الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثاني: الثناء على أصناف معينة منهم رضي الله عنهم
المبحث الأول: الثناء على السابقين الأولين
…
المبحث الأول: الثناء على السابقين الأولين
السبق: هو التقدم إما في الصفة أو في الزمان، أو في المكان فالتقدم في الصفة: يكون لمن سبق إلى الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر واتخذ ما ينفق قربات عند الله عز وجل.
والتقدم في الزمن: يكون لمن تقدم في أوان قبل أوانه.
والتقدم في المكان: يكون لمن تبوأ دار النصرة واتخذها بدلا عن موضع الهجرة وأفضل هذه الوجوه هو السبق في الصفات1.
قال الراغب2 الأصبهاني: "أصل السبق التقدم في السير نحو {فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً} 3.... ويستعار السبق: لإحراز الفضل والتبريز وعلى ذلك {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} 4 أي: المتقدمون إلى ثواب الله وجنته بالأعمال الصالحة نحو قوله: {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} 5 "أ. هـ.6
ومما يدل على أن السبق بالصفات هو الأفضل قوله صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض
1ـ انظر: أحكام القرآن لابن العربي 2/1002، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 8/237.
2ـ هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصبهاني ـ المعروف بالراغب ـ من أهل أصبهان سكن بغداد واشتهر، توفي سنة اثنتي وخمسمائة هجرية، انظر: ترجمته في: كشف الظنون 1/36، وله ترجمة في أول كتابه المفردات في غريب القرأن وانظر: الأعلام 2/279، معجم المؤلفين 4/59.
3ـ سورة النازعات آية/4.
4ـ سورة الواقعة آية/10.
5ـ سورة المؤمنون آية/61.
6ـ المفردات في غريب القرآن ص/222.
عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله فالناس لنا فيه تبع اليهود غداً، والنصارى بعد غد" 1. والمراد باليوم المذكور في الحديث هو يوم الجمعة فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أن الأمم التي كانت قبلنا وإن سبقونا في الزمن إلا أننا سبقناهم بتحصيل الفضل العظيم من الله عز وجل، والصحابة رضوان الله عليهم حسب تقدمهم في السبق إلى الإيمان والهجرة والنصرة كانوا على درجات متفاوتة في الفضل والحصول على كثرة الثواب وعظمه، وذلك بحسب مبادرتهم إلى الدخول في دين الله ـ تعالى ـ ولقد جاء الثناء على السابقين الأولين منهم في كثير من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وقبل أن نذكر ما جاء من ذلك الثناء نبين المراد بالسابقين الأولين، كما بين ذلك أهل العلم.
فقد اختلف العلماء في المراد بالسابقين الأولين على أقوال ستة، وهذا الاختلاف مبني على بيان المراد من قوله تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} 2، وتلك الأقوال كما يلي:
القول الأول: إنهم الذين صلوا إلى القبلتين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله أبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابن سيرين وقتادة.
قال قتادة: " {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} قال: هم الذين صلوا القبلتين جميعاً وأما الذين اتبعوا المهاجرين الأولين والأنصار بإحسان فهم الذين أسلموا لله إسلامهم وسلكوا منهاجهم في الهجرة والنصرة وأعمال الخير3.
القول الثاني: إنهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان وهي الحديبية قاله الشعبي.
1ـ صحيح البخاري 1/157، صحيح مسلم 2/586، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
2ـ سورة التوبة آية/100.
3ـ جامع البيان 11/8.
القول الثالث: إنهم أهل بدر قاله عطاء بن أبي رباح.
القول الرابع: إنهم جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حصل لهم السبق بصحبته.
القول الخامس: إنهم السابقون بالموت والشهادة سبقوا إلى ثواب الله تعالى قاله الماوردي1.
القول السادس: إنهم الذين أسلموا قبل الهجرة2.
قال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: "واختلفوا في أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد امرأته مع اتفاقهم على أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال بعضهم: أول من آمن وصلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو قول جابر وبه قال مجاهد وابن إسحاق أسلم وهو ابن عشر سنين.
وقال بعضهم: أول من آمن بعد خديجة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي والشعبي.
وقال بعضهم: أول من أسلم زيد بن حارثة وهو قول الزهري وعروة وابن الزبير، وكان إسحاق بن إبراهيم الخنظلي يجمع بين هذه الأقوال فيقول أول من أسلم من الرجال أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومن النساء خديجة، ومن الصبيان علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومن العبيد زيد بن حارثة.
قال ابن إسحاق: فلما أسلم أبو بكر رضي الله عنه أظهر إسلامه ودعا إلى الله وإلى رسوله وكان رجلاً محبباً سهلاً وكان أنسب قريش وأعلمها بما كان
1ـ هو علي بن محمد بن حبيب أبو الحسن الماوردي من العلماء الباحثين، ومن أصحاب التصانيف الكثيرة ولد في البصرة سنة أربع وستين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمسين وأربعمائة، انظر: ترجمته في تاريخ بغداد 12/102، شذرات الذهب 3/285-286، البداية والنهاية 12/87، وانظر: قوله في تفسيره 2/160.
2ـ زاد المسير في علم التفسير لابن الجوزي 3/490-491.
فيها وكان تاجراً ذا خلق ومعروف وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر لعلمه وحسن مجالسته فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه فأسلم على يديه عثمان بن عفان والزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله فجاء بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أسلموا وصلوا فكان هؤلاء الثمانية نفر الذين سبقوا إلى الإسلام ثم تتابع الناس في الدخول في الإسلام1.
وأما السابقون الأول من الأنصار: فهم أهل بيعة العقبة الأولى وكان عددهم ستة نفر وفي بعض الروايات أنهم ثمانية حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار اثنا عشر رجلاً2 وأهل بيعة العقبة الثانية كانوا سبعين رجلاً وامرأتين والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وكان قد أرسله عليه الصلاة والسلام مع الاثنى عشر الذين قدموا عليه من العام المقبل بعد النفر الستة، أو الثمانية كما في بعض الروايات ليقرئهم القرآن ويفقههم في الدين3.
تلك هي أقوال العلماء في المراد بالسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بقي أن نعرف هنا القول الراجح من تلك الأقوال الستة المتقدمة، فالقول الراجح هو ما قرره شيخ الإسلام حيث قال بعد ذكره لقوله تعالى:{لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} 4. قال رحمه الله تعالى: "وهذه الآية نص
1ـ معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن 3/113-114، وانظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري 2/309-318، أعلام النبوة للماوردي ص/283-284.
2ـ دلائل النبوة للبيهقي 2/434، البداية والنهاية لابن كثير 3/163-164.
3ـ انظر: الطبقات لابن سعد 1/219-223، السيرة النبوية لابن هشام 1/429-451، وتاريخ الأمم والملوك 1/354-365، الكامل 2/95-101، دلائل النبوة للبيهقي 2/430-457، الدر في اختصار المغازي والسير ص/38-44، البداية والنهاية 3/163-181، تفسير البيضاوي ص/266، تفسير الألوسي المسمى روح المعاني 11/7-8.
4ـ سورة الحديد آية/10.
في تفضيل المنفقين المقاتلين قبل الفتح على المنفقين بعده ولهذا ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} 1 هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة وقد ذهب بعضهم إلى أن السابقين الأولين هم من صلى إلى القبلتين وهذا ضعيف، فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجرده فضيلة، ولأن النسخ ليس من فعلهم الذي يفضلون به ولأن التفضيل بالصلاة إلى القبلتين لم يدل عليه دليل شرعي كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة تحت الشجرة، ولكن فيه سبق الذين أدركوا ذلك على من لم يدركه كما أن الذين أسلموا قبل أن تفرض الصلوات الخمس هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن تجعل صلاة الحضر أربع ركعات هم سابقون على من تأخر إسلامه عنهم، والذين أسلموا قبل أن يؤذن في الجهاد أو قبل أن يفرض هم سابقون على من أسلم بعدهم والذين أسلموا قبل أن يفرض صيام شهر رمضان هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين أسلموا قبل أن يفرض الحج هم سابقون على من تأخر عنهم، والذين أسلموا قبل تحريم الخمر هم سابقون على من أسلم بعدهم، والذين قبل تحريم الربا كذلك فشرائع الإسلام من الإيجاب والتحريم كانت تنزل شيئاً فشئاً وكل من أسلم قبل أن تشرع شريعة فهو سابق على من تأخر عنه وله بذلك فضيلة، ففضيلة من أسلم قبل نسخ القبلة على من أسلم بعده هي من هذا الباب وليس مثل هذا ما يتميز به السابقون الأولون عن التابعين إذ ليس بعض هذه الشرائع أولى بمن يجعله خيراً من بعض ولأن القرآن والسنة قد دلا على تقديم أهل الحديبية فوجب أن تفسر هذه الآية بما يوافق سائر النصوص وقد علم بالاضطرار أنه كان في هؤلاء السابقين الأولين أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وبايع النبي بيده عن عثمان لأنه قد كان غائباً قد أرسله إلى أهل مكة ليبلغهم رسالته. أ.هـ2.
1ـ سورة التوبة آية/100.
2ـ منهاج السنة 1/154-155، وانظر: شرح الطحاوية ص/530.
فالقول الراجح في المراد بالسابقين الأولين هو هذا الذي قرره شيخ الإسلام ابن تيمية ويؤيده ما يلي:
1-
ما رواه مسلم بإسناده إلى أبي سعيد قال: "كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أحداً من أصحابي فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" 1.
فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لخالد ونحوه: "لا تسبوا أصحابي" يعني عبد الرحمن بن عوف وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان. فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان وهم الذين أسلموا بعد الحديبية وبعد مصالحة النبي صلى الله عليه وسلم أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء
…
والمقصود أنه نهى من له صحبة آخراً أن يسب من له صحبة أولاً لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كانوا قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين2.
2-
ما رواه مسلم أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ3 لقيه أهل الأجناد4 أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء5 قد وقع
1ـ صحيح مسلم 4/1967.
2ـ شرح العقيدة الطحاوية ص/529-530.
3ـ سرغ: قرية في طرف الشام مما يلي الحجاز "شرح النووي" 14/208، وانظر النهابة في غريب الحديث 2/361.
4ـ المراد بالأجناد هنا مدن الشام الخمس: وهي فلسطين والأردن ودمشق وحمص وقنسرين "شرح النووي" 14/208.
5ـ الوباء: المراد به هنا: الطاعون: انظر: النهابة في غريب الحديث 5/144.
بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا. فقال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني ثم قال: ادع لي الأنصار فدعوتهم له فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر في الناس أني مصبح1 على ظهر فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة بن الجراح أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله
…
الحديث2.
فعمر رضي الله عنه رتبهم في هذا الحديث حسب فضائلهم فبدأ أولاً بالسابقين الأولين من مهاجرين وأنصار وهم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا وإلى مهاجرة "الفتح" وهم الذين أسلموا عام الفتح وهاجروا بعده فحصل لهم اسم الهجرة دون فضيلتها3.
وبهذين الحديثين السابقين تبين أن القول الراجح من المراد بالسابقين الأولين هم الذين: أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، ويدخل فيهم أهل بيعة الرضوان جميعاً الذين بلغ عددهم أكثر من ألف وأربعمائة كما تقدم، ومعنى كونهم سابقين أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين وأولئك السابقون الأولون كانوا فريقين فريق المهاجرين، وفريق الأنصار، وسأذكر الآن طرفاً من فضائل كل فريق من الكتاب والسنة، وأبدأ بفريق المهاجرين لأن أهل السنة والجماعة يقدمون المهاجرين على
1ـ مصبح على ظهر: أني مسافر راكب على ظهر الراحلة راجع إلى وطني فأصبحوا عليه وتأهبوا له "شرح النووي" 14/210.
2ـ صحيح مسلم 4/1740.
3ـ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم 14/209.
الأنصار ويفضلونهم من وجوه:
أولها: أنهم هم السابقون في الإيمان الذي هو رئيس الفضائل وعنوان المناقب.
وثانيها: أنهم تحملوا العناء والمشقة دهراً دهيراً، وزماناً مديداً من كفار قريش وصبروا عليه وهذه الحال ما حصلت للأنصار.
وثالثها: أنهم تحملوا المضار الناشئة من مفارقة الأوطان والأهل والجيران ولم يحصل ذلك للأنصار.
ورابعها: أن فتح الباب في قبول الدين والشريعة من الرسول عليه الصلاة والسلام إنما حصل من المهاجرين، والأنصار اقتدوا بهم وتشبهوا بهم وقد قال عليه الصلاة والسلام:"من سنَّ سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة"1. فوجب أن يكون المقتدي أقل مرتبة من المقتدى به فجملة هذه الأحوال توجب تقديم المهاجرين الأولين على الأنصار في الفضل والدرجة والمنقبة ولهذا نجد القرآن الكريم كلما تعرض لذكر المهاجرين والأنصار قدم المهاجرين على الأنصار2.
وإلى ما جاء في فضل المهاجرين الأولين رضي الله عنهم وقبل أن نذكر طائفة من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي وردت في بيان فضل المهاجرين نسبق ذلك ببيان المراد "بالهجرة" فنقول:
أصل الهجرة: الترك والمراد ترك الوطن3 والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع ترك ما نهى الله عنه، وقد وقعت في الإسلام على وجهين:
1ـ رواه أحمد في المسند 4/353، من حديث جرير بن عبد الله عن أبيه.
2ـ التفسير الكبير للفخر الرازي 15/209.
3ـ شرح النووي على صحيح مسلم 13/54-55، وانظر: بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز 5/304، لسان العرب 5/250 وما بعدها.
الأول: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرتي الحبشة، وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة.
الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه من المسلمين، وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة إلى أن فتحت مكة فانقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقياً1.
ولقد ورد الثناء في كثير من الآيات القرآنية على المهاجرين الذين تركوا دورهم ومنازلهم كراهة البقاء بين المشركين وفي سلطانهم حيث لا يأمنون فتنتهم على أنفسهم في ديارهم فهاجروا إلى بلد الإيمان الذي يأمنون فيه على أنفسهم من فتنة المشركين وليستعدوا لجهاد المشركين لنصرة دين الله ورسوله وليدخلوا المشركين في دين الله حتى يلتزموا بما يرضيه سبحانه وتعالى فمن الثناء الذي جاء في حق السابقين من المهاجرين من الآيات القرآنية ما يلي:
1-
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 2 فهذه الآية الكريمة تضمنت مدح المهاجرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم صدقوا بالله وبرسوله وبما جاء به وأنهم هجروا مساكنة المشركين في أمصارهم ومجاورتهم في ديارهم فتحولوا عنهم وعن جوارهم وبلادهم إلى غيرها هجرة لما انتقل عنه إلى ما انتقل إليه
…
وحاربوا في دين الله ليدخلوا أهل الكفر فيه وفيما يرضي الرب ـ جل وعلا ـ ثم وصفهم في ختام الآية أنهم يطمعون في رحمة الله إياهم لكي يدخلوا الجنة بفضله ـ سبحانه ـ ثم بين ـ تعالى ـ أنه ساتر ذنوب عباده بعفوه عنها متفضل عليهم برحمته التي وسعت كل شيء3.
1ـ فتح الباري 1/16، وانظر بصائر ذوي التمييز للفيروزأبادي 5/305.
2ـ سورة البقرة آية/218.
3ـ جامع البيان 2/355، وانظر: تفسير البغوي على حاشية الخازن 1/174.
قال قتادة ـ رحمه الله تعالى ـ: "أثنى الله على أصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أحق الثناء فقال: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} هؤلاء خيار هذه الأمة، ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون وأنه من رجا طلب، ومن خاف هرب1 وقد أخبر تعالى أنه جعل جزاء الذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيله وقاتلوا وقتلوا تكفير سيئاتهم وإدخالهم جنات تجري تحتها الأنهار.
2-
قال تعالى: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} 2. وهذه الآية الكريمة فيها بيان لفضل أولئك المهاجرين من الصحابة ذكوراً وإناثاً الذين تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان، وفارقوا الأحباب والإخوان، والخلان والجيران بعد أن ضايقهم المشركون بالأذى حتى ألجؤوهم إلى الخروج من بين أظهرهم ولهذا قال: {وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي} أي: إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده كما قال تعالى: {يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ} 3.
وهذا من أعلى المقامات أن يقاتل ـ العبد ـ في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في صحيح مسلم أن رجلاً قال: يا رسول الله أرأيت إن قتلت في سبيل الله يكفر عني خطاياي؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم، إن قتلت في سبيل الله وأنت صابر محتسب 4 مقبل غير مدبر"، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كيف قلت؟ " قال أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر عني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر إلا الدين فإن جبريل
1ـ جامع البيان 2/356، الدر المنثور للسيوطي 1/605.
2ـ سورة آل عمران آية/195.
3ـ سورة الممتحنة آية/1.
4ـ المحتسب: هو المخلص لله تعالى.
عليه السلام قال لي ذلك" 1 ولهذا قال تعالى: {لأكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} أي: تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقوله:{ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً2 وهذا النعيم المذكور يتنعم به المؤمنون في الجنة وفي صدارتهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم.
3-
قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 3. هذه الآية الكريمة اشتملت على ثناء رفيع وفضل عظيم للسابقين الأولين من المهاجرين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهذا الفضل الذي تضمنته هذه الآية هو أن الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه وهيأ لهم جنات تجري تحتها الأنهار وقضى لهم بالخلود الأبدي الذي لا يعتريه فناء أو زوال إنه لفوز أيما فوز إنه المقام الرفيع الذي لا يصل إلى درجتهم فيه إنسان أتى بعدهم. قال ابن جرير رحمه الله تعالى: عند هذه الآية الآنفة الذكر يقول تعالى ذكره والذين سبقوا الناس أولى إلى الإيمان بالله ورسوله من المهاجرين الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم، والأنصار الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل الكفر بالله ورسوله والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام طلب رضا الله
…
{رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} أي: رضي الله عن جميعهم لما أطاعوه وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه وإيمانهم به وبنبيه عليه الصلاة والسلام وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار يدخلونها خالدين فيها لابسين فيها أبداً
1ـ صحيح مسلم 3/1501 من حديث أبي قتادة.
2ـ انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/182.
3ـ سورة التوبة آية/100.
لا يموتون فيها ولا يخرجون منها ذلك الفوز العظيم"أ. هـ1.
وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: "قوله عز وجل {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم وفارقوا أوطانهم، {وَالأَنْصَارِ} أي: ومن الأنصار هم الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه من أهل المدينة وآووا أصحابه {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} قيل: بقية المهاجرين والأنصار سوى السابقين الأولين، وقيل: هم الذين سلكوا سبيلهم بالإيمان والهجرة، أو النصرة إلى يوم القيامة. وقال عطاء2: هم الذين يذكرون المهاجرين والأنصار بالترحم والدعاء، وقال أبو صخر حميد بن زياد3: أتيت محمد بن كعب القرظي فقلت له: ما قولك في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأردت الفتن ـ فقال: جميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة محسنهم ومسيئهم فقلت من أين تقول هذا، فقال اقرأ قول الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} إلى أن قال: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} وقال: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} شرط في التابعين شريطة وهي أن يتبعوهم في أفعالهم الحسنة دون السيئة قال أبو صخر: فكأني لم أقرأ هذه الآية قط"أ. هـ4.
وقال العلامة ابن كثير: عند قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} الآية "يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم
…
فيا ويل من أبغضهم، أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما
1ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن 11/6، 9.
2ـ هو عطاء بن أسلم بن صفوان تابعي من أجلاء الفقهاء ولد في جند باليمن ونشأ بمكة فكان مفتي أهلها ومحدثهم، ولد سنة سبعة وعشرين وتوفي سنة أربعة عشرة ومائة هجرية، انظر: ترجمته في تذكرة الحفاظ 1/98، تهذيب التهذيب 7/199-203، صفوة الصفوة 2/211.
3ـ هو حميد بن زياد أبو صخر بن أبي المخارق الخراط صاحب العباء مدني سكن مصر
…
صدوق يهم من السادسة، توفي سنة 89، التقريب 1/202، التهذيب 3/41.
4ـ تفسير البغوي المسمى معالم التنزيل على حاشية تفسير الخازن 3/114.
سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم عياذاً بالله من ذلك، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله ويعادون من يعادي الله وهم متبعون لا مبتدعون ويقتدون ولا يبتدئون وهؤلاء هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون"أ. هـ1.
4-
في هذه الآيات شهادة من الله تعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم الذين آمنوا بالله وهاجروا وجاهدوا في سبيله بأموالهم وأنفسهم بالفوز وعظيم الدرجات، وبشرهم ـ سبحانه ـ برحمة منه ورضوان، وبالنعيم المقيم الأبدي الذي لا يبيد ولا يفنى وهذا من أعظم البشارات، ومن أسمى الغايات التي يرجوها المؤمنون من ربهم ـ جل وعلا ـ.
وقد جاء في سبب النزول ما رواه مسلم بإسناده إلى النعمان بن بشير قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج. وقال آخر: ما أبالي أن لا أعمل عملا بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام وقال آخر: الجهاد في سبيل الله أفضل مما
1ـ تفسير القرآن العظيم 3/444-445.
2ـ التوبة آية / 19-22.
قلتم فزجرهم عمر وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يوم الجمعة ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} الآية إلى آخرها1.
وهذا السبب وإن كان خاصاً فالعبرة فيه بعموم اللفظ فهي في جميع الصحابة الذين اتصفوا بالصفات المذكورة التي هي: الإيمان والهجرة والجهاد وقد تميزوا رضي الله عنهم بسعادة الدارين وقد أكد ـ سبحانه ـ فوزهم بقوله ـ جل وعلا ـ {يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ} والبشارة الخبر السار الذي يفرح الإنسان عند سماعه وتستنير بشرة وجهه والخبر الذي بشرهم به هو قوله: {بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ} وهذا من أعظم البشارات وأعلاها.
5-
قال تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} 2. وهذه الآية فيها الثناء على المهاجرين الذين فارقوا قومهم وديارهم، وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم، وكانت هجرتهم بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله ظلماً وعدواناً، ثم وعدهم الله بأن يسكنهم في الدنيا مسكناً صالحاً يرضونه مع ما ينتظرهم من الأجر العظيم والثواب الجزيل في دار النعيم.
روى ابن جرير بإسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} قال: هم قوم هاجروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة بعد ظلمهم، وظلمهم المشركون وقال قتادة رحمه الله تعالى: "هؤلاء أصحاب محمد ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم حتى لحق بهم طوائف منهم بالحبشة، ثم بوأهم الله المدينة بعد ذلك فجعلها لهم دار
1ـ صحيح مسلم 4/1499، وأحمد في المسند 4/269.
2ـ سورة النحل آية/41.
هجرة وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين، وقال عامر بن شراحيل الشعبي:{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} قال: المدينة1.
وقال الحافظ ابن كثير عند هذه الآية المتقدمة: " يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله، وجزائه، ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم، ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعفر بن أبي طالب بن عم الرسول، وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة صديق وصديقة رضي الله عنهم وأرضاهم وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال:{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} قال ابن عباس والشعبي وقتادة: المدينة، وقيل: الرزق الطيب قال مجاهد: ولا منافاة بين القولين، فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيراً منها في الدنيا، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله بما هو خير له منه، وكذلك وقع فإنهم مكنّ الله لهم في البلاد، وحكمهم على رقاب العباد، وصاروا أمراء حكاماً وكل منهم للمتقين إماماً وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا فقال:{وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ} أي: مما أعطيناهم في الدنيا {لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أي: لو كانوا المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله ولهذا قال: هشيم عن العوام عمن حدثه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر لك في الآخرة أفضل ثم قرأ هذه الآية:{لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} أ. هـ2.
1ـ جامع البيان 14/106-107، وانظر: الدر المنثور للسيوطي 5/131.
2ـ تفسير القرآن العظيم 4/196.
6-
قال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ} 1.
قال ابن جرير رحمه الله تعالى: "وقوله: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} وهم الزوج الثالث وهم الذين سبقوا إلى الإيمان بالله ورسوله وهم المهاجرون الأولون"2.
وقال البغوي رحمه الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ} قال ابن عباس رضي الله عنه: السابقون إلى الهجرة هم السابقون في الآخرة.
وقال عكرمة3: السابقون إلى الإسلام وقال محمد بن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين دليله قوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} وقال الربيع بن أنس: السابقون إلى إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا هم السابقون إلى الجنة في العقبى"4 وكل هذه الأوصاف منطبقة على السابقين الأولين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم المسارعون لفعل كل خير لا يمكن أن يسبقهم فيه أحد جاء بعدهم فهم السابقون إلى الهجرة، والسابقون إلى الإسلام، وإلى الصلاة إلى القبلتين، وإلى إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى كل عمل يقرب إلى الجنة ويباعد عن النار.
7-
وقال تعالى منوهاً بفضل المنفقين والمقاتلين لأعداء الله من قبل الفتح من السابقين الأولين: {وَمَا لَكُمْ أَلَاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ
1ـ سورة الواقعة آية/10-11.
2ـ جامع البيان 27/170.
3ـ هو عكرمة بن عبد الله البربري المدني أبو عبد الله مولى عبد الله بن عباس تابعي كان من أعلم الناس بالتفسير والمغازي، ولد سنة خمس وعشرين وتوفي سنة خمس ومائة هجرية تهذيب التهذيب 7/263، حلية الأولياء 3/326، وميزان الاعتدال 3/93.
4ـ معالم التنزيل على حاشية الخازن 7/13.
الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} 1.
فقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن من أنفق من قبل الفتح وقاتل أعظم درجة وأعلى منزلة ممن أنفق بعد ذلك ثم وعد ـ سبحانه ـ الجميع بعد ذلك بالحسنى: أي: المنفقين قبل الفتح وبعده وإن كان بينهم تفاوت في تفاضل الجزاء والحسنى هي الجنة.
وقد اختلف المفسرون في المقصود: "بالفتح" في هذه الآية: فقال بعضهم: معناه لا يستوي منكم أيها الناس من آمن قبل فتح مكة وهاجر.
وقال مجاهد2: في قوله: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} قال: آمن فأنفق يقول: من هاجر ليس كمن لم يهاجر.
وقال آخرون: عنى بالفتح فتح مكة، وبالنفقة: النفقة في جهاد المشركين قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، وكانت نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى كانت النفقة والقتال من قبل الفتح "فتح مكة" أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك.
وقال آخرون: عنى بالفتح في هذا الموضع صلح الحديبية. والقائلون بهذا استدلوا عليه بما أخرجه ابن جرير الطبري بإسناده إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية: "يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم" قلنا: من هم يا رسول الله أقريش هم؟ قال: لا ولكن أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً" فقلنا: هم خير منا يا رسول الله فقال: لو كان
1ـ سورة الحديد آية/10.
2ـ هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي مولى بني مخزوم تابعي مفسر من أهل مكة أخذ التفسير عن ابن عباس قرأه عليه ثلاث مرات، ولد سنة إحدى وعشرين وتوفي سنة أربعة ومائة هجرية، انظر: ترجمته في طبقات ابن سعد 5/466، حلية الأولياء 3/279، سير أعلام النبلاء 4/449-457.
لأحدهم جبل من ذهب فأنفقه ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه ألا إن هذا فصل ما بيننا وبين الناس {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ} الآية " وهذا القول رجحه ابن جرير مستدلاً بهذا الحديث.
وقال رحمه الله تعالى عند قوله عز وجل في الآية: {أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} : يقول تعالى ذكره: "هؤلاء الذين أنفقوا في سبيل الله من قبل فتح الحديبية وقاتلوا المشركين أعظم درجة في الجنة عند الله من الذين أنفقوا من بعد ذلك وقاتلوا وقوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} يقول تعالى ذكره: وكل هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا والذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وعد الله الجنة بإنفاقهم في سبيله وقتالهم أعداءه"أ. هـ1.
وقال أبو محمد بن حزم: "الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً قال الله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} 2، فثبت أن الجميع من أهل الجنة وأنه لا يدخل أحد منهم النار لأنهم مخاطبون بالآية السابقة، فإن قيل التقييد بالإنفاق والقتال يخرج من لم يتصف بذلك وكذلك التقييد بالإحسان في الآية التي تقدمت قريباً وهي قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} 3 الآية يخرج من لم يتصف بذلك وهي من أصرح ما وردت في المقصود ولهذا قال المازري4 في شرح البرهان: "لسنا نعني بقولنا الصحابة عدول كل من رآه صلى الله عليه وسلم يوماً أو زاره لماما أو اجتمع به لغرض
1ـ جامع البيان 27/219-221.
2ـ سورة الأنبياء آية /101.
3ـ سورة التوبة آية/100.
4ـ هو محمد بن علي بن عمر التميمي المازري أبو عبد الله، محدث من علماء المالكية نسبته إلى مازر بجزيرة صقلية، ولد سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة وتوفي سنة ست وثلاثين وخمسمائة، انظر ترجمته في: العبر 2/451، شذرات الذهب 4/114، الأعلام 7/164.
وانصرف عن كثب وإنما نعني به الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون" انتهى. وعقب الحافظ ابن حجر على هذا القول فقوله: والجواب عن ذلك أن التقييدات المذكورة خرجت مخرج الغالب وإلا فالمراد من اتصف بالإنفاق والقتال بالفعل أو القوة وأما كلام المازري فلم يوافق عليه بل اعترضه جماعة من الفضلاء"أ. هـ1.
وقال عماد الدين بن محمد الطبري المعروف "بالكياالهراسي" عند قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} : عنى به فتح الحديبية ودلّ به على أن فضيلة العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين أو لكثرة المحنة به لقلة المسلمين وكثرة الكفار وهو مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} 2.
8-
وهذه الآية تضمنت الثناء على المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وتركوا أموالهم ابتغاء فضل الله ورضوانه، ورغبة في نصرة الله ورسوله، وشهد الله لهم بالصدق في ختام هذه الآية، وأكرم بها من شهادة فإن فيها تزكية لهم من رب العالمين.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: "يقول تعالى مبيناً حال الفقراء المستحقين لمال الفيء أنهم {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً} أي: خرجوا من ديارهم وخالفوا قومهم ابتغاء مرضاة الله
1ـ الإصابة 1/19.
2ـ أحكام القرآن للكيا الهراسي 4/401، والآية رقم 117 من سورة التوبة.
3ـ سورة الحشر آية/8.
ورضوانه: {وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أي: هؤلاء الذين صدقوا قولهم بفعلهم وهؤلاء هم سادات المهاجرين"أ. هـ1.
وفي كل ما تقدم من الآيات القرآنية دلالات واضحات على فضل السابقين الأولين من المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين، وكما دل القرآن على فضلهم كذلك دلت السنة على أن السابقين الأولين من المهاجرين لهم قدم صدق عند ربهم وفضل عظيم ينالونه جزاء نصرتهم دين الإسلام وقد وردت مناقبهم في أحاديث كثيرة ومنها ما يلي:
1-
من مناقبهم الواردة في السنة أن الرسول صلى الله عليه وسلم بين أن الهجرة سبب من أسباب المغفرة فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل لك في حصن ومنعة "قال حصن كان لدوس في الجاهلية" فأبى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذخر الله للأنصار فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص2 له فقطع بها براجمه3 فشخبت4 يداه حتى مات فرآه الطفيل بن عمرو في منامه فرآه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه فقال له: ما صنع بك ربك فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقال: مالي أراك مغطياً يديك؟ قال: قيل: لي لن نصلح ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم وليديه فاغفر"5.
1ـ تفسير القرآن العظيم 6/605.
2ـ مشاقص: قال في النهاية: المشقص نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض 2/490.
3ـ براجمه: الواحدة برجمة بالضم وهي: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ. النهاية 1/113.
4ـ فتشخبت: الشخب السيلان. النهاية 2/450 والمراد سال دمه حتى مات.
5ـ صحيح مسلم 1/108-109، المسند 3/370-371، ورواه الحاكم في المستدرك 4/76 ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وهذا وهم منه رحمه الله تعالى فقد أخرجه مسلم كما ترى.
1-
ومن مناقبهم التي وردت في السنة عن المصطفى عليه الصلاة والسلام أن فقراء المهاجرين هم أول من يعبر الصراط إلى الجنة وأنهم يدخلونها قبل الأغنياء بأربعين سنة: فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله حدثه قال: قال: كنت قائماً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حبر1 من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي: جئت أسألك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أينفعك شيء إذا حدثتك؟ " قال: أسمع بأذني فنكت2 رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال: " سل" فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هم في الظلمة دون الجسر"3 قال: فمن أول الناس إجازة4 قال: "فقراء المهاجرين" قال فما تحفتهم5 حين يدخلون الجنة؟ قال: "زيادة كبد النون"6 قال: فما غذاؤهم على أثرها قال: "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال: فما شرابهم عليه؟ قال: "من عين فيها تسمى سلسبيلا" 7 قال: صدقت. الحديث8.
وروى أيضاً بإسناده إلى عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى
1ـ الحبر: هو العالم، النهاية في غريب الحديث 1/228
2ـ النكت: هو الضرب في الأرض بعود أو حديدة أو غير ذلك، انظر: النهاية 5/113.
3ـ الجسر: هو الشيء المتخذ للعبور عليه. انظر النهاية 1/272، والمراد هنا الصراط.
4ـ الإجازة: هنا بمعنى العبور والجواز.
5ـ التحفة: طرفة الفاكهة، والجمع التحف ثم تستعمل في غير الفاكهة. النهاية 1/182.
6ـ قال في النهاية: كبد كل شيء وسطه 4/139، والمراد بالنون الحوت.
7ـ السلسبيل: اسم للعين وقال مجاهد وغيره هي شديدة الجري انظر: جامع البيان 29/218.
8ـ صحيح مسلم 1/252.
الجنة بأربعين خريفاً". 1
3-
ومن مناقبهم الدالة على عظيم شأنهم وعلو قدرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المهاجرين الأولين فازوا بفضل الهجرة، وظفروا بالأجر العظيم، والثواب الجزيل. روى الإمام البخاري بإسناده إلى مجاشع بن مسعود رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأخي بعد الفتح فقلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة قال: "ذهب أهل الهجرة بما فيها". 2
4-
ومن الأحاديث الواردة في بيان عظم شأن المهاجرين الأولين أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن الهجرة فيها عبء شديد ولا يصبر على ذلك إلا من وفقه الله، وقد وفق الله لتحمل ذلك والصبر عليه أولئك الأتقياء الأخيار من صحابة رسول الله صل الذين خرجوا من مكة ومن جاء من بلد آخر مخاجراً إلى الله ورسوله وظفر بشرف الصحبة فقد روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن أعرابيا سأل رسول الله عن الهجرة فقال: "ويحك إن شأن الهجرة لشديد فهل لك من إبل؟ قال: نعم قال: "فهل تؤدي صدقتها؟ قال: نعم قال: "فاعمل من وراء البحار 3، فإن الله لن يترك من عملك شيئاً". 4
والمراد بالهجرة التي سأل عنها هذا الأعرابي ملازمة المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم وترك أهله ووطنه فخاف عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يقوى لها ولا يقوم بحقوقها وأن ينكص على عقبيه فقال له: إن شأن الهجرة التي سألت عنها لشديد ولكن اعمل بالخير في وطنك وحيث ما كنت فهو ينفعك ولا ينقصك الله منه شيئاً"أ. هـ5.
1ـ صحيح مسلم 4/2285.
2ـ صحيح البخاري 3/65.
3ـ المراد: بالبحار هنا: القرى والعرب تسمي المدن والقرى البحار والقرية البحيرة أنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 1/100.
4ـ صحيح البخاري 1/252، صحيح مسلم 3/1488.
5ـ شرح النووي على صحيح مسلم 13/9.
5-
ومن مناقب المهاجرين الأولين أنه صلى الله عليه وسلم وصى بهم وبأبنائهم من بعدهم خيراً فقد روى الطبراني في الأوسط والبزار من حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قال: لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة قالوا: يا رسول الله أوصنا قال: أوصيكم بالسابقين الأولين من المهاجرين وبأبنائهم من بعدهم إلا تفعلوه لا يقبل منكم صرف ولا عدل" قال الهيثمي رواه الطبراني في الأوسط والبزار، إلا أنه قال: "أوصيكم بالسابقين الأولين وبأبنائهم من بعدهم" ورجاله ثقات1 وقد بين أهل العلم أن المراد: بالصرف التوبة وقيل النافلة. والمراد بالعدل: الفدية، وقيل: الفريضة2 فالذي لم يحفظ وصية النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه المهاجرين باعتقاد ما يجب لهم من المحبة والاحترام والاعتراف بفضلهم وسابقتهم فإنه على حالة خطيرة ويكون مآله إلى شر والعياذ بالله، ومن الذي يرضى لنفسه بعدم قبول فريضته ونافلته؟ اللهم إلا من رضي لها في الدنيا بالخذلان وفي الآخرة بنهاية الخسران أعاذنا الله من ذلك.
وقد بين عليه الصلاة والسلام أن الهجرة لا يعدلها شيء في الثواب.
فقد روى الإمام النسائي بإسناده إلى كثير بن مرة أن أبا فاطمة حدثه أنه قال: يا رسول الله حدثني بعمل أستقيم عليه وأعمله قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها".3
ولما في الهجرة من الفضل العظيم، والثواب الجزيل حرص عليه الصلاة والسلام على عدم انقطاع الهجرة للمهاجرين من الصحابة ولذلك دعا الله عز وجل أن يتم هجرتهم كما في حديث سعد بن أبي وقاص عندما مرض في حجة الوداع وفيه:"..أنه قال: قلت: يا رسول الله أخلف بعد أصحابي قال: "إنك
1ـ مجمع الزوائد 10/17.
2ـ انظر: النهاية في غريب الحديث 3/190، المفردات في غريب القرآن ص/326.
3ـ سنن النسائي 7/145.
لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة ولعلك تخلف حتى ينفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم
…
". الحديث.1
فهذا الحديث اشتمل على منقبة للمهاجرين من مكة إلى المدينة وغيرها حيث دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "دعاء عاماً ومعنى: أمض لأصحابي هجرتهم أي: أتمها ولا تبطلها ولا تردهم على أعقابهم بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية".2
وقال العيني: " اللهم أمض" بقطع الهمزة يقال: أمضيت الأمر أي: أنفذته أي: تممها لهم ولا تنقصها عليهم فيرجعون عن المدينة قوله: "ولا تردهم على أعقابهم" أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية فيخيب قصدهم ويسوء حالهم ويقال: لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه رجع على عقبيه وحار ومنه الحديث: "أعوذ بك من الحور بعد الكور ".3
والحاصل مما تقدم من الآيات والأحاديث الواردة في فضل السابقين من المهاجرين أنها اشتملت على مناقب عالية، وعلى مدح عظيم لأولئك المهاجرين الذين تركوا ديارهم وأموالهم وخرجوا مهاجرين إلى الله ورسوله لنصرة دين الإسلام الحنيف فرضي الله عنهم أجمعين ولنأت الآن إلى ما ورد من الثناء في القرآن الكريم والسنة المطهرة على الفريق الثاني من السابقين وهم أنصار الإسلام وكتيبة الإيمان من الأوس والخزرج، وقبل أن أذكر ما جاء من الثناء عليهم في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أبين معنى كلمة "الأنصار"
1ـ صحيح البخاري 1/225، صحيح مسلم 3/1250-1251 واللفظ له.
2ـ انظر شرح النووي على صحيح مسلم 11/76.
3ـ عمدة القاري شرح صحيح البخاري 8/90 والحديث رواه ابن ماجه 2/1279، ورواه الترمذي في سننه 5/161، ورواه الإمام أحمد في مسنده 5/28، وعند مسلم في صحيحه 2/979 بلفظ: والحور بعد الكون "الكلمة الثانية بالنون".
فالأنصار: جمع ناصر كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف واللام فيه للعهد أي: أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد الأوس والخزرج وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة بقاف مضمومة وياء تحتانية ساكنة وهي الأم التي تجمع القبيلتين فسماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار، فصار ذلك علماً عليهم وأطلق أيضاً: على أولادهم وحلفائهم ومواليهم وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه والقيام بأمرهم ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم وإيثارهم إياهم في كثير من الأمور على أنفسهم1.
وقد كثر الثناء على الأنصار في الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة فمن الثناء عليهم في الكتاب العزيز ما يلي:
1-
2-
ففي هاتين الآيتين وصف الله الأنصار بأنهم آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين، وأنهم نصروه عليه الصلاة والسلام بقتالهم معه أهل الكفر والضلال وبين الله تعالى أن الأنصار والمهاجرين بعضهم أولياء بعض فالنصرة والمساعدة، ثم ختم الله الآيتين بحكم يشمل المهاجرين والأنصار وهو قوله:{أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} فقد حكم الله لهم بأنهم أهل الإيمان بالله ورسوله حقاً وأن لهم ستراً من الله على ذنوبهم بعفوه لهم عنها
1ـ فتح الباري 1/63.
2ـ سورة الأنفال آية/72.
3ـ سورة الأنفال آية/74.
وأن لهم في الجنة مطعماً ومشرباً هنياً كريماً لا يتغير في أجوافهم فيصير نجواً ولكنه يصير رشحاً كرشح المسك".1
قال البغوي رحمه الله تعالى في تفسيره: {وَالَّذِينَ آوَوْا} "نبي الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين معه أي: أسكنوهم منازلهم {وَنَصَرُوا} أي: نصروهم على أعدائهم وهم الأنصار رضي الله عنهم: {أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} ". دون أقربائهم قيل: في العون والنصرة، وقال ابن عباس في الميراث وكانوا يتوارثون بالهجرة فكان المهاجرون والأنصار يتوارثون دون ذوي الأرحام وكان من آمن ولم يهاجر لا يرث من قريبه المهاجر حتى كان فتح مكة انقطعت الهجرة وتوارثوا بالأرحام حيث ما كانوا وصار ذلك منسوخاً بقوله عز وجل {وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} أ. هـ2.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى مبيناً معنى الآيتين السابقتين: "ختم الله ـ سبحانه ـ هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به وسمى ـ سبحانه ـ المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلباً لما عند الله وإيجاباً لداعيه {وَالَّذِينَ آوَوْا} هم الأنصار والإشارة بقوله {أُولَئِكَ} إشارة إلى الموصول الأول والآخر3
…
إلى أن قال: ثم بين ـ سبحانه ـ حكماً آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار فقال: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} أي: الكاملون في الإيمان وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء، والأول وراد في إيجاب الموالاة والنصرة ثم أخبر ـ سبحانه ـ أن لهم منه مغفرة لذنوبهم في الآخرة ولهم رزق كريم خالص عن الكدر طيب مستلذ".أ. هـ4.
1ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن 10/56-57.
2ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن 3/44 والآية رقم 75 من سورة الأنفال.
3ـ فتح القدير 2/329.
4ـ فتح القدير 2/329.
فالآيايتان المتقدمتان اشتملتا على إثبات منقبتين عظيمتين للأنصار رضي الله عنهم وهاتان المنقبتان الإيواء والنصرة فلقد آووا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه من المهاجرين، ونصروا دين الله ورسوله بمقاتلة جيوش الكفر والشرك والضلال ليدخلوهم في دين الإسلام الحق الذي ارتضاه الله لعباده ديناً.
3-
أثنى الله عليهم بسبقهم إلى الإسلام مع إخوانهم المهاجرين رضي الله عنهم حيث قال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} 1.
فالمراد بالأنصار في هذه الآية هم الذين تبوؤوا الدار والإيمان وانضوى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرون2 فقد بين ـ تعالى ـ في هذه الآية أنه رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان رضاء مطلقا، ورضاه ـ سبحانه ـ أكبر من نعيم الجنة ثم بين تعالى أن مصيرهم هو دخول الجنة التي تجري تحتها الأنهار الجارية التي تساق إلى سقي الجنان والحدائق الزاهرة، وأنهم خالدون في الجنة لا يبغون عنها حولا ولا يطلبون منها بدلا أنهم مهما تمنوا من نعيم أدركوه ومتى ما أرادوه وجدوه {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الذي حصل لهم فيه كل محبوب للنفوس، ولذة للأرواح ونعيم للقلوب وشهوة للأبدان واندفع عنهم كل محذور3 فهذا النعيم في مقدمة من يظفر به السابقون الأولون من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مهاجرين وأنصار فهذه الآية اشتملت على منقبة عظيمة للسابقين من الأنصار رضي الله عنهم وتلك المنقبة هي سبقهم إلى الإسلام، وفوزهم برضى الملك العلام، ودخولهم ما أعد الله لهم من الجنان
1ـ سورة التوبة آية/100.
2ـ انظر: أحكام القرآن لابن العربي 2/886، والجامع لأحكام القرآن 8/56.
3ـ تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 3/136.
4-
قال تعالى في ثنائه عليهم بالأخلاق الفاضلة النبيلة التي اتسموا بها: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 1.
فهذه الآية اشتملت على الثناء الحسن على أنصار الإسلام وكتيبة الإيمان بحبهم لإخوانهم المهاجرين، وطهارة أنفسهم من الحسد لهم على منَّ الله به عليهم من شرف الهجرة وإيثارهم لهم على أنفسهم بمواساتهم لهم بأموالهم ثم بين تعالى في ختام الآية أن فلاحهم واقع ومتحقق لا محالة.
قال العلامة ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: "يقول تعالى ذكره: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ} يقول: اتخذوا مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم فابتنوها منازل والإيمان" بالله ورسوله {مِنْ قَبْلِهِمْ} يعني: من قبل المهاجرين {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} : يحبون من ترك منزله وانتقل إليهم من غيرهم وعنى بذلك الأنصار يحبون المهاجرين
…
ثم روى بإسناده إلى قتادة أنه قال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} يقول: مما أعطوا إخوانهم هذا الحي من الأنصار أسلموا في ديارهم فابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم، فأحسن الله عليهم الثناء في ذلك، وهاتان الطائفتان الأوليان من هذه الآية أخذتا بفضلهما، ومضتا على مهلهما وأثبت الله حظهما في الفيء".
وروى أيضاً: بإسناده إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أنه قال: في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} قال: هؤلاء الأنصار يحبون من هاجر إليهم من المهاجرين " إلى أن قال: وقوله: {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} يقول جل ثناؤه: ولا يجد الذين
1ـ سورة الحشر آية/9.
تبوؤوا الدار من قبلهم، وهم الأنصار في صدروهم حاجة يعني حسداً مما أوتوا يعني مما أوتي المهاجرون من الفيء وذلك لما ذكر لنا من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين1. من الأنصار أعطاهما لفقرهما، وإنما فعل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة
…
وقوله: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} يقول: ويعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} يقول: ولو كان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم".2.
وقد روى الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه سبب نزول لقوله تعالى في الآية: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فقد روى بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من يضم ـ أو يضيف ـ هذا؟ " فقال رجل3 من الأنصار: أنا فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني فقال: هيئي طعامك وأصحبي سراجك ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان فباتا طاويين فلما أصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ضحك الله الليلة ـ أو عجب ـ من فعالكما" فأنزل الله {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} 4.
قال العلامة ابن جرير مبيناً معنى قوله تعالى في ختام الآية السابقة {وَمَنْ
1ـ الرجلان هما: سهل بن حنيف وأبو دجانة سماك بن خرشة. جامع البيان 28/41.
2ـ جامع البيان عن تأويل آي القرآن 28/40-42.
3ـ هذا الرجل هو أبو طلحة كما في صحيح مسلم 3/1625، وانظر فتح الباري 7/12.
4ـ صحيح البخاري 3/199، وانظر جامع البيان 28/43.
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ} يقول تعالى ذكره: من وقاه الله شح نفسه {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} المخلدون في الجنة والشح في كلام العرب: البخل ومنع الفضل من المال. أ.هـ1.
وقال الإمام البغوي رحمه الله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ} وهم الأنصار تبوؤوا الدار توطنوا الدار أي: المدينة اتخذوها دار الهجرة والإيمان {مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: أسلموا في ديارهم وآثروا الإيمان وابتنوا المساجد قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين ونظم الآية {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: من قبل قدوم المهاجرين عليهم وقد آمنوا لأن الإيمان ليس بمكان تبوء {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} حزازة وغيظاً وحسداً {مِمَّا أُوتُوا} أي: مما أعطي المهاجرين دونهم من الفيء وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين ولم يعط منها الأنصار فطابت أنفس الأنصار بذلك {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} أي: يؤثرون على إخوانهم من المهاجرين بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون وذلك أنهم قاسموهم ديارهم وأموالهم".2
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى مبيناً معنى الآية السابقة وما تضمنته من فضل للأنصار قال تعالى مادحاً للأنصار ومبيناً فضلهم وشرفهم وكرمهم، وعدم حسدهم وإيثارهم مع الحاجة فقال تعالى:{وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي: سكنوا دار الهجرة من قبل المهاجرين وآمنوا قبل كثير منهم وقوله تعالى: {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين ويواسونهم بأموالهم
…
وقوله: {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} أي: ولا يجدون في أنفسهم حسداً للمهاجرين فيما فضلهم الله به من
1ـ جامع البيان 20/43.
2ـ تفسير البغوي على حاشية الخازن 7/52-53.
المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة
…
وقوله تعالى: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح"أ. هـ1.
وقال الشوكاني رحمه الله تعالى عند تفسيره لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} الآية قال: "لما فرغ من مدح المهاجرين مدح الأنصار فقال: {وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} المراد بالدار المدينة وهي دار الهجرة ومعنى تبوئهم الدار والإيمان أنهم اتخذوها مباءة أي: تمكنوا منها تمكناً شديداً والتبوء في الأصل إنما يكون للمكان ولكنه جعل الإيمان مثله لتمكنهم فيه
…
ومعنى {مِنْ قَبْلِهِمْ} من قبل هجرة المهاجرين
…
لأن الأنصار إنما آمنوا بعد إيمان المهاجرين والموصول مبتدأ وخبره {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} وذلك لأنهم أحسنوا إلى المهاجرين وأشركوهم في أموالهم ومساكنهم {وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} أي: لا يجد الأنصار في صدورهم حسداً وغيظاً وحزازة {مِمَّا أُوتُوا} أي: مما أوتي المهاجرون دونهم من الفيء بل طابت أنفسهم بذلك
…
{وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} أي: حاجة وفقر والخصاصة مأخوذة من خصاص البيت وهي الفرج التي تكون فيه وقيل: إن الخصاصة مأخوذة من الاختصاص وهو الانفراد بالأمر فالخصاصة الانفراد بالحاجة"2.
فهذه الآية اشتملت على مناقب للأنصار رضي الله عنهم وتلك المناقب هي ما تحلوا به من الأمور الطيبة من كونهم صادقين في إيمانهم بالله ورسوله، ويحبون إخوانهم المهاجرين الذين تركوا ديارهم وهجروا قومهم ولا يجدون في صدورهم حسداً مما أوتي المهاجرين من الفيء "وذلك أنه صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون الأنصار إلا رجلين من الأنصار أعطاهما
1ـ تفسير القرآن العظيم 6/605-608.
2ـ فتح القدير للشوكاني 5/200 وما بعدها، وانظر: جامع البيان للطبري 28/44، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي 18/329.
لفقرهما"1.
وكذلك آثروا المهاجرين بإعطائهم من أموالهم ولو كان بهم حاجة وفاقة فوقوا شح أنفسهم فكتب الله لهم الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة ذلك هو الثناء على الأنصار في الآيات القرآنية وأما الثناء عليهم في السنة المطهرة فقد ورد في كثير من الأحاديث النبوية ومن ذلك ما يلي:
1-
روى الإمام البخاري من حديث غيلان بن جرير قال: قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به أم سماكم الله قال: بل سمانا الله كنا ندخل على أنس فيحدثنا مناقب الأنصار ومشاهدهم ويقبل علي أو على رجل من الأزد فيقول فعل قومك يوم كذا وكذا كذا وكذا".2
هذا الحديث تضمن منقبة عظيمة للأنصار رضي الله عنهم إذ تسميتهم بهذا الاسم تسمية إسلامية سمى به النبي صلى الله عليه وسلم الأوس والخزرج3.
2-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: ما رواه البخاري بإسناده إلى أنس رضي الله عنه قال: قالت الأنصار: يوم فتح مكة ـ وأعطى قريشاً ـ: والله إن هذا لهو العجب أن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا ترد عليهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الأنصار، قال فقال:"ما الذي بلغني عنكم؟ " وكانوا لا يكذبون فقالوا: هو الذي بلغك قال: "أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم؟ لو سلكت الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم".
ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: "لو أن الأنصار سلكوا وادياً أو شعباً لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" فقال أبو هريرة ما ظلم ـ بأبي وأمي ـ آووه ونصروه
1ـ جامع البيان للطبري 28/41.
2ـ صحيح البخاري 2/309.
3ـ فتح الباري 7/110.
أو كلمة أخرى.1
وروى أيضاً رحمه الله تعالى: من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: "لما أفاء الله على رسوله صلى الله عليه وسلم يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئاً فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئاً قالوا: ألله ورسوله أمن قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم" قال: كلما قال شيئاً قالوا: ألله ورسوله أمن قال: "لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار ولو سلك الناس وادياً لسلكت وادي الأنصار وشعبها، الأنصار شعار2 والناس دثار3 إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض"4.
هذا الحديث المروي عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد بن عاصم: اشتمل على مناقب للأنصار رضي الله عنهم حظوا بها وتميزوا بها عن غيرهم وتلك المناقب هي:
1-
تشريفهم بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وسكناه بينهم وهذه منقبة عظيمة رفعت من قدرهم وزادت من شرفهم دون سائر الناس ولو لم يحصل ذلك لما كان بينهم وبين غيرهم من الناس فرق.
2-
إخباره عليه الصلاة والسلام بأنه لا يفارق صحبتهم ولا يتحول عنهم فيه منقبة وفضيلة ظاهرة لهم رضي الله عنهم.
1ـ هذا الحديث والذي قبله في صحيح البخاري 2/309.
2ـ شعار: الشعار الثوب الذي يلي الجسد ـ الفتح 8/52، وانظر: النهاية لابن الأثير 2/480.
3ـ دثار: الدثار الثوب الذي فوق الشعار ـ النهاية لابن الأثير 2/480، الفتح 8/52.
4ـ صحيح البخاري 3/69.
3-
بين عليه الصلاة والسلام في الحديث الثالث أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق الناس به وأقرب إليه من غيرهم رضي الله عنهم.
وقول أنس رضي الله عنه: إن الأنصار رضي الله عنهم قالوا: "والله إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دماء قريش وغنائمنا ترد عليهم" وقوله في الحديث الآخر: "فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس" فهذا القول حصل من أناس منهم حديثة أسنانهم للحديث الآخر الذي رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه وفيه: "أنهم قالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم قال أنس فحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقالتهم وأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم1 ولم يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا قام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال فقهاء الأنصار أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئاً وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم" الحديث2.
وفيما تقدم دلالة على أن من طلب حقه من الدنيا لا يعتب عليه وفعل بعض الأنصار ذلك لا ينقص قدرهم ولا ينزل من مكانتهم العالية فلهم رضي الله عنهم مناقب رفيعة قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: عند شرحه لقول أبي هريرة في الحديث المتقدم بعد قوله عليه الصلاة والسلام: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" فقال أبو هريرة: ما ظلم بابي وأمي ـ "أي: ما تعدى في القول المذكور ولا أعطاهم فوق حقهم ثم بين ذلك بقوله: "آووه ونصروه": قوله: "أو كلمة أخرى" لعل المراد وواسوه وواسوا أصحابه بأموالهم وقوله "لسلكت في وادي الأنصار" أراد حسن موافقتهم له لما شاهده من حسن
1ـ قبة من أدم: أي: في خيمة من جلد.
2ـ صحيح البخاري 3/69-70.
الجوار والوفاء بالعهد وليس المراد بأنه يصير تابعاً لهم بل هو المتبوع المطاع المفترض الطاعة على كل مؤمن"1.
ونقل الحافظ رحمه الله تعالى عن الخطابي أنه قال بعد قوله عليه الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم المتقدم "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" أراد بهذا الكلام تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحداً منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبدليها ونسبة الإنسان تقع على وجوه منها الولادة والبلادية والاعتقادية والصناعية ولا شك أنه لم يرد الانتقال عن نسب آبائه لأنه ممتنع قطعاً وأما الاعتقادي فلا معنى للانتقال فيه فلم يبق إلا القسمان الأخيران وكانت المدينة دار الأنصار والهجرة إليها أمراً واجباً أي: لولا النسبة الهجرية لا يسعني تركها لانتسبت إلى داركم. وقال القرطبي: "معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها فمنعت من ذلك وهي أعلى وأشرف فلا تتبدل بغيرها، وقيل: معناه لكنت من الأنصار في الأحكام والعداد، وقيل: التقدير لولا أن ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار ولم يرد ظاهر النسب أصلاً"أ. هـ2.
وقال صديق حسن خان عند شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار" فيه إشارة إلى ترجيح الأنصار بحسن الجوار والوفاء بالعهد لا وجوب متابعته صلى الله عليه وسلم إياهم إذ هو صلى الله عليه وسلم المتبوع المطاع لا التابع المطيع فما أكثر تواضعه صلى الله عليه وسلم"أ. هـ3.
وقال أبو بكر بن العربي في شرحه لقوله صلى الله عليه وسلم: "لو سلك الناس وادياً أو شعباً
1ـ فتح الباري 7/112.
2ـ فتح الباري 8/51.
3ـ عون الباري لحل أدلة صحيح البخاري 4/532.
لسلكت وادي الأنصار وشعبها" أخبر أنه لا يفارق صحبتهم ولا يزال دارتهم"أ. هـ1.
وقال الإمام النووي: عند قوله صلى الله عليه وسلم: "لسلكت شعب الأنصار" قال الخليل: هو ما انفرج بين جبلين، وقال ابن السكيت2: هو الطريق في الجبل وفيه فضيلة الأنصار ورجحانهم"أ. هـ3.
وقال أيضاً عند قوله صلى الله عليه وسلم: "الأنصار شعار والناس دثار" معنى الحديث: الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق بي من سائر الناس وهذا من مناقبهم الظاهرة وفضائلهم الباهرة"أ. هـ4.
ومن خلال أقوال العلماء المتقدمة التي سقناها لبيان معنى الحديث المروي عن أنس وأبي هريرة وعبد الله بن زيد بن عاصم: تبين أنه اشتمل على مناقب عظيمة للأنصار لما تضمنه من الثناء البالغ عليهم من النبي صلى الله عليه وسلم وحسن أدبهم رضي الله عنهم في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم ولقد آثروا الآخرة على الدنيا، فقد زهدت نفوسهم عن حطام الدنيا الفاني ورضوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً ومغنماً كما في صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال لهم:"أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ فوالله لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" فقالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا"5.
1ـ عارضة الأحوذي بشرح الترمذي 13/266.
2ـ هو يعقوب بن إسحاق أبو يوسف بن السكيت إمام في اللغة والأدب أصله من خوزستان بين البصرة وفارس، ولد سنة ست وثمانين ومائة وتوفي سنة أربعة وأربعين ومائتين، انظر ترجمته في: تاريخ بغداد 14/273، وفيات الأعيان 6/390، هدية العارفين 2/536، الأعلام 9/255.
3ـ شرح النووي على صحيح مسلم 7/152.
4ـ شرح النووي على صحيح مسلم 7/152.
5ـ صحيح مسلم 2/734 من حديث أنس رضي الله عنه.
3-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين أنهم من أحب الناس إليه، وقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى صبيان ونساء مقبلين من عرس فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم ممثلاً1 فقال:"اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" يعني الأنصار2.
وعند الإمام البخاري: فقال "اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" قالها ثلاث مرار3.
وروى الإمام مسلم أيضاً بإسناده إلى أنس قال: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فخلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "والذي نفسي بيدي إنكم لأحب الناس إليّ" ثلاث مرات4.
وعند الإمام البخاري رحمه الله تعالى بلفظ: جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعها صبي لها فكلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "والذي نفسي بيدي إنكم أحب الناس إليّ مرتين"5.
فكونه عليه الصلاة والسلام بين أن الأنصار رضي الله عنهم من أحب الناس إليه وأقسم بمن نفسه بيده وهو الله عز وجل على ذلك لهو من أعظم مناقبهم رضي الله عنهم وأرضاهم، وهكذا يجب على المسلم أن يكون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب الناس إليه بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله ـ يعني البخاري في صحيحه ـ: "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار أنتم أحب الناس إليّ" هو على طريق الإجمال، أي: مجموعكم أحب إليّ من مجموع غيركم فلا يعارض قوله في الحديث: في
1ـ أي: مكلفاً نفسه ذلك ـ انظر فتح الباري 7/114.
2ـ صحيح مسلم 4/1948.
3ـ صحيح البخاري 2/310.
4ـ صحيح مسلم 4/1949.
5ـ صحيح البخاري 2/310.
جواب من أحب الناس إليك؟ قال: أبو بكر" الحديث1.
4-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: سرعة امتثالهم أمر الله ورسوله وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين، فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم: أقسم بيننا وبين إخواننا النخيل قال: "لا"، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا.2
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: "المؤونة" أي: العمل في البساتين من سقيها والقيام عليها قال المهلب: إنما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم لأنه علم أن الفتوح ستفتح عليهم فكره أن يخرج شيء من عقار الأنصار عنهم فلما فهم الأنصار ذلك جمعوا بين المصلحتين امتثال ما أمرهم به وتعجيل مواساة إخوانهم المهاجرين فسألوهم أن يساعدوهم في العمل ويشركوهم في الثمر وفيه: "فضيلة ظاهرة للأنصار"أ. هـ3.
5-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلهم من جملة من تولاهم الله ورسوله، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأنصار ومزينة وجهينة وغفار وأشجع ومن كان من بني عبد الله موالي دون الناس والله ورسوله مولاه". وروى أيضاً: بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قريش والأنصار ومزينة وجهينة وأسلم وغفار وأشجع موالي ليس لهم مولى دون الله ورسوله"4.
فكونهم رضي الله عنهم ممن تولاهم الله ورسوله فهو من أعظم المناقب وأعلى المراتب، وهذا من علامة السعادة الأبدية التي ينالها عباد الله وأولياؤه الصالحون.
ومعنى الحديث: "إني وليهم والمتكفل بهم وبمصالحهم وهم مواليه أي:
1ـ فتح الباري 7/114.
2ـ صحيح البخاري 2/46.
3ـ فتح الباري 5/8-9، 7/113.
4ـ الحديثان في صحيح مسلم 4/1954.
ناصروه والمختصون به"أ. هـ1.
6-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وثق بهم واعتمدهم في أموره وأوصى من بعده أن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم، فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك قال:"مرّ أبو بكر والعباس رضي الله عنهما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: "ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم منا فدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك قال: فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد عصب على رأسه حاشية برد قال فصعد المنبر، ولم يصعده بعد ذلك اليوم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:"أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشي وعيبتي وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم"2.
وعند الإمام مسلم بلفظ: " إن الأنصار كرشي وعيبتي وإن الناس سيكثرون ويقلون فاقبلوا من محسنهم واعفوا عن مسيئهم"3.
فقد جعلهم عليه الصلاة والسلام جماعته وموضع سره وأمانته في قوله: "كرشي وعيبتي" قال النووي في شرحه لقوله عليه الصلاة والسلام: "الأنصار كرشي وعيبتي": قال العلماء: معناه: جماعتي وخاصتي الذي أثق بهم وأعتمدهم في أموره. قال الخطابي: ضرب مثلاً بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون به بقاؤه، والعيبة وعاء معروف أكبر من المخلاة يحفظ الإنسان فيها ثيابه وفاخر متاعه ويصونها ضربها مثلاً لأنهم أهل سره وخفي أحواله صلى الله عليه وسلم "فاقبلوا من محسنهم واعفوا عن مسيئهم" وفي بعض الأصول:"عن سيئتهم" والمراد بذلك فيما سوى الحدود"أ. هـ4.
1ـ شرح النووي على صحيح مسلم 16/74.
2ـ صحيح البخاري 2/312.
3ـ صحيح مسلم 4/1949.
4ـ شرح النووي على صحيح مسلم 16/68-69.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: قوله: "ذكرنا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم" أي: الذي كانوا يجلسونه معه وكان ذلك في مرض النبي صلى الله عليه وسلم فخشوا أن يموت من مرضه فيفقدوا مجلسه فبكوا حزناً على فوات ذلك
…
قوله: "أوصيكم بالأنصار" استنبط منه بعض الأئمة أن الخلافة لا تكون في الأنصار لأن من فيهم الخلافة يوصون ولا يوصى بهم ولا دلالة فيه إذ لا مانع من ذلك قوله: "كرشي وعيبتي" أي: بطانتي وخاصتي قال القزاز: ضرب المثل بالكرش لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه ويقال: لفلان كرش منثورة أي: عيال كثيرة، والعيبة ما يحرز فيه الرجل نفيس ما عنده يريد أنه موضع سره وأمانته قال ابن دريد: هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم الموجز الذي لم يسبق إليه، وقال غيره: الكرش بمنزلة المعدة للإنسان والعيبة مستودع الثياب والأول أمر باطن والثاني أمر ظاهر فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الباطنية والظاهرية والأول أولى وكل من الأمرين مستودع لما يخفى فيه قوله: "وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم" ليلة العقبة من المبايعة فإنهم بايعوا على أن يأووا النبي صلى الله عليه وسلم وينصروه على أن لهم الجنة فوفوا بذلك"أ. هـ1.
7-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخيرية دورهم رضي الله عنهم ولكن هذه الخيرية ما ثبتت لهذه الدور إلا بعد ثبوتها لأهلها الذين آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونصروا دين الإسلام ورفعوا رايته فرضوان الله أجمعين.
روى الشيخان بإسنادهما إلى أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " خير دور الأنصار بني النجار، ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث بن الخزرج، ثم بنو ساعدة، وفي كل دور الأنصار خير" فقال سعد: ما أرى النبي صلى الله عليه وسلم إلا قد فضل علينا فقيل: قد فضلكم على كثير"2.
1ـ فتح الباري 7/121- 122.
2ـ صحيح البخاري 2/311، صحيح مسلم 4/1949.
وروى البخاري بإسناده إلى أبي حميد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن خير دور الأنصار دار بني النجار، ثم عبد النجار، ثم عبد الأشهل، ثم دار بني الحارث ثم بني ساعدة وفي كل دور الأنصار خير" فلحقنا سعد بن عبادة فقال أبا أسيد: ألم تر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم خيَّر الأنصار فجعلنا أخيراً؟ فأدرك سعد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله خير دور الأنصار فجعلنا آخراً فقال: "أوليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار"1.
وعند مسلم: "وبلغ ذلك سعد بن عبادة فوجد في نفسه وقال: خلفنا فكنا آخر الأربع أسرجوا لي حماري آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلمه ابن أخيه سهل فقال: أتذهب لترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أوليس حسبك أن تكون رابع أربع فرجع وقال: الله ورسول أعلم وأمر بحماره فحل عنه"2.
فلله ما أعظم هذه المنقبة وما أعظم هذا الفضل لهؤلاء الأخيار الذين زكت نفوسهم وطابت أعمالهم حتى شملت الخيرية دورهم، وهذه المفاضلة بين هذه الدور حصلت حسب سبق أهلها للدخول في الإسلام.
قال النووي: عند قوله صلى الله عليه وسلم: "خير دور الأنصار بنو النجار" الحديث أي: خير قبائلهم وكانت كل قبيلة منها تسكن محلة فتسمى تلك المحلة دار بني فلان، ولهذا جاء في كثير من الروايات بنو فلان من غير ذكر الدار.
قال العلماء: وتفضيلهم على قدر سبقهم إلى الإسلام ومآثرهم فيه، وفي هذا دليل لجواز تفضيل القبائل والأشخاص بغير مجازفة ولا هوى ولا يكون هذا غيبة"أ. هـ3.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: "قوله" خير دور الأنصار
…
وفي
1ـ صحيح البخاري 2/311.
2ـ صحيح مسلم 4/1950.
3ـ شرح النووي 16/69.
كل دور الأنصار خير "الأولى بمعنى أفضل والثانية اسم أي: الفضل حاصل في جميع الأنصار وإن تفاوتت مراتبه"1.
وقد جاء في رواية البخاري المتقدمة أن سعداً أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله خير دور الأنصار فجعلنا أخيراً فقال: "أوليس بحسبكم 2 أن تكونوا من الخيار" وفي رواية مسلم أيضاً المتقدمة أنه رجع وقال: الله ورسوله أعلم، وقال بحمار فحل عنه فالحديثان متعارضان، على هذا ولا بد من الجمع بينهما: وقد جمع الحافظ ابن حجر بين هاتين الروايتين فقال: "يمكن الجمع بأنه رجع حينئذ عن قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك خاصة، ثم إنه لما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في وقت آخر ذكر له ذلك، أو الذي رجع عنه أنه أراد أن يورده مورد الإنكار والذي صدر منه ورد مورد المعاتبة المتلطفة ولهذا قال له ابن أخيه في الأول: "أترد على رسول الله أمره" إلى أن قال: قوله: "من الخيار أي: الأفاضل لأنهم بالنسبة إلى من دونهم أفضل، وكأن المفاضلة بينهم وقعت بحسب السبق إلى الإسلام، وبحسب مساعيهم في إعلاء كلمة الله ونحو ذلك"أ. هـ3.
8-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا الله لهم بأن يصلحهم، ويكرمهم ويغفر لهم وجمع في ذلك الدعاء بينهم وبين إخوانهم المهاجرين رضوان الله عليهم أجمعين، وتارة أفردهم بالدعاء بالمغفرة لهم ولأبنائهم، وأبناء أبنائهم، كما استغفر لهم ولذراريهم ومواليهم.
فقد روى الإمام البخاري بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا عيش إلا عيش الآخرة فاصلح الأنصار والمهاجرة"
1ـ فتح الباري 7/116.
2ـ أي: كافيكم.
3ـ فتح الباري 7/117.
وروى أيضاً بإسناده إلى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كانت الأنصار يوم الخندق تقول:
نحن الذين بايعوا محمداً
…
على الجهاد ما حيينا أبداً
فأجابهم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجرة". وروى بإسناده إلى سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاءنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نحفر الخندق وننقل التراب على أكتادنا1 فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار"2.
ففي هذه الأحاديث جمع عليه الصلاة والسلام بينهم وبين إخوانهم المهاجرين في هذه الدعوات المباركات التي هي الصلاح، والإكرام والمغفرة، وأما إفرادهم بالدعاء لهم بالمغفرة والاستغفار فمن ذلك ما رواه الإمام مسلم بإسناده إلى زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار".
وروى أيضاً: بإسناده إلى عبد الله بن أبي طلحة أن أنساً حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر للأنصار قال: وأحسبه قال: "ولذراري الأنصار ولموالي الأنصار" لا أشك فيه3.
9-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أنه ملازم لهم وأن محياه محياهم ومماته مماتهم فقد روى الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إلى أبي هريرة رضي الله عنه في "فتح مكة" وفيه أن أبا سفيان قال: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش4 لا قريش بعد اليوم ثم قال: من دخل دار
1ـ أكتادنا: جمع كتد وهو جمع العنق والصلب ـ هدي الساري ص/178.
2ـ هذه الأحاديث في صحيح البخاري 2/311-312.
3ـ هذان الحديثان في صحيح مسلم 4/1948.
4ـ خضراء قريش: قال في النهاية "دماؤهم وسوادهم" 2/42، شرح النووي 12/127.
أبي سفيان فهو آمن" فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته ورأفة بعشيرته قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي فلما انقضى الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قريته قالوا: قد كان ذاك قال: كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم والمحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله ورسوله" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم"
…
الحديث1.
فقوله صلى الله عليه وسلم: "هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم" معناه: إني هاجرت إلى الله وإلى دياركم لاستيطانها فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى بل أنا ملازم لكم المحيا محياكم والممات مماتكم أي: لا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم.. فلما قال لهم هذا بكوا واعتذروا وقالوا: والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصاً عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا لنستفيد منك وتهدينا الصراط المستقيم كما قال الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} 2 وهذا معنى قولهم: ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بك أي: شحاً بك أن تفارقنا ويختص بك غيرنا وكان بكاؤهم فرحاً بما قال لهم وحياء مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يستحى منه"3.
فلله ما أعظمها من منقبة وما أسماه من مدح وثناء لطائفة الأنصار رضي الله عنهم الذين ظفروا وفازوا بإيواء ونصر خير البرية ولذلك فازوا بتصديقهم ومعذرتهم من الله ورسوله فيما قالوه فرضي الله عنهم وأرضاهم وهنأهم بما آتاهم.
10-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم: إيثارهم الدار الآخرة على الدار الفانية
1ـ صحيح مسلم 3/1406.
2ـ سورة الشورى آية/52.
3ـ شرح النووي على صحيح مسلم 12/129.
فقد روى الإمام أحمد في مسنده والحاكم في مستدركه بإسنادهما إلى أنس قال: شق على الأنصار النواضح1 فاجتمعوا عند النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه أن يكري2 لهم نهراً سيحاً فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مرحباً بالأنصار والله لا تسألوني اليوم شيئاً إلا أعطيتكموه ولا أسأل الله لكم شيئاً إلا أعطانيه" فقال بعضهم لبعض: اغتنموها واطلبوا المغفرة فقالوا: يا رسول الله ادع الله لنا بالمغفرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اللهم اغفر للأنصار ولأبناء الأنصار ولأبناء أبناء الأنصار"3.
فهذا الحديث فيه بيان أن الأنصار عزموا على أن يطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم نهراً جارياً يحفرونه ويخرجون طينه، فلما قال لهم: لا تسألوني اليوم شيئاً إلا أعطيتكموه" عدلوا عن طلب النهر واغتنموا الفرصة وطلبوا المغفرة لأن النهر من متاع الدنيا الفانية والمغفرة فيها متاع الآخرة الباقية فآثروا ما يبقى على ما يفنى وهذا من قوة إيمانهم وزهدهم في الدنيا رضي الله عنهم وأرضاهم4 وفي هذا منقبة عظيمة وفضيلة كريمة للأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم.
11-
ومن مناقبهم رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم أن جزاءهم على إيوائهم إياه ونصرهم له ووفائهم بما بايعوه عليه من الأمور التي فيها عز الإسلام والمسلمين الجنة التي عرضها السموات والأرض. فقد روى أبو عبد الله الحاكم بإسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة5...........
1ـ النضح نقل الماء من الآبار على النواضح أي: الإبل لسقي الزرع. انظر النهاية في غريب الحديث 5/69.
2ـ من كريت الأرض وكروتها إذا حفرتها. انظر: النهاية في غريب الحديث 4/169.
3ـ المسند 3/139، المستدرك 4/80 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد رواه أحمد والبزار بنحوه.. وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح 10/40.
4ـ انظر الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد 22/172.
5ـ مجنة: اسم سوق للعرب كان في الجاهلية
…
وكانت مجنة بمر الظهران قرب جبل يقال له الأصفر وهو بأسفل على قدر بريد منها. معجم البلدان لياقوت الحموي 5/58-59.
وعكاظ1 ومنازلهم من منى من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالات ربي فله الجنة فلا يجد أحداً ينصره ولا يؤويه حتى إن الرجل ليرحل من مصر أو من اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون له احذر غلام قريش لا يفتنك ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله عز وجل يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله من يثرب فيأتيه الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإسلام فبعثنا الله إليه فائتمرنا واجتمعنا وقلنا: حتى متى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف فرحلنا حتى قدمنا عليه في الموسم فوعدنا بيعة العقبة فقال له عمه العباس: يا ابن أخي لا أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك إني ذو معرفة بأهل يثرب، فاجتمعنا عنده من رجل ورجلين فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم هؤلاء أحداث، فقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: "بايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن تقولوا في الله لا تأخذكم لومة لائم وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" فقمنا نبايعه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغر السبعين إلا أنه قال: رويداً يا أهل يثرب إنا لم نضرب إليه أكباد المطي إلا ونحن نعلم أنه رسول الله وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن يعضكم السيف فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم وعلى قتل خياركم ومفارقة العرب كافة فخذوه وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر عند الله عز وجل فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر هذه البعية ولا نستقيلها قال: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا ليعطينا بذلك
1ـ عكاظ: اسم سوق من أسواق العرب في الجاهلية قال: الأصعمي: عكاظ في واد بينه وبين الطائف ليلة وبينه وبين مكة ثلاث ليال، وبه كانت تقام سوق العرب بموضع منه يقال له: الأثيداء، معجم البلدان 4/142.
الجنة"1. فهذا الحديث اشتمل على فضيلة عظيمة للأنصار رضي الله تعالى عنهم فلقد وفوا بايعوا عليه سيد الخلق عليه الصلاة والسلام حتى انتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجاً وعلت راية التوحيد واندحر الشرك وأهله فكانت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى فرضي الله عنهم وأرضاهم وهنأهم بما آتاهم، والأحاديث الواردة في فضائلهم ومناقبهم كثيرة وحسبنا هنا ما تقدم ذكره من مناقبهم العامة رضي الله عنهم التي شملت السابقين منهم إلى الإسلام ومن أسلم بعدهم منهم رضي الله عنهم وهناك مناقب كثيرة تخص أفراداً منهم بأعيانهم محلها كتب السنة والأحاديث التي أسلفناها هنا اشتملت على مناقب عالية يذكرون بها في الدنيا ذكراً حسناً ويثني عليهم بها في الآخرين إلى يوم القيامة وهذا حاصل من الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة، أما أعداؤهم من الرافضة فإنهم لا يؤمنون بفضائلهم لا العامة منها ولا الخاصة، ولا يذكرونهم بالذكر الحسن، وإنما يذكرونهم بالذكر السيء من السباب والشتائم ورميهم بالكفر، وهذا ناشيء من عمى البصيرة والخذلان الذي حل بهم أعاذنا الله من ذلك.
1ـ المستدرك 2/625، ثم قال عقبه: هذا حديث صحيح الإسناد جامع لبيعة العقبة ولم يخرجاه وأقره الذهبي.