المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثاني: في شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح الحماسة - شروح حماسة أبي تمام دراسة موازنة في مناهجها وتطبيقها

[محمد عثمان علي]

الفصل: ‌الفصل الثاني: في شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح الحماسة

‌الفصل الثاني: في شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح الحماسة

1 -

في شرح الشعر وتطوره

منذ أن وجد الشعر العربي كانت الحاجة إلى فهم ما استغلق منه، غير أن هذه الحاجة تختلف من عصر إلى عصر ومن بيئة إلى بيئة ففي العصر الأول عصر ما قبل الإسلام لم تكن الحاجة ملحة إلى شرح ما غمض من الشعر، بل لم تكن القبائل ترى فيما يقوله شعراؤها غامضًا، ذلك لأن الشاعر كان يعيش بين قومه، يشاركهم بيئة واحدة، ولغة واحدة، وثقافة واحدة، كما كانوا يعيشون معه الظروف الاجتماعية والنفسية التي تدفعه إلى قول الشعر، فإذا قال شعرًا لم يكن هناك حجاب زمني أو مكاني يستر عنهم ما يرمي إليه في هذا الشعر من غرض ومعنى، أو ما يطل عليهم فيه من إيحاء ومبنى، ومن ثم ندر أن يحتاج الشاعر بينهم إلى شرح شعره، ومن هذا النادر ما روي عن العجاج أن عمة جده رأت امرأ القيس وهو يشرب طلاء له مع علقمة بن عبدة فسألته عن معنى استغلق عليها في قوله:"كرك لأمين على نابل" من بيته:

نطعنهم سُلكي ومهلوجة كرك لأمين على نابل

فأجاب: "مررت بنابل وصاحبه يناوله الريش لؤامًا وظهارًا، فما رأيت اسرع منه ولا أحسن فشبهت به".

ص: 57

ومن ذلك أيضًا ما أورده ابن قتيبة عن الرياش عن رواته أن عبيدًا رواية الأعشى سأل الأعشي عن معنى استغلق عليه في قصيدته "رحلت سمية غدوة اجمالها" وهو قوله:

ومُدامة مما تعتق بابل كدم الذبيح سلبتها جريالها

فأجابه: "شربتها حمراء وبلتها بيضاء".

والأمثلة في الحاجة إلى شرح الشعر تعد ضئيلة في عصر ما قبل الإسلام، ذلك لأن الناس لم يكونوا في عوز من ذلك، بل إن النساء في هذا العصر - ناهيك عن الرجال - كن يفهمن الشعر ويدلين فيه برأي، فابن قتيبة يحدثنا عن أن امرأ القيس وعلقمة بن عبدة احتكما إلى أم جندب زوج امرئ القيس فقالت لهما: قولا شعرًا تصفان فيه الخيل على روي واحد وقافية واحدة فقال امرؤ القيس:

خليلي مُرا بي على أم جُندب لنقضي حاجات الفؤاد المعذب

وقال علقمة:

ذهبت من الهجران في كل مذهب ولم يك حقًا كل هذا التجنب

ثم أنشداها جميعًا فقالت لامرئ القيس: علقمة أشعر منك، قال: وكيف ذاك؟ قالت: لأنك قلت:

فللسوط ألهوب وللساق درة وللزجر منه وقع أخرج مُهذب

فجهدت فرسط بسطوتك ومريته بساقك وقال علقمة:

فأدركهن ثانيًا من عنانه ير كمر الرائح المُتحلب

ص: 58

فأدرك طريدته وهو ثان من عنان فرسه، لم يضر بسوط ولا مراه بساق ولا زجره.

هكذا كان الحال في شرح الشعر، يتمثل في شرح كلمة أو صورة طريفة أبدع فيها الشاعر فأتى بجديد غير مألوف. فلما جاء الإسلام كانت الحاجة إلى شرح الشعر مثل سابقتها لم تتجاوز في مطلبها سوى تفسير كلمة أو وقوف على خبر يتصل بالشعر ذاته أو قائله، ومن ذلك ما روي عن - النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع في يوم بدر عدي بن أبي الزعباء وهو يرتجز:

أنا عدي والسحل أمشي بها مشي الفحل

فلما انجلت الغزوة بانتصار المسلمين ناداه الرسول الكريم وسأله "وما السحل؟ " قال: الدرع، فقال صلى الله عليه وسلم:"نعم العدي عدي أبي الزغباء".

غير أننا يجب أن نسجل هنا أنه منذ أن اكتمل نزول القرآن الكريم والتحام المسلمين به عربًا وغير عرب، احتاج إلى معرفة معاني آياته وتبيان ألفاظه ودلالاتها، وكان في هذا الاحتياج مؤشر ضخم للعناية بالشعر والإفادة منه في تفسير

ص: 59

لغة القرآن ومعانيه، وهذا واضح من قول رأس المفسرين عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي جاء فيه:"إذا قرأتم شيئًا من كتاب الله فلم تعرفوه فاطلبوه في أشعار العرب، فإن الشعر ديوان العرب"، وكان رضي الله عنه عارفًا بالشعر وما يتصل به من أخبار يفسره في دقة متناهية وإحاطة تامة، سأله أعرابي ذات يوم عن ذي الحلم الوارد في بيت المتلمس:

لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علم الإنسان إلا ليعلما

فأجابه: " ذاك عمرو بن حممة الدوسي، قضى على العرب ثلاثمائة سنة فكبر فألزموه السابع من ولده، فكان معه، فكان الشيخ إذا غفل كانت بينه وبينه أن تقرع العصا حتى يعاوده عقله، وذلك قول المتلمس اليشكري من بكر بن وائل: "لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا".

وصحبت هذه العناية الناتجة عن الحاجة إلى فهم القرآن عناية أخرى من القبائل بعد الفتوحات واستقرار بعضها في الأمصار الجديدة، قال ابن سلام:"فلما راجعت العرب رواية الشعر وذكر أيامها ومآثرها استقل بعض العشائر شعر شعرائهم وأرادوا أن يلحقوا بمن له الوقائع والأشعار فقالوا على ألسن شعرائهم".

ولا يهمنا هنا ما أثاره ابن سلام من قضية تتصل بوضع الشعر ونحله، ولكن الذي يهمنا أن حركة مراجعة للشعر قد قامت من هذه العشائر، وأنه من الطبيعي أن تصحب هذه المراجعة حركة لشرح الوقائع التي قيل فيها الشعر والأخبار التي تتصل به والشخصيات التي تدور حوله، بل وشرح ألفاظ لغته ومعانيه.

ومما لا شك فيه أنه كان في هذه القبائل رجال عالمون بالشعر، مدركون لمعانيه، حافظون لأخباره والوقائع التي قيل فيها، فهذا شيخ رواة البصرة أبو عمرو ابن العلاء يقول عن بيت امرئ القيس الذي مر بنا في موضع سابق:

ص: 60

نطعنهم سلكى ومحلوجة كرك لأمين على نابل

"كنت أسمع منذ ثلاثين عامًا هذا البيت، فلم أجد أحدًا يعلمه حتى رأيت أعرابيًا بالبادية فسألته عنه ففسره لي".

وفي الأغاني يذكر أبو الفرج أن عبد الملك بن مروان لما دخل الكوفة بعد مقتل مصعب بن الزبير جليس لعرض أحياء القبائل، فلما أقبل عليه وفد جديلة التي تعد عدوان بطنًا منها سأل معبد بن خالد الجدلي عن ذي الاصبع العدواني فأجابه بحديث واف عنه وعن أشعاره فأعجب عبد الملك بإلمامه وعنايته بأخبار قومه، فزاد في عطائه".

وبجانب هاتين العنايتين لشرح الشعر اللتين لم تكونا مقصودتين لذاتهما نشأت حركة للشرح في أواخر العصر الأموي وأوائل العصر العباسي، وذلك حين بدأ عصر تسجيل الشعر على أيدي علماء تخصصوا في جمع الشعر وتدوينه، كانوا من رواد مدرستي البصرة والكوفة، يأتي على رأسهم في البصرة أبو عمرو بن العلاء المتوفي سنة 154 هـ، وأبو الخطاب الأخفش المتوفى سنة 177 هـ، وخلف الأحمر المتوفى سنة 180 هـ، ويونس بن حبيب المتوفى سنة 182 هـ. وعلى رأسهم في الكوفة حماد الرواية، المتوفى سنة 151 هـ، والمفضل الضبي المتوفى سنة 171 هـ.

وصحيح أن رواية الشعر وتدوينه كانت الغاية لدى هؤلاء العلماء، ولم يكن شرح الشعر من غايتهم، غير أن من المؤكد أن رواية الشعر قد ارتبطت بشرحه، ذلك لأن شرح الشعر كان جزءًا من الرواية مفسرًا ومكملًا. وهذا ما أكده الدكتور أحمد جمال العمري حين أشار إلى أن صلة الشعر برواته لم تنقطع، وكذلك صلة

ص: 61

الشعر بشراحه لم تنقطع أيضًا ثم قال: "كان الشرح في بدايته جزءًا لا يتجزأ من عصب الرواية فلم يكن حتى هذا العهد - عهد هؤلاء العلماء الأوائل - قد استقل فن الشرح ووضحت سماته، وأصبح علمًا قائمًا لذاته له مقوماته خصائصه الفنية والعلمية، وإنما كان الشرح غير مقصود لذاته بل يأتي عرضًا، تأييدًا لرواية، وتسجيلًا لحدث وتوضيحًا لغرض، وتفسيرًا للفظ وكل ذلك في نطاق الرواية الأدبية الخالصة، وكأن هذا الشرح من صميمها وجزء متمم لها لا تستقيم إلا به".

ولكن إن كان الشرح غير مقصود لذاته لدى هؤلاء العلماء فإنه بحق قد خطا على أيديهم خطوة أدت إلى توسع في عناصره، فقد رأيناه قبل الإسلام وبعده يقف عند تفسير الألفاظ أو توضيح صورة من صوره، أو إيراد خبر يتصل به، فهو عند هؤلاء لم يقف عند الألفاظ، وإنما تجاوز ذلك إلى مجمل المعنى للبيت، كما برز فيه ذكر مناسبات الشعر التاريخية وأخبار أصحابه، بل تجاوز ذلك كله إلى البحث في عيوبه والحكم على الشعراء والمفاضلة بينهم.

والأمثلة على جميع ذلك كثيرة متعددة، ففي تفسير معنى البيت وإيراد مجمل معناه نجد أبا عمرو بن العلاء يقول في بيتي الحارث بن حلزة:

إن إخواننا الأراقم يغلو ن علينا وفي قولهم احفاء

زعموا أن كل من ضرب العيـ ر موال لنا وأنا الولاء

"إن اخواننا يضيفون إلينا أذنب من اذنب إليهم ممن نزل الصحراء وضرب عيرًا، ويجعلونهم موالي لنا". كما نجد المفضل الضبي يقول في بيت شداد بن معاوية العبسي:

قتلت شراتكم وحسلت منهم حسيلًا مثل ما حُسل الوبار

"الحسيل الرديء، يقول: أنفيت شراركم وقتلت خياركم وأبقيت رذالكم"،

ص: 62

ويقول في بيت شييم بن خويلد الفزاري:

إني وحصنا كذي الأنف المقول له ما منك أنفكن ان اغضضته الجلبا

"أي لا أستغني أنا عن حصن كما لا يستغني عن الأنف".

وفي مناسبات الشعر وأخبار الشعراء المتصلة به نجد أمثلة مختلفة في كتاب أمثال العرب للمفضل الضبي، فمن ذلك ما رواه من خبر أبيات لقيط بن زرارة الدالية قال: "كان بين لقيط بن زرارة وبين رجل من أهل بيته يقال له: زيد بن مالك ملاحاة، فعيره زيد بتركه النكاح وقال: إن أكفاء أهل بيتك يرغبون عنك، ومن غيرهم من العرب عنك أرغب، فلما زوجه قبس قال:

ألم يأت زيدًا حيث أصبح أنني تزوجتها احدى النساء المواجد

عقيلة شيخ لم يكن لينالها سوى عُدسي من زرارة ماجد

إذا اتصلت يومًا بنسبتها انتهت إلى آل مسعود بن قيس بن خالد

كذلك نجد هؤلاء العلماء يخوضون في تقويم الشعر ويحاولون إبراز أنواع عيوبه، ويفاضلون بين الشعراء، وأحيانًا بين القصائد، فابن سلام يذكر قول يونس أن "عيوب الشعر أربعة: الزحاف والسناد والإيطاء والإكفاء وهو الاقواء، والزحاف أهونها، وهو أن ينقص الجزء من سائر الأجزاء فينكره السامع، ويثقل على اللسان، وهو في ذلك جائز والأجزاء مختلفة، فمنها ما نقصانه أخف، ومنها ما نقصانه أشبع".

وابن قتيبة يذكر لنا قول أبي عمرو بن العلاء في نابغة بني ذبيان وبشر بن أبي خازم الأسدي، وقد جاء فيه: "فحلان من الشعراء كانا يقويان، النابغة وبشر بن أبي خازم، فأما النابغة فدخل يثرب فغني بشعره ففطن فلم يعد للاقواء، وأما بشر

ص: 63

فقال له أخوه سوادة: إنك تقوي، قال: ومال الاقواء؟ قال قولك:

ألم تر أن طول الدهر يُسلي ويُنسى مثل ما نسيت جذام

ثم قلت:

وكانوا قومنا فبغوا علينا فسقناهم إلى البلد الشام

فلم يعد للاقواء".

وأما الحكم على الشعراء والمفاضلة بينهم أو بين قصائدهم فقد ضمت المصادر الكثير من آرائهم في هذا الشأن، فأبو عمرو بن العلاء كان يرى في شعر الأعشي العلو والانحدار، ولذا قال عنه:"مثله مثل البازي يضرب كبير الطير وصغيره" ويرى أن نظيره في الإسلام جرير، ونظير النابغة الأخطل، ونظير زهير الفرزدق".

ويسأل خلف الأحمر عن أشعر الناس فيقول: "ما ينتهي إلى واحد يجتمع عليه، كما لا يجتمع على أشجع الناس وأخطب الناس وأجمل الناس، ولكنه مع ذلك كان يعجب بالأعشي ويرى أنه "كان أجمعهم". والمفضل ينقل قول الفرزدق ويعتد به وذلك حين يقول: "امرؤ القيس اشعر الناس"، ويذكر ابن سلام أن أبا عمرو بن العلاء كان يفل خداش بن زهير على لبيد بن ربيعة ويقول في ذلك: "هو أشعر في قريحة الشعر من لبيد، وأبى الناس إلا تقدمه لبيد".

وخلف الأحمر الذي وصفه ابن سلام بأنه أفرس الناس ببيت شعر كان يفضل قصيدة مرواه بن أبي حفصة "طرقتك زائرة فحي خيالها" على قصيدة الأعشى "رحلت سمية غدوة أجمالها" وذلك لأن الأعشى قال في قصيدته:

ص: 64

فأصاب حبة قلبها وطحالها

والطحال كما يرى خلف "ما دخل في شيء إلا أفسده".

وهكذا نرى أن هؤلاء الرواة العلماء الأوائل قد حققوا في عنايتهم بجمع الشعر وروايته وتدوينه عناصر مختلفة تتصل بشرح الشعر ونقده، فكان ما حققوه مرتكزًا صلبًا اعتمد عليه تلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم في المضي بشرح الشعر إلى ميدان أرحب ومجال أوسع مما كان عليه في زمن هؤلاء الأوائل.

والحق أن الطبقة الثانية من العلماء من أمثال أبي عبيدة معمر بن المثنى، وعبد الملك الأصمعي، وأبي زيد الأنصاري، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الشيباني، وكذلك الطبقة الثالثة من أمثال الرياشي ومحمد بن وأبي حاتم السجستاني وابن السكيت والمازني، قد استطاعت أن تخطو بشرح الشعر خطوات بعيدة شملت مختلف عناصره من رواية ولغة ونحو ونقد، ويمكن أن نحدد عملهم في شرح الشعر في الجوانب التالية: أولها: أن الدارس يلاحظ اعتمادهم على أعمال شيوخهم، ينقلون آراءهم في الشعر وروايته وتفسيره، فأهل الطبقة الثانية ينقلون ما أخذوه عن أساتذتهم من رجال الطبقة الأولى الوراد، وأهل الطبقة الثالثة ينقلون أعمال شيوخهم من الطبقة الثانية ويزيدون عليه ما أخذه هؤلاء الشيوخ عن الطبقة الأولى، غير أن كلا من رجال الطبقتين الثانية والثالثة كانوا لا يقفون عند حد النقل فقط، بل كانوا يدلون برأيهم في أقوال شيوخهم ويسدون ما فاتهم من نقص، سواء كان ذلك في رواية الشعر أو تفسيره أو نقده، والأمثلة على ذلك كثيرة. ففي مجال الرواية نجد على سبيل المثال أن أبا عمرو بن العلاء كان يروي من قصيدة زهير التي مطلعها "صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله" سبعة وثلاثين بيتًا، فجاء كل من الأصمعي وأبي عبيدة فأضافا إلى روايته سبعة أبيات، والأصمعي أخذ من شيوخه في الرواية أبيات امرئ القيس الأربعة التي يقول في أولها:

ص: 65

ألا إن لا تكن إبل فمعزى كأن قرون جلتها العصي

ورواها حسب رواية الطوسي عنه، ولكنه كان ينكر نسبتها إلى امرئ القيس ويقول:"امرؤ القيس ملك ولا أراه يقول هذا"، وبيت امرئ القيس الذي يقول فيه:

تأوبني دائي القديم فغلسا أحاذر أن يرتد دائي فأنكسا

وهي رواية أبي عمرو، جاء أبو زيد وقال عنها:"هذا تصحيف لأن المتأوب لا يكون مغلسًا في حال واحدة لأن غلس إنما هو أتى في آخر الليل، وتأوب جاء في آخر النهار وإنما هو" فعلسا "أي اشتد وبرح".

هذا في مجال الرواية، أما في مجال تفسير اللغة، فقد رأينا للتلاميذ إضافات على الشيوخ، بل وخلافات لما فسروه، فأبو عمرو بن العلاء فسر لفظة "أخذ" الواردة في بيت طرفة:

وأروع نباض أحذ مُلملم كمرادة صخر في صفيح مُصمد

قال: "الأحذ هو الخفيف" فجاء ابن الأعرابي فقال: "هو الذكي الخفيف".

وكان الأصمعي كثير الاعتداد بشيخة أبي عمرو بن العلاء، يحتج به في الرواية، ويجعل من لغة خطابه مجالًا في الاحتجاج، وذلك في مصل بيت لبيد الوارد في طويلته وروايته الشائعة هي:

تجتاف أصلًا قالصًا متنبذًا بعجوب أنقاء يميل هيامها

نجد الأصمعي يرويه "تجتاف آصل قالص متبدد" ويقول: "سمعت أبا عمرو بن العلاء وقد اشترى غرسًا فقال للذي اشتراه: أريد منك عشرة آصل، يريد جماعة

ص: 66

أصل وآصل كما تقول: حبل وأحبل، ولكنه مع ذلك كان يخالفه في تفسير الشعر حين يرى أنه قد جانب الصواب. ففي بيت أوس بن حجر:

لعمرك ما ضيعتها غير أنها أتتني فواري عرية فالمجلل

كان أبو عمرو بن العلاء قد قال في تفسير عرية بعيدة يقول: جاءت من بعد والمجلل اسم رجل، فجاء الأصمعي وخالفه فقال: عريها ما عري منها لسنة، والمجلل ما ألبس جلًا".

وكما اعتمد علماء الطبقة الثانية على شيوخهم من علماء الطبقة الأولى وأفادوا من علمهم في الرواية وتفسر الشعر، اعتمد علماء الطبقة الثالثة على أساتذتهم من علماء الطبقة الثانية، فابن السكيت وأبو حاتم السجستاني والرياشي كثيرًا ما كانوا يعتمدون على الأصمعي في تفسير اللغة والشعر والرواية، ولكنهم كانوا مثل أساتذتهم يضيفون ويناقشون ويخالفون ما أخذوه عن سابقيهم.

وثاني هذه الجوانب أنه إذا كان علماء الطبقة الثانية ومن بعدهم تلاميذهم قد حققوا في شرح الشعر خطوات واسعة، فإنهم أيضًا قد اتصفوا في هذا الشأن بشيء من التخصص، وذلك لأن كل واحد منهم كانت له اهتمامات خاصة في ناحية من نواحي علم الشعر، فمنهم من كان يميل إلى الغريب ويقصر عليه جل اهتمامه، وذلك مثل الأصمعي، ومنهم من كان يهتم بقضايا النحو ومشكلاته مثل الأخفش، أو من كان يستغرق جهده في الأخبار والأيام والأنساب مثل أبي عبيدة معمر بن المثنى، ولم يكن فيهم من كان يعالج النص معالجة أدبية أو يشرحه شرحًا أدبيًا لأنهم كانوا يجعلون من النص مجالًا لخدمة العلوم المختلفة من لغة ونحو وأخبار وأيا وأنساب، وهذا ما عناه بجلاء أبو عثمان الجاحط المتوفى سنة 256 هـ حين قال: "طلبت علم الشعر عند الأصمعي فوجدته لا يحسن إلا غريبة، فرجعت إلى الأخفش فوجدته لا يحسن إلا إعرابه فعطفت على أبي عبيدة فوجدته لا ينقل إلا ما

ص: 67

اتصل بالأخبار وتعلق بالأيام والأنساب، فلم أظفر بما أردت إلا عند أدباء الكتاب كالحسن بن وهب ومحمد بن عبد الملك الزيات".

وهذا الكلام الذي قاله الجاحظ وأثنى عليه الصاحب بن عباد فيما بعد يمكن أن نلحظ غايته في كلام جرى بين أحمد بن يحيى البلاذري وابن الأعرابي أحد علماء الطبقة الثانية فقد قال أحمد بن يحيى: "قرأت على ابن الأعرابي شعر الأعشى، فما بلغت قوله:

لا تشكي إلى من ألم النسـ ـع ولا من حفى ولا من كلال

نقب الخف للسرى

قال ابن الأعرابي: "نقب الخف للسرى"، فقلتك أصلحك الله إن تضمين بيتين عيب في الشعر شديد أفيضمن الأعشى مع حذفه وتقدمه ثلاثة أبيات فيقول:

لا تشتكي إلى من ألم النسـ ع ولا من حفى ولا من كلال

نفب الخف للسر وترى الأنسـ ـاع من كل ساعة وارتحال

أثرت في جناجن كإران الـ ميت عولين فوق عوج طوال

فقال ابن الأعرابي، أنت شاعر، فقلت: شاعر كاتب، فقال: منهما علمت، اروه كما رويت نقب الخف".

وفي إدراكنا أن في هذا النص وما سبق من كلام الجاحظ ما يدل على قيام جماعة من الأدباء باتجاه مغاير في شرح الشعر لما سار عليه علماء الطبقة الأولى والثانية وتلاميذهم، وهو اتجاه يمكن أن نسميه بالشرح الأدبي الذي يعالج المعاني ومقاصد الشاعر فيها، ويجعل جل هم في هذا المدار لا يتجاوزه إلى اللغة وما فيها من اشتقاقات أو النحو وما يثار فيه من مشكلات، ولعل أوضح مثل لذلك ما نجده عند

ص: 68

أبي أحمد العسكري، وهو أديب كاتب، في شرحه لبتي نابغة بني ذبيان في قصيدته المسماة بالمتجردة وهما:

تجلو بقادمتي حمامة أيكة بردًا أسف لثاته بالإثمد

كالأقحوان غداة غب سمائه جفت أعاليه وأسفله ند

فقد قال: أراد تجلو بشفتيها إذا تكلمت أو ضحكت، وشبه شفتيها بقادمتي حمامة لرقتها و"أسف لثاته بالاثمد" كانوا يجعلون الكحل في أصول الأسنان ليشرق السواد مع البياض، وكان ذلك مما يستحسنونه، ولا سيما إذا كانت اللثة بيضاء غير حمراء، فكرهوا أن تكون اللثة بيضاء كالأسنان فغيروها بذلك، ثم قال "كالأقحوان" رجع إلى وصف الثغر، فوصفه بالأقحوان لبياض نوره وطيبه "جفت أعاليه وأسفله ند" شبهه بالأقحوان في هذه الحال، وذلك أن الأقحوان إذا كان في غب مطر، ولم تطلع عليه الشمس، فهو ملتف مجتمع غير منبسط، وكذلك كل الأنوار يكره أن يشبه الثغر به في هذه الحال، فيكون كالمتراكب بعضه على بعض، فشبهه بالأقحوان إذا أصابته الشمس فقال:"جفت أعاليه" يريد انبسطت وذهب تجعدها، وقال:"وأسفله ند" فاحترز من أن يكون جف وذوي كله".

فواضح من هذا الشرح أن صاحبه يجعل ابراز المعاني همه ويبين مقصد الشاعر في كل معنى صاغه، وينظر إلى الواقع الذي عاشه الشاعر، وصوره كما رآه، وهو بهذا شرح يعد أدبيًا بحتًا، يبعد عن الإغراق في اللغة وجزئياتها والنحو وقضاياه.

وثالث هذه الجوانب في شرح الشعر وتطوره أنه كان قد بدأ عند علماء الطبقة الأولى والثانية وتلاميذهم ذا مقصد تثقيفي، ثم تحول عند الاجيال التي تلت هؤلاء وقبيل بدء شروح الحماسة من مقصده هذا إلى مقصد تعليمي، وبذلك توسعت دائرته كثيرًا فأصبح يدل على شيء غير قليل من التعمق في دراسة اللغة وتحليلها تحليلًا يشمل جميع أجزائها، مع مناقشة معانيها المختلفة في تعابيرها المختلفة، وكذلك دراسة مستقصية للنحو ومشكلاته، وطرح آراء العلماء فيه ومناقشتها من خلال

ص: 69

النظرة المذهبية التي تتحكم في مسار الشارح. هذا فضلًا عن شرحهم للمعاني وما فيها من تأويلات قال بها من سبقهم من العلماء أو تأويلات مبتدعة اجتهدوا فيها، محاولين في كل ذلك أن يدعموا ما يرونه في المعاني وتأويلاتها بالقرآن الكريم أو الحديث الشريف أو المثل السائر أو الشعر الموروث، ومن ثم بدأنا نرى أن شرح البيت الواحد قد صار يضم مادة وفيرة من العلم في فروعه المختلفة.

هذه الجوانب الثلاثة هي أهم ما يخرج به الباحث في تتبعه لشرح الشعر وتطوره عند العلماء الأوائل ومن جاء بعدهم، ولا شك أن شروح الحماسة عندما ظهرت إلى الوجود كانت متأثرة بجميع ما طرأ على شرح الشعر بعامة لأن هؤلاء الشراح الذين تصدوا لشرح متن حماسة أبي تمام لم يكونوا بمعزل عن حركة شرح الشعر وتطوره، فكما كانت أجيال العلماء التي توالت بعد الجيل الأول جيل أبي عمرو بن العلاء وحماد الرواية تتأثر بأساتذتها وتنقل آراءهم وتضيف إليها ما يتحقق باجتهادها، كان شراح حماسة أبي تمام متأثرين بما سمعوه من شيوخهم في دروس النحو واللغة والرواية والنقد، ينقلون أقوالهم وأقوال سابقيهم في تسليم حينًا ومناقشة أحيانًا أخرى، وسوف نرى من خلال الفصول التالية كيف أن هؤلاء الذين تصدوا لشرح حماسة أبي تمام قد شغلوا حيزًا غير قليل من شروحهم بآراء السابقين من أمثال الأصمعي وأبي عبيدة وابن الأعرابي والأخفش والرياشي والمازني وغيرهم من علماء الطبقة الثانية والثالثة.

كذلك يمكن أن نلحظ أن الشراح الحماسة قد كانوا مثل الشيوخ السابقين حيث انصب اهتمام بعضهم في ناحية من النواحي التي تشكل عناصر شرح الشعر، فمنهم من اهتم بالغريب ومناقشته كأبي العلاء المعري، ومنهم من قصر جهده على النحو وعويصاته كأبي الفتح ابن جني، ومنهم من وقف عند الأخبار كأبي رياش، ومنهم من توخي المعاني لا يتجاوزها كأبي عبد الله النمري، ثم كان منهم من حاول أن يجمع بين هذه العناصر جميعًا في تفاوت واضح مثل أبي علي المرزوقي.

ومن الملاحظ أيضًا أن هؤلاء الشراح الذين تصدوا لشرح الحماسة قد ساروا في طريق التحول الذي رأيناه عند شراح الشعر بعامة، وهو التحول الذي لاحظناه في

ص: 70

نقل شرح الشعر من مقصده التثقيفي إلى مقصده التعليمي، ومن ثم كانت مناهج شراح الحماسة في جملتها مناهج تعليمية تشمل دروس النحو واللغة والبلاغة والنقد والأخبار والأيام والأنساب، على تفاوت في جميع ذلك، وهو تفاوت ينجم في المقام الأول عند مقدرة الشارح وحذقه في عنصر من هذه العناصر.

وفوق ما وضحناه يمكن القول بأن الثقافة المكونة لشرح الشعر وفهمه ونقده حين بدأت شروح الحماسة قد توسعت كثيرًا، ففي النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وهو الزمن الذي نرجحه لبدء شروح الحماسة كانت أعمال العلماء قد تعددت عبر أجيال عدة، وهي أعمال شملت الكثير من علوم العربية من لغة ونحو وبلاغة ورواية وأخبار تاريخية، وكان من الطبيعي أن تسهم هذه الأعمال المتشبعة في علو ثقافة هؤلاء الشراح وارتقائها، كما أن هذه الثقافة ظلت تنمو وتتطور في خلال تواتر شروح الحماسة، وتتابعها عبر القرون الرابع والخامس والسادس، وقد أعان هذا على التطور الملحوظ الذي برز بجلاء عند بعض هؤلاء الشراح.

تلك هي حركة شرح الشعر وتطوره حتى ظهور شروح حماسة ابي تمام، حاولنا أن نعرض لها في إيجاز وتركيز ممهدين بذلك لما نعقده من فصول تمثل صلب هذا البحث وموضوعه، متوخين من ذلك أن نؤكد أن شروح الحماسة تعد جزءًا من شرح الشعر عامة، فهي صورة منه، وممثلة له، بل إن جل الذين تصدوا لشرح ديوان الحماسة لم يكتفوا بما شرحوه منها، وإنما أسهموا إسهامات طيبة في شرح كثير من الدواوين والمختارات سواء في ذلك دواوين شعر الجاهلية والإسلام ومختاراتهما أو دواوين الشعر في العصور التي تلتهما.

ولما كان عملنا مقصورًا على شروح الحماسة إلى نهاية القرن السادس الهجري، فإن هذا يقتضي أن نعطي صورة عامة عن هذه الشروح منذ أن بدأت وإلى عصرنا هذا الحديث، حتى نقف على مدى الجهود التي بذلت من قبل العلماء في خدمة هذا الاختيار الفذ الذي خلفه أبو تمام. كما ينبغي أن نوضح ما يتصل بعملنا من هذه الشروح، وهذا بطبيعة الحال لا يتضح إلا من خلال ثبت نقدمه لهذه الشروح، وذلك على النحو التالي:

ص: 71

2 -

في ثبت شروح الحماسة وما يتصل بدراستنا منها.

ما أن وقف العلماء على حماسة أبي تمام حتى أدركوا قيمة ما اختاره من أشعار العرب فيها، ومن ثم بدأت رحلة شروحها منذ ذلك العهد وحتى عصرنا هذا الحديث.

وليس تحت أيدينا ما يدل على سنة معينة لبدء هذه الرحلة، ولا أول شارح كان له فضل السبق بشرف الاضطلاع بتفسير معاني الحماسة، ذلك لأن أول عالم بلغنا خبره في صناعة شرح للحماسة هو أبو محمد القاسم بن محمد الديمرتي المتوفى سنة 287 هـ. غير أني وجدت في مقدمة مختصر "معاني أبيات الحماسة" لأبي عبد الله الحسين بن علي النمري المتوفى سنة 385 هـ ما نصه:"ونظرت في الكتاب المعروف بالعارض في الحماسة المنسوب إلى الديمرتي، وهو كتاب شرط فيه تفسير ما يعرض من لفظ ومعنى، فخبط خبط عشواء فيها متبعًا ومبتدعًا، وقد ذكرت طرفًا من خطئه وصوابه"، فقوله:"متبعًا" يدل على أن هناك من سبق الديمرتي في شرح الحماسة ولكن لم يصل إلينا خبر عنه، وعلى هذا فإن أقدم من وصل إلينا أنه شرح الحماسة هو القاسم الديمرتي، وهذا بخلاف ما ذكره البغدادي في خزانة الأدب أن أول من شرح الحماسة هو أبو عبد الله النمري، وكذلك بخلاف ما تصوره عبد السلام هارون وعبد الله عبد الرحيم عسيلان أن أول شارح لها هو أبو رياش أحمد بن إبراهيم أستاذ النمري المتوفى سنة 339 هـ.

وكان كل من عبد السلام هارون وعبد الله عسيلان قد أوردا ثبتًا لشروح الحماسة، وضعنا في مقدمته شرحن أبي رياش، غير أننا - والأمر كما أوضحت نضع شرح الديمرتي في مقدمة هذه الشروح باعتباره أقدم شرح وصل إلينا خبره، مع غلبة ظننا التي تذهب إلى أن هناك من سبقه في هذا الشأن.

ص: 72

ولقد اعتمد عبد السلام هارون في ثبته الذي أورده على ما أورده صاحب كشف الظنون من شروح للحماسة وأضاف إليه ما وقف عليه من شروح لم ترد في كشف الظنون وكذلك فعل عبد الله عسيلان حيث اعتمد فيما أورده على ثبت عبد السلام هارون في مقدمة شرح المرزوقي، وأضاف إليه ما وقف عليه من شروح فات على عبد السلام هارون ذكرها، ولقد وقفنا على ثبتيهما لهذه الشروح وعرضناهما على ما وقفنا عليه من شروح في الكتب والمصادر، فاتضح لنا أنه - مع الجهد الطيب الذي قاما به في هذا الشأن - فقد فاتهما جملة من الشروح، كما أن هناك بعض الأوهام التي وقع فيها عبد الله عسيلان في شأن هذه الشروح لزم التنبيه عليها من خلال هذا الثبت الذي نورده كالآتي:

(1)

أبو محمد القاسم بن محمد الديمرتي الأصفهاني المتوفى سنة 287 هـ، وشرحه يسمى العارض، ولم يهتد إليه حتى الآن، وقد أفاد منه النمري كما ذكرنا، وأفاد منه زيد بن علي الفارسي في الشرح الذي رجحنا نسبته إليه، ونقل منه في مواضع مختلفة، كما أشارت إليه بعض المراجع التي ترجمت للديمرتي.

(2)

أبو بكر محمد بن يحي الصولي المتوفى سنة 335 هـ، وهو الذي جمع ديوان أبي تمام، وشرحه مفقود لا يعرف مكانه سوى ما دلت عليه المراجع.

(3)

أبو رياش أحمد بن إبراهيم الشيباني المتوفى سنة 339 هـ، وشرحه أيضًا لم يهتد إليه، غير أن أبا عبد الله الحسين النمري قد ذكر في مقدمة شرحه أنه يعول

ص: 73

عليه في "معاني أبيات الحماسة"، كما نجد من شرحه نقولات متعددة في مواضع مختلفة من شرح الخطيب التبريزي، وكذلك الحل في خزانة الأدب للبغدادي وبنى عليه أبو العلاء شرحه الذي صنعه لمصطنع الدولة وسماه "الرياشي المصطنعى".

(4)

أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة 370 هـ، وشرحه لم يصل إلينا، وقد أفادت عنه بعض المراجع التي ترجمته له.

(5)

أبو عبد الله الحسين بن علي النمري البصري المتوفي سنة 385 هـ وشرحه يسمى "معاني أبيات الحماسة" وقد وضع أبو محمد الأعرابي الغندجاني رسالة في نقد هذا الشرح، سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى، ويوجد لهذا الشرح مختصر بعنوان "كتاب معاني أبيات الحماسة" صنعه لنفسه رجل يدعى أحمد بن بكر بن أحمد، وهو مخطوط كما أشرنا من قبل، وقد ذهب الدكتور عبد الله عسيلان إلى أن هذا المختصر هو شرح النمري الذي لم يهتد إليه حتى الآن، قال في بحثه:"وقد يسر الله لي العثور على هذا الكتاب النفيس خلال رحلتي العلمية إلى تركيا وبريطانيا بحثًا عن مخطوطات الحماسة وشروحها، وكان المعتقد أن هذا الكتاب من الكتب المفقودة التي نقرأ أسماءها في تراجم العلماء وفهارس الكتب دون أن يكون لها أثر".

ونحن نقول بعد أن قرأنا هذا الكتاب إنه ليس بشرح النمري وإن شرح النمري لا

ص: 74

يزال مفقودًا، يدل على ذلك أن أبا محمد الأعرابي قد تناول في رسالته "إصلاح ما غلظ فيه أبو عبدالله النمري" الأخطاء التي رأى أن النمري قد وقع فيها وقد ناقشه في شرح أول بيت في الحماسة وهو:

لو كنت من مازن لم تستبح ابلي بنو اللقيطة من ذهل بن شيابنا

وهو لأحد شعراء بلعنبر في رأس قطعة يبلغ عدد أبياتها ثمانية، وليس في هذا المختصر شرح هذا البيت بل ليس فيه سوى شرح البيت الثاني من القطعة كلها، وغير ذلك كثير مما خطأه فيه أبو محمد الأعرابي، وليس في هذا المختصر، الذي نعتقد أنه قد صنعه من الشرح الأصل أحمد بن بكر بن أحمد الحاكم، إذ جاء في أول ورقة فيه "كتاب معاني أبيات الحماسة لأحمد بن بكر بن أحمد الحاكم متعه الله به".

وقد تعمد الدكتور عسيلان إغفال هذا لينسب إلى نفسه وبأسلوب دعائي كشفًا لا يقوم على شيء، والذي يرجع إلى نقولات التبريزي في شرحه والبغدادي في خزانة الأدب من شرح أبي عبد الله النمري، ويوازن بينها وبين هذا المختصر يدرك تمامًا أن هذا الذي زعمه الدكتور عسيلان ليس بصحيح، والمختصر - كما رأيناه - يضم 87 بيتًا من باب الحماسة و 14 بيتًا من باب الأدب و 37 بيتًا من باب المراثي و 23 بيتًا من باب النسيب و 19 بيتًا من باب الهجاء و 33 بيتًا من باب الملح، وبيتًا واحدًا من كل من بابي الصفات والسير والنعاس، وبيتين من باب الملح، وبيتًا واحدًا من باب مذمة النساء، ولا أدري لماذا اتجه الدكتور عسيلان ببحثه هذه الوجهة، وهو يعلم أن المعلومات عن المخطوطات ينبغي أن تكون صحيحة، إذ ليس من المتيسر أن يقف عليها كل الباحثين، وفي هذه الحال يأخذون ما ذكره مأخذ الصدق ويعتمدونه في أعمالهم هذا فضلًا عن أن هذا المختصر قد حققه ودرسه الدكتور علي شارك أرخين، ونال به درجة الدكتوراة عام 1973 من كلية اللغة والتاريخ والجغرافية بجامعة انقرة بتركيا، وتوجد مخطوطة دراسته بمكتبة الكلية السالفة الذكر، وقد أغفل أيضًا الدكتور عسيلان ذكر هذا، مع علمي من مسؤولي المكتبة بوقوفه على هذه الدراسة.

ص: 75

(6)

أبو الفتح عثمان بن جني المتوفى سنة 392 هـ، وجهوده في شرح الحماسة تتمثل في كتابين أحدهما: المبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة، وقد طبع في دمشق سنة 1348 هـ، والآخر كتاب "التنبيه على شرح مشكلات الحماسة" وتوجد منه نسخة كتبت سنة 682 هـ بدار الكتب المصرية تحت رقم 44 أدب في 205 ورقة، ونسخة أخرى كتبت سنة 594 هـ في 252 ورقة، وتوجد في معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة صورتان لهما الأولى تحت رقم 156 أدب، والثانية تحت رقم 157، وقد حققت هذا الشرح ودرسته يسرى قاسم، ونالت به درجة الماجستير من جامعة القاهرة عام 1971 م، وتوجد مخطوطة دراستها بمكتبة كلية الآداب بالجيزة.

(7)

أبو هلال الحسن بن عبد الله العسكري، المتوفى سنة 395 هـ، وجهوده في الحماسة تتمثل في عملين احدهما شرحه للحماسة الذي لا يعرف مكانه، وقد أفاد منه التبريزي في مواضع متعددة من شرحه، والآخر رسالة صنعها وضبط فيها مواضع من الحماسة، وقد ورد في مقدمتها قوله:"مربي في نسخة الحماسة بخط بعض أجلاء الشيوخ، وذكر أنه قرأها على أبي بكر الخياط وأبي الحسين المهرباني مواضع لم تضبط حق الضبط، ولم تجر على سنن العدل فرأيت الإبانة عن مواقع الزلل منها لئلا أنسب إلى الخطأ إذا رويت خلافها".

(8)

أبو الحسين أحمد بن فارس المتوفى سنة 395 هـ، وتوجد نسخة من شرحه مصدرة بعنوان "الجزء الأول من كتاب الحماسة اختيار أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وتفسير الشيخ أبي الحسين أحمد بن فارس رحمه الله وقد تناول

ص: 76

الدكتور عسيلان هذا الشرح فأنكر نسبته لابن فارس، واعتمد في ذلك على ثلاثة أدلة أحدها أن هذا الكتاب يشير إلى أن صاحبة قد اطلع على شرح المرزوقي في حين أن المرزوقي توفى سنة 421 هـ، وابن فارس توفى سنة 395، والثاني أن ابن فارس كان يهون من شأن الحماسة وصاحبها، والثالث أن الذين ترجموا لابن فارس لم يذكروا بين مصنفاته شرحًا لحماسة أبي تمام، ولم نجد أحدًا من شراح الحماسة أشار إلى شيء من ذلك حتى صاحب كشف الظنون لم يذكر شرحًا لابن فارس في الثبت الذي أورده لشروح الحماسة.

وفي هذه الأدلة نظر لأن المرزوقي كان منافسًا للصاحب بن عباد في بلاط بني بويه، وكان المرزوقي وقتها مؤدبًا لأبناء بويه، ذكر السيوطي في بعية الوعاة "أن الصاحب بن عبد دخل على المروزوقي يومًا فلم يقم له، فلما أفضت الوزارة إلى الصاحب جفاه"، ومعروف أن الصاحب توفي سنة 385 هـ، وأنه تولى الوزارة سنة 366 هـ، وظل بها حتى سنة وفاته. وإذا كان المرزوقي عالمًا له مكانته ومنافسًا للصاحب عباد، ومؤدبًا لأبناء بويه فمن المرجح أن يكون قد صنع شرحه لغاية تعليمية، وذلك حوالي هذا الزمن، ربما قبل تولي الصاحب الوزارة وربما إبانها، وعلى هذا فليس ببعيد أن يكون ابن فارس قد رأى شرحه وأفاد منه وإن سبق المرزوقي في الوفاة، يدع هذا أن كلا الرجلين المرزوقي وابن فارس كانا من فارس وفي عصر واحد، وهو عصر عرف بذيوع الكتاب وانتشاره. يقول الدكتور جمال العمري عن عصر المرزوقي: "وما أظننا نغالي إذا قلنا إن الكتب في هذا العصر كانت تنافس الشيوخ خاصة بعد أن ضعف القوم - علماء وغير علماء - على الرواية، وصارت الرواية الشفوية مستحيلة، والأخذ عن العلماء يستوجب التسجيل والتدوين لسهولة الرجوع إلى ما كتب وسجل. لهذا زاد اهتمام الناس بالكتب وتركز اهتمامهم

ص: 77

على التسجيل".

وإذا كان هذا حال الكتب في عصر المرزوقي وابن فارس، فليس ببعيد أن ينتقل شرح المرزوقي حال فراغه منه إلى الري حيث يعيش ابن فارس، وأن يقرأه ابن فارس ويفيد منه ما دام يدخل في دائرة اهتمامه. وكان ابن فارس امامًا في اللغة، وكان ديوان الحماسة مشغل علماء اللغة منذ ابن جني إلى عصر العكبري وما تلاه.

وأما أن ابن فارس كان يهون من شأن الحماسة وصاحبها فلا أظن أن الأمر كذلك، ولقد استنبط الدكتور عسيلان هذا الحكم من رسالة كان ابن فارس قد أرسلها إلى محمد بن سعيد الكاتب، حين أنكر على أبي الحسن محمد بن علي العجلي تأليفه كتابًا في الحماسة بعد حماسة أبي تمام، وهو في رأيي استنباط غير سليم لأن الرسالة ليست تهوينًا من شأن الحماسة وأبي تمام بقدر ما هي اعتراض على إعجاب مفرط صدر من محمد بن سعيد الكاتب بحماسة أبي تمام وإنكاره على الآخرين التأليف في الاختيار الشعري على نحو أبي تمام، وابن فارس يريد من صاحبه ألا يغالي هذه المغالاة. ومن ثم يصبح من المجحف حقًا حين نقرأ الرسالة أن نقول: إن ابن فارس كان يهون من شأن أبي تمام وحماسته.

أما أن الذين ترجموا لابن فارس لم يذكروا له شرحًا في الحماسة، فما أكثر الكتب التي لم يوردها أصحاب التراجم لمن ترجموا لهم. وربما كان إهمالهم لذكر شرح ابن فارس ناتجًا عن أنه لم تكن له أهمية تذكر. وقد أكد هذا الدكتور عسيلان نفسه حين وصفه بأنه مجرد تعليقات على الحماسة. وأما أن صاحب كشف الظنون لم يذكره في ثبته فليس هو الشرح الوحيد الذي غفل عنه صاحب كشف الظنون، فهو قد أورد 22 شرحًا فقط، وفاتت عليه جملة من الشروح ذكرتها المراجع الأخرى مثل شرح النمري وأبي العلاء والطبرسي وسبط بن الجوزي وغيرهم ممن لا يوجد لهم ذكر في ثبت حاجي خليفة، ولو وقف الدكتور عسيلان على الورقة (93) من مخطوطة الشرح نسبته لزيد بن علي الفارسي لما أنكر أن لابن فارس شرحًا في الحماسة،

ص: 78

ففي هامش هذه الورقة من الشرح المذكور، الذي زعم أنه قد درسه، نقل عن ابن فارس في رواية بيت اياس بن الارت:

وحان فراق من أخ لك صالح وكان كثير الشر للخير توأما

فقد رواه ابن فارس "وكان كنين الشر".

(9)

أبو أحمد عبد السلام بن الحسين بن طيفور البصري، اللغوي المتوفى سنة 405 هـ وشرحه من الشروح المفقودة.

(10)

أبو المظفر محمد بن آدم الهروي النحوي المتوفي سنة 414 هـ، وشرحه مفقود.

(11)

أبو سعيد علي بن محمد الكاتب، المتوفى سنة 414 هـ، وسمي شرحه "منثور البهائي" صنعه لبهاء الدولة بن بويه، وهو مفقود كذلك.

(12)

أو عبد الله محمد بن عبد الله الكاتب الاسكافي، المتوفى سنة 421 هـ، وشرحه مفقود.

(13)

أبو علي بن محمد المرزوقي، المتوفى سنة 421 هـ، وشرحه مطبوع في أربعة أجزاء بتحقيق أحمد أمين وعبد السلام هارون، وطبعته لجنة التأليف والترجمة والنشر.

(14)

أبو الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني، المتوفى سنة 431 هـ، وتوجد من شرحه نسخة في مكتبة الاسكوريال بمدريد تحت رقم 289، ومنه نسخة مصورة

ص: 79

بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 517 أدب.

(15)

أبو الندى محمد بن أحمد العندجاني، وتاريخ وفاته مجهول، غير أن أبا محمد الأعرابي المتوفى سنة 436 نقل عنه بالسماع كثيرًا في كتبه "إصلاح ما غلط فيه أبو عبدالله النمري".

(16)

أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد، المعروف بأبي محمد العرابي العندجاني الأسود، المتوفى سنة 436 هـ، وشرح يتمثل في الرد على بعض ما فسره أبو عبد الله الحسين بن علي النمري وهو بعنوان "إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" كما أسفلنا، وتوجد نسخة منه في دار الكتب المصرية تحت رقم 80 أدب، وأخرى بخط الشنقيطي تحت رقم 1481، ومن هذه النسخة نسخة مصورة في معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 33 أدب.

(17)

أبو علي الحسن بن أحمد الاستراباذي، وتاريخ وفاته مجهول، وقد أخطأ حاجي خليفة حين ذكر أن وفاته كانت في سنة 717 هـ، وليس هذا بصحيح لأن ياقوتًا ترجم له في معجم الأدباء، وياقوت توفي سنة 626 هـ، وورد ذكره في شرح زيد بن علي المتوفى سنة 467 هـ، والمرجح أنه كان من علماء أواخر القرن الرابع وأوائل القرن الخامس الهجري.

ص: 80

(18)

أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري، والمتوفى سنة 449 هـ، وشرحه يسمى "الرياشي المصطنعي" ذكر ياقوت أنه عمله لرجل يقال له مصطنع الدولة، وأنه يقع في أربعين كراسة، وقد بناه على شرح أبي رياض المتقدم ذكره، وهو شرح مفقود أفاد منه تلميذه التبريزي في مواضع كثيرة من شرحه المطبوع، وفي دار الكتب المصرية مخطوطة لشرح منسوب بالخطأ لأبي العلاء المعري تحت رقم 308 أدب، ومنه نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 156 أدب، وقد قمنا بدراسة هذا الشرح فاتضح لنا أنه ليس لأبي العلاء، وذلك لأسباب أولها ان نسبة هذا الشرح، وقعت عن طريق الوهم من مالك الكتاب الذي أورد عنوانه في الورقة الأولى هكذا:"كتاب الحماسة لملك الشعراء أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وشرحها لأبي العلاء أحمد بن سليمان التنوخي سامحهما الله، ملكه بالشراء الشرعي الفقير محمد بن محمد بن داود القدسي الشافعي من مدينة قسطنطينية في سنة 989"، وتبع ذلك تعريف لأبي تمام وأبي العلاء والخطيب التبريزي الذي روى الكتاب عن أبي العلاء على حد زعم مالك الشرح محمد بن محمد بن داود، وهذه التعريفات نقلها ابن داود هذا من تاريخ بغداد للبغدادي ووفيات الأعيان لابن خلكان، وبعد هذه التعريفات يأتي الشرح، وهو بخط مغاير لخط ابن داود مالك الكتاب، وجاء في خاتمته "تمت الحماسة بحمد الله ومنه وحسن توفيقه، واجتهد في نقلا وضبطها بحسب الجهد والطاقة، وكذلك في مقابلتها، وفرغ منه في سابع عشر صفر سنة أربع وخمسين وستمائة، والحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد النبي وأهله الطاهرين وسلامه" والذي يقف على الشرح يجد الفرق واضحًا بين خط ابن داود مالك الكتاب الذي نسب الشرح إلى أبي العلاء، وبين ناسخ الشرح الذي فرغ من نسخه سنة 654 هـ، وذلك من خلال رسم الحروف وطريقة الكتابة.

وثاني هذه الأسباب أن التبريزي في شرحه المطبوع نقل نقولات كثيرة عن شيخه أبي العلاء وقد ضاهينا هذه النقولات بهذا الشرح، فلم نجد لها أثرًا.

وثالثها أن صاحب هذا الشرح ينقل عن أبي منصور الجواليقي، والجواليقي،

ص: 81

كما ورد في ابناه الرواة ووفيات الأعيان، ولد سنة 466، وتوفي سنة 539 هـ أي ولد بعد وفاة أبي العلاء (449) بسبع عشرة سنة.

ورابعها أن في هذا الشرح جملة من الأخطاء لا يمكن لعالم جليل مثل أبي العلاء - ليس مثله في فهم الشعر واللغة - أن يقع فيها، ففي شرح تأبط شرًا الوارد في الحماسة الذي يقول:

بيت بمغنى الوحش حتى ألفنه ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا

قال في شرحه: "أي لا يكون بالليل في الموضع الذي يبيت فيه الوحش، ولا يحمي لا يكف الأذى عن الوحش" وهذا شرح لا يخفي ضعفه وتهافته، وأبو العلاء فوق هذا الضعف والتهافت.

وبناء على ما ذكرنا نظن أن هذا الشرح لأحد تلاميذ المدرسة النظامية الذين درسوا على أبي منصور الجواليقي في القرن السادس. هذا وقد نفى الدكتور عبد الله عسيلان نسبة هذا الشرح لبعض ما أوردناه، وقد وهم كل من بروكلمان وأحمد جمال العمري حين ظنا أن هذا الشرح لأبي العلاء، وكان وهم العمري فادحًا حين كان يشير إلى هذا الشرح في هوامشه، وهو ينقل كلامًا لأبي العلاء أورده التبريزي في شرحه، ولا يوجد هذا الكلام في نسخه الميكروفيلم التي أشار إليها. الأمر الذي يؤكد أنه لم يقرأ النسخة ولا وقف عليها.

(19)

أبو الحسن علي بن إسماعيل بن سيدة، اللغوي المشهور، المتوفى سنة 458، وهو شرح كبير في ستة أجزاء سماه الأنيق، ولا يعرف مكانه.

ص: 82

(20)

أبو القاسم زيد بن علي الفارسي الفسوي، المتوفى سنة 467 هـ، وقد قمنا بتحقيق شرحه ودراسته في الكتاب الثاني من هذا البحث.

(21)

أبو الفضل عبد الله بن أحمد الميكالي، المتوفى سنة 475 هـ، وشرحه أيضًا مفقود لم يصل إلينا.

(22)

أبو الحسين عبد الله بن أحمد بن الحسين الشاماتي، المتوفى سنة 457 هـ، وشرحه أيضًا مفقود.

(23)

أبو حكيم عبد الله بن حكيم الخيري، المتوفى سنة 476 هـ، وشرحه كذلك مفقود.

(24)

أبو الحجاج يوسف بن سليمان، المعروف بالأعلم الشنتمري، المتوفى سنة 476 هـ، وهو في الواقع ليس شرحًا لحماسة أبي تمام، ولكنه شرح لحماية صنعها هو وضم فيها مختارات من حماسة أبي تمام، وأضاف إليها من الحماسات الأخرى ثم

ص: 83

شرحها، وقد أسمى هذا الشرح، "تحلي غرر المعاني". وتوجد منه نسختان مخطوطتان بالمكتبة الأحمدية بتونس، الأولى تحت رقم 453 وتقع في 174 ورقة، والثانية تحت رقم 4537 وتقع في 156 ورقة، وكلتاهما مصورتان في معهد المخطوطات بالقاهرة الأولى تحت رقم 622، الثاني تحت رقم 642، وقد حقق هذا الشرح ودرسه الدكتور هاشم الشريف ونال به درجة الدكتوراة من جامعة لندن، وتوجد مخطوطة دراسته بمكتبة الجامعة المذكورة.

(25)

أبو الحسن علي بن محمد بن البياري، وتاريخ وفاته مجهول غير أنه من علماء القرن الخامس الهجري لأن الباخرزي المتوفى سنة 467 هـ قد ترجم له في دمية القصر وعصرة أهل العصر، ويوجد الجزء الأول من شرحه في مكتبة دبلن بانجلترا تحت رق 3870، وتوجد نسخة منه بدار الكتب المصرية بالقاهرة، مصورة بالتصوير الشمسي في 375 لوحة، وتحت رقم 7409 أدب، كما توجد صورة أخرى تحت رقم 16831 ز، وقد وهم الدكتور عبدالله عسيلان حين ذكر أن شرحه مفقود ودرسه على هذا الأساس.

(26)

أبو زكريا يحيى بن علي الخطيب التبريزي، المتوفى سنة 502 هـ، وقد شرح الحماسة ثلاثة شروح: صغير ومتوسط وكبير، والشرح المتوسط طبع عدة طبعات، وهو المتداول بين الناس، أما الشرح الصغير والشرح الكبير فالظن أنهما مفقودان، وفي دار الكتب المصرية يوجد جزء من شرح منسوب إلى التبريزي تحت رقم 1195 أدب، وقد ظن عبد السلام هارون أنه جزء من شرحه الصغير فحدث بذلك، ولا أظن هذا الشرح من عمل التبريزي، إذ ليس فيه ما يؤكد نسبته إلى التبريزي سوى هوامش مأخوذة من شرحه المتوسط يشار فيها إلى اسمه، والذي

ص: 84

ينظر في هذا الشرح ويقابله بالشرح المتوسط لا يحس بالتقاء في الشرحين، وهذا مما يرجح عدم نسبته إلى التبريزي.

(27)

أبو نصر منصور بن مسلم الحلبي، المعروف بابن الدميك المتوفى سنة 510 هـ، وشرحه بعنوان "تتمة ما قصر فيه ابن جني في شرح أبيات الحماسة"، وهو مفقود لا يعرف مكانه.

(28)

فخر الزمان أبو المحاسن مسعود بن علي بن أحمد بن العباس الصواني الباجي البيهقي، المتوفى سنة 544 هـ، وشرحه كذلك مفقود.

(29)

أبو علي الفضل بن الحسين الطبرسي أمين الدين المتوفى سنة 548 هـ، وشرحه بعنوان "الباهر في الحماسة" وهو موجود، توجد نسخة منه بمكتبة فيض الله بتركيا التي ادرجت ضمن مكتبة مللت بتركيا تحت رقم 1462، ومن هذه النسخة نسخة مصورة محفوظة بمعهد المخطوطات بالقاهرة تحت رقم 77 أدب، وتوجد نسخة أخرى من هذا الشرح بالمكتبة الظاهرية في دمشق تحت رقم 1425.

(30)

أبو الرضا ضياء الدين فضل الله بن علي الراوندي المتوفى بعد سنة 549 هـ، وشرحه موجود، توجد نسخة منه في المتخف البريطاني بلندن تحت رقم 1663.

ص: 85

(31)

أبو البركات كمال الدين عبد الرحمن بن محمد الأنباري، المتوفى سنة 537 هـ وشرحه مفقود.

(32)

عبد الله بن إبراهيم الشيرازي المتوفى سنة 584 هـ، وشرحه أيضًا مفقود.

(33)

أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن ملكون الحضرمي الاشبيلي المتوفى سنة 584 هـ وكتابه بعنوان "إيضاح المنهج في الجمع بين كتابي التنبيه والمبهج لأبي الفتح عثمان بن جني"، وتوجد نسخة منه بمكتبة الاسكوريال بمدريد تحت رقم 312 وهي بقلم أندلسي في 125 ورقة منها نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 1051.

(34)

علي بن الحسن بن عنتر بن ثابت المعروف بشميم الحلي، المتوفى سنة 601 هـ، وشرحه يسمى "الماسة في شرح الحماسة" وهو مفقود.

(35)

أبو البقاء عبد الله الحسين العكبري المتوفى سنة 616 هـ، وشرحه بعنوان "إعراب الحماسة" وهو موجود، توجد منه نسخة في مكتبة كوبريلي بتركيا تحت

ص: 86

رقم 1307 ونسخة أخرى في مكتبة السليمانية باستانبول تحت رقم 934.

(36)

يحي بن حميد بن ظافر بن النجار بن علي بن عبد الله المعروف بابن أبي طي المتوفى سنة 630 هـ، وشرحه مفقود.

(37)

أبو علي عمر بن محمد بن محمد الاشبيلي الأزدي، المعروف بالشلوبيني المتوفى سنة 645 هـ، وشرحه كذلك مفقود.

(38)

يوسف بن قزاوغلي، المعروف بسبط بن الجوزي، المتوفى سنة 654، وشرحه يسمى "مقتضى السياسة في شرح نكت الحماسة" وهو موجود، توجد نسخة منه في المتحف البريطاني بلندن تحت رقم 1108 و 3741، وتوجد نسخة أخر كتبت بخط المؤلف في مكتبة جامعة استانبول بتركيا تحت رقم 778، ومن هذه النسخة نسخة مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 710 أدب.

(39)

على بن مؤمن بن محمد بن علي، العلامة ابن عصفور الحضرمي الإشبيلي المتوفى سنة 696 قال صاحب الفوات إنه شرح ديوان المتنبي والأِشعار الستة وشرح الحماسة، وهذه الشروح لم يكملفها.

(40)

محمد بن قاسم بم محمد بن زاكور المغربي، المتوفى سنة 1120 هـ، وشرحه بعنوان "النفاسة في شرح الحماسة" وتوجد منه نسختان بالمكتبة الأحمدية خزانة جامع الزيتونة بتونس إحداهما في 166 ورقة تحت رقم 4535 أدب، والأخرى في 48 ورقة وتحت رقم 4504 أدب، وتوجد نسخة أخرى للنفاسة في

ص: 87

المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 8689، منها نسخة مصورة محفوظة بمركز جهاد الليبيين بطرابلس الغرب.

(41)

بهاء الدين عبد القادر بن لقمان، وقد سمى شرحه "الرصافة القادرية" وطبع بالهند سنة 1299، وآخره تفسير لبعض الكلمات اللغوية باللغة الانجليزية ومن هذا الشرح نسخة بالمكتبة الأزهرية بالقاهرة.

(42)

سيد بن علي المرصفي، أحد شيوخ الأزهر الشريف في مطلع هذا القرن العشرين، وقد طبع الجزء الأول من شرحه سنة 1330 هـ 1912 م، وقد رتب الشعر فيه ترتيبًا يختلف عن المألوف الذي درج عليه شراح الحماسة، حيث رتب الشعراء فيه بحسب أزمانهم بادئًا بالجاهليين فالإسلاميين فالأمويين فالعباسيين.

(43)

شرح منسوب لمحمد سعيد الرافعي، قال عبد السلام هارون: إنه للشيخ إبراهيم الدلجموني، وقد طبع هذا الشرح عدة طبعات بالقاهرة.

(44)

الشيخ الإمام محمد الطاهر بن عاشور، وشرحه مخطوط بالمكتبة العاشورية بتونس، وقد ذكر هذا الشرح البشير العريبي في بحث بعنوان "ثقافة الشيخ ابن عاشور من خلال تفسيره" وأشار فيه إلى الثبت الذي أعده الحبيب شيبوب لمؤلفات الشيخ محمد الطاهر، وفيه شرح ديوان الحماسة للشيخ.

هذه هي الشروح التي وقفنا عليها في المراجع والمكتبات، وقد سبق أن ذكرنا أن

ص: 88

ثبتها عند صاحب كشف الظنون يبلغ 22 شرحًا، وهي في ثبت عبد السلام هارون تبلغ ثلاثين شرحًا، وفي ثبت عبد الله عبد الرحيم عسيلان بلغت خمسة وثلاثين شرحًا، وبهذا نكون قد استدركنا على ما ذكروه تسعة شروح لم ترد عندهم، ولا أظن أن ما أوردته هو كل ما صنع من شروح في الحماسة فلا شك في أن جملة من الشروح لم نقف على ذكرها بعد فنحن لا نستطيع أن نتصور أن سنوات القرون الثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر مرت دون أن يتصدى فيها عالم لحماسة أبي تمام بالشرح، ولعل قابل الأيام يكشف لنا عن أمر جديد في هذا الشأن.

شروح مجهولة:

وبجانب هذه الشروح الموجودة منها والمفقودة توجد شروح مجهولة النسبة لأصحابها، وهي حسب ما وقفنا عليه أو وقع تحت أيدينا أربعة شروح هي:

(1)

شرح لمجهول ذكره بروكلمان وأفاد بأن نسخته موجودة في مكتبة ميونخ بألمانيا تحت رقم 889.

(2)

ورأيت في مكتبة السليمانية بتركيا شرحًا آخر لمجهول تحت رقم 1814 "لاه لي" عدد أوراقه 156 ورقة في كل ورقة 14 سطرًا، وهو بخط واضح مقروء، ولكنه ليس بكامل إذ ينتهي بباب المراثي، وقال صاحبه في آخره:"تم باب المراثي من كتاب الحماسة ويتلوه المجلد الثاني باب الأدب"، ولقد وجدت صاحب هذا الشرح ينقل من المرزوقي والتبريزي والواحدي المتوفى سنة 468، كما ينقل كثيرًا من ضياء الدين بن الأثير صاحب كتاب المثل السائر، المتوفى سنة 637 هـ، وبعض هذا النقل بالسماع مما يدل على أنه كان تلميذًا له، ومن ثم فإن صاحب هذا الشرح من علماء القرن السابع الهجري.

(3)

ويوجد أيضًا بالسليمانية شرح آخر مجهول المؤلف تحت رقم 2776، يقع في 97 ورقة، في كل ورقة 19 سطرًا، والخط فيه واضح، وهو جزء من شرح لأنه يبدأ

ص: 89

من قطعة يزيد بن الحكم التي هي رقم 39 من باب الأدب، وينتهي في قطعة زياد الأعجم التي هي رقم 68 من باب الهجاء. وصاحبه ينقل عن أبي رياش وابن جني وأبي العلاء، مما يدل على أنه من علماء القرن الخامس أو السادس الهجريين.

(4)

وثمة شرح ثالث رأيته بالسليمانية لمجهول تحت رقم 2775 "أسعد أفندي" وهو يكاد يكون تامًا، ليس فيه نقص سوى جزء من مقدمته، التي يوجد بعضها، ويتكلم صاحب الشرح فيها عن مكانة الشعر من النثر، وقلة البلغاء وكثرة الشعراء، ويعدد الأسباب والعوامل لذلك، ويبدو فيها أنه متأثر بما أورده المرزوقي في المقدمة الأدبية لشرحه. والشرح يقع في 217 ورقة، في كل ورقة 26 سطرًا، والخط في النسخة دقيق ولكنه جيد، وصاحب هذا الشرح من علماء القرن الثاني عشر لأني وجدت في خاتمة الشرح عبارة تقول:"تم الشرح على الحماسة بعون الله تعالى سنة 1135، ربيع الأول".

إن ما يهمنا من هذه الشروح التي أوردناها في هذا الثبت هو الشروح التي صدرت إلى نهاية القرن السادس الهجري، وهي الفترة التي حددناها لهذه الدراسة، ومن وقوفنا على الشروح التي صدرت في هذه الفترة، ومن خلال المعلومات التي طرحناها في هذا الثبت يتبين لنا أن شروح الفترة التي يتناولها البحث تتدرج تحت ثلاثة أنواع.

شروح مفقودة لا يعرف عنها شيء سوى معلومات ضئيلة دلت عليها المراجع التي توفرت لدينا، وشروح وصلت إلينا، منها شرحان مطبوعان هما شرح الإمام المرزوقي وشرح الخطيب التبريزي، وبقيتها لا تزال مخطوطة جمعناها من مكتبة مختلفة، وشروح ثالثة لم تصل إلينا غير أننا وجدنا نقولات كثيرة منه في الشروح المطبوعة والمخطوطة التي وصلت إلينا، وهي منقولات تسمح بالعمل فيها.

فأما النوع الأول من هذه الشروح فلا حيلة لنا فيه، وأما النوعان الثاني والثالث

ص: 90

فهما يشكلان مدار الدراسة في هذا البحث، ويتكونان من خمسة عشر شرحًا هي على النحو التالي:

(1)

شرح أبي رياش الذي نقل منه التبريزي كثيرًا، ونقل منه زيد بن علي ي مواضع مختلفة من شرحه واعتمد عليه النمري في شرحه الذي وصل إلينا مختصر عنه.

(2)

شرح أبي عبدالله الحسين النمري الذي وصل إلينا مختصر منه على نحو ما أوضحنا في هذا الثبت.

(3)

كتابا أبي الفتح بن جني، التنبيه على شرح مشكلات الحماسة، والمبهج في شرح أسماء شعراء الحماسة.

(4)

شرح أبي هلال العسكري، الذي تقل منه التبريزي كثيرًا، فضلًا عن رسالته التي وصلت إلينا مخطوطة والت ضبط فيها مواضع من ديوان الحماسة.

(5)

شرح ابن فارس، وقد وصل منه الجزء الأول فقط، وهو كاف للدلالة على طريقة الشرح وما تقوم عليه من عناصر.

(6)

شرح أبي علي المرزوقين وهو من أهم الشروح التي يقوم عليها العبء الأكبر في هذه الدراسة.

(7)

شرح أبي الفتوح الجرجاني الذي وصل إلينا مخطوطًا بين أيدينا.

(8)

شرح أبي العلاء المعري، وهو لم يصل إلينا ولكن تلميذه الخطيب التبريزي نقل منه نقولات متعددة كافية للدراسة وإبراز عمل أبي العلاء في شرح الشعر.

(9)

شرح أبي القاسم زيد بن علي الفارسي الفسوي، وهو الشرح الذي حققناه في الشق الثاني من هذا البحث.

(10)

شرح الأعلم الشمنتري في النصوص التي اختارها من حماسة أبي تمام.

(11)

كتاب "إصلاح ما غلط فيه أبو عبد الله النمري" لأبي محمد الأعرابي الغندجاني، وهو مخطوط بين أيدينا.

ص: 91

(12)

شرح أبي الحسن البياري الذي وصل إلينا مخطوطًا، فضلًا عن أن الطبرسي والرواندي نقلا منه نقولات متعددة في شرحيهما الوارد ذكرهما.

(13)

شرح الخطيب للتبريزي وهو يضاهي شرح المرزوقي في كونه يقوم عليه عبء الدراسة بل يفوقه في ذلك، لنقولاته المتعددة، من الشروح التي لم تصل إلينا.

(14)

شرح أمين الدين الطبرسي، وهو من الشروح المخطوطة بين أيدينا.

(15)

وأخيرًا شرح أبي الرضا الرواندي الذي هو أيضًا لا يزال مخطوطًا، ولكنه بين أيدينا.

(16)

الشرح المنسوب خطأ إلى أبي العلاء وصاحبه من علماء القرن السادس.

ولقد أبعدنا من هذه الدراسة كتاب "إيضاح المنهج" بالرغم من حصولنا على مخطوطته لأنه وإن كان يدخل في الفترة التي حددناها لهذه الدراسة فإن عمله لا يعد ذا قيمة إذ جمع فيه بين كتابي التنبيه والمبهج لأبي الفتح بن جني اللذين يدخلان في دائرة عملنا. كما أن الجمع بين هذين الكتابين في كتاب واحد يعد خطأ في حد ذاته، على نحو ما سنوضحه في موضع آت إن شاء الله.

وهذه الشروح التي يدور حولها البحث تأتي ستة منها في القرن الرابع الهجري هي شروح أبي رياش، وأبي عبد الله النمري، وأبي الفتح بن جني، وأبي هلال العسكري، وأبي الحسين بن فارس، وأبي علي المرزوقي. وتأتي سبعة منها في القرن الخامس الهجري هي شروح: أبي الفتوح الجرجاني، وأبي محمد الأعرابي، وأبي العلاء المعري، وأبي القاسم الفسوي، والأعلم الشمنتري، وأبي الحسن البياري، والخطيب التبريزي، وأما القرن السادس فمنه ثلاثة شروح هي: شرح أمين الدين الطبرسي، وشرح أبي الرضا الراوندي، والشرح المنسوب خطأ إلى أبي العلاء المعري الذي رجحنا أن صاحبه من شراح القرن السادس الهجري.

ص: 92