك فيكن وجوديًّا فيكونان متضادين.
2 بأن لا يكون أحد الشيئين ضد للآخر، ولا موصوفًا بضد ما وصف به الآخر ولكن يستلزم كل منهما معنى ينافي ما يستلزمه الآخر.
ملاحظة:
وأنواع التقابل أربعة:
التماثل - التضاد - التناقض - العدم والملكة.
"الجامع الخيالي1":
والخيالي أن يكون بين تصوريهما تقارن في الخيال2 سابق3.
وأسبابه مختفة4- ولذلك اختلفت الصور الثابتة في الخيالات ترتبًا ووضوحًا5، فكم صور تتعانق في خيال وهي في آخر لا تتراءي، وكم صورة لا تكاد تلوح في خيال وهي في غيره نار على علم، كما يحكي1 أن صاحب سلاح ملك وصائغًا وصاحب بقر ومعلم صبية سافروا ذات يوم وواصلوا سير النهار بسير الليل، فبينما هم في وحشة الظلام ومقاساة خوف التخبط والضلال، طلع عليهم البدر
1 راجع 154 جـ1 زهر الآداب، 135 جـ2 البيان، 70، 74 طراز المجالس، 111 من المفتاح.
وهو أمر بسببه يقتضي الخيال اجتماعهما في المفكرة ولو كان في أصله عقليًّا لكونه كليًّا أو وهميا لكونه جزئيًّا.
فالجامع الخيالي ما يتعلق بالصور الخيالية ولو كان عقليًّا أو وهميًّا في أصله، والجامع الوهمي ما يحتال بسببه الوهم على الجمع عند المفكرة ولو سبق إليه الخيال لكونه مدركًا به الخصوص أو لًا فأخذ منه العقل.
هذا والحس المشترك هو القوة المدركة للصور الحسية والخيال خزانته فنسب هنا الإدراك إلى الخانة لا إلى القوة المدركة تساهلًا. فاصل الكلام هنا "يقتضي الحس المشترك الذي خزانته الخيال" بدلًا من "يقتضي الخيال".
2 أي خيال السامع على ما هو الغالب مع مراعاة حال المخاطب.
3 أي على العطف، لأسباب مؤدية إلى ذلك.
والمراد بتقارنهما في الخيال تقارنهما فيه عند التذكر والإحضار.
4 باختلاف البيئة والصناعة والأشخاص والعصور.
5 المراد بالوضوح عدم غيبتها عن الخيال وبالترتب اجتماعها في الخيال بحيث لا تنفك عن بعض والأولى تفسير الترتيب بأن يكون حضور الصور على وجه مخصوص لا يكون في آخر كذلك؛ لأنه بالمعنى الأولى هو والوضوح مثلًا زمان.
6 راجع 111 من المفتاح.
بنوره فأفاض كل منهم في الثناء عليه وشبهه بأفضل ما في خزانة صوره، فشبهه السلاحي بالترس المذهب يرفع عند الملك، والصائغ بالسبيكة من الإبريز تفتر عن وجهها البتوقة، والبقار بالجبن الأبيض يخرج من فالبه طريا والمعلم برغيف أحمر يصل إليه من بيت ذي مروءة، وكما يحكى1 عن وراق يصف حاله: عيشي أضيق من محبرة وجسمي أدق من مسطرة وجاهي أرق من الزجاج، وحظي أخفى من شق القلم وبدني أضعف من قصبة وطعامي أمر من العفص وشرابي أشد سوادًا من الحبر وسوء الحال لي ألزم من الصمغ.
ولصاحب1 علم المعاني فضل احتياج إلى التنبيه لأنواع الجامع لا سيما الخيالي فإن جمعه على مجرى الألف والعادة بحسب ما تنعقد لأسباب في ذلك3 كالجمع بين الإبل والسماء والجبال والأرض في قوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَت، وَإِلَى الجِبَال كَيْفَ نُصِبَتْ، وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} ، بالنسبة إلى أهل الوبر فإن جل انتفاعهم في معاشهم من الإبل فتكون عنايتهم مصروفة إليها، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر فيكثر تقلب وجوههم في السماء ثم لا بد لهم من مأوى يؤويهم وحصن يتحصنون به ولا شيء لهم في ذلك كالجبال ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها فإذا فتش البدوي في خياله وجد صور هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور بخلاف الحضري فإذا تلا قبل الوقوف على ما ذكرنا ظن النسق لجهله معيبًا.
1 راجع 112 من المفتاح، 222 جـ2 زهر الآداب.
2 راجع 112 من المفتاح.
3 أي بحسب انعقاد ووجود الأسباب في إثبات الصور في خزانة الخيال، وتباين الأسباب مما يفوته الحصر.