الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول في الإيجاز والإطناب والمساواة
تعريفه
…
القول في الإيجاز والإطناب والمساواة 1:
"تعريف السكاكي":
قال السكاكي2:
أما الإيجاز والإطناب3 فلكونهما نسبيين4 لا يتيسر الكلام
1 الإيجاز لغة التقصير من أو جز لازمًا ومتعديًا. وجد الكلام فهو وجيز.
والإطناب المبالغة من أطنب.
2 أي معتذرًا عن ترك تعريفهما -راجع ص120 من المفتاح.
3 قال السيد: ترك المساواة وإن كانت نسبة أيضًا؛ لأنه لا فضيلة لكلام الأوساط فما يصدر عن البليغ مساويًا له لا يكون بليغًا إذ ليس فيه نكتة يعتد بها. وبحث فيه بأن عدم الاعتداد إنما هو عند قصد البليغ تجريده عن النكت وليس بمتعين لجواز أن تكون في المقام مقتضيات وخصوصيات لا يراعيها غير البليغ وأما البليغ فمن حقه أن يراعيها ويشير إليها مع كون لفظهما متطابقين.
وقال عبد الحكيم: المراد أنه ليس بليغًا من حيث مساواته لكلام الناس وإن كان بليغًا من حيث اشتماله على المزايا والخصوصيات التي يقتضيها المقام.
4 أي من الأمور النسبية -والمنسوب إليه مختلف القدر والأمور النسبية أي النسوبة إلى غيرها كالأبوة والبنوة- التي يكون تعلقها بالقياس إلى تعقل شيء آخر فإن الموجز إنما يكون موجزًا بالنسبة إلى كلام أزيد منه وكذا المطنب إنما يكون مطنبًا بالنسبة إلى ما هو أنقص منه. فتعقل كل منهما متوقف على تعقل الآخر ضرورة توقف تعقل المنسوب على تعقل المنسوب إليه لأخذه في مفهومه.
فيهما إلا بترك التحقيق1 والبناء على شيء عرفي2، مثل جعل كلام الأوساط على مجرى متعارفهم في التأدية للمعاني فيما بينهم.
ولا بد من الاعتراف بذلك مقيسًا عليه ولنسمه متعارف الأوساط3.
1 أي التعريف المبين لمعناهما. والسعد فهم أنه تعيين مقدار كل بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص عنه. أي لا يمكن التنصيص على أن هذا المقدار من الكلام فيه إيجاز وذلك فيه إطناب إذ رب كلام موجز يكون مطنبًا بالنسبة إلى كلام آخر وبالعكس. فزيد المنطلق موجز بالنسبة لزيد هو المنطلق ومطنب بالنسبة لزيد منطلق فلا يمكن تعيين مقدار من الكلام للإيجاز والإطناب؛ لأنهما نسبيين والمنسوب إليه مختلف المقدار فلذلك نجد الكلام الواحد بالنسبة إلى قدر إيجاز وإلى قدر آخر إطنابًا.
2 أي يعرفه أهل العرف في أداء المقاصد من غير رعاية بلاغة ومزية -فهو مضبوط في الجملة؛ لأن أفراده وإن تفاوتت لكنها متقاربة ومعرفة مقداره لا تتعذر غالبًا. فإذا كان المنسوب إليه وهو الأمر العرفي مضبوطًا في الجملة "وهو الأمر العرفي" كان المنسوب كذلك.
3 أي الذين ليسوا في مرتبة البلاغة ولا في غاية الفهامة بل كلامهم يؤدي أصل المعنى المراد أعني المطابقي من غير اعتبار مطابقة مقتضى الحال ولا اعتبار عدمها ويكون صحيح الإعراب فالأوساط هم العارفون باللغة وبوجوه صحة إعرابها دون الفصاحة والبلاغة فيعبرون عن مرادهم بكلام صحيح الإعراب من غير ملاحظة النكات التي يقتضيها الحال فهم إنما يعرفون اللفظ الموضوع للمعنى فعبارتهم محدودة بذلك في قدرتهم اختلاف العبارات بالطول والقصر إذ ذلك إنما يكون من البلغاء بسبب تصرفهم في لطائف العبارات.
راجع في ذلك 105/ 1 من البيان والتبيين.
وأنه في باب البلاغة لا يحمد منهم1 ولا يذم2. فالإيجاز هو أداء المقصود من الكلام بأقل من عبارات3 متعارف الأوساط. والإطناب هو أداؤه بأكثر من عباراته. سواء كانت القلة أو الكثرة راجعة إلى الجمل أو إلى غير الجمل4. ثم قال5، الاختصار6 لكونه من الأمور النسبية يرجع في بيان دعواه7 إلى ما سبق تارة8 وإلى كون المقام9 خليقًا بأبسط مما ذكر10.
1 لعدم رعاية مقتضيات الأحوال.
2 لأن غرضهم تأدية أصل المعنى بدلالات وضعية وألفاظ كيف كانت ومجرد تأليف يخرجها عن حكم الفهاهة وذلك لسبب مطابقته للنحو والصرف واللغة فقط.
3 كلمة "عبارات" زائدة أو تجعل الإضافة بيانية.
4 والمساواة هي أداء المقصود بعبارة قدر المتعارف.
5 أي السكاكي -راجع ص124 من المفتاح.
6 أي الإيجاز.
ملاحظة:
مقام المساواة هو مقام الإتيان بالأصل حيث لا مقتضى للعدول عنه. ومقام الإيجاز هو مقام حذف أحد المسندين أو المتعلقات. ومقام الإطناب هو مقام ذكر ما لا يحتاج إليه في أصل المعنى كقصد البسط حيث الإصغاء مطلوب وكرعاية الفاصلة.
7 المراد: ينظر في تعريفه.
8 أي إلى كون عبارة المتعارف أكثر منه.
9 أي إلى اعتبار كون المقام الذي أو رد فيه الكلام الموجز.
10 أي أكثر بسطًا من الكلام الموجز الذي ذكره المتكلم سواء كان ما ذكره المتكلم أقل من عبارة المتعارف أو أكثر منها أو مساويًا لها.
وتوهم بعضهم وهو الخلخالي أن المراد بما ذكر ثانيًا في قول الخطيب "بأبسط إلخ" هو متعارف الأوساط وهو غلط لا يخفى؛ لأنه تحكم ويلزم عليه التكرار والتداخل في كلام الخطيب. يعني كما أن الكلام يوصف بالإيجاز لكونه أقل من المتعارف كذلك يوصف به لكونه أقل مما يقتضيه المقام بحسب ظاهر المقام.
وإنما قلنا "بحسب الظاهر"؛ لأنه لو كان أقل مما يقتضيه المقام.
وفيه نظر1:
1-
لأن كون الشيء نسبيًّا لا يقتضي أن لا يتيسر الكلام فيه إلا بترك التحقيق والبناء على شيء عرفي2.
2-
ثم البناء على: متعارف الأوساط. والبسط الذي يكون المقصود جديرًا به3. رد إلى جهالة4 فكيف يصلح للتعريف.
ظاهرًا وتحقيقًالم يكن في شيء من البلاغة مثاله قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي} الآية. فإنه إطناب بالنسبة إلى المتعارف أعني قولنا: "يا رب شخت" وإيجاز بالنسبة إلى مقتضى المقام ظاهرًا؛ لأنه مقام بيان انقراض الشباب وإلمام المشيب فينبغي أن يبسط فيه الكلام غاية البسط. فللإيجاز معنيان: هما كونه أقل من المتعارف. وكونه أقل مما يقتضيه ظاهر المقام. ويكون للإطناب أيضًا معنيان.
هذا وبين معنى الإيجاز عموم وخصوص من وجه وذلك؛ لأن كون الكلام أقل من متعارف الأوساط أعم من أن يكون أقل ما يقتضيه ظاهر المقام أو لا وكون الكلام أقل مما يقتضيه ظاهر المقام كذلك أعم من أن يكون أقل من المتعارف أو لا فيتصادقان فيما إذا كان الكلام أقل من عبارة المتعارف ومن مقتضى المقام جميعًا كما إذا قيل "رب شخت". وينفرد الأول في: إذا قال "الخميس نعم" أي هذه نعم. وينفرد الثاني في "رب إني وهن العظم مني".
فمثل "هي عصاي" إيجاز بالنسبة لكلام الناس.
و"شاكر لك هذا الجميل" إيجاز بالنسبة لهما.
و"نعم سافر" إيجاز بالنسبة لكلام الأوساط.
وكذلك بين معنيين الإطناب العموم والخصوص الوجهي.
1 أي فيما ذكره السكاكي أو لًا وثانيًا.
2 إذ كثيًرا ما تحقق معاني الأمور النسبية وتعرف بتعريفات تليق بها كالأبوة والأخوة والبنوة.
وجواب هذا أنه لم يرد تعسر بيان معناهما بالتعريف الضابط لكل واحد منهما؛ لأن ما ذكر بيان لمعناهما بل أراد بتعسر التحقيق تعسر التعريف المحتوي على تعيين المقدار لكل بحيث لا يزاد عليه ولا ينقص عنه.
3 بأن يقال الإيجاز هو الأداء بأقل من المتعارف أو مما يليق بالمقام من كلام أبسط من الكلام المأكور.
4 إذ لا تعرف كمية متعارف الأوساط -أي عدد كلمات عبارتهم وكيفيتها، التي هي عبارة عن تقديم بعض الكلمات وتأخير بعضها - لاختلاف طبقاتهم. ولا يعرف أن كل مقام أي مقدار يقتضي من البسط حتى يقاس عليه ويرجع إليه.
وجواب هذا أن الألفاظ قوالب المعاني فهي على قدرها بحسب الوضع والأوساط الذين لا يقدرون في تأدية المعاني على اختلاف العبارات والتصرف في وظائف الاعتبارات لهم عبارة محدودة معلومة في الكلام تجري فيهما بينهم في المحاورات والمعاملات. وهذا معلوم للبلغاء وغيرهم، فالبناء على المتعارف واضح بالنسبة إليهما جميعًا. وأما البناء على البسط الموصوف فإنما هو معلوم للبلغاء العارفين بمقتضيات الأحوال بقدر ما يمكن نعم البسط فلا يجهل عندهم ما يقتضيه كل مقام من مقدار البسط.
"تعريف الخطيب":
والأقرب1 أن يقال:
المقبول من طرق التعبير عن المعنى هو تأدية أصل المراد2 بلفظ مساو2 له أو ناقص4 عنه واف5 أو زائد عليه6، لفائدة7 والمرد بالمساواة أن يكون اللفظ بمقدار أصل المراد لا ناقصًا عنه بحذف أو غيره كما سيأتي ولا زائدًا عليه بنحو تكرير أو تتميم أو اعتراض
1 إلى الصواب، أو إلى الفهم كما قدره ابن يعقوب.
2 والإضافة بيانية أي الأصل الذي هو المراد، وزاد لفظ "الأصل" إشارة إلى أن المعتبر في المساواة والإيجاز والإطناب المعنى الأول أعني المعنى الذي قصد المتكلم أفادته للمخاطب ولا يتغير بتغير العبارات واعتبار الخصوصيات.
3 وذلك بأن يؤدي وضع لأجزائه مطابقة.
4 أي عن المعنى المراد بأن يؤدى بأقل مما وضع لأجزائه مطابقة.
5 أي بذلك المعنى المراد إما باعتبار اللزوم إذالم يكن هنا حذف أو باعتبار الحذف الذي يتوصل إليه بسهولة من غير تكلف فخرج الإخلال فإن التوصل إلى المحذوف فيه بتكلف.
6 بأن يكون أكثر مما وضع لأجزائه مطابقة.
7 قال ابن السبكي: "لفائدة" تتعلق بالثلاثة من جهة المعنى. وما اقتضته عبارته من تعلقها بالزائد فليس كذلك.
كما سيأتي1 وقولنا واف احتراز عن الإخلال. وهو أن يكون اللفظ قاصرًا عن أداء المعنى2 كقول عروة بن الورد3:
عجبت لهم إذ يقتلون نفوسهم
…
ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا
فإنه أراد إذ يقتلون نفوسهم في السلم.
وقول الحارث بن حلزة:
والعيش خير في ظلا
…
ل النوك ممن عاش كدا4
فإنه أراد5 العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل. الحل كما ترى.
وقولنا "الفائدة" احتراز عن شيئين:
1 والمراد بالإيجاز أن يكون اللفظ ناقصًا عن أصل المراد وافيًا به. والمراد بالإطناب أن يكون زائدًا عليه لفائدة.
2 بأن يكون ناقصًا عن أصل المراد غير واف به لخفاء الدلالة بحيث يحتاج فيها إلى تكلف وتعسف. فالمراد بالوفاء أن تكون الدلالة على ذلك المراد مع نقصان اللفظ واضحة ظاهرة لا خفاء فيها.
3 العبسي. والبيت في الصناعتين ص182. والعقد الفريد ص319 جـ2. وتاريخ الكامل لابن الأثير ص271 جـ1.
4 البيت في الصناعتين ص27 وص171 وص182. النوك: الحمق والجهالة وإضافة الظلال إليه من إضافة المشبه به إلى المشبه. الكد: المشقة والتعب.
5 يعني أن أصل المراد أن العيش الناعم في ظلال النوك خير من العيش الشاق في ظلال العقل ولفظه غير واف بذلك؛ لأن اعتبار المحذوف لا دليل عليه إذ كل منهما لا يعلم من الكلام ولا يدل عليه دلالة واضحة إذ لا يفهم السامع هذا المراد من البيت حتى تتأمل في ظاهر الكلام فتجده غير صحيح فيقدر المحذوف لأجل صحة هذا الكلام بعد مزيد نظر وتأمل. وذكر السيوطي أنه لا إخلال فيه بل فيه نوع بديعي هو الاحتباك حيث حذف من كل ما أثبت مقابله في الآخر فما ذكر في كل محل قرينة معينة للمحذوف من المحل الآخر.
أحدهما: التطويل1 وهو أن لا يتعين الزائدة في الكلام كقوله2:
"وقددت الأديم لراهشيه"
…
وألفى قولها كذبا3 ومينا
فإن الكذب والمين واحد4.
وثانيهما: ما يشتمل على الحشو. والحشو ما يتعين أنه الزائد5 وهو ضربان:
أحدهما ما يفسد المعنى كقول أبي الطيب:
ولا فضل فيها للشجاعة والندى
…
وصبر الفتى لولا لقاء شعوب6
1 أي والإسهاب أيضًا وهو أعم من الإطناب أي هو التطويل مطلقًا لفائدة أو لغيرها.
والتطويل هو أن يزيد اللفظ على أصل المراد لا لفائدة ولا يكون اللفظ الزائد متعينًا.
2 البيت لعدي بن الأبرش. يذكر غدر الزباء بجذيمة بن الأبرش، وقيل هو لعدوي بن يزيد يعظ النعمان ويذكره بغدر الزباء ونتائجه.
3 قددت: قطعت. الأديم: الجلد. الراهشان عرقان في باطن الذراعين. أي قطعت الجلد إلى أن وصل القطع للراهشين. والضمير في "راهشيه" وفي "ألفي" لجذيمة -بفتح الجيم مكبرًا وبضمها مصغرًا- ابن الأبرش، وفي "قددت" وفي "قولها" للزباء.
4 فلا فائدة في الجمع بينهما وليس مقام هذا الكلام مقتضيًا للتأكيد حتى يقال أن عطف هذين المترادفين للتأكيد ولا يقال أن الأول واقع في موضعه فالزائد هو الثاني؛ لأن مدار التعين وعدمه أنه إن لم يتغير المعنى بإسقاط أيهما كان الزائد غير متعين وإن تغير بإسقاط أحدهما دون الآخر فالزائد هو الآخر ولا يعتبر في ذلك كون أحدهما متقدمًا والآخر متأخرًا.
5 فهو الزيادة المعينة لا لفائدة.
6 أي لا فضل في الدنيا للشجاعة والندى والصبر لولا لقاء الموت. والشعوب بالفتح علم جنس للمنية جرها بالكسر من غير تنوين -مع أنها ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث- للضرورة أي موافقة القوافي.
فإن لفظ الندى فيه حشو يفسد المعنى؛ لأن المعنى أنه لا فضل في الدنيا للشجاعة والصبر والندى لولا الموت. وهذا الحكم صحيح في الشجاعة1 دون الندى؛ لأن الشجاع لو علم أن يخلد في الدنيالم يخش الهلاك في الإقدام فلم يكن لشجاعته فضل2 بخلاف الباذل ما له، فإنه إذا علم أنه يموت هان عليه بذله. ولهذا يقول إذا عوتب فيه: كيف لا أبذل ما لا أبقى له؟ أنى أثق بالتمتع بهذا المال. وعليه قوله طرفة:
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي
…
فذرني أبادرها بما ملكت يدي
وقول مهيار:
فكل إن أكلت وأطعم أخاك
…
فلا الزاد يبقى ولا الآكل
فلو علم أنه يخلد ثم جاد بماله كان جوده أفضل. فالشجاعة لولا الموت لم تحمد والندى بالضد.
وأجيب عنه: بأن المراد بالندى في البيت بذل النفس لا بذل المال.
1 أي وفي الصبر.
فلولا حرف امتناع لوجود أي امتناع الجواب "هو هنا لا فضل" لوجود الشرط وهو لقاء الموت ولما كان الجواب منفيًّا في ذاته بلا فإذا نفي بمقتضى لولا كان إثباتًا؛ لأن النفي إثبات فيصير منطوق الكلام ثبوت الفضل للأمور المذكورة على تقدير الموت، ومفهومه عدم الفضيلة لها على تقدير عدم الموت، وهذا مسلم في غير الندى.
2 وكذلك الصبر لتيقن الصابر بزوال المكروه فالصبر على الشدائد استلزام وجود الموت بفضله واستلزام نفي الموت لنفي فضله صحيح؛ لأنه إذا انتفي الموت لم يكن له فضل؛ لأن الناس كلهم إذا علموا أنه لا موت بتلك الشدة صبروا حرصًا على فضيلة نفي الجزع إذ ليست تلك الشدة مفضية إلى الموت الذي هو أعظم مصيبة بخلاف ما إذا أعلم أن تلك الشدة ربما أفضت إلى الموت ومع ذلك يصير عليها فهذا لا يتصف به إلا القليل.
كما قال مسلم بن الوليد "يمدح داود بن حاتم المهلبي":
يجود بالنفس من ضن الجواد بها
…
والجود بالنفس أقصى غاية الجود1
ورد بأن لفظ الندى لا يكاد يستعمل في بذل النفس، وإن استعمل على وجه الإضافة فأما مطلقًا فلا يفيد إلا بذل المال.
والثاني: مما لا يفسد المعنى2 كقوله3:
ذكرت أخي فعاودني
…
صداع الرأس والوصب.
1 البيت في ديوان مسلم ص25، وفي العقد 56/ 1 ولابن المقفع: الجود بالمجهود منتهى الجود "104/ 3 بيان".
وللمفضل بن المهلب بن أبي صفرة:
هل الجود إلا أن تجود بأنفس
…
على كل ماضي الشفرتين قضيب
وبيت مسلم نسبه العقد لأبي تمام "147/ 1 عقد". وهذا الجواب نقله الخفاجي في سر الفصاحة عن المرتضى، وفيه نظر لعوده إلى الشجاعة فيكون في البيت تكرار.
واعتذر ابن جني عن البيت بأن في الخلود وتنقل الأحوال في الخلود ما يسر إلى عسر ومن شدة إلى رخاء حسبما جرب به عادة الزمان الطويل ما يسكن النفوس ويسهل الشدائد فلا يظهر لبذل المال كبير فضل؛ لأنه عند تيقن الخلود ينفق وهو موقن بالخلف وانتقال حاله من العسر إلى اليسر بخلاف ما إذا أيقن بالموت فإنه لا يوقن بالخلف لاحتمال أن يأتيه الموت فجأة قبل تغير حاله. ورد رأي ابن جني بأن تيقن الخلود يدعو إلى الحرص على المال ويقوي احتياج الشخص إليه ويجعله أشد تعلقًا به فيكون لبذله حينئذ فضل.
2 في ص434 و435 من الصناعتين مثل لذلك.
3 البيت لأبي العيال "105 الصناعتين" الخفاجي. ونقده العسكري نقدًا شديدًا، وراجعه في الصناعتين أيضًا ص37.
الصداع: وجع الرأس. الوصب: المرض الدائم. وقد نقد البيت بأن الذاكر لما فات من محبوبه يوصف بألم القلب واحتراقه لا بصداع الرأس.
فإن لفظ "الرأس فيه حشو لا فائدة فيه؛ لأن الصداع لا يستعمل إلا في الرأس وليس بمفسد للمعنى، وقول زهير:
وأعلم علم اليوم والأمس قبله
…
ولكني عن علم ما في غد عمي1
أن قوله قبله مستغنًى عنه غير مفسد، وقول أبي عدي2:
نحن الرءوس وما الرءوس إذا سمت
…
في المجد للأقوام كالأذناب.
فإن قوله: "للأقوام" حشو لا فائدة فيه مع أنه غير مفسد.
"ملاحظة":
واعلم أنه قد تشتبه الحال على الناظر لعدم تحصيل معنى الكلام وحقيقته، فيعد من الزائد على أصل المراد ما ليس منه كما مثله بعض الناس بقول القائل3:
ولما قضينا من منى كل حاجة
…
ومسح بالأركان من هو ماسح
وشدت على دهم المهاري رحالنا
…
ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا
…
وسألت بأعناق المطي الأباطح4
1 والبيت في الصناعتين ص430. فقبله حشو -زائد على أصل المراد لا فائدة؛ لأن الأمس يدل على القبلية لليوم- غير مفسد. أما مثل "رأيته بعيني" فالتأكيد هنا إن اقتضاه المقام كان فائدة لا حشوًا وإلا كان حشوًا.
2 هو عبد الله بن عمرو الأموي.
3 هو كثير، ونسبت ليزيد بن الطئرية، ونسبها الحصري لكثير "66 جـ2.
وراجعها في 16 من أسرار البلاغة وكل ما هنا منقول منه، وفي 58 و60 و228 و229 من الدلائل، وفي 10 الشعر والشعراء لابن قتيبة، 58 صناعتين، 137 المثل السائر، 22 نقد الشعر.
4 والأبيات من المساواة عند الخطيب كما يقول السبكي. وزعم البعض أنه من الزائد على أصل المراد، وأن أصل المراد فيه، ولما رجعنا من منى أخذنا في الكلام. دهم المهاري: سودها جمع مهرية؛ لأن أصلها من مهرة. الغادي: السائر في أو ل النهار ضد الرائح. الأباطح: جمع بطحاء كل مسيل واسع فيه رمل ودقاق الحصى.
يبين أنه ليس منه ما ذكره الشيخ1 عبد القاهر في شرحه قال:
أو ل ما يتلقاك من محاسن هذا الشعر أنه قال:
"ولما قضينا من منى كل حاجة"
فعبر عن قضاء جميع المناسك فرائضها وسننها بطريق العموم الذي هو أحد طرق الاختصار، ثم نبه بقوله:
"ومسح بالأركان من هو ماسح"
على طواف الوداع الذي هو آخر الأمر ودليل المسير الذي هو مقصود من الشعر ثم قال: "وشدت
…
البيت" فتوصل بذكر مسح الأركان ما وليه من زم الركاب وركوب الركبان، ثم دل بلفظ الأطراف على الصفة التي تختص بها الرفاق في السفر من التصرف في فنون القول وشجون الحديث أو ما هو عادة المتظرفين من الإشارة والتلويح والرمز والإيماء، وأنبأ بذلك عن طيب النفوس وقوة النشاط وفضل الارتباط كما توجبه ألفة الأصحاب وأنسة الأحباب ويليق بحال من وفق لقضاء العبادة الشريفة ورجا حسن الإياب وتنسم روائح الأحبة والأوطان واستماع التهاني والتحايا من الخلان والإخوان، ثم زان ذلك كله باستعارة لطيفة، حيث قال: وسالت بأعناق المطي الأباطح، فنبه بذلك على سرعة السير ووطأة الظهر وفي ذلك ما يؤكد ما قبله؛ لأن الظهور إذا كانت وطيئة وكان سيرها سهلًا زاد ذاك في نشاط الركبان فيزداد الحديث طيبًا، ثم قال: بأعناق المطي، ولم يقل: والمطي؛ لأن السرعة والبطء في سير الإبل يظهران غالبا في أعناقها ويتبين أمرها من هو ادبها وصدورها، وسائر أجزائها تستند إليها في الحركة وتتبعها في الثقل والخفة.
1 "16 و17" من الأسرار.