الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثالث: النثاء عليهم في أقوال السلف
…
المبحث الثالث: الثناء عليهم في أقوال السلف
لقد كثر الثناء في كلام السلف على الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بما امتازوا به من الصفات الطيبة، والسيرة الحسنة، والأخلاق المشرقة، والأعمال الصالحة، التي جعلتهم أهلاً لأن يكونوا أصحاباً ووزراء لخير البرية محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، والثناء الوارد عن السلف منه ما يتعلق بهم على وجه العموم ومنه ما يكون باعتبار الأفراد والذي نريد ذكره في هذا المبحث من هذا الثناء هو ما يتعلق بهم على وجه العموم كما لا أقتصر هنا على الثناء الوارد على الصحابة ممن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم وغيرهم من أئمة الدين، بل أذكر حتى الثناء الوارد منهم بعضهم على بعض إن وجد وكان على سبيل العموم ومن ذلك ما يلي:
1-
قال حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "إن الله ـ جل ثناؤه وتقدست أسماؤه ـ خص نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بصحابة آثروه على الأنفس والأموال، وبذلوا النفوس دونه في كل حال، ووصفهم الله في كتابه فقال:{رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} 1.قاموا بمعالم الدين وناصحوا الاجتهاد للمسلمين حتى تهذبت طرقه وقويت أسبابه
1ـ سورة الفتح آية/29
وظهرت آلاء الله، واستقر دينه ووضحت أعلامه، وأذل بهم الشرك، وأزال رؤوسه ومحا دعائمه، وصارت كلمة الله العلياء، وكلمة الذين كفروا السفلى فصلوات الله ورحمته وبركاته على تلك النفوس الزكية، والأرواح الطاهرة العالية فقد كانوا في الحياة لله أولياء، وكانوا بعد الموت أحياء، وكانوا لعباد الله نصحاء، رحلوا إلى الآخرة قبل أن يصلوا إليها وخرجوا من الدنيا وهم بعد فيها"أ. هـ1
فهذه الصفات التي وصفهم بها عبد الله بن عباس كلها مناقب وثناء حسن يذكرون به في الآخرين وقد كانوا رضي الله عنهم كما وصفهم، فقد خصهم الله وشرفهم بصحبة نبيه عليه الصلاة والسلام، وآثروه بأموالهم وأنفسهم، وأقاموا معالم الدين الإسلامي الحنيف، ونصحوا للأمة واجتهدوا في نشر الإسلام وتثبيت دعائمة حتى استقر في الأرض وأذل الله بهم الشرك وأهله وأزيلت رؤوسه، ومحيت دعائمه وأعلى الله بهم كلمته، ودحر بهم كلمة الباطل، وبذلك كانت نفوسهم زكية وأرواحهم طاهرة فكانوا أولياءً لله في هذه الحياة الدنيا فرضوان الله عليهم أجمعين.
2-
روى أبو نعيم الأصبهاني: بإسناده إلى أبي أراكة قال: صلى عليّ الغداة ثم لبث في مجلسه حتى ارتفعت الشمس قيد رمح كأن عليه كآبة ثم قال: لقد رأيت أثراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أرى أحداً يشبههم والله إن كانوا ليصبحون شعثاً غبراً صفراً بين أعينهم مثل ركب المعزي قد باتوا يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم إذا ذكر الله مادوا كما تميد الشجرة في يوم ريح، فانهملت أعينهم حتى تبل والله ثيابهم والله لكأن القوم باتوا غافلين.
وقال أيضاً رضي الله عنه: "أولئك مصابيح الهدى يكشف الله بهم كل فتنة مظلمة سيدخلهم الله في رحمة منه، ليس أولئك بالمذاييع2 البذر ولا الجفاة
1ـ مروج الذهب ومعادن الجوهر 3/75.
2ـ هو جمع مذياع من أذاع الشيء إذا أفشاه وقيل أراد الذين يشيعون الفواحش النهاية 2/174.
المرائين"1.فأمير المؤمنين علي رضي الله عنه مدحهم بهذه الصفات الطيبة التي كانت شعارهم فقد بين أنهم كانوا مجتهدين في عبادة ربهم كانوا يكثرون من النوافل في جوف الليل لأن اصفرار الوجوه وظهور السيماء فيها كان نتيجة إكثارهم من السهر والسجود لله ـ جل وعلا ـ ووصفهم بأنهم كانوا يبيتون تالين لكتاب الله، وكانوا إذا تليت عليهم آيات الله بكوا وكانوا أعلام هدى، ولقوة بصيرتهم ومعرفتهم أحكام الله، وما أوجب عليهم من العبادات والطاعات كشف الله عنهم الفتن المضلة، فكانوا من أهل رحمته التي لا يفوز بها إلا أهل الإخلاص، وقد كانوا رضي الله عنهم في مقدمة أولياء الله المؤمنين وعباده المتقين فرضي الله عنهم أجمعين.
3-
وروى أبو نعيم الأصبهاني: بإسناده إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "من كان مستناً فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكانوا على الهدي المستقيم".2
4-
وروى الإمام أحمد في المسند بإسناده إلى عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً فهو عند الله سيء".3
وروى ابن بطة ـ كما في منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ـ بإسناده إلى
1ـ حلية الأولياء 1/76-77، وابن كثير في البداية والنهاية 8/7.
2ـ حلية الأولياء 1/305-306، وذكره البغوي عن ابن مسعود 1/214.
3ـ المسند 1/379، شرح السنة للبغوي 1/214-215.
عبد الله بن مسعود أنه قال: "من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب محمد كانوا والله أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم واتبعوهم في آثارهم وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم".1
"فقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه كانوا أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً كلام جامع بين فيه حسن قصدهم ونياتهم ببر القلوب وبين فيه كمال المعرفة ودقتها بعمق العلم وبين فيه تيسير ذلك عليهم وامتناعهم من القول بلا علم بقلة التكلف"أ. هـ2
"فأحق الأمة بإصابة الصواب أبرها قلوباً وأعمقها علوماً وأقومها هدياً وأحسنها حالاً، من غير شك ولا ارتياب فكل خير وإصابة وحكمة، وعلم ومعارف ومكارم، إنما عرفت لدينا ووصلت إلينا من الرعيل الأول والسرب الذي عليه المعول، فهم الذين نقلوا العلوم والمعارف عن ينبوع الهدى ومنبع الاهتداء"3 فرضي الله عنهم أجمعين.
5-
روى الإمام مسلم بإسناده إلى الحسن أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عبيد الله بن زياد فقال: أي بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن شرَّ الرعاء الحطمة" فإياك أن تكون منهم فقال له اجلس فإنما أنت من نخالة4 أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقال: وهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم".5
1ـ منهاج السنة 1/166.
2ـ منهاج السنة 1/166.
3ـ انظر: لوامع الأنوار البهية للسفاريني 2/380.
4ـ النخالة: هي نخالة الدقيق والمراد: قشوره، والنخالة والحفالة والحثالة بمعنى واحد، شرح النووي 12/216.
5ـ صحيح مسلم 3/1461.
فقول عائذ بن عمرو رضي الله عنه: "وهل كانت لهم نخالة إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم""هذا من جزل الكلام وفصيحه وصدقه الذي ينقاد له كل مسلم، فإن الصحابة رضي الله عنهم كلهم هم صفوة الناس وسادات الأمة وأفضل ممن بعدهم وكلهم عدول قدوة لا نخالة فيهم، وإنما جاء التخليط ممن بعدهم وفيمن بعدهم كانت النخالة".1فالصحابة رضي الله عنهم كانوا في غاية التحلي بالصفات الطيبة التي زكت بها نفوسهم وطهرت بها قلوبهم، وعلت بها مكانتهم فكانوا صفوة الأمة وأعلاها وأكملها فطرة وأصفاها أذهاناً وبذلك كان مجتمعهم مجتمع الطهر والنقاء والصفاء رضوان الله عليهم أجمعين.
وقد أثنى عليهم التابعون بذكر محاسنهم، وما قدموه من الأعمال الصالحة التي ينبغي لمن جاء بعدهم الاقتداء بهم فيها ومن ذلك ما يلي:
6-
قال السيوطي وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر عن أبي صخر حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما أريد الفتن؟ فقال إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم قلت: له وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؟ قال ألا تقرأ {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 2 أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشترطه فيهم قلت: وما اشترط عليهم؟ قال: اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان يقول: يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة، ولا يقتدون بهم في غير ذلك قال أبو صخر: لكأني لم
1ـ شرح النووي على صحيح مسلم 12/216.
2ـ سورة التوبة آية/100.
أقرأها قبل ذلك وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب".1
7-
ما رواه أبو نعيم بإسناده إلى الحسن البصري
…
أن بعض القوم قال له: أخبرنا صفة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فبكى وقال: ظهرت منهم علامات الخير في السيماء والسمت والهدي والصدق وخشونة ملابسهم بالاقتصاد، وممشاهم بالتواضع، ومنطقهم بالعمل، ومطعمهم ومشربهم بالطيب من الرزق، وخضوعهم بالطاعة لربهم تعالى، واستفادتهم للحق فيما أحبوا وكرهوا، وإعطاؤهم الحق من أنفسهم ظمئت هواجرهم ونحلت أجسامهم واستخفوا بسخط المخلوقين في رضى الخالق، لم يفرطوا في غضب، ولم يحيفوا ولم يجاوزوا حكم الله ـ تعالى ـ في القرآن شغلوا الألسن بالذكر، بذلوا دماءهم حين استنصرهم، وبذلوا أموالهم حين استقرضهم ولم يمنعهم خوفهم من المخلوقين، حسنت أخلاقهم، وهانت مؤنتهم، وكفاهم اليسير من دنياهم إلى آخرتهم".2
8-
روى الإمام أحمد بإسناده إلى قتادة بن دعامة السدوسي أنه قال: "أحق من صدقتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه".3
9-
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "قال حماد بن سلمة عن أيوب السختياني4، أنه قال: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله، ومن أحب علياً
1ـ الدر المنثور في التفسير بالمأثور 4/272.
2ـ حلية الأولياء 2/150.
3ـ المسند 3/134.
4ـ هو أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري، أبو بكر سيد فقهاء عصره تابعي من حفاظ الحديث كان ثبتاً ثقة ولد سنة ست وستين، وتوفي سنة إحدى وثلاثين ومائة هجرية، انظر: ترجمته في تهذيب التهذيب 1/297، حلية الألياء 3/3، اللباب 2/108، الأعلام 1/382.
فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق".1
10-
وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده: إلى بقية بن الوليد قال: "قال لي الأوزاعي2 يا بقية: العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يجيء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فليس بعلم، يا بقية لا تذكر أحداً من أصحاب محمد نبيك صلى الله عليه وسلم إلا بخير ولا أحداً من أمتك، وإذا سمعت أحداً يقع في غيره فاعلم أنه إنما يقول أنا خير منه".3
11-
وروى بإسناده إلى قتادة رحمه الله تعالى أنه قال في قوله تعالى: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} قال: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.4
12-
وروى أيضاً: بإسناده إلى سعيد بن المسيب أنه سئل عن شيء فقال: "اختلف فيه أصحاب رسول الله ولا أرى لي معهم قولاً قال ابن وضاح5: هذا هو الحق: قال أبو عمر: معناه ليس له أن يأتي بقول يخالفهم"6.
تلك هي أقوال بعض التابعين في الصحابة عموماً وكما هي واضحة فإنها
1ـ البداية والنهاية 8/13.
2ـ هو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي من قبيلة الأوزاع، كان إماماً في الفقه والزهد ثقة، جليل، ولد سنة ثمان وثمانين وتوفي سنة سبع وخمسين ومائة هجرية، انظر: ترجمته في تهذيب التهذيب 6/638، وفيات الأعيان 3/127-128، حلية الأولياء 6/135، سير أعلام النبلاء 7/107-134.
3ـ جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله 2/36.
4ـ جامع بيان العلم 2/36 والآية رقم 6 من سورة سبأ.
5ـ هو: محمد بن وضاح بن يزيع، أبو عبد الله مولى عبد الرحمن بن معاوية بن هشام محدث من أهل قرطبة، ولد سنة تسع وتسعين ومائة وتوفي سنة ست وثمانين ومائتين هجرية. انظر ترجمته في بغية الملتمس ص/123، لسان الميزان 5/416، والأعلام 7/358.
6ـ جامع بيان العلم وفضله 2/36.
تضمنت الثناء عليهم رضي الله عنهم بما قدموه من الأعمال الصالحة وبما لهم من شرف الصحبة، وبما بذلوه للإسلام من النصرة والجهاد في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه الحق فقد بذلوا أنفسهم حين استنصرهم، وضحوا بأموالهم حين استقرضهم، ولم يخافوا في الله لومة لائم، وآثروا آخرتهم على دنياهم، فالتابعون رحمهم الله أثنوا على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يستحقون، فلم يذكروهم إلا بخير، وشهدوا لهم بالعلم وبينوا أن ما لم يأت عن طريقهم فليس بعلم، ولم يعدلوا بهم أحداً، وآمنوا بما لهم من الفضائل وسلموا بها لهم واعتقدوا ذلك اعتقاداً جازماً فرحمة الله عليهم ورضي عن صحابة رسول الله أجمعين.
وكما جاء الثناء على الصحابة عموماً من التابعين كذلك أثنى عليهم غيرهم من أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم ممن جاء بعدهم من أئمة العلم ومن ذلك ما يلي:
نقل الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي: مذهب الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني ما كانوا يعتقدونه من أصول الدين، ويدينون به لرب العالمين ومن ضمن ذلك ما كانوا يعتقدونه في الصحابة عموماً فقال: في عقيدته المشهورة: "ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان".1
قال شارح الطحاوية: "فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود النصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى وقيل
1ـ العقيدة الطحاوية مع شرحها ص/528.
للنصارى: من خير أهل ملتكم قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم قالوا: أصحاب محمد. لم يستثنوا إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة"1.
14-
وقال الإمام مالك بن أنس رحمة الله عليه: "من يبغض أحداً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ قول الله سبحانه وتعالى {مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى} إلى قوله {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ} الآية2.
وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأ هذه الآية: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ} إلى قوله: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} 3، ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فقد أصابته الآية".أ. هـ4
15-
وقال الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه: "وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً، وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل، وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا، ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا، أو قول بعضهم إن تفرقوا، وهكذا نقول
1ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/531-532.
2ـ سورة الحشر آية/7-10.
3ـ سورة الفتح آية/29.
4ـ شرح السنة للبغوي 1/229.
ولم نخرج من أقاويلهم، وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله"أ. هـ1.
16-
وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته: "ومن السنة الواضحة الثابتة البينة المعروفة ذكر محاسن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين والكف عن ذكر ما شجر بيهم، فمن سب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحداً منهم أو تنقصه أو طعن عليهم، أو عرّض بعيبهم أو عاب أحداً منهم فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً، بل حبهم سنة والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة والأخذ بآثارهم فضيلة وخير هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر وعثمان بعد عمر وعلي بعد عثمان ووقف قوم على عثمان وهم خلفاء راشدون مهديون، ثم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساويهم ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا ينقص فمن فعل ذلك فقد وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ليس له أن يعفوا عنه بل يعاقبه ويستتيبه، فإن تاب قبل منه وإن ثبت أعاد عليه العقوبة وخلده في الحبس حتى يموت أو يراجع"أ. هـ2.
17-
وروى أبو عمر بن عبد البر بإسناده إلى إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: سألت أبا أسامة3 أيما كان أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز؟ فقال: لا نعدل بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحداً"4.
وقال ابن أبي حاتم5 رحمه الله تعالى: "فأما أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
1ـ مناقب الشافعي للبيهقي 1/442- 443، أعلام الموقعين 1/80.
2ـ طبقات الحنابلة 1/30، كتاب السنة للإمام أحمد ص/17.
3ـ هو أبو أسامة: حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم أبو أسامة الكوفي، انظر: ترجمته في تهذيب التهذيب 3/2.
4ـ جامع بيان العلم وفضله 2/227.
5ـ هو عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم بن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي الرزاي أبو محمد كان =
فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاماً وقدوة فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب ووعوه وأتقنوه ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهمم منه واستنباطهم عنه، فشرفهم الله عز وجل بما منّ عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز وسماهم عدول الأمة فقال عز وجل في محكم كتابه:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} 1 ففسر النبي صلى الله عليه وسلم عن الله ـ عز ذكره ـ قوله {وَسَطاً} قال: "عدلاً" فكانوا عدول الأمة وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة، وندب الله عز وجل إلى التمسك بهديهم والجري على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم، فقال:{وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} 2 ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد حض على التبليغ في أخبار كثيرة ووجدناه يخاطب أصحابه فيها منها أن دعا لهم فقال: "نضر الله امرءا سمع مقالتي فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره" 3 وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته: "فليبلغ الشاهد منكم الغائب"4. وقال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عني ولا حرج" 5،
= رحمه الله من أئمة التفسير والحديث، ولد سنة أربعين ومائتين وتوفي سنة سبع وعشرين وثلاثمائة، انظر: ترجمته في تذكرة الحفاظ 3/829، وطبقات الحنابلة 2/55، سير أعلام النبلاء 13/263-269.
1ـ سورة البقرة آية/143.
2ـ سورة النساء آية/115.
3ـ سنن أبي داود 2/289، سنن ابن ماجه 2/1316، سنن الدارمي 1/74، مسند أحمد 1/437.
4ـ عند البخاري بلفظ: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب" وعند مسلم بدون لفظة "منكم" صحيح البخاري مع الفتح 1/199، صحيح مسلم 3/1306.
5ـ عند البخاري بلفظ: "بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" الحديث من رواية =
ثم تفرقت الصحابة رضي الله عنهم في النواحي والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازي والإمارة والقضاء والأحكام فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذي هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكموا بحكم الله عز وجل وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظائرها من المسائل وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله عز وجل رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين"أ. هـ1.
19-
وقال ابن أبي زيد2 القيرواني المالكي في مقدمة رسالته المشهورة: "وأن خير القرون الذين رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنوا به ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر ثم عمر، ثم عثمان، ثم عليّ رضي الله عنهم أجمعين وأن لا يذكر أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بأحسن ذكر والإمساك عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم حسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب"أ. هـ3.
20-
وقال أبو عثمان4 الصابوني: "ويرون ـ أي أهل السنة ـ الكف
= عبد الله بن عمر رضي الله عنه. صحيح البخاري مع الفتح 6/496.
1ـ مقدمة الجرح والتعديل 1/7-8.
2ـ هو عبد الله بن عبد الرحمن أبي زيد النفزي القيرواني أبو محمد فقيه من أعيان القيروان كان إمام المالكية في عصره قال الذهبي: كان على أصول السلف في الأصول لا يدري الكلام ولا يتأول، ولد سنة عشر وثلاثمائة وتوفي سنة ست وثمانين وثلاثمائة، انظر: ترجمته في سير أعلام النبلاء 17/10، الديباج المذهب 1/427-430، شجرة النور الزكية 1/96.
3ـ الرسالة مع شرحها الثمر الداني في تقريب المعاني ص/22-23.
4ـ هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد بن إسماعيل، أبو عثمان الصابوني: مقدم أهل الحديث في بلاد خراسان، لقبه أهل السنة فيها "شيخ الإسلام" كان رحمه الله فصيح اللهجة واسع العلم عارفاً بالحديث والتفسير، ولد سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وتوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة، انظر: ترجمته في الكامل لابن الأثير 9/638، تهذيب تاريخ دمشق 3/27-33، البداية والنهاية 12/83.
عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتطهير الألسنة عن ذكر ما تضمن عيباً لهم ونقصاً فيهم ويرون الترحم على جميعهم والمولاة لكافتهم"1.
21-
ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: عن أبي المظفر2 السمعاني أنه قال في كتابه "الاصطلام": "التعرض إلى جانب الصحابة علامة على خذلان فاعله بل هو بدعة وضلالة"أ. هـ3.
22-
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما وصفهم الله به في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} 4 وطاعة للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه "
…
ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل ويمسكون عما شجر بين الصحابة ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما لا
1ـ عقيدة السلف وأصحاب الحديث. الرسالة السادسة، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية 1/129.
2ـ اسمه منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزي السمعاني التميمي من علماء التفسير والحديث، ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة وتوفي سنة تسع وثمانين وأربعمائة، ترجمته في سير أعلام النبلاء 19/114، اللباب 2/138-139، طبقات المفسرين للداوودي 2/339.
3ـ فتح الباري 4/365.
4ـ سورة الحشر آية/10.
يكون لمن بعدهم. وقد ثبت بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون، وأن المدّ من أحدهم إذا تصدق به كان من جيل أحد ذهباً ممن بعدهم، ثم إذا كان قد صدر من أحدهم ذنب فيكون قد تاب منه أو أتى بحسنات تمحوه أو غفر له بفضل سابقته أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه، فإذا كان هذا في الذنوب المحققة فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطأوا فلهم أجر واحد والخطأ مغفور ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من الآيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله والهجرة والنصرة والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما منّ الله عليهم به من الفضائل علم يقيناً أنهم آخر الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله"أ. هـ1.
23-
قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى مبيناً فضل الصحابة عموماً على غيرهم ممن جاء بعدهم وذاكراً الصفات التي أهلتهم لذلك عند كلامه على ذكر أنواع الرأي المحمود: "النوع الأول: رأى أفقه الأمة، وأبر الأمة قلوباً وأعمقهم وأقلهم تكلفاً وأصحهم قصوداً وأكملهم فطرة، وأتمهم إدراكاً، وأصفاهم أذهاناً الذين شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول، فنسبة آرائهم وعلومهم وقصودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبتهم إلى صحبته، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم. والمقصود أن أحداً ممن بعدهم لا يساويهم في رأيهم وكيف يساويهم؟ وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته
…
وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا
1ـ العقيدة الواسطية مع شرحها لمحمد خليل هراس ص/142-151.
خيراً من رأينا لأنفسنا، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نوراً وإيماناً وحكمة وعلماً ومعرفة وفهماً عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم، ولا وساطة بينهم وبينه، وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضاً طرياً لم يشبه إشكال، ولم يشبه خلاف، ولم تدنسه معارضة، فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس"1.
24-
قال يحيى أن أبي بكر العامري2 رحمه الله تعالى: "وينبغي لكل صين متدين مسامحة الصحابة فيما صدر بينهم من التشاجر، والاعتذار عن مخطئهم وطلب المخارج الحسنة لهم، وتسليم صحة إجماع ما أجمعوا عليه على ما علموه فهم أعلم بالحال والحاضر يرى ما لا يرى الغائب، وطريقة العارفين الاعتذار عن المعائب وطريقة المنافقين تتبع المثالب، وإذا كان اللازم من طريقة الدين ستر عورات عامة المسلمين فكيف الظن بصحابة خاتم النبيين! مع اعتبار قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أحداً من أصحابي" 3. وقوله: "من حسن إسلام تركه ما لا يعنيه" 4. هذه طريقة صلاحاء السلف وما سواها مهاوٍ وتلف"5.
25-
وقال السفاريني رحمه الله تعالى: "ولا يرتاب أحد من ذوي الألباب أن الصحابة الكرام هم الذين حازوا قصبات السبق واستولوا على معالي الأمور من الفضل والمعروف والصدق، فالسعيد من اتبع صراطهم المستقيم واقتفى
1ـ إعلام الموقعين 1/79-82.
2ـ هو يحيى بن أبي بكر بن محمد بن يحيى العامري الحرضي مؤرخ، وله علم بمفردات الطب، كان محدث اليمن وشيخها في عصره ولد سنة ستة عشر وثمانمائة وتوفي ثلاث وتسعين وثمانمائة هجرية. ترجمته في: الضوء اللامح للسخاوي 10/324، البدر الطالع للشوكاني 2/327، كشف الظنون 1/937، فهرست الفهارس للكتاني 2/445-446، الأعلام 9/168.
3ـ رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه 4/1967-1978.
4ـ رواه الترمذي في سننه 3/382، ورواه ابن ماجه أيضاً في سننه 2/1315-1316، وكلاهما من حديث أبي هريرة.
5ـ الرياض المستطابة في جملة من روى في الصحيحين من الصحابة ص/300-301.
منهجهم القويم، والتعيس من عدل عن طريقهم، ولم يتحقق بتحقيقهم فأي خطة رشد لم يستولوا عليها، وأي خطة خير لم يسبقوا إليها تالله لقد وردوا ينبوع الحياة عذباً صافياً زلالاً ووطدوا قواعد الدين، والمعروف فلم يدعوا لأحد بعدهم مقالاً فتحوا القلوب بالقرآن والذكر والإيمان، والقرى بالسيف والسنان، وبذل النفوس النفيسة في مرضاة الرحيم الرحمن، فلا معروف إلا ما عنهم عرف، ولا برهان إلا ما بعلومهم كشف، ولا سبيل نجاة إلا ما سلكوا، ولا خير سعادة إلا ما حققوه وحكوه فرضوان الله تعالى عليهم أجمعين"أ. هـ1.
فهذه خمسة وعشرون نقلاً عما قدمنا ذكرهم من أهل العلم بينوا فيها ما يجب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامهم هذا الذي قدمنا ذكره هو محمدة لهم ولمن تكلم به من بعدهم فأولئك الأسلاف دائماً كلامهم يذكر ويثنى عليهم به ويترحم عليهم بسببه لكونهم قاموا بما يجب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامهم الذي تقدم ذكره هو اللائق بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أما من تكلم فيهم بكلام لا ينبغي فإن في الحقيقة لم يضرهم وإنما يضر نفسه وذلك بأنهم رضي الله عنهم وأرضاهم قدموا على ما قدموا وقد قدموا الخير الكثير من الأعمال الجليلة التي قاموا بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم، والكلام فيهم بما يليق بهم فإنه لا ينقصهم بل يزيدهم رفعة في درجاتهم، وزيادة في حسناتهم، فإن المتكلم فيهم يكون كلامه فيهم بغير حق، ومتكلم فيهم إذا كانت له حسنات فإنهم يأخذون من حسناته ويكون ذلك رفعة في درجاتهم وإن لم يكن له حسنات فإنه كما قيل لا يضر السحاب نبح الكلاب.
والذي أخلص إليه من تلكم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام السلف الذي تقدم في بيان فضل الصحابة على وجه العموم أنه يجب على كل مسلم أن ينقاد لما دل على إثبات فضلهم رضي الله عنهم ويسلم لهم بذلك ويعتقد اعتقاداً
1ـ لوامع الأنوار البهية 2/379-380.
جازماً أنهم خير القرون، وأفضل الأمة بعد النبيين1 ومن يسلم لهم بذلك أو يشك فيه فليتدارك نفسه ويتوب إلى الله لأن مقتضى ذلك تكذيب خبر الله وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كذب الله ورسوله لا حظ له في الإسلام.
1ـ انظر: كتاب ابن حزم الأندلسي ورسالته في المفاضلة بين الصحابة ص/171، الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ص/64، وانظر: لوامع الأنوار البهية 2/377.