الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فَصْلٌ فِي بِنَاءِ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ]
ِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِدَارِ أَبِي أَيُّوبَ رضي الله عنه
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِهَا; فَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَبْعَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَقَلُّ مِنْ شَهْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْتَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ، نَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ. قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفَنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ. قَالَ: فَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ
الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا، فَقَالَ:" يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا ". فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ عز وجل. قَالَ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ. قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً. قَالَ: فَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ ذَلِكَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ يَقُولُ:
" اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ
…
فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ "
» وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَبْدِ الصَّمَدِ عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سَعِيدٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ مِرْبَدًا - وَهُوَ بَيْدَرُ التَّمْرِ - لِيَتِيمَيْنِ كَانَا فِي حِجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ وَهُمَا سَهْلٌ وَسُهَيْلٌ، فَسَاوَمَهُمَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَا: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَبَى حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا وَبَنَاهُ مَسْجِدًا. قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ يَنْقُلُ مَعَهُمُ التُّرَابَ، يَقُولُ:
" هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ
…
هَذَا أَبَرُّ رُبَّنَا وَأَطْهَرْ "
وَيَقُولُ:
" اللَّهُمَّ إِنَّ الْأَجْرَ أَجْرُ الْآخِرَهْ
…
فَارْحَمِ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ "
وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ عَوَّضَهُمَا مِنْهُ نَخْلًا لَهُ فِي بَنِي بَيَاضَةَ، قَالَ: وَقِيلَ: ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
قُلْتُ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَّ الْمِرْبَدَ كَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حِجْرِ مُعَاذٍ ابْنِ عَفْرَاءَ، وَهُمَا سَهْلٌ وَسُهَيْلٌ ابْنَا عَمْرٍو. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الضَّبِّيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ:«لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ، أَعَانَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَعَهُمْ يَتَنَاوَلُ اللَّبِنَ، حَتَّى اغْبَرَّ صَدْرُهُ فَقَالَ: " ابْنُوهُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ مُوسَى ". فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ: مَا عَرِيشُ مُوسَى؟ قَالَ: " إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ بَلَغَ الْعَرِيشَ ".» يَعْنِي السَّقْفَ. وَهَذَا مُرْسَلٌ.
وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ
بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُبَادَةَ، «أَنَّ الْأَنْصَارَ جَمَعُوا مَالًا، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنِ هَذَا الْمَسْجِدَ وَزَيِّنْهُ، إِلَى مَتَى نُصَلِّي تَحْتَ هَذَا الْجَرِيدِ؟ فَقَالَ: " مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ أَخِي مُوسَى، عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى ".» وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، أَعْلَاهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ وَبِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخَرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَبَنَاهَا بِالْآجُرِّ، فَمَا زَالَتْ ثَابِتَةً حَتَّى الْآنَ» وَهَذَا غَرِيبٌ.
وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، ثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ «أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ رضي الله عنه،
وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ.» وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ.
قُلْتُ: زَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه مُتَأَوِّلًا قَوْلَهُ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ".» وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ الْمَوْجُودُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ بَعْدَهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ، فَتَدْخُلُ الزِّيَادَةُ فِي حُكْمِ سَائِرِ الْمَسْجِدِ مِنْ تَضْعِيفِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَشَدِّ الرِّحَالِ إِلَيْهِ، وَقَدْ زِيدَ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ، زَادَهُ لَهُ بِأَمْرِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَدْخَلَ الْحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي وَقْتِهِ، ثُمَّ زِيدَ زِيَادَةً كَثِيرَةً فِيمَا بَعْدُ، وَزِيدَ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، حَتَّى صَارَتِ الرَّوْضَةُ وَالْمِنْبَرُ بَعْدَ الصُّفُوفِ الْمُقَدَّمَةِ، كَمَا هُوَ الْمُشَاهِدُ الْيَوْمَ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ، حَتَّى بَنَى مَسْجِدَهُ وَمَسَاكِنَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم; لِيُرَغِّبَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعَمَلِ فِيهِ، فَعَمِلَ فِيهِ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، وَدَأَبُوا فِيهِ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ:
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعْمَلُ
…
لَذَاكَ مِنَّا الْعَمَلُ الْمُضَلِّلُ
وَارْتَجَزَ الْمُسْلِمُونَ وَهُمْ يَبْنُونَهُ يَقُولُونَ:
لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الْآخِرَهْ
…
اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ
فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ ". قَالَ فَيَدْخُلُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَدْ أَثْقَلُوهُ بِاللَّبِنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَتَلُونِي، يَحْمِلُونَ عَلَيَّ مَا لَا يَحْمِلُونَ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْفُضُ وَفْرَتَهُ بِيَدِهِ، وَكَانَ رَجُلًا جَعْدًا، وَهُوَ يَقُولُ: " وَيْحَ ابْنِ سُمَيَّةَ، لَيْسُوا بِالَّذِينِ يَقْتُلُونَكَ، إِنَّمَا تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ".» وَهَذَا مُنْقَطِعٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، بَلْ هُوَ مُعْضَلٌ بَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَبَيْنَ أُمِّ سَلَمَةَ، وَقَدْ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ يَعْنِي ابْنَيْ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أُمِّهِمَا خَيْرَةَ، مَوَلَاةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ:«قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ".»
وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَمَّارٍ وَهُوَ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ:" وَيْحٌ لَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ".»
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، يُحَدِّثُ عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ
سَلَمَةَ، قَالَتْ:«لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ، جَعَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَحْمِلُ كُلٌّ وَاحِدٍ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ; لَبِنَةً عَنْهُ، وَلَبِنَةً عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، وَقَالَ: " ابْنَ سُمَيَّةَ، لِلنَّاسِ أَجْرٌ، وَلَكَ أَجْرَانِ، وَآخِرُ زَادِكَ شَرْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ، وَتَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ".» وَهَذَا إِسْنَادٌ عَلَى شَرْطِ " الصَّحِيحَيْنِ ".
وَقَدْ أَوْرَدَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ، مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ:«كُنَّا نَحْمِلُ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ وَيَقُولُ: " وَيْحَ عَمَّارٍ، تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ ". قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ.» لَكِنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ:«تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ".»
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا تَرَكَهَا لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ طَرِيقٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ لِعَمَّارٍ حِينَ جَعَلَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ، جَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَيَقُولُ: " بُؤْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُهُ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ ".»
وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: " بُؤْسًا لَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ".»
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا حَفَرَ الْخَنْدَقَ، كَانَ النَّاسُ يَحْمِلُونَ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ نَاقِهٌ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ، فَجَعَلَ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ،» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِي «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ، وَيَقُولُ: " وَيْحَكَ ابْنَ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ ".» قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: فَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا سَمِعَهُ بِنَفْسِهِ، وَمَا سَمِعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ. قَالَ:
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: الْخَنْدَقَ. وَهْمًا أَوْ أَنَّهُ قَالَ لَهُ ذَلِكَ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَفِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قُلْتُ: حَمْلُ اللَّبِنِ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى النَّاقِلِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ حَيْثُ أَخْبَرَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ عَنْ عَمَّارٍ أَنَّهُ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَقَدْ قَتَلَهُ أَهْلُ الشَّامِ فِي وَقْعَةِ صِفِّينَ، وَعَمَّارٌ مَعَ عَلِيٍّ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَتَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَقَدْ كَانَ عَلِيٌّ أَحَقَّ بِالْأَمْرِ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَةِ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ بُغَاةً تَكْفِيرُهُمْ، كَمَا يُحَاوِلُهُ جَهَلَةُ الْفِرْقَةِ الضَّالَّةِ مِنَ الشِّيعَةِ وَغَيْرِهِمْ; لِأَنَّهُمْ، وَإِنْ كَانُوا بُغَاةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ فِيمَا تَعَاطَوْهُ مِنَ الْقِتَالِ، وَلَيْسَ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبًا، بَلِ الْمُصِيبُ لَهُ أَجْرَانِ، وَالْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ، وَمَنْ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ قَوْلِهِ:" «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ": لَا أَنَالَهَا اللَّهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَدِ افْتَرَى فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم; فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْهَا إِذْ لَمْ تُنْقَلْ مِنْ طَرِيقٍ تُقْبَلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ:«يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» فَإِنَّ عَمَّارًا وَأَصْحَابَهُ يَدْعُونَ أَهْلَ الشَّامِ إِلَى الْأُلْفَةِ وَاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ يُرِيدُونَ أَنْ يَسْتَأْثِرُوا بِالْأَمْرِ دُونَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ النَّاسُ أَوْزَاعًا عَلَى كُلِّ قُطْرٍ إِمَامٌ بِرَأْسِهِ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى افْتِرَاقِ الْكَلِمَةِ، وَاخْتِلَافِ الْأُمَّةِ، فَهُوَ لَازِمُ مَذْهَبِهِمْ وَنَاشِئٌ عَنْ مَسْلَكِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَقْصِدُونَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَبَاحِثِ إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى وَقْعَةِ صِفِّينَ مِنْ كِتَابِنَا
هَذَا، بِحَوَلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَحُسْنِ تَأْيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ.
وَالْمَقْصُودُ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ قِصَّةُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، عَلَى بَانِيهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ ": حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ إِمْلَاءً، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ، ثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، أَخْبَرَنَا حَشْرَجُ بْنُ نُبَاتَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ بِحَجَرٍ فَوَضَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " هَؤُلَاءِ وُلَاةُ الْأَمْرِ بَعْدِي ".»
ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ، عَنْ حَشْرَجٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ:«لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ، وَضَعَ حَجَرًا، ثُمَّ قَالَ: لِيَضَعْ أَبُو بَكْرٍ حَجَرًا إِلَى جَنْبِ حَجَرِي، ثُمَّ لْيَضَعْ عُمَرُ حَجَرَهُ إِلَى جَنْبِ حَجَرِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ لْيَضَعْ عُثْمَانُ حَجَرَهُ إِلَى جَنْبِ حَجَرِ عُمَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " هَؤُلَاءِ الْخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِي ".» وَهَذَا الْحَدِيثُ بِهَذَا السِّيَاقِ غَرِيبٌ جِدًّا.
وَالْمَعْرُوفُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، عَنْ حَشْرَجِ بْنِ نُبَاتَةَ
الْعَبْسِيِّ، وَعَنْ بَهْزٍ وَزَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ وَعَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، كِلَاهُمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنْ سَفِينَةَ، قَالَ:«سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ عَامًا، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْمُلْكُ ". ثُمَّ قَالَ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ، خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَخِلَافَةَ عُمَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَخِلَافَةَ عُثْمَانَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَخِلَافَةَ عَلِيٍّ سِتَّ سِنِينَ.» هَذَا لَفْظُ أَحْمَدَ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُمْهَانَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِهِ. وَلَفَظُهُ: «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا عَضُوضًا ".» وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ.
قُلْتُ: وَلَمْ يَكُنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَا بُنِيَ مِنْبَرٌ يَخْطُبُ النَّاسَ عَلَيْهِ، بَلْ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَخْطُبُ النَّاسَ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى جِذْعٍ عِنْدَ مُصَلَّاهُ فِي الْحَائِطِ الْقِبْلِيِّ، فَلَمَّا اتُّخِذَ لَهُ عليه السلام الْمِنْبَرُ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَعَدَلَ إِلَيْهِ لِيَخْطُبَ عَلَيْهِ، وَجَاوَزَ ذَلِكَ الْجِذْعَ، خَارَ ذَلِكَ الْجِذْعُ وَحَنَّ حَنِينَ النُّوقِ الْعِشَارِ; لِمَا كَانَ يَسْمَعُ مِنْ خُطَبِ الرَّسُولِ عليه السلام عِنْدَهُ، فَرَجَعَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاحْتَضَنَهُ حَتَّى سَكَنَ، كَمَا يَسْكُنُ الْمَوْلُودُ الَّذِي يَسْكُتُ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ