المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌التحقيق: ومجال آخر في البحوث وهو التحقيقات لمخطوطات من كتب التراث - البحث الأدبي بين النظر والتطبيق

[علي علي صبح]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات

- ‌مقدمة الطبعة الأولى

- ‌مقدمة الطبعة الثانية:

- ‌الفصل الأول: البحث

- ‌مدخل

- ‌مادة البحث:

- ‌الأسس التي ينبغي تواجدها عند الباحث:

- ‌أغراض البحث:

- ‌الفرق بين الكتاب والرسالة والمقالة والتقرير والتلخيص والتحقيق

- ‌مدخل

- ‌الكتاب:

- ‌الرسائل الجامعة والبحث العلمي:

- ‌المقالة:

- ‌التقرير:

- ‌التلخيص:

- ‌التحقيق:

- ‌الفصل الثاني: اختيار موضوع البحث الأدبي

- ‌استقراء الموضوعات السابقة

- ‌التجاوب الفكري والنفسي مع الموضوع المختار:

- ‌موقف المشرف على البحث:

- ‌بين العنوان والخطة والمنهج:

- ‌الفصل الثالث: القراءة والاطلاع

- ‌بين المصادر والمراجع والدوريات:

- ‌استقصاء كل المصادر والمراجع والدوريات التي تناولت البحث:

- ‌القراءة الشاملة للأصول وتحديد ما يتصل بالموضوع مباشرة:

- ‌الفصل الرابع: مادة البحث وعناصره

- ‌قراءة الموضوعات الوثيقة الصلة بالبحث:

- ‌جمع الأفكار والنصوص الأساسية:

- ‌الفصل الخامس: الصياغة

- ‌مدخل

- ‌التزام القواعد:

- ‌أصالة الترقيم: بين دعوى المستشرقين.. وعراقة التراث العربي القديم:

- ‌الفصل السادس: ثبت البحث "الفهارس

- ‌خاتمة الكتاب:

- ‌المصادر والمراجع:

- ‌ثبت الموضوعات "الفهرست

الفصل: ‌ ‌التحقيق: ومجال آخر في البحوث وهو التحقيقات لمخطوطات من كتب التراث

‌التحقيق:

ومجال آخر في البحوث وهو التحقيقات لمخطوطات من كتب التراث العربي لإخراجها في مجال البحث والدراسة، وتيسر الاطلاع عليها بالتوضيح والطبع والنشر، وذلك في عمل شاق وجاد يحتاج إلى جهد كبير ودقة علمية في تحرير النصوص المخطوطة وتوثيقها في أمانة وتحقيق.

فالأصول الأولى التي يتناولها الباحث في بحثه، ينبغي أن تكون صحيحة في نسبتها إلى صاحبها وفي متنها موثقة برواة ثقاة اشتهروا في التراث بالنزاهة والصدق والدقة والتحري، أمثال الأصمعي البصري، والمفضل الكوفي، وابن سلام الجمحي، وابن الأعرابي، وغيرهم، كما ينبغي أن يعرف الباحث الرواة الذين اهتزت فيهم هذه الثقة وطعنهم القدماء، أمثال حماد الراوية وخلف الأحمر، ومحمد بن إسحاق بن يسار، وغيرهم.

يقول المفضل الضبي: "قد سلط على الشعر من حماد الراوية ما أفسده، فلا يصلح أبدا، فقيل له: وكيف ذلك؟ أيخطئ في روايته أم يلحن؟

قال: ليته كان كذلك، فإن أهل العلم يردون من أخطأ إلى الصواب، لا ولكنه رجل عالم بلغات العرب وأشعارها، ومذاهب الشعراء ومعانيهم، فلا يزال يقول الشعر يشبه مذهب الرجل، ويدخله في شعره، ويحمل ذلك عنه في الآفاق؛ فتختلط أشعار

ص: 41

القدماء، ولا يتميز الصحيح منها إلا عند عالم ناقد، وأين ذلك؟

وسلط حماد على الكوفة، كما ابتليت البصرة بخلف الأحمر وكذلك ما فعله علماء السير، مثل ابن إسحاق، الذي ذكره ابن سلام في قوله:

وكان ممن أفسد الشعر وهجنه وحمل كل غثاء منه محمد بن إسحاق بن يسار مولى آل مخرمة بن عبد المطلب بن عبد مناف، وكان من علماء الناس بالسير.. فقبل الناس الأشعار وكان يعتذر منها ويقول:

لا علم لي بالشعر، أوتى به فأحمله، ولم يكن ذلك له عذرا فكتب في السير أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط، وأشعار النساء فضلا عن الرجال، ثم جاوز ذلك إلى عاد وثمود؛ فكتب لهم أشعارا كثيرة وليس بشعر، وإنما هو كلام مؤلف معقود بقواف.

ولذلك كان على الباحث أن يوثق الأصول بكل ملابساتها أثناء التحقيق، وحين يستشهد بها في بحثه العلمي، والتوثيق عندي ركن من أركان التحقيق؛ لأن توثيق الكلمة المحققة هو ذكرها كما وردت في الكتاب المحقق بخطئها كما هي، فالباحث بهذا يوثقها فيجمع بين التحقيق والتوثيق ليكون أمينا في عمله العلمي.

الأصول الأولى في التحقيق:

أولى النصوص بالتحقيق هي الأولى المنسوبة إلى صاحبها، التي كتبها بنفسه، أو أملاها على تلاميذه، أو أجازها بعد

ص: 42

أن أملاها، أو قرأها، مع إثبات ما يفيد ذلك في النسخة أو في غيرها من كتب التراث، وهذه النسخة تعد "النسخة الأم" أما النسخ التي أخذت عن الأم فتسمى "بالفروع" وتقدم النسخة الفرع عن أختها، إذا كانت أقدم في الزمن تاريخا، وأسبق في الكتابة والنسخ، وتعد هذه "الفروع" أصول ثانوية مع النسخة "الأم" اللهم إن فقدت "الأم" فتقدم أقدم النسخ الفرعية وأدقها في النسخ والإحاطة والتوثيق، وتصير هي النسخة "الأصل" وما عداها من "الفروع" تعد ثانوية.

هذا إذا كانت الأصول والفروع منسوبة إلى كاتبها المعروف الثقة، فإن جهلت النسبة يكون ترتيبها على النحو الآتي:

أولا: الأقدم تأريخا:

ثانيا: إن انعدم التاريخ فيكون بالخط، فإن لكل عصر خطا يتميز به عن العصر الآخر، وهذا يحتاج إلى مهارة وحذق في معرفة الخطوط.

ثالثا: فإن لم يتيسر التمييز بالخط، فالأمر يرجع إلى قدم الورق ونوعه فإن لكل عصر اتجاها عاما في استعمال نوع من الورق اشتهر في الكتابة أثناء العصر.

ملحقات بالأصول الأولى:

يلحق بالأصول الأولى ما نقله المؤلف في كتابه من المخطوطة سواء أتى على جميع المخطوطة أو على بعضها، فيعد هذا

ص: 43

المنقول أصلا في التحقيق إن لم توجد النسخة الأم، أو فرعا في التحقيق إن وجدت.

أما النسخة المصورة عن المخطوطة فتكون كالأصل تماما الذي أخذت عنه الصورة، سواء أكان أما أو فرعا، وكذلك يلحق بالأصول النسخة المطبوعة التي فقد أصلها، ولم يستطع الباحث الوصول إليها، فتعد هذه النسخة المطبوعة أصل المخطوطة.

وكذلك المسودات المكتوبة بخط المؤلف تكون نسخة ملحقة بالنسخة المبيضة للمؤلف، فهي الأصل، لأنها من حيث العرف هي النسخة التي يغلب عليها النضج والكمال، فالمبيضات في الغالب تعد عملا تاما في الإخراج.

وإذا تكررت المبيضات، فتصدر عن صاحبها أكثر من مبيضة كما هو معروف في العصر الحديث بالطبعة الأولى والطبعة الثانية والثالثة وهكذا، فإن لم ينص المؤلف على التمييز بينها، فتعد المبيضات كلها نسخة أصلية واحدة، وإن نص على أحدها بأنها هي التي اعتمدها؛ لأنها اشتملت على تحقيقات ومراجعات وزيادات، مما جعلها كاملة دقيقة، فيؤخذ بقوله هذا، وتعد في نظرنا هي "الأصل" المقدم على غيره، وما عداه فهو ثانوي.

وتكرار المبيضات أمر مشهور في كتب التراث، أشار إلى ذلك ابن النديم في الفهرست، وابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة، وكذلك الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد، وياقوت الحموي في

ص: 44

معجم الأدباء وغيرهم.

توثيق العنوان:

من العقبات التي تكابد المحقق تحقيق العنوان وتوثيقه، فهذا أمر شاق يحتاج منه إلى حذر وذكاء وخبرة في فن التحقيق؛ لأن الجهل بالعنوان يتخذ أشكالا تمويهية متنوعة، فتارة تسقط الأوراق التي تنص على العنوان، وتارة تظل كما هي، ولكن العنوان يكون مطموسا فيها، قد تآكلت حروفه، أو عبثت به الأيادي قصدا، فغيرته بعنوان آخر.

فأما الحالة الأولى:

حين تكون الأوراق التي تحمل العنوان مفقودة، سواء أكانت الورقة الأولى، أو كانت الأوراق التي تشتمل على مقدمة الكتاب، وغالبا ما يشير فيها المؤلف إلى عنوان كتابه، ومضمونه أو كانت الأوراق الأخيرة، التي تشير إلى انتهاء الكتاب المعنون بعنوان كذا، ويذكر المؤلف عنوانه، أو كانت في بعض الأوراق المفقودة داخل الكتاب، والتي قد تضطر المؤلف إلى أن يشير فيها إلى عنوان الكتاب.

وعلى المحقق حينئذ أن يراجع هذه المواطن كلها في الكتاب بدقة وبحذر، مستخدما عمق تجربته في التحقيق، فإن لم يعثر على العنوان فيها، اتجه للبحث عنه في مظانه الأخرى، مثل كتب التراجم وكتب المؤلفات القديمة والحديثة للحموي، وابن النديم

ص: 45

وابن خلكان، والزركلي، وبروكلمان، وفؤاد سيزكين وغيرهم، وقد يتجه المحقق بخبرته وسعة اطلاعه إلى محتويات المؤلفات الأخرى، التي تكون مظنة الحديث عن هذا الكتاب ومؤلفه، وعنوانه ومضمونه ومحتوياته، وخاصة إذا كان صاحب الأصل المحقق مشهورا، فلا تخلو المصادر والمراجع من ذكره، وذكر مؤلفاته التي اشتهر بها.

وأما الحالة الثانية:

وهي طمس الحروف من العنوان، فالتحقيق له يكون أيسر من الحالة الأولى، فيستخدم المحقق النسخ المخطوطة الاخرى الأصلية والثانوية، ليجمع حروف العنوان الناقصة من كل النسخ، فإما عن طريق التحقيق في كل حرف ظاهر من كل النسخ، ليضعه في مكانه ويرتبه حسب موقعه، الذي أخذ منه، حتى يستكمل كل الحروف، فيبرز له العنوان واضحا.

وأما عن طريق سد الخروم في العنوان، فتعينه النسخ الأخرى على سد الخروم في العنوان، حتى إذا ما تكاملت سد الثغرات، أخذت الحروف مكانها من العنوان، فيبرز واضحا أيضا، لأن كثرة النسخ المخرومة تعين على سد الثقوب، التي أذهبت ببعض الحروف للنسخ الموفورة.

وأما الحالة الثالثة:

وهي عبث الأيادي في تغيير العنوان وتبديله عن طريق التزييف

ص: 46

له فهذا أخطر من الحالة الثانية، لأن المزيف قد يستخدم وسائل التضليل والتمويه، بأن يناسب بين الخط والشكل والمداد حتى يزج بالباحث في متاهات الغموض، فيضل الوصول إلى حقيقة العنوان.

وفي هذه الحالة يرجع المحقق إلى المظان المختلفة والمتنوعة التي ذكرتها في الحالة الأولى، حتى يصل إلى توثيق العنوان الحقيقي للكتاب، وهذا أيضا يحتاج إلى حذر ويقظة، وذكاء وخبرة بالتحقيق.

توثيق المؤلف "صاحب الكتاب":

من العقبات التي تقف دون الحقيقة أمام المحقق هي توثيق اسم المؤلف، والتحقيق من نسبة الكتاب إليه، فهذا أمر حدث فيه خلط كبير في كتب التراث القديم.

فأما الحالة الأولى:

وهي توثيق اسم صاحب الكتاب، فلابد من بذل الجهود العلمية والمحاولات الدقيقة بحذر وذكاء للوصول إلى صحة اسم صاحب الكتاب، وخاصة أن بعض عناوين الكتب قد تكون مشتركة بين كثير من المؤلفين، وللتحقيق من هذا يتخذ المحقق الخطوات التالية:

1-

التحقيق من معرفة عنوان الكتاب يساعده كثيرا على معرفة

ص: 47

صاحب الكتاب، وذلك بمراجعة فهرست المكتبات والمؤلفات وكتب التراجم قديما وحديثا.

2-

فإن لم يصل إلى حقيقة الاسم عن الطريق السابق، فإنه يغوص في أعماق الكتب الأخرى، فقد يجد نصوصا متفرقة في بطونها منسوبة إلى هذا الكتاب المذكور، وقد تفرقت بعض نصوص في مصادر أخرى.

3-

التحقق من داخل الكتاب نفسه، فقد يرد فيه من النصوص والمصطلحات ما يدل على تعيين العصر، الذي كان يعيشه صاحب الكتاب، فإن لكل عصر طابعه ومصطلحاته، التي يتميز بها عن العصور الأخرى، ويعين هذا أيضا على التحقيق من اسم المؤلف.

4-

في أثناء تحقيق الاسم قد يصادف المحقق التصحيف والتحريف في حروفه مثل: الجوزي والحوزي، ومثل السكري والبكري، ولا مناص من البحث العلمي الشامل في مظانه، ولأدنى ملابسة.

وأما الحالة الثانية:

وهي تحقيق نسبة الكتاب إلى صاحبه فلا تقل في الجهد والذكاء والحذر والبحث العلمي الواسع عن الحالة الأولى، بل هنا أخطر، لأن الخطأ فيه يترتب عليه نسبة العمل العلمي إلى غير صاحبه، كما أخطأ بعض المحققين حين نسب كتاب

ص: 48

"شرح الأبيات المشكلة الإعراب" إلى علي بن عيسى الرماني "المتوفى سنة 386"، فتبين أنه أخطأ في العنوان وأخطأ في هذه النسبة، ثم ثبت له أن اسم صاحب الكتاب هو أبو نصر الحسن بن أسد الفارقي المتوفى بعد الرماني بنحو قرن في سنة "487هـ"1.

وحدث مثل هذا في كتاب "العين" فقد تسرب الشك في نسبة الكتاب إلى صاحبه الخليل بن أحمد، هل هو صاحب الكتاب أم أحد تلامذته، أم غير ذلك، وإن كان الراجح نسبة الكتاب إليه، ومع ذلك لا يخلو "العين" من زيادات زيدت عليه بعد موت الخليل من تلامذته، أو من غيرهم وهذه الزيادات هي التي أدت إلى الشك في النسبة إليه، والذين رجحوا هذه النسبة، اعتمدوا على قدره العلمي، الذي اشتهر به في عصره مما يرجح نسبة هذا الكتاب إليه.

كما ينبغي للمحقق أن يوثق النسبة عن طريق فهرست المكتبات، وكتب المؤلفين وكتب التراجم القديمة والحديثة فإنها كثيرا ما تنص على نسبة الكتاب إلى صاحبه.

وكذلك مما يعين على التحقيق في نسبة الكتاب التناقض الذي يقع في نصوص الكتاب، أو التزييف أو المغالطات التاريخية؛ فالكتاب

1 البحث الأدبي، د. شوقي ضيف ص171.

ص: 49

الذي يتعرض لحوادث تاريخية، وقعت بعد موت صاحب الكتاب ينفي قطعا نسبة الكتاب إليه، مثل الخطأ في نسبة كتاب "تنبيه الملوك والمكايد" زيفا إلى الجاحظ، والدليل على التزييف أنه ورد به خطأ تاريخي في بعض أبوابه، حيث ذكر فيه باب "نكت من مكايد كافور الإخشيدي" وكذلك ذكر فيه "مكيدة توزون بالمتقى بالله" فهذه الأحداث وقعت بعد وفاة الجاحظ بعشرات السنين، فقد توفي عام "255هـ" بينما عاش كافور الإخشيدي ما بين "292-357هـ" وعاش المتقي لله ما بين "297-357".

تحقيق نصوص الكتاب:

أولا: ترتيب النسخ المخطوطة:

بعد أن تتجمع لدى المحقق جميع النسخ الأولى والمنقولة عن الأولى لا بد أن يمر بمرحلة دقيقة في تحقيق النصوص، وهي التمييز بين النسخ التالية المنقولة عن الأصل ويوازن بينها جميعا من حيث الدقة والتوثيق للنصوص، فربما تكون بعض النسخ التالية أدق من الأولى، وخاصة إذا كانت الأولى مسودات أو تكون النسخة الأولى الدقيقة قد اختفت وبقيت النسخة التالية التي نقلت عنها، وعند ذلك تكون هذه النسخة هي الأصل للنسخ كلها.

وكذلك لا بد من فصل المسودات عن المبيضات، وإلغاء المسودة إذا كانت قاصرة دون المبيضة، فقد جرى في عرف

ص: 50

الباحثين والعلماء أن المبيضة هي العمل النهائي الذي يرضى عنه صاحبه، فإن تعددت المبيضات، فلا ينبغي أن تخدعنا المبيضة الوافية والمزيدة وإنما نجد البحث عن شيء آخر أهم في التوثيق والأمانة، وهي المبيضة المنسوبة إلى المؤلف، ولو كانت قاصرة وذلك عن طريق الروايات، التي تؤكد ذلك من خلال كتب التراجم وكتب الأخبار، وعن طريق التعرف على خط المؤلف حين يقارنه بخطه في كتب له أخرى، فإن تشابهت الخطوط، أو كاد الخط أن يتقارب فيهما أصبحت هذه المبيضة هي الأصل الأولى الذي يعتمد عليه المحقق.

وقديما كان العلماء يدركون التمييز بين الخطوط، فهذا أبو حيان التوحيدي يقول حين ينقل من الجاحظ بعض نصوصه: ومن خطه الذي لا أرتاب فيه نقلت1.

وفي هذه المرحلة أيضا لا بد من معرفة بعض المصطلحات والرموز التي استعملت عند القدماء إذا زادوا، أو نقصوا، أو سقطوا وذلك مثل "اللحق"، وكلمة "صح"، ومصطلح "التضبيب" أو "التمريض" أو "التصحيح".

"فاللحق" زيادة في يمين الصفحة أو يسارها يشار إليه بخط معقوف من جانب واحد فقط مثل ثم يلحق بالزيادة كلمة "صح".

1 البحث الأدبي د. شوقي ضيف.

ص: 51

أما "التضبيب" فيستعمله القدماء في التنبيه على الأخطاء ويرمزون إليه بحرف "ص" وقد تنوب عنها كلمة التمريض أو التصحيح.

وأحيانا يستعمل القدماء في الخطأ والسقوط المحو، أو الحك أو الضرب بخط1.

وفي هذه المرحلة ليقيم المحقق النص الدقيق لا بد من معرفة دقيقة ومحيطة بالخط الإملائي، وخاصة في العصر الذي نسبت إليه المخطوطة، وهذا يحتاج منه إلى ترويض وممارسة طويلة لمعرفة الخطوط الإملائية، ورسمها الخاص بالنسخة المحققة، لأن الرسم للحروف والكلمات يختلف بين الكتابة الشرقية والمغربية.

وعلى سبيل المثال فالحروف المهملة مثل "السين" لتتميز عن "الشين" فبعضهم يضع أسفلها ثلاث نقط، أو يكتب سينا صغيرة تحتها، وفي حالة جواز الإهمال والإعجام ينقط الحرف من أعلى ومن أسفل للتنبيه على جواز القراءتين، مثل وضع النقطة على "الصاد" ووضعها أسفلها في قولهم "المضمضة" فتقرأ على الوجهين.

ومثل الشدة التي ترسم على الحرف كرأس "السين" هكذا "س" فقد يضعها البعض أعلى الحرف، والبعض الآخر يضعها أسفل الحرف.

1 تدريب الراوي السيوطي مطبعة الحرية سنة 1317هـ.

ص: 52

وفي الكتابة المغربية القديمة تكتب الشدة كالعدد "7" أو العدد "8" حينا آخر.

وكان أبو الأسود الدؤلي يضع النقط على الحروف أو أسفلها بدل الفتحة والضمة والكسرة؛ فالفتحة عنده تكتب نقطة أعلى الحرف، والضمة تكتب بين يدي الحرف، والكسرة ترسم بنقطة أسفل الحرف1 ولهذا يشير الجاحظ إلى المسئولية الضخمة في التحقيق فيقول:

"ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا أو كلمة ساقطة فيكون إنشاء عشر ورقات من حر اللفظ، وشريف المعاني أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يرده إلى موضعه من اتصال الكلام"2.

ثانيا: بين التحقيق والتوثيق

كل من التحقيق والتوثيق أمانة وأخلاق، وحذر وصير؛ لأن لكل عصر حرماته ومقدساته العلمية والأدبية والتاريخية، والكتاب يعطي صورا دقيقة لعصره بأمانة وصدق، لهذا كان على المحقق أن يحفظ للعصر حرماته ومقدساته، ولو كانت الحرمات والمقدسات تخالف الحقيقة، وتبتعد عن الصواب، لأنها بهذه السلبيات

1 راجع في ذلك المطالع النصرية نصر الهوريني، وكذلك قواعد التحديث للقاسمي.

2 الحيوان الجاحظ ج1، ص79.

ص: 53

تعطينا بأمانة حالة العصر وما انتهى إليه، فهو يمثل مرحلة تاريخية لها مكانها المتميز في أطوار التاريخ.

فالتحقيق تعالج فيه النصوص معالجة دقيقة كما وضعها صاحبها، ويكتب في صدق وأمانة كما كتبها بلا زيادة ولا حذف، ولا إصلاح ولا تغيير، ولا تبديل، ولا خطأ، ولا تصحيح، فلا يصح أن ينزل بأسلوب المؤلف، ولا يأتي بأسلوب أعلى منه، لأن الغاية من التحقيق هو أداؤه بأمانة تقتضيها حقائق التاريخ، ولس التحقق تحسينا للنص ولا تصحيحا لأخطائه، لأنه حكم على عصر المؤلف، وتأريخ للحياة التي كان يعيشها آنذاك؛ فحين تحقق الكلمة تكون بنقلها كما هي؛ فيكون المحقق قد نسبها إلى صاحبها ووثقها، وهذا هو معنى التوثيق، فهو من أركان التحقيق.

وعلى ذلك فالنص لا بد أن ينقل كما هو بأمانة وصدق في متن التحقيق، ويعالج المحقق الغموض والأخطاء بعيدا عن متن المخطوطة، وذلك في الحاشية أو الهامش، أو في آخر الكتاب مفصولا عن متنه.

فأما معالجة الغموض فيرجع إلى الشكل في كتابة الكلمة، وإلى اتجاه الخط الإملائي فيها كما سبق أن وضحنا؛ فينص في غير المتن على شكل الحركات في الكلمة، كأن يقول: إن النقطة أسفل هذه الكلمة يراد بها الكسرة، وتلك طريقة المؤلف للكتابة في هذا العصر وهكذا.

ص: 54

وقد يرجع الغموض إلى إيهام كلمة أو تعسرها على الإدراك فيكشف المحقق عن ذلك في غير المتن، وقد ينتج الغموض عن بعض المصطلحات التي اشتهرت في عصر المؤلف، لكنها ظهرت بغموضها للقارئ، وحينئذ فلا بد من توضيحها في الهامش.

وأما تصحيح الأخطاء في الإعراب وفي تصحيح الأساليب التي وردت في المتن؛ فيتم ذلك في الحاشية، أو الهامش، ويكون المحقق دقيقا في تصحيحها بدون تعرض لشخص المؤلف، وكذلك الأمر في توضيح الأسلوب والكشف عن حقيقته، وبيان الغرض منه ليرفع من مستوى أسلوب المخطوطة ما يسمو إليه الباحث المحقق، كل ذلك جائز في الحاشية أو الهامش مراعاة للأمانة العلمية، وإن استعمل ذلك في متن المخطوطة تكون من الخيانة العلمية التي تتنافى مع روح البحث العلمي والتحقيق الأمين.

وأما التوثيق في متن المخطوطة فله مجال آخر أيضا، حيث يكون له دوره في تحقيق الخطأ الذي يقع في شواهد القرآن الكريم، فيلزم التصحيح في متن التحقيق مع التنبيه في الهامش على الخطأ وعلى الآية وعلى السورة، كما ورد في القرآن الكريم لأن له من القداسة ما لا تقبل فيه المجاملة، لنحافظ بأمانة على الخطأ في المتن، فترك الخطأ هنا يكون مزلقة، وعدوانا على قداسة القرآن.

وإن رأي البعض أن يؤدي الشاهد القرآني بخطئه، وهذا رأي مرجوح وبعيد عن الصواب، ذكر ذلك الخلاف ابن كثير:

ص: 55

وأما إذا لحن الشيخ فالصواب أن يرويه للسامع على الصواب وهو محكي عن الأوزاعي، وابن المبارك، والجمهور، وحكي عن محمد بن سيرين، وأبي معمر عبد الله بن سخيرة أنهما قالا: يرويه كما سمعه من الشيخ ملحونا، قال ابن الصلاح: وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ. وعن القاضي عياض أن الذي استمر عليه عمل أكثر الأشياخ أن ينقلوا الرواية كما وصلت إليهم، ولا يغيروها في كتبهم، حتى في أحرف من القرآن استمرت الرواية فيها على خلاف التلاوة، ومن غير أن يجيء ذلك في الشواذ كما وقع في الصحيحين والموطأ، لكن أهل المعرفة منهم ينبهون على ذلك عند السماع وفي الحواشي.. ثم قال: وعن عبد الله بن أحمد بن حنبل أن أباه كان يصلح اللحن الفاحش، ويسكت عن الخفي السهل"1.

وعلى المحقق مراعاة القراءات القرآنية، التي اشتهرت، وهي أربع عشرة قراءة مشهورة، لأن المؤلف قد يختار قراءة معينة هي محل الاعتبار والاستشهاد بالآية، فتبقى كما هي في المتن كما ذكرها المؤلف.

وإن وقع الخطأ في متن الحديث، فيقتضي التوثيق أن تبقى الرواية كما هي، حين وضعها المؤلف في المتن، فهو وحده هو الذي يتحمل أمانة روايته، وعلى المحقق أن يقوم بتخريج

1 الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث ابن كثير شرحه الشيخ أحمد شاكر، مطبعة صبيح.

ص: 56

الحديث، لتوضيح مكانته من القوة أو الضعف، وذلك في الحاشية والهامش لا في متن الكتاب المحقق، على أن ابن كثير رأى أن يلحق المحقق في نص الحديث ما هو معلوم فقط، حتى يستقيم النص، وذلك في المتن، لا في الهامش، قال ما نصه:

وإذا سقط من السند أو المتن ما هو معلوم، فلا بأس بإلحاقه، وكذا إذا اندرس بعض الكتاب، فلا بأس بتجديده على الصواب1.

مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأن يحب المرء لا يحبه لله"، فيكتب الصواب في المتن هكذا "وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله" كما ورد صحيحا، وهكذا.

وأما توثيق الأشعار والحكم والأمثال والأعلام والبلدان وسواها فيجب أن تبقى في المتن كما هي، ثم يقوم المحقق بتخريجها على الوجه الصحيح، ونسبتها إلى قائلها، أو تحديد موقع البلد من الإقليم المعلوم في التاريخ، وينص على المصدر الذي اعتمد عليه في ذلك والصفحة التي استقى منها، ويكون موطنه في الهامش والحاشية لا في متن التحقيق.

ثالثا: سعة الاطلاع

ينبغي على المحقق أن يكون واسع الاطلاع، تمرس على الأسلوب

1 المرجع السابق ص163.

ص: 57

الذي شاع في عصر المؤلف، صاحب الكتاب المحقق، وقرأ كثيرا عن طريقة التعبير الذي غلب على تأليفه؛ فهذا يعيينه على الوصول إلى الحقيقة والصواب في تحقيق المتن.

وكذلك ينبغي أن تشمل اطلاعاته على معالجة الموضوعات التي تتصل بموضوع الكتاب، أو القريبة من موضوعاته؛ فهي تعينه على أداء التحقيق بدقة وأمانة، وعلى ذلك فلا بد من الاطلاع على هذه المصادر والاعتماد عليها، ومن أهمها كتب المؤلف المخطوطة والمطبوعة، والمختصرات والشروح والتهذيبات، التي ترتبط بالنسخة المحققة أدنى ارتباط.

وكذلك الكتب التي اعتمدت عليها هذه المخطوطة، فهي تحتفظ بالنصوص الأصلية، التي استعانت بها، والمصادر التي استمد منها صاحب المخطوطة أفكاره وقضاياه ونصوصه، فإن ذلك يلقي الضوء على مضمون النسخة واتجاهها، والقضايا التي عالجها ومنهجه فيها والجديد الذي وصل إليه.

وكذلك ينبغي قراءة الكتب التي عاصرت صاحب المخطوطة وتناولت موضوعها، وما يتصل بهذا الموضوع.

ثم يعتمد أيضا على المعاجم اللغوية مثل معاجم الألفاظ، لسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي، والتذكرة لداود الأنطاكي، والمفردات لابن البيطار، ومن المعاجم الحديثة معجم الحيوان للمعلوف، ومعجم النبات لأحمد عيسى

ص: 58

والمصطلحات العلمية، مثل مفاتيح العلوم للخوارزمي.

ومنها معاجم المعاني مثل المخصص لابن سيده، وفقه اللغة للثعالبي.

ومنها معاجم الأساليب، مثل جواهر الألفاظ لقدامة بن جعفر، والألفاظ الكتابية للهمذاني.

ومنها كتب المعربات، مثل المعرب للجواليقي، وشفاء الغليل للخفاجي، ومنها المراجع النحوية، مثل همع الهوامع للسيوطي وحاشية الصبان على الأشموني وغيرها.

ومنها المراجع العلمية وهي تختلف باختلاف المخطوطة، فإن كانت في الأدب؛ فيعتمد الباحث على كتب الأدب في القديم وفي الحديث، وإن كانت في النحو، فيستوعب المحقق كتب النحو في القديم والحديث وكذلك بقية العلوم.

وسعة الاطلاع تقتضي من الباحث أن يكون على إلمام ومعرفة بآفات التصحيف والتحريف في المخطوطات القديمة؛ فيستوعب كتاب "التصحيف والتحريف" للحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري "293-382هـ" وهو من أقدم المؤلفات في هذا الميدان، وكذلك "الجمهرة" لابن دريد، وكتاب "المزهر" للسيوطي، وكتاب "نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر" لابن حجر، وكتاب البيان والتبيين "للجاحظ، وكتاب "التنبيهات على أغاليط الرواة" لعلي بن حمزة البصري المتوفى سنة "375هـ".

ص: 59

وجمهرة العلماء لا تفرق بين التصحيف والتحريف؛ فهما معا بمعنى واحد؛ فيطلق كل منهما على كل تغيير في الكلام ينشأ من تشابه صور الخط، سواء أكان هذا التشابه في الحروف مثل الدال والراء، أو في النقط التي على الحروف مثل الجيم والحاء والخاء، فيعد كل ذلك تصحيفا وتحريفا.

لكن ابن حجر في نخبة الفكر يفصل بينهما؛ فالتصحيف عنده يكون في الخلط بين نقط الحروف المتشابهة في الشكل كالسين والشين، والباء والتاء والثاء، فهذه الحروف واحدة لا يفصل بينها إلا النقط، والالتباس فيها يسمى تصحيفا.

وأما التحريف فيرجع إلى الالتباس في شكل الحروف مثل الميم والقاف والفاء، والدال والراء، فتحرف كتابة الراء مثلا وتكتب على صورة الدال، وهكذا وهو ما يسمى عند ابن حجر بالتحريف1.

وينبغي على المحقق أيضا أن يكون على دراية واستقراء بالكتب التي تبحث في "المؤتلف والمختلف" فمنها ما يبحث في أسماء الرجال مثل ما كتبه الدارقطني "المتوفى في 285هـ" والخطيب البغدادي "المتوفى 463هـ" وابن ماكولا "المتوفى 477هـ" وغيرهم، ومنها ما يبحث في أسماء الشعراء كصنيع الآمدي "المتوفى 307"، ومنها ما يبحث في القبائل كصنيع محمد بن حبيب "المتوفى 315هـ" وغيرهم.

1 نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر: ابن حجر ص22.

ص: 60