المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌حكم الجمل التي لا محل لها من الإعراب - الإيضاح في علوم البلاغة - جـ ٣

[جلال الدين القزويني]

الفصل: ‌حكم الجمل التي لا محل لها من الإعراب

‌حكم الجمل التي لا محل لها من الإعراب

1:

وعلى الثاني2 أن قصد بيان ارتباط الثانية بالأولى على معنى بعض حروف العطف سوى الواو عطفت عليها3 بذلك الحرف4 تقول: دخل زيد فخرج عمرو، إذا أردت أن تخبر أن خروج عمرو كان بعد دخول زيد من غير مهلة، وتقول: خرجت ثم خرج زيد، إذا أردت أن تخبر أن خروج زيد كان بعد خروجك بمهلة5، وتقول يعطيك زيد دينارًا أو يكسوك جبة، إذا أردت أن تخبر أنه يفعل واحدًا منهما لا بعينه، وعليه قوله تعالى:{سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِين} 6.

1 راجع 172 من الدلائل، و109 من المفتاح.

2 أي على تقدير أن لا يكون للأولى محل من الإعراب.

3 أي عطفت الثانية على الأولى مطلقًا في الأحوال الستة الآتية "كمال الاتصال. كما ل الانقطاع إلخ" وسواء كان للأولى قيد قصد إعطاؤه للثانية أو قصد عدم إعطائه لها أو لم يكن لها قيد أصلًا.

4 أي العاطف من غير اشتراط أمر آخر -الجهة الجامعة.

5 هذا هو الأصل في الفاء وثم. وقد تكون الفاء للتعقيب الذكري ومنه عطف المفصل على المجمل، وكذلك ثم قد تكون لاستبعاد مضمون ما بعدها عما قبلها أو لمجرد التدرج في مدارج الكمال.

6 فعدم اشتراط أمر آخر لصحة العطف بغير الواو في -الفاء ثم ومثلهما حتى ولكن ولا وأو وبل- من الجهة الجامعة؛ لأن ما سوى الواو من حروف العطف يفيد مع الاشتراك معاني محصلة مفصلة في علم النحو، فإذا عطفت الثانية على الأولى بذلك العاطف ظهرت الفائدة بدون توقف على شيء آخر، فيحصل معاني هذه الحروف؟ بخلاف الواو فإنها لا تفيد إلا مجرد الاشتراك وهذا إنما يظهر فيما له حكم إعرابي كالمفردات والجمل التي لها محل إعرابي فإذا وجدت الجهة الجامعة -أي الوصف الخاص الذي يجمعهما ويقرب أحدهما من الآخر في العقل أو الوهم أو الخيال- عطفت على بعض وإلا فلا، وإما إفادة الواو الاشتراك في غير ماله حكم إعرابي ففيه خفاء وإشكال ودقة وهو السبب في صعوبة باب الفصل الوصل.

ص: 102

وإن لم يقصد ذلك1.

1-

فإن كان للأولى حكم2 ولم يقصد إعطاؤه الثانية تعين الفصل، كقوله تعالى:{وَإذَا 3 خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالوا إنَّا مَعَكُمْ إنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ، لم يعطف {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} على {قََالُوْا} ، لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف المقدم وهو قوله:{وَإذَا خَلَوْا إلَى شَيَاطِينِهِمْ} ، فإن استهزاء الله تعالى بهم وهو أن خذلهم فخلاهم وما سولت لهم أنفسهم مستدرجًا إياهم من حيث لا يشعرون، متصل لا ينقطع بكل حال: خلوا إلى شياطينهم أم لم يخلوا إليهم 4، وكذلك في الآيتين الأخيرتين5: فإنهم مفسدون في جميع

1 راجع 114 من المفتاح، 179 من الدلائل أي وإن لم يقصد ربط الثانية بالأولى على معنى عاطف سوى الواو وهذا يصدق بصورتين:

1 أن لا يقصد ربط أصلًا فيتعين الفصل وهو ظاهر.

2 أن لا يقصد اجتماع حصول مضمونهما خارجًا لكن لا على معنى عاطف هو الواو وهذه الحالة الثانية هي التي فيها التفصيل المذكور.

3 أي قيد زائد على مفهوم الجملة كالاختصاص بالظرف في الآية وكالتقييد بحال أو ظرف أو شرط، وليس المراد الحكم الإعرابي؛ لأن أساس المسألة أن الأولى لا محل لها من الإعراب.

3 راجع 110 من المفتاح و188 من الدلائل في الكلام على الآية.

4 فإن قيل: إذا شرطية لا ظرفية فتقديمها؛ لأن لا الصدارة لا للتخصيص قلنا:

1 إذا الشرطية هي الظرفية في الأصل استعملت استعمال الشرط.

2 ولو سلم عدم كون الظرفية أصلًا لها فلا ينافي ما ذكرناه؛ لأنه اسم فضلة معناه الوقت -مع كونه شرطًا- فلا بد له من عامل وهو "قالوا إنا معكم" بدلالة المعنى، بناء على أن العامل في إذا الشرطية هو جوابها وهو مذهب الجمهور، لأشراطها كما ذهب إليه الرضي وأبو حيان. وإذا قدم متعلق الفعل وعطف عليه فعل آخر يفهم اختصاص الفعلين به كقولنا: يوم الجمعة سرت وضربت زيدًا، بدلالة الفحوى والذوق.

هذا والجواب الثاني قريب من الأول وإنما يفترقان من جهة رعاية أصالة الظرفية له أو عدم أصالتها وهذا التفريق ليس له ثمرة.

5 وهما: قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إنما نحن مصلحون إلا أنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} ، وقوله تعالى:{وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كما آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كما آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ} .

ص: 103

الأحيان -قيل لهم لا تفسدوا. أو لا، وسفهاء في جميع الأوقات قيل لهم آمنوا أو لا:

2-

وإن لم يكن للأولى حكم كما سبق1:

فإن كان بين الجملتين كما ل الانقطاع وليس في الفصل إيهام خلاف المقصود كما سيأتي، أو كما ل الاتصال2 أو كانت الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى أو بمنزلة المتصلة بها، فكذلك يتعين الفصل 3: أما في الصورة الأولى؛ فلأن الواو للجمع والجمع بين الشيئين يقتضي مناسبة بينهما كما مر، وأما في الثانية؛ فلأن العطف فيها بمنزلة عطف الشيء على نفسه مع أن العطف يقتضي التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه وأما في الثالثة والرابعة فظاهر مما مر4.

1 وذلك بأن لا يكون للأولى حكم زائد أي قيد زائد على مفهوم الجملة، أو يكون ولكن قصد إعطاؤه للثانية أيضًا.

2 يمكن أن تعتبر الإبهام مع كما الاتصال، والوجه فيه العطف مثل كما ل الانقطاع، وذكر عبد الحكيم تعين الفصل في كما ل الاتصال وإن كان فيه إبهام خلاف المقصود، مثل "لا تركت شربها" جوابًا لمن قال: هل تشرب الخمر.

3 فيه إشكال بالنسبة لإحدى الصورتين الداخلتين تحت قوله: وإلا، وهي ما إذا كان للأولى حكم قصد إعطاؤه للثانية، وذلك؛ لأنه إذا فصل مراعاة لكمال الانقطاع فات الحكم الذي قصد إعطاؤه، ولكن ذكر عبد الحكيم أنه يراعي كما ل الانقطاع فيفصل ويراعي الحكم فيصرح به مع ترك العاطف مثل يأتيك زيد يوم الجمعة، أكرمه فيه.

4 هذا وإن لم يكن بين الجملتين كما ل الانقطاع بلا إيهام ولا كما ل الاتصال ولا شبهة أحدهما فالوصل متعين لوجود الداعي وعدم المانع والمراد بالمانع أحد الأربعة السابقة وهو: وجود أحد الكمالين مع عدم الإبهام في كما ل الانقطاع أو موجود شبه أحدهما.

ص: 104

"كمال الانقطاع":

وأما كما ل الانقطاع فيكون لأمر يرجع إلى الإسناد أو إلى طرفيه.

الأول: أن تختلف الجملتان خبرًا وإنشاءً:

لفظًا ومعنى1 كقولهم لا تدن من الأسد يأكلك، وهل تصلح لي كذا أدفع إليك الأجرة، وبالرفع فيهما، وقول الشاعر:

وقال رائدهم أرسوا نزاولها

فكل حتف امرئ يجري بمقدار2

1 بأن تكون إحداهما خبرًا لفظًا ومعنى والأخرى إنشاء لفظًا ومعنى.

2 الرائد: هو الذي يتقدم القوم لطلب الكلأ والماء أرسوا: فعل أمر أي أقيموا من أرسيت السفينة أي حبستها بالمرساة "بفتح الميم: الميناء. وبكسر الميم: جديدة تلقى في الماء متصلة بالسفينة فتقف".

نزاولها: أي نحاول تلك الحرب ونعالجها. والبيت للأخطل على ما في سيبويه ص450 جـ1. وهو في المفتاح ص117.

فنزاولها بالرفع لا بالجزم جوابًا للأمر؛ لأن الغرض تعليل الأمر بالإرساء بالمزاولة لا جعل الإرساء علة للمزاولة الذي يفيده الجزم؛ لأن الشرط علة في الجزاء ولا يستقيم كونه بالرفع حالًا لئلا يفوت التعليل الذي هو المقصود. ومعنى البيت: أقيموا نقاتل، فإن موت كل نفس يجري بقدر من الله، لا الجبن ينجيه والإقدام يدريه.

والشاهد: ترك العطف بين "أرسوا""ونزاولها"؛ لأن الأولى إنشاء لفظًا ومعنى والثانية خبر لفظًا ومعنى. وهذا وراجع عطف الإنشائية على الخبرية وتفصيل الكلام على الآية وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، في السيد على المطول "ص12".

هذا والاستشهاد بالبيت خطأ؛ لأن للجملة الأولى محلًّا من الإعراب؛ لأنها مفعول قال. اللهم إلا أن يقال أن المثال لكمال الانقطاع بين الجملتين باختلافهما خبرًا وإنشاء لفظًا ومعنى مع قطع النظر عن كون الجملتين مما ليس لهما محل من الإعراب أو لًا فكمال الانقطاع له نوعان: ما ليس له محل عن الإعراب وحكمه الفصل، وما له محل إعرابي وهذا لا يوجبه، والحاصل أن منع العطف بين الإنشاء والخبر له ثلاثة شروط: أن يكون بالواو، وفيما لا محل له من الإعراب، وأن لا يوهم خلاف المراد.

هذا والفصل حينئذ إنما هو عند البيانيين. أما اللغويون فجوزوا الوصل بين الجملتين المختلفتين خبرًا وإنشاء وعليه: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا زيد ومن عمرو.

ص: 105

أو معنى1 لا لفظًا كقولك مات فلان رحمه الله2. وأما قول اليزيدي:

ملكته حبلي ولكنه

ألقاه من زهد على غاربي

1 أي أو لاختلافهما خبرًا وإنشاء معنى لا لفظًا بأن تكون إحداهما خبرية معنى والأخرى إنشائية معنى وإن كانتا خبريتين أو إنشائيتين لفظًا. فالصور أربع.

1 الأولى خبرية لفظًا إنشائية معنى. والثاني خبرية لفظًا ومعنى.

2 عكس الصورة الأولى.

3 الأولى إنشائية لفظًا خبرية معنى والثانية إنشائية لفظًا ومعنى.

4 عكس الصور السابقة.

أو نقول بعبارة أخرى: الصور هي:

1 الأولى خبرية معنى والثانية إنشائية معنى خبريتان لفظًا.

2 الأولى خبرية معنى والثانية إنشائية معنى وهما إنشائيتان لفظًا.

3 الأولى إنشائية معنى والثانية خبرية معنى وهما خبريتان لفظًا.

4 الأولى إنشائية معنى والثانية خبرية معنى وهما إنشائيتان لفظًا.

فخرج ما إذا اختلفا لفظًا فقط فلا يكون من كما ل الانقطاع، وبقي من صور اختلافهما صورتان.

1 الأولى خبر لفظًا ومعنى والثانية إنشاء معنى فقط.

2 عكس الصورة السابقة.

3 لم يعطف "رحمه الله" على "مات"؛ لأنه إنشاء معنى و"مات" خبر معنى وإن كانتا جميعًا خبريتين لفظًا، ومثال ما لفظهما إنشاء وهما مختلفان معنى:{أَلَيْسَ اللهُ بَكَاْفٍ عَبْدَهُ} ، اتق الله أيها الرجل"، فلفظهما إنشاء والأولى خبر معنى والثانية إنشاء معنى.

ص: 106

وقال إني في الهوى كاذب

انتقم الله من الكاذب

فعده السكاكي رحمه الله من هذا الضرب1 وحمله الشيخ عبد القاهر2 رحمه الله على الاستئناف بتقدير قلت3.

الثاني: أن لا يكون بين الجملتين4 جامع كما سيأتي.

"كمال الاتصال":

وأما كمال الاتصال5 فيكون لأمور ثلاثة:

الأول: أن تكون الثانية مؤكدة6 للأول والمقتضى للتأكيد دفع توهم التجوز7 والغلط وهو قسمان:

1 حيث لم يعطف جملة "انتقم الله" على "إني في الهوى كاذب" لاختلافهما خبرًا وإنشاء معنى فالأولى خبر لفظًا ومعنى والثانية خبر لفظًا إنشاء معنى وراجع 117 من المفتاح.

2 راجع 183 من الدلائل.

3 أي قلت انتقم الله من الكاذب.

4 أي لا يكون بينهما -بين المسند فقط أو بين المسندين فقط أو بينهما معًا- جامع مع عدم الاختلاف في معنى الخبرية والإنشائية.

فلا يصح العطف في مثل: "زيد طويل وعمرو نائم" مثلًا.

5 أي بين الجملتين المانع من العطف بالواو إذ عطف إحداهما على الأخرى كعطف الشيء على نفسه، وغير الواو له حكم خاص به سبق ذكره.

6 راجع 174 من الدلائل، 109 من المفتاح، 48 من طراز المجالس للشهاب الخفاجي.

7 قال السيد: التوكيد المعنوى في المفردات لا يكون لدفع توهم السامع النسيان والغلط بل لدفع توهم التجوز فقط فكذلك في الجمل. وعلى هذا قال ابن يعقوب: أن دفع توهم التجوز في التأكيد المعنوي في الجمل ودفع توهم الغلط في التأكيد اللفظي فيها. والذي حققه عبد الحكيم أن التأكيد المعنوي يكون لدفع توهم السهو والنسيان ولدفع توهم التجوز.

ص: 107

أحدهما أن ننزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد المعنوي1 من متبوعة في إفادة التقرير مع الاختلاف2 في المعنى، كقوله تعالى3:{الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ4} ، فإن وزان لا ريب فيه في الآية وزان نفسه في قولك جاءني الخليفة نفسه، فإنه لما بولغ في وصف الكتاب ببلوغه الدرجة القصوى من الكمال، بجعل المبتدأ ذلك، وتعريف الخبر باللام5 كان عند السامع قبل أن يتأمله6 مظنة

1 فهو من التوكيد المعنوي لغة لا اصطلاحًا، أو نقول كما هنا، أنه كالتأكيد المعنوي ومنزل منزلته.

2 بأن يختلف مفهوم الجملتين ولكن يلزم من تقرر معنى أحدهما تقرر معنى الأخرى.

3 راجع 142 جـ2 من الكامل للمبرد، 175 دلائل، 116 من المفتاح.

4 ومحل كون لا ريب فيه مؤكدة لما قبلها إذا جعلت جملة "ألم" طائفة من الحروف فتكون لا محل لها من الإعراب، أو إذا جعلت جملة مستقلة حذف أحد جزئيها -المبتدأ أو الخبر- إن جعلت اسمية، ويصح كونها جملة فعلية بتقدير اذكر أو أقسم، وجعلت "ذلك الكتاب" جملة ثانية لا محل لها من الإعراب، و"لا ريب فيه" جملة ثالثة. أما إذا جعلت "لاريب فيه" خبرًا لذلك الكتاب، أو خبرًا لجملة "ألم" وذلك الكتاب اعتراض، فإن {لا رَيْبَ فِيهِ} حينئذ يكون مما له محل من الإعراب.

5 الدال على كما ل العناية بتمييزه -من حيث إن الإشارة موضوع للمشاهد المحسوس- والتوسل ببعده إلى التعظيم وعلو الدرجة باعتبار أن اللام للبعد.

6 أي الدال على الانحصار؛ لأن تعريف الجزئين في الجملة الخيرية دال على الانحصار حقيقة أو مبالغة مثل حاتم الجواد، فمعنى ذلك الكتاب أنه الكتاب الكامل في الهداية كان ما عداه من الكتب السماوية في مقابلته ناقص بل ليس بكتاب فكثرة المبالغة تجوز توهم المجازفة وأن الكلام ليس على ظاهره.

7 أي قبل أن يتأمل كما لات الكتاب.

ص: 108

أنه1 مما يرمي به جزافًا2 من غير تحقق، فأتبعه3 لا ريب فيه، نفيًا لذلك، اتباع الخليفة نفسه، إزالة لما عسى أن يتوهم السامع أنك في قولك جاءني الخليفة، متجوز أو ساه، وكذا قوله:{كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا} الثاني مقرر لما أفاده الأول. كذا قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} ؛ لأن قوله: {إِنَّا مَعَكُمْ} معناه الثبات على اليهودية وقوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} رد للإسلام ودفع له منهم؛ لأن المستهزئ بالشيء المستخف به منكر له ودافع له، لكونه غير معتد به، ودفع نقيض الشيء تأكيد لثباته، ويحتمل الاستئناف، أي فما بالكم إن صح أنكم معنا توافقون أصحاب محمد.

وثانيهما أن تنزل الثانية من الأولى منزلة التأكيد اللفظي4 من متبوعه في إفادة التقرير مع اتحاد المعنى، كقوله تعالى:{الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ 5} ، فإن هدى للمتقين معناه أنه في الهداية بالغ درجة لا يدرك كنهها حتى كأنه هداية محضة6،

1 أعني قوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ} .

2 الجيم مثلثة في "جزافا"، أي من غير صدور عن روية وبصيرة.

3 على لفظ المبني للمفعول والمرفوع المستتر عائد إلى {لا رَيْبَ فِيهِ} والمنصوب البارز إلى ذلك الكتاب، أي جعل {لا رَيْبَ فِيهِ} تابعًا لـ {ذَلِكَ الْكِتَابُ} وقوله:"نفيا لذلك" أي لذلك التوهم. ودفع هذا التوهم على تقدير كون الضمير في {لا رَيْبَ فِيهِ} عائدًا على ذلك الكتاب ظاهر أما إذا كان الضمير راجعًا للكتاب كما هو الظاهر فمبني على أنه إذا لم يكن ريب في غاية كما له لم يكن {ذَلِكَ الْكِتَابُ} بالمجازفة.

4 بأن يختلف مضمون الجملتين ولكن يلزم من تقرر معنى أحدهما تقرر معنى الأخرى.

5 خبر مبتدأ محذوف أي هو هدى - والمتقين مجاز مرسل علاقته ما يؤول إليه أي للضالين الصائرين إلى التقوى.

6 وذلك لما في تنكير هدى من الإبهام والتفخيم، وحيث قيل هدى، ولم يقل "هاد".

ص: 109

وهذا معنى قوله: {ذَلِكَ الْكِتَاب 1} ؛ لأن معناه كما مر الكتاب الكامل، والمراد بكماله كما له في الهداية؛ لأن الكتب السماوية بحسبها تتفاوت في درجات الكمال2 وكذا قوله تعالى3:{سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُون} ، فإن معنى قوله:{لا يُؤْمِنُون} معنى ما قبله، وكذا ما بعده4 تأكيد ثان؛ لأن عدم التفاوت بين الإنذار وعدمه لا يصح إلا في حق من ليس له قلب يخلص إليه حق، وسمع تدرك به حجة، وبصر تثبت به عبرة. ويجوز أن يكون {لا يُؤْمِنُون} خبرًا؛ لأن، فالجملة قبلها اعتراض.

الثاني: أن تكون الثانية بدلًا من5 الأولى، والمقتضى للإبدال

1 أي معناه المقصود لا المعنى المطابق الذي وضع له اللفظ.

2 فهل مثل زيد الثاني في جاءني زيد زيد لكون مقررًا لذلك الكتاب مع اتفاقهما في المعنى المراد منهما بخلاف لا ريب فيه فإنه يخالفه معنى فالجملتان في التوكيد اللفظي متحدتان معنى والثانية لدفع توهم غلط ونسيان؛ لأن اللفظي لدفع ذلك والمعنوي لدفع توهم التجوز، وقيل كل منهما لدفع توهم الغلط والنسيان ولدفع توهم التجوز، والاصطلاح على الأول.

3 راجع 117 من المفتاح، 175 من الدلائل.

4 وهو "ختم الله على قلوبهم".

ملاحظة: وجه منع العطف في التأكيد كون التأكيد مع المؤكد كالشيء الواحد. والتأكيد اللفظي قد علم أن ليس المراد منه التكرير إذ لم يتعرضوا له؛ لأنه لا يتوهم فيه صحة العطف.

5 أي بدل بعض أو اشتمال، لا بدل غلط إذ لا يقع في فصيح الكلام، ولا بد كل إذ هو غير معتبر عند المصنف، وقيل هو من كما ل الاتصال أيضًا ومثلوا له بقولهم: قنعنا بالأسودين، قنعنا بالتمر والماء" ولم يقتصر على البدل دون المبدل منه للاعتناء بشأن النسبة وقصدها مرتين والبدل وإن كان فيه بيان إلا أن البيان فيه غير مقصود بالذات بل المقصود تقرير النسبة فهذا هو الفرق. ووجه عدم العطف في بدل البعض أو الاشتمال أن المبدل منه في نية الطرح من القصد الذاتي.

ص: 110

كون الأولى غير وافية بتمام المراد1 بخلاف الثانية2 والمقام يقتضى اعتناء بشأنه3 لنكتة ككونه4 مطلوبًا في نفسه5 أو فظيعًا6 أو عجيبًا7 أو لطيفًا8.

وهو ضربان:

أحدهما: أن تنزل الثانية من الأول منزلة بدل البعض9 من متبوعه، كقوله تعالى:{أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} ، فإنه مسوق للتنبيه على نعم الله تعالى عند المخاطبين10 وقوله:{أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَام وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} ، أو فى بتأديته11 مما قبله.

1 أي أو كغير الوافية لكونها مجملة أو خفية الدلالة وقيل غير الوافية في بدلي البعض والاشتمال والتي كغير الوافية في بدل الكل بناء على اعتباره. هذا على مذهب غير المصنف، ويمكن جعل قولنا "أو كغير الوافية" للتوزيع الاعتباري فتكون الأمثلة المذكورة غير وافية باعتبار ووافية تشبه غير الوافية باعتبار آخر.

2 فإنها وافية كما ل الوفاء.

3 أي شأن المراد -وقوله "لنكتة" لا داعي له؛ لأن النكتة نفس المقام.

4 أي المراد.

5 كما في الآية الكريمة: {أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ..} إلخ.

6 فيؤتى به للتوبيخ مثل أن يقال للص يصلي: لا تجمع بين الأمرين لا تسرق وتصلي، بناء على ورود بدل الكل.

7 فيؤتى به لإعجاب المخاطب قصدًا لبيان غرابته مثل: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ، قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} .

8 أي طريفًا مستحسنًا فيؤتى به لطرافته مثل: محمد جمع بين أمرين، جمع بين عراقة المحتد ونبل النفس.

9 أي في المفرد وإلا فهي بدل حقيقة.

10 والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لكونه مطلوبًا في نفسه وذريعة إلى غيره وهو التقوي.

11 أي بتأدية المراد الذي هو التنبيه على نعم الله تعالى. وقوله: لدلالته عليها أي لدلالة الثاني على نعم الله.

ص: 111

لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم من كونهم معاندين، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون ويحتمل الاستئناف.

وثانيهما 1:

أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال من متبوعه كقوله تعالى: {اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، فإن المراد هو حمل المخاطبين على إتباع الرسل، وقوله تعالى:{اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} ، أو فى بتأدية ذلك؛ لأن معناه لا تخسرون معهم شيئًا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة، وقول الشاعر:

أقول له ارحل لا تقيمن عندنا

وإلا فكن في السر والجهر مسلمًا

فإن المراد به2 كما ل إظهار الكرامة لاقامته3 بسبب خلاف سره العلن وقوله: "لا تقيمن عندنا" أو فى بتأديته لدلالته4 عليه بالمطابقة مع التأكيد5، بخلاف "ارحل" ووازن الثانية من كل

1 راجع 116 من المفتاح، 187 من الدلائل.

2 أي بقوله "ارحل".

2 أي المخاطب.

4 أي لدلالة لا تقيمن عندنا -وقوله عليه أي على كما ل إظهار الكراهة.

5 أي بالنون. وكونها مطابقة باعتبار الوضع العرفي حيث يقال "لا تقم عندي" ولا يقصد كفه عن الإقامة بل مجرد إظهار كرا هة حضوره فالحاصل أن الغرض من ارحل ولا تقيمن إظهار كما ل الكراهة والدليل على ذلك في ارحل الاستعمال الغالب مع قوله "وإلا فكن"، وفي "لا تقيمن" الاستعمال العرفي دائمًا مع زيادة النون وقوله "وإلا فكن" ولما كانت دلالة لا تقيمن أو فى وهو ليس مدلول "أرحل" ولا نفسه بل ملابسه لملازمة بينهما صار بدل اشتمال.

ص: 112

واحد من الآية والبيت وازن حسنها في قولك: "أعجبتني الدار حسنها"؛ لأن معناها مغاير لمعنى ما قبلها1 وغير داخل فيه2 مع ما بينهما3 من الملابسة.

الثالث: أن تكون الثانية بيانًا للأولى4 وذلك بأن تنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، والمقتضى للتبيين أن يكون في الأولى نوع خفاء مع اقتضاء المقام إزالته كقوله تعالى:{فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَان قَال يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى} ، فصل جملة قال: عما قبلها لكونها تفسيرًا له وتبينًا، ووازنه وازن عمر في قوله:

أقسم بالله أبو حفص عمر

ما مسها من نقب ولا دبر5

1 يخرج به التوكيد اللفظي؛ لأنه غير مغاير والمعنوي أيضًا؛ لأن المفهومين فيه وإن تغايرا لكن مغايرة قريبة.

2 فلا يكون بدل بعض. وهذا ظاهر بناء على أن الأمر بالشيء لا يتضمن النهي عن ضده وأما على رأي من يذهب إلى نقيضه بمعنى أن النهي عن ضده جزؤه فيكون "لا تقيمن عندنا" في حكم بدل البعض.

3 أي ما بين عدم الإقامة والارتحال من الملابسة اللزومية فيكون بدل اشتمال ولا يخفى أن الجملة الأولى "ارحل" لها محل من الإعراب فيكون النظر إلى المحكي لا إلى الحكاية. وإنما قال في مثالي بدل البعض والاشتمال أن الثانية أو فى؛ لأن الأولى وافية مع ضرب من القصور باعتبار الإجمالي في المثال الأول وعدم مطابقة الدلالة في المثال الثاني فصارت كغير الوافية، والأولى جعل غير الوافية بالنسبة لبدل الكل بناء على اعتباره وذلك؛ لأنا لوحملناها على بدل البعض والاشتمال فقط لكان فيهما ما هي غير وافية أصلًا وهو لا يكاد يوجد.

4 الفرق بين البيان والبدل مع أن في كل منهما خفاء أن المقصود في البدل الثانية وفي البيان الأولى والثانية توضيح لها.

5 هو لأعرابي. النقب: ضعف في أسفل الخف في الإبل: الدبر: جراحة الظهر.

ص: 113

وأما قوله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيم} ، فيحتمل التبيين والتأكيد: أما التبيين؛ فلأنه يمتنع أن يخرج من جنس البشر ولا يدخل في جنس آخر فإثبات الملكية له تبيين لذلك الجنس وتعيين، وأما التأكيد؛ فلأنه إذا كان ملكًا لم يكن بشرًا؛ ولأنه إذا قيل في العرف لإنسان ما هذا بشر حال تعظيم له وتعجب ما يشاهد منه من حسن حلق أو خلق كان الغرض أنه ملك بطريق الكناية. فإن قيل هلا نزلتم الثانية منزلة بدل الكل من متبوعه في بعض الصور، ومنزلة النعت من متبوعه في بعض قلنا،1؛ لأن بدل الكل لا ينفصل عن التأكيد إلا بأن، لفظه غير لفظ متبوعه وأنه مقصود بالنسبة دون متبوعه بخلاف التأكيد، والنعت لا يفصل عن عطف البيان2، إلا بأنه يدل على بعض أحوال متبوعه لا عليه، وعطف البيان بالعكس3 وهذه كلها اعتبارات لا يتحقق شيء منها فيما نحن بصدده4.

1 منع السعد تنزيل الجملة الثانية من الأولى منزلة بدل الكل من الكل في الجمل مطلقًا لها محل من الإعراب أم لا: ومنعه السيد في الجمل التي لا محل لها وأجاز قوم وقوعه في الجمل مطلقًا ونزلوا استئناف حكم الجملة التي لا محل لها منزلة نقل الحكم إلى مضمون الثانية.

2 راجع 52 جـ3 السبكي.

3 فهو يدل على ذات المتبوع لا على وصف فيه.

4 أي من الجمل التي لا محل لها. ووجه عدم تحقق شيء منها في الجمل بالنسبة للنعت ولعطف البيان أن الجملة إنما تدل على النسبة ولا يتأتى أن تكون نسبة في جملة دالة على وصف شيء في جملة أخرى فلم تنزل الثانية من الأولى منزلة النعت من المنعوت وقد تكون النسبة في جملة موضحة لنسبة في جملة أخرى فصح أن تنزل الثانية من الأولى منزلة عطف البيان من المبين. وبالنسبة لبدل الكل والتأكيد أن البدل يقصد فيه نقل النسبة إلى مضمون الجملة الثانية دون التأكيد وهذا المعنى لا يتحقق في الجمل التي لا محل لها؛ لأنه لا نسبة بين الأولى منها وبين شيء أخر حتى ينتقل إلى الثانية وتجعل بدلًا من الأولى وإنما يقصد في تلك الجملة استئناف إثباتها وبعضهم اعتبره في الجمل التي لا محل لها من الإعراب كما قلنا سابقًا ونزل قصد استئنافها منزلة نقل النسبة فجعل بدل الكل من كما ل الاتصال ومثل له بقوله: قنعنا بالأسودين قنعنا بالتمر والماء. =

ص: 114

........................................................................

= فالخلاصة: أن بدل الكل لا يتميز عن التأكيد اللفظي في المفردات إلا بمغايرة اللفظين في البدل وأما في التوكيد اللفظي فلا يجب فيه المغايرة -وكون المقصود من البدل هو الثاني بنقل نسبة العامل إليه. وهذا لا يتحقق في الجمل لا سيما التي لا محل من الإعراب؛ لأن التوكيد اللفظي في الجمل فيه المغايرة بين اللفظين دائمًا وكل من الجمل مستقل فيكون مقصودًا فلو جرى بدل الكل في الجمل لما تميز عن التوكيد فأغنى التوكيد في الجمل عنه ولكن بعضهم جوز كما قلنا بدل الكل في الجمل مطلقًا لها محل أو لًا -ونزل استئناف حكم الجملة منزلة نقل الحكم إلى مضمون الثانية.

وإذا كانت الجمل التي لا محل لها من الإعراب لا يتصور فيها أن تكون الثانية هي المقصودة بالنسبة إذ لا نسبة هناك بين الأولى وشيء آخر حتى تنقل للثانية وتجعل الثانية بدلًا من تلك الأولى، فهي أبعد من الجمل التي لها محل من الإعراب عن تصور وجود بدل الكل فيها.

ملاحظات:

1-

يكون التأكيد المعنوي بين الجملتين باختلاف المعنى الوضعي والمراد المقصود منهما مع إفادة التقرير.

ويكون التأكيد اللفظي بين الجملتين باختلاف المعنى الوضعي واتحاد المعنى المقصود منهما مع إفادة التقرير.

ويكون بدل البعض بين الجملتين يكون مدلول الثانية بعض مدلول الأولى مع كون الثانية أو فى بتأدية المراد من الأولى ويكون بدل الاشتمال بين الجملتين يكون مدلول الثانية مستلزمًا لمدلول الأولى مع كون الثانية أو فى بتأدية المراد من الأولى ويكون عطف البيان باتحاد معنى الجملتين مع وجود خفاء في الأولى تزيله الثانية.

2-

التوكيد اللفظي عند البلاغين يشمل الجمل المكررة فهو عندهم قسمان: الأول من اتحد المعنى الوضعي فيه في الجملتين. والثاني ما كان فيه اتحاد معنى غير وضعي مقصود كذلك من الجملتين وقد سبق أن القسم الأول مثل: {فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} لا يعتبره جمهور البلاغيين من التأكيد اللفظي بل من التكرير وأن اعتبره النحويين توكيدًا لفظيًّا -أما التأكيد المعنوي في الجمل فيعتمد اختلاف المعنى المقصود من الجملتين مع تلازم المعنيين.

ص: 115

...........................................................................

ويرجح الشيخ نوار جعل التكرير توكيدًا لفظيًّا وسواه توكيدًا معنويًّا.

وسر التوكيد في الجمل:

1-

تقرير مضمون الأولى وبيان أنه واقع أو سيقع.

2-

دفع توهم المبالغة في الجملة الأولى.

3-

الفرق بين التأكيد وبدل الاشتمال في الجملة أن الجملة المؤكدة تدل على ما تدل عليه الأولى بدون أن تلاحظ فيها خصوصية بها تكون أو فى دلالة على المقصود من الأولى سواء أو جدت تلك الخصوصية أم لا. أما بدل الاشتمال فجملة تدل على ما تدل عليه جملة سبقتها ولوحظت فيها خصوصية بها تكون أو فى دلالة على المقصود من الأولى.

4-

بدل البعض واضح والفرق بينه وبين ذكر الخاص بعد العام أن العموم في المبدل منه مراد منه الخصوص بعده وأما العموم في ذكر الخاص بعد العام فباق على حاله.

هذا وبدل البعض في الجمل يعتمد أمرين: أن يكون مدلول الثانية بعض مدلول الأولى -وأن تكون في الثانية فائدة ليست في الأولى، وليس يلازم أن تكون الثانية أو فى بالغرض من الأولى كما في بدل الاشتمال.

5-

عطف البيان يعتمد أمرين: اتحاد المعنى في المعطوف والمعطوف عليه -إيهام في الأولى تزيل الثانية وتوضحه.

6-

سبق أن قلنا أن عطف الإنشاء على الخبر وعكسه صحيح إذا كان للأولى محل من الإعراب وإن لم يكن للأولى محل للإعراب فالبلاغيون يمنعونه والنحويون يجيزونه والتحقيق الجواز.

7-

قد تعطف القصة على القصة وهو واضح وذلك أن تعطف مضمون كلام على مضمون كلام آخر إذا وجدت مناسبة بين هذين المضمونين وإن لم توجد تلك المناسبة بين جزاء الكلامين: فإذا لم تجد معطوفًا عليه صريحًا يناسب المعطوف فلك اعتبار العطف بين مضموني الكلامين أو تقدير معطوف عليه مناسب للمعطوف أو تقدير قول كذلك.

ص: 116

شبه كما ل انقطاع:

وأما كون الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى:

فلكون عطفها عليها1 موهمًا لعطفها على غيرها2. ويسمى الفصل لذلك قطعًا، مثاله قول الشاعر:

وتظن سلمى أنني أبغي بها

بدلًا أراها في الضلال تهيم3

1 أي عطف الثانية على الأولى.

2 أي مما ليس بمقصود العطف عليه لأداء العطف عليه إلى الخلل في المعنى وشبه هذا بكمال الانقطاع با عتبار اشتماله على مانع من العطف هو إيهام خلاف المقصود وإن كان فيه مصحح للعطف وهو التغاير الكلي أما كما ل الاتصال ففيه مانع من العطف مع أن المصحح فيه منتف لعدم التغاير الكلي بين الجملتين.

هذا والمانع من العطف في كما ل الانقطاع لما كان خارجًا عن ذات الجملتين يمكن دفعه بنصب قرينة لم يجعل هذا من كما ل الانقطاع أما المانع في كما ل الانقطاع فهو ذاتي لا يمكن دفعه أصلًا وهو اختلاف الجملتين خبرية وإنشاء أو؛ لأنه لا جامع بينهما.

3 "أرى" مبني للمفعول والضمير المستتر فيه مفعول أو ل والهاء مفعول ثان وجملة تهيم مفعول ثالث.

فبين الجملتين "أرى وتظن" مناسبة ظاهرة: لاتحاد المسندين؛ لأن معنى "أراها" أظنها، وكون المسند إليه في الجملة الأولى محبوبًا وفي الجملة الثانية محبا، فالجامع بين المسند إليهما في الجملتين ما بينهما من شبه التضايف لكنه ترك العطف بين الجملتين لئلا يتوهم أن الجملة الثانية عطف على "أبغي" فيكون من مظنونات سلمي وهو غير مراد، وما قيل من أن التوهم بعد القطع باق لجواز أن يكون "أراها" خبرًا؛ لأن أو حالًا أو بدلًا من "أبغي" ففي كل من الفصل والوصل إيهام خلاف المقصود. فجوابه أن الأصل في الجمل الاستقلال ولا يصار إلى كونها في حكم المفرد إلا إذا دل على ذلك دليل، على أن عبد القاهر نص على أن ترك العطف بين الجمل الواقعة أخبار لا يجوز.

ص: 117

لم يعطف "أراها" على "تظن" لئلا يتوهم السامع أنه معطوف على "أبغي" لقربه منه مع أنه ليس بمراد. ويحتمل الاستئناف1.

وقسم السكاكي القطع إلى قسمين:

أحدهما: القطع للاحتياط وهو ما لم يكن لمانع من العطف كما في هذا البيت.

والثاني: القطع للوجوب، وهو ما كان لمانع، ومثله بقوله تعالى:{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم} قال: لأنه لو عطف لعطف إما على جملة {قَاْلُوْا} وإما على جملة: {إِنَّاْ مَعَكُمْ} ، وكلاهما لا يصح لما مر2 وكذا قوله:{أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء} .

وفيه نظر: لجواز أن يكون المقطوع في المواضع الثلاثة معطوفًا على الجملة المصدرة بالظرف وهذا القسم لم يبين امتناعه.

1 أي يحتمل أن يكون "أراها" جملة مستأنفة كأنه قيل: كيف تراها في هذا الظن؟ فقال: أراها خاطئة فيه تتحير في أو دية الضلال، وعلى هذا فيكون من شبه كما ل الاتصال والبيت في المفتاح ص114.

هذا ومثل هذا البيت قول الشاعر:

يقولون أنى أحمل الضيم عندهم

أعوذ بربي أن يضام نظيري

لم تعطف جملة أعوذ على "يقولون" لئلا يتوهم أنها معطوف على جملة "أحمل الضيم".

فشبه كما ل الانقطاع إذا أن يكون العطف على جملة صحيحًا ومعقولًا إلا أنه معه احتمال عطف غير مقصود على جملة أخرى فيترك العطف بتاتًا دفعًا لهذا الاحتمال.

2 أجاز المطول عطفه على جملة "إذا" الشرطية ولكن منع من العطف توهم عطفه على جملة "قالوا" أو جملة أنا معكم وكلاهما فاسد كما مر. ثم قال المطول: فظهر أن قطعه أيضًا للاحتياط كما في هذا البيت، لا للوجوب كما زعم السكاكي، ورد السبكي على رأي السكاكي "52 جـ2 شروح التلخيص".

ص: 118

شبه كما ل الاتصال 1:

وأما كونها2 بمنزلة المتصلة بما3 فلكونها جوابًا عن سؤاله اقتضته الأولى4، فتنزل منزلته5 فتفصل الثانية عنها6، كما يفصل الجواب عن السؤال7 وقال السكاكي8، فينزل ذلك9 منزلة الواقع10 ثم قالوا تنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليه إلا لجهات11 لطيفة، أما لتنبيه السامع على موقعه، أو لإغنائه أن يسأل12 أو لئلا يسمع منه شيء13، أو لئلا ينقطع كلامك بكلامه،

1 راجع 110 من المفتاح، 181-187 من الدلائل.

2 أي الجملة الثانية.

3 أي بالجملة الأولى.

4 لكونها مجملة في نفسها باعتبار الصحة أو لكونها مجملة السبب.

5 أي فتنزل الجملة الأولى منزلة السؤال لكونها مشتملة عليه ومقتضية له.

6 أي عن الجملة الأولى.

7 لما بينهما من الاتصال الذاتي، أي كما ل الاتصال أو شبه كما ل الاتصال. وقيل لما بينهما من كما ل الانقطاع إذ السؤال إنشاء والجواب خبر. وقيل إن صورة الجواب والسؤال داخله في صورة البيان.

8 110 من المفتاح.

9 أي منزلة السؤال الواقع ويطلب بالكلام الثاني وقوعه جوابًا.

10 أي السؤال الذي تقتضيه الجملة الأولى وتدل عليه الفحوى. له فيقطع عن الكلام الأول لذلك.

فمذهب المصنف أن الجملة الأولى منزلة منزلة السؤال المقدر، ومذهب السكاكي أن السؤال المقدر ينزل منزلة الواقع والذي تعلق به التنزيل عنده إنما هو السؤال المقدر الذي اقتضته الجملة الأولى فينزل منزلة السؤال الواقع، فالجملة الثانية جواب للجملة الأولى عند المصنف وللسؤال المقدر عند السكاكي.

11 أي لنكته وكذلك التنزيل أيضًا لا يكون إلا لنكتة عند المصنف.

12 تعظيمًا له أو شفقة عليه.

13 أي تحقير للسامع وكراهة لكلامه.

ص: 119

أو للقصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو تقدير السؤال وترك العاطف، أو لغير ذلك مما ينخرط في هذا السلك1. ويسمى الفصل لذلك2 استئنافًا، وكذا الجملة الثانية أيضًا تسمى استئنافًا3.

والاستئناف4 ثلاثة أضرب: لأن السؤال الذي تضمنته الجملة5 الأولى:

"1-" إما عن سبب الحكم فيها مطلقًا 6، كقوله:

1 مثل التنبيه على فطانة السامع أو على بلادته.

هذا وليس في كلام السكاكي دلالة على أن الجملة الأولى تنزل منزلة السؤال المقدر فكان المصنف نظر إلى أن قطع الثانية عن الأولى مثل قطع الجواب عن السؤال إنما يكون على تقدير تنزيل الأولى منزلة السؤال وتشبيهها به، لا على تنزيل السؤال المقدر منزلة الواقع كما ذهب إليه السكاكي.

وقيل إن مذهبيهما مآله واحد والاختلاف في التعبير، والتلازم حاصل في الكل.

ومذهب السكاكي على أي حال أو ضح إذ لا حاجة إلى تنزيل الأولى منزلة السؤال، بل مجرد كون الأولى منشأ للسؤال كاف في ذلك، كما أشار إليه صاحب الكشاف حيث قال في قوله تعالى:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} بعد قوله: {هُدىً لِلْمُتَّقِينَ} أن سبيله الاستئناف وأنه مبني على تقدير السؤال.

2 أي لكونه جوابًا لسؤال اقتضته الأولى.

3 وتسمى مستأنفة أيضًا.

4 سواء أريد به فصل الجملة الثانية أو الجملة الثانية نفسها.

5 أي على رأيه، أو السؤال المقدر على رأي السكاكي.

6 أي حال كون السبب مطلقًا أي لم ينظر فيه لتصور سبب معين، بل لمطلق سبب لكون السامع يجهل السبب من أصله بأن يكون التصديق لوجود السبب حاصلًا للسائل والمطلوب بالسؤال حقيقة السبب، ولذا يسأل عنه بما طلبا لشرح ماهيته، واسمية الجملة في الجواب ليست مؤكدًا حتى يكون السؤال عن السبب الخاص، وسبب عدم كونها مؤكدًا أنه لم ينضم إليه مؤكدًا آخر.

ص: 120

قال لي: كيف أنت؟ قلت عليل

سهر دائم وحزن طويل1

أي ما بالك عليلًا أو ما سبب علتك2، وقوله3.

وقد غرضت من الدنيا فهل زمني

معط حياتي لغر بعد ما غرضا

جريت دهري وأهليه فما تركت

لي التجارب في ود أمري غرضا

أي لم تقول هذا ويحك، وما الذي اقتضاك أن تطوي عن الحيا ة إلى هذا الحد كشحك.

2-

وإما عن سبب خاص له4، كقوله تعالى:{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} ، كأنه قيل: هل النفس أما رة بالسوء5؟ فقيل: إن النفس لأمارة بالسوء6. وهذا الضرب.

1 البيت قد سبق في حذف المسند إليه. وهو في الدلائل ص184.

2 بقرينة العرف والعادة؛ لأنه إذا قيل فلان مريض فإنما يسأل عن مرضه وسببه، لا أن يقال هل سبب علته كذا وكذا لا سيما السهر والحزن حتى يكون السؤال عن السبب الخاص الكائن في الجملة الأولى.

3 البيتان للمعري: غرض: ضجر. الغر: الغافل. الأولى فعل ماض وألفها زائدة للروي و"غرضا" الثانية بمعنى حاجة. والأبيات في المفتاح ص115.

4 أي لهذا الحكم الكائن في الجملة الأولى. بمعنى أنه تصور نفي جميع الأسباب إلا سببًا خاصًّا تردد في حصوله ونفيه فسأل عنه.

5 أي هل هذا سبب التبرئة -فالسائل يسأل عن البيت الخاص هل هو حاصل أو غير حاصل فيكون المقام مقام تردد في ثبوته، ولذا يؤتى بالجواب مؤكدًا.

6 بقرينة التأكيد، فالسؤال عن السبب الخاص بهذه القرينة، فالتأكيد دليل على أن السؤال عن السبب الخاص فإن الجواب عن مطلق السبب لا يؤكد.

ص: 121

يقتضي تأكيد الحكم1 كما مر في باب أحوال الإسناد2 وأما عن غيرهما3 كقوله تعالى4: {فَقَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ} ، كأنه قيل: فماذا قال إبراهيم عليه السلام فقيل: قال سلام، ومنه قول الشاعر:

زعم العواذل أنني في غمرة

صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي5

فإنه لما أبدي الشكاية من جماعات العذال، كان ذلك مما يحرك السامع ليسأل أصدقوا في ذاك أم كذبوا؟ فأخرج الكلام مخرجه إذا كان ذلك قد قيل له، ففصل. ومثل قول جندب بن عمار6:

1 أي الجواب الذي هو في الجملة الثانية؛ لأن السائل متردد في هذا السبب الخاص هل هو سبب الحكم أم لا.

2 أي من أن المخاطب إذ كان طالبًا مترددًا أو نزل منزلة الطلب المتردد حسن تقوية الحكم له بمؤكد. ولا يخفى أن المراد الاقتضاء استحسانًا لا وجوبًا والمستحسن في باب البلاغة بمنزلة الواجب.

3 أي غير السبب المطلق والخاص بأن ينبههم عليه شيء مما يتعلق بالجملة الأولى إما عام كالآية أو خاص كالبيت.

4 راجع الكلام على الآية الكريمة في الدلائل ص185.

5 العواذل جمع عاذلة بمعنى جماعة عاذلة الغمرة: الشدة، تنجلي: تنكشف. والبيت في الدلائل ص172، وفي المفتاح ص114.

والشاهد في البيت فصل صدقوا عما قبلها؛ لأنها جواب لسؤال اقتضه الجملة قبلها وهذا السؤال ليس عن سبب مطلق أو خاص بل عن غيرهما.

6 راجع البيتين في الحماسة ص18 ج1 شرح الرافعي، ص115 من المفتاح و182 من الدلائل.

خبت اسم موضع عريت: أزيل عنها رحلها. أجمعت تركت فلم تركب، وكلاهما كناية عن قعوده بهذا المكان دون غرضه. والقادسية مدينة بالعراق. لج: جد في السير. ذلت: انقادت له.

والشاهد فصل البيت الثاني عما قبله؛ لأنه جواب عن سؤال تضمنه ما قبله. وهذا السؤال عن غير السبب المطلق والخاص.

ص: 122

زعم العواذل أن ناقة جندب

بجنوب خبت عريت وأجمت

كذب العواذل، لو رأين مناخنا

بالقادسية قلن: لج وذلت

وقد زاد هنا أمر الاستئناف تأكيدًا بأن وضع الظاهر موضع المضمر1 من حيث وضعه وضعًا لا يحتاج فيه إلى ما قبله، وأتي به مأتى ما ليس قبله كلام ومن الأمثلة قول الوليد2:

عرفت المنزل الخالي

عفا من بعد أحوال

عفاه كل حنان

عسوف الويل هطال3

فإنه لما قال عفا، وكان العفاء مما لا يحصل للمنزل بنفسه، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل، ومثله قول أبي الطيب4:

وما عفت الرياح له محلًّا

عفاه من حدا بهم وساقا

فإنه لما نفي الفعل الموجود عن الرياح، كان مظنة أن يسأل عن الفاعل وأيضًا من الاستئناف ما يأتي بإعادة اسم ما استؤنف عنه5 كقوله:"أحسنت إلى زيد. زيد حقيق بالإحسان6".

1 حيث قال: كذب العواذل ولم يقل "كذبوا".

2 الوليد بن يزيد. والبيتان في المفتاح ص115، وفي الدلائل ص184.

3 عفا: درس. الحنان: السحاب. عسوف الوبل: شديد المطر.

4 البيت والكلام عليه في الدلائل ص184 والمفتاح ص115.

عفا: محا، من حدابهم وساقا، أي من غنى الإبل التي سارت بهم وساقا،

5 أي وقع الاستئناف عنه وأصل الكلام. ما استؤنف عنه الحدث فحذف المفعول ونزل الفعل منزلة اللازم.

6 بإعادة اسم "زيد" والسؤال المقدر هنا هو: لماذا أحسن إليه.

ص: 123

ومنه ما يبنى على صفته1 كقولك "أحسنت إلى زيد"، صديقك القديم أهل لذلك7. وهذا أبلغ لانطوائه على بيان السبب3.

وقد يحذف صدر الاستئناف4 لقيام قرينة، كقوله تعالى:{يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَال} ، فيمن قرأ "يسبح" مبنيا للمفعول5، وعليه نحو قولهم:"نعم الرجل أو رجلًا زيد، وبئس الرجل أو رجلًا عمرو"، على القول بأن المخصوص خبر مبتدأ محذوف، أي هو زيد6 كأنه لما قيل ذلك فأيهم الفاعل بجعله معهودًا ذهنيًّا مظهرًا أو مضمرًا، سئل عن تفسيره، فقيل: هو زيد ثم حذف المبتدأ.

1 أي صفة ما استؤنف عنه دون اسمه والمراد بالصفة صفة تصلح لترتيب الحديث عليه.

2 والسؤال المقدر هنا "هل هو حقيق بالإحسان".

3 أي أن الاستئناف المبني على الصفة أبلغ لاشتماله على بيان السبب الموجب للحكم كالصداقة القديمة في المثال المذكور، لما يسبق إلى الفهم من ترتيب الحكم على الأمر الصالح للعلية أنه علة له، وقد اعترض على الأبلغية العلة بما ذكر بأن السؤال إن كان عن السبب فالجواب يشتمل على بيانه لا محالة سواء كان بإعادة الاسم أو الصفة، وإلا فلا وجه لاشتماله عليه كما في قوله "زعم العوازل إلخ" سواء كان بإعادة الاسم أو الصفة، والجواب أن السؤال عن سبب الحكم قد يكون بإعادة الاسم وقد يكون بإعادة الصفة وليس يجري هذا في سائر صور الاستئناف، ويرد على هذا أن الحكم الذي معنا هو إحسان المخاطب لزيد وليس السؤال هنا عن سببه بل عن استحقاقه للحكم.

4 راجع ص97 من المفتاح، وقد سبق ذلك مفصلًا في حذف المسند، وقوله الاستئناف أي الجملة الاستئنافيه، ولا مفهوم للصدر بل العجز كذلك كما في نعم الرجل زيد على أن زيد مبتدأ خبره محذوف وحذف الصدر سواء كان الصدر اسمًا أو فعلًا.

5 كأنه قال فمن يسبحه؟ فقيل: رجال، أن يسبحه رجال.

6 ويجعل الجملة استئنافًا جوابًا للسؤال عن تفسير الفاعل المبهم.

ص: 124

وقد يذدف الاستئناف كله، ويقام ما يدل عليه مقامه كقول الحماسي1:

زعمتم أن أخوتكم قريش

له ألف وليس لهم آلاف

حذف الجواب الذي هو كذبتم في زعمكم، وأقام قوله "لهم ألف وليس لكم آلاف" مقامه، لدلالته عليه، ويجوز أن يقدر قوله:"لهم ألف وليس لكم آلاف" جوابًا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف كأنه لما قال المتكلم كذبتم، قالوا لم كذبنا؟ فقال: لهم ألف وليس لكم آلاف، فيكون في البيت استئنافان.

وقد يحذف ولا يقام شيء مقامه1 كقوله تعالى: {نِعْمَ الْعَبْدُ} أي أيوب أو هو، لدلالة ما قبل الآية وما بعدها عليه، ونحوه قوله:{فَنِعْمَ الْمَاْهِدُوْن} . أي نحن3.

1 هو مساور بن هند يهجو بني أسد "راجع 178 جـ2 شرح الحماسة للرافعي". ألف: أي إيلاف في الرحلتين المعروفتين لهم في التجارة: رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام. آلاف أي مؤالفة في الرحلتين المعروفتين.

كأنه قيل اصدقنا في هذا الزعم لم كذبنا، فقيل: كذبتم. وحذف هذا الاستئناف كله وأقيم قوله: لهم ألف وليس لكم آلاف مقامه لدلالته عليه.

ويجوز أن يكون لهم ألف جوابًا لسؤال اقتضاه الجواب المحذوف أي كذبتم؛ لأنهم لهم ألف إلخ.

هذا والبيت في الدلائل ص183، وفي المفتاح ص114.

2 أي اكتفاء بالقرينة.

3 على قوله من يجعل المخصوص خبر المبتدأ أي هم نحن.

ص: 125