الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: قُتَيْبَة، على صُورَة تَصْغِير قتبة، بِكَسْر الْقَاف وَاحِدَة الأقتاب، وَهِي الأمعاء. قَالَ الصَّنْعَانِيّ: وَبهَا سمي الرجل قُتَيْبَة. وَقَالَ ابْن عدي: إسمه يحيى وقتيبة لقب غلب عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: إسمه عَليّ بن سعيد بن جميل البغلاني مَنْسُوب إِلَى بغلان، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْغَيْن الْمُعْجَمَة، قَرْيَة من قرى بَلخ. وَقيل: إِن جده كَانَ مولى للحجاج بن يُوسُف، فَهُوَ ثقفي، مَوْلَاهُم، وكنيته أَبُو رَجَاء. روى عَن مَالك وَغَيره عَن أَئِمَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: روى عَنهُ أَحْمد وَأَصْحَاب الْكتب السِّتَّة. قلت: روى عَنهُ يحيى بن معِين وَعلي بن الْمَدِينِيّ وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم وَإِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وروى النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ مُحَمَّد بن بكير البرْسَانِي: كَانَ ثبتا صَاحب حَدِيث وَسنة. وَقَالَ الْأَثْرَم: أثنى عَلَيْهِ أَحْمد. وَقَالَ يحيى وَالنَّسَائِيّ: ثِقَة وَكَانَ كثير المَال كَمَا كَانَ كثير الحَدِيث توفّي سنة أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد السمسمار: سمعته يَقُول: ولدت ببلخ يَوْم الْجُمُعَة، حِين تَعَالَى النَّهَار، لست مضين من رَجَب سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة، وَقَالَ الْحَاكِم فِي (تَارِيخ نيسابور) : مَاتَ فِي ثَانِي رَمَضَان. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد. الثَّالِث: يزِيد بن أبي حبيب الْمصْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو الْخَيْر مرْثَد بِفَتْح الْمِيم وبالثاء الْمُثَلَّثَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ، وَكلهمْ قد تقدمُوا.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مصريون مَا خلا قُتَيْبَة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاّء.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: قد ذكرنَا فِيمَا مضى أَنه أخرجه فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وَأخرجه مُسلم وَالنَّسَائِيّ أَيْضا، وَأخرجه فِيمَا مضى عَن: عَمْرو بن خَالِد عَن لَيْث عَن يزِيد عَن أبي الْخَيْر عَن عبد الله بن عَمْرو، وَهَهُنَا: عَن قُتَيْبَة عَن لَيْث إِلَخ بِعَين هَؤُلَاءِ، وَنبهَ بذلك على الْمُغَايرَة بَين شيخيه اللَّذين حَدَّثَاهُ عَن اللَّيْث، وَهِي تشعر بتكثير الطّرق. وَقد علم أَنه لَا يُعِيد الحَدِيث الْوَاحِد فِي موضِعين على صُورَة وَاحِدَة، على أَنه بوب بِهِ هُنَاكَ على أَن: الْإِطْعَام من الْإِسْلَام، وَهَهُنَا على أَن: السَّلَام من الْإِسْلَام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: كَانَ يَكْفِيهِ أَن يَقُول ثمَّة أَو هَهُنَا بَاب الاطعام وَالسَّلَام من الْإِسْلَام، بِأَن يدخلهما فِي سلك وَاحِد، وَيتم الْمَطْلُوب. قلت: لَعَلَّ عَمْرو بن خَالِد ذكره فِي معرض بَيَان أَن الْإِطْعَام مِنْهُ، وقتيبة فِي بَيَان أَن الْإِسْلَام مِنْهُ، فَلذَلِك ميزهما، مضيفا إِلَى كل راوٍ قَصده فِي رِوَايَته. وَقَالَ بَعضهم: هَذَا لَيْسَ بطائل، لِأَنَّهُ يبْقى السُّؤَال بِحَالهِ إِذْ لَا يمْتَنع مَعَه أَن يجمعهما المُصَنّف، وَلَو كَانَ سمعهما مفترقين. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه لَيْسَ بطائل، وَهُوَ جَوَاب حسن، ويندفع السُّؤَال بِهِ، وَلَو كَانَ المُصَنّف جَمعهمَا لَكَانَ تغييرا لما أفرده كل وَاحِد من شيخيه، وَلم يرد تَغْيِير ذَلِك، فَلذَلِك ميزهما بالبابين. فَافْهَم وَبَاقِي الْكَلَام ذَكرْنَاهُ، فِيمَا مضى، مُسْتَوفى.
21 -
(بابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ)
الْكَلَام فِيهِ على وَجْهَيْن: الأول: وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْأَبْوَاب الَّتِي قبله هُوَ: أَن الْمَذْكُور فِي الْأَبْوَاب الْمَاضِيَة هُوَ أُمُور الْإِيمَان، وَالْكفْر ضِدّه، والمناسبة بَينهمَا من جِهَة التضاد، لِأَن الْجَامِع بَين الشَّيْئَيْنِ على أَنْوَاع: عَقْلِي: بِأَن يكون بَينهمَا اتِّحَاد فِي التَّصَوُّر أَو تماثل أَو تضايف، كَمَا بَين الْأَقَل وَالْأَكْثَر، والعلو والسفل. و: وهمي: بِأَن يكون بَين تصور الشَّيْئَيْنِ شبه تماثل، كلوني بَيَاض وصفرة، أَو تضَاد كالسواد وَالْبَيَاض، وَالْإِيمَان وَالْكفْر، وَشبه تضَاد: كالسماء وَالْأَرْض، و: خيالي: بِأَن يكون بَينهمَا تقارن فِي الخيال، وأسبابه مُخْتَلفَة كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَلم أر شارحا ذكر وَجه الْمُنَاسبَة هَهُنَا كَمَا يَنْبَغِي، وَقَالَ بعض الشَّارِحين: أرْدف البُخَارِيّ هَذَا الْبَاب بِالَّذِي قبله لينبه على أَن الْمعاصِي تنقص الْإِيمَان وَلَا تخرج إِلَى الْكفْر الْمُوجب للخلود فِي النَّار، لأَنهم ظنُّوا أَنه الْكفْر بِاللَّه، فأجابهم أَنه، عليه السلام، أَرَادَ كفرهن حق أَزوَاجهنَّ، وَذَلِكَ لَا محَالة نقص من إيمانهن، لِأَنَّهُ يزِيد بشكرهن العشير وبأفعال الْبر، فَظهر بِهَذَا أَن الْأَعْمَال من الْإِيمَان، وَأَنه قَول وَعمل. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي الحَدِيث، أَرَادَ بِهِ حَدِيث الْبَاب أَنْوَاع من الْعلم: مِنْهَا مَا ترْجم لَهُ، وَهُوَ أَن الْكفْر قد يُطلق على غير الْكفْر بِاللَّه تَعَالَى؛ وَقَالَ القَاضِي أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ فِي شَرحه: مُرَاد المُصَنّف أَن يبين أَن الطَّاعَات كَمَا تسمى إِيمَانًا كَذَلِك الْمعاصِي تسمى كفرا، لَكِن حَيْثُ يُطلق عَلَيْهَا الْكفْر لَا يُرَاد بِهِ الْكفْر الْمخْرج عَن الْملَّة، وَهَذَا كَمَا ترى لَيْسَ فِي كَلَام وَاحِد مِنْهُم مَا يَلِيق بِوَجْه
الْمُنَاسبَة، وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ، وَلَكِن كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا الْبَاب، وَالَّذِي بعده من الْأَبْوَاب الْأَرْبَعَة، عقيب بَاب قَول النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم:(الدّين النَّصِيحَة لله) . إِلَخ بعد الْفَرَاغ من ذكر الْأَبْوَاب الَّتِي فِيهَا أُمُور الْإِيمَان رِعَايَة للمناسبة الْكَامِلَة.
الْوَجْه الثَّانِي: فِي الْإِعْرَاب وَالْمعْنَى: فَقَوله: (بَاب) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف مُضَاف إِلَى مَا بعده، وَالتَّقْدِير: هَذَا بَاب فِي بَيَان كفران العشير وَبَيَان كفر دون كفر. وَقَوله: (وَكفر)، عطف على كفران. وَقَوله:(دون كفر) كَلَام إضافي فِي صفته، وَدون، نصب على الظّرْف، و: الكفران، مصدر كالكفر، وَالْفرق بَينهمَا أَن الْكفْر فِي الدّين، والكفران فِي النِّعْمَة. وَفِي (الْعباب) : الْكفْر نقيض الْإِيمَان، وَقد كفر بِاللَّه كفرا، وَالْكفْر أَيْضا جحود النِّعْمَة وَهُوَ ضد الشُّكْر، وَقد كفرها كفورا وكفرانا، وأصل الْكفْر التغطية، وَقد كفرت الشَّيْء أكفره، بالكسرة، كفرا، بِالْفَتْح، أَي: سترته، وكل شَيْء غطى شَيْئا فقد كفره، وَمِنْه: الْكَافِر، لِأَنَّهُ يستر تَوْحِيد الله، أَو نعْمَة الله، وَيُقَال للزارع: الْكَافِر لِأَنَّهُ يُغطي الْبذر تَحت التُّرَاب، و: رماد مكفور، إِذا سفت الرّيح التُّرَاب عَلَيْهِ حَتَّى غطته؛ والعشير: فعيل بِمَعْنى معاشر، كالأكيل بِمَعْنى المؤاكل، من المعاشرة وَهِي المخالطة، وَقيل: الْمُلَازمَة. قَالُوا: المُرَاد هَهُنَا الزَّوْج، يُطلق على الذّكر وَالْأُنْثَى، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا يعاشر صَاحبه، وَحمله الْبَعْض على الْعُمُوم. والعشير أَيْضا الخليط والصاحب، وَفِي (الْعباب) : العشير: المعاشر، قَالَ الله تَعَالَى:{لبئس الْمولى ولبئس العشير} (الْحَج: 13) والعشير: الزَّوْج. ثمَّ روى الحَدِيث الْمَذْكُور، والعشير: الْعشْر، كَمَا يُقَال لِلنِّصْفِ: نصيف، وللثلث: ثليث، وللسدس: سديس. والعشير فِي حِسَاب مساحة الأَرْض: عشر القفيز، والقفيز: عشر الجريب، وَالْعشيرَة: الْقَبِيلَة، والمعشر: الْجَمَاعَة. قَوْله: (وَكفر دون كفر) أَشَارَ بِهِ إِلَى تفَاوت الْكفْر فِي مَعْنَاهُ، أَي: وَكفر أقرب من كفر، كَمَا يُقَال: هَذَا دون ذَلِك، أَي: أقرب مِنْهُ. وَالْكفْر الْمُطلق هُوَ الْكفْر بِاللَّه، وَمَا دون ذَلِك يقرب مِنْهُ، وَتَحْقِيق ذَلِك مَا قَالَه الْأَزْهَرِي: الْكفْر بِاللَّه أَنْوَاع: إِنْكَار، وجحود، وعناد، ونفاق. وَهَذِه الْأَرْبَعَة من لقى الله تَعَالَى بِوَاحِد مِنْهَا لم يغْفر لَهُ. فَالْأول: أَن يكفر بِقَلْبِه وَلسَانه، وَلَا يعرف مَا يذكر لَهُ من التَّوْحِيد، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى:{إِن الَّذين كفرُوا سَوَاء عَلَيْهِم أأنذرتهم} (الْبَقَرَة: 6) الْآيَة أَي: الَّذين كفرُوا بِالتَّوْحِيدِ وأنكروا مَعْرفَته. وَالثَّانِي: أَن يعرف بِقَلْبِه وَلَا يقر بِلِسَانِهِ، وَهَذَا ككفر إِبْلِيس وبلعام وَأُميَّة بن أبي الصَّلْت. وَالثَّالِث: أَن يعرف بِقَلْبِه ويقر بِلِسَانِهِ، ويأبى أَن يقبل الْإِيمَان بِالتَّوْحِيدِ ككفر أبي طَالب. وَالرَّابِع: أَن يقر بِلِسَانِهِ وَيكفر بِقَلْبِه ككفر الْمُنَافِقين. قَالَ الْأَزْهَرِي: وَيكون الْكفْر بِمَعْنى الْبَرَاءَة، كَقَوْلِه تَعَالَى، حِكَايَة عَن الشَّيْطَان:{إِنِّي كفرت بِمَا أشركتمون من قبل} (إِبْرَاهِيم: 22) أَي: تبرأت. قَالَ: وَأما الْكفْر الَّذِي هُوَ دون مَا ذكرنَا، فالرجل يقر بالوحدانية والنبوة بِلِسَانِهِ، ويعتقد ذَلِك بِقَلْبِه، لكنه يرتكب الْكَبَائِر من الْقَتْل، وَالسَّعْي فِي الأَرْض بِالْفَسَادِ، ومنازعة الْأَمر أَهله، وشق عَصا الْمُسلمين وَنَحْو ذَلِك انْتهى. وَقد أطلق الشَّارِع الْكفْر على مَا سوى الْأَرْبَعَة، وَهُوَ: كفران الْحُقُوق وَالنعَم، كَهَذا الحَدِيث وَنَحْوه، وَهَذَا مُرَاده من قَوْله:(وَكفر دون كفر) وَفِي بعض الْأُصُول: وَكفر بعد كفر، وَهُوَ بِمَعْنى الأول.
فِيهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم.
أَي: فِي الْبَاب يرْوى حَدِيث عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، هَذِه رِوَايَة كَرِيمَة. وَفِي رِوَايَة غَيرهَا: فِيهِ أَبُو سعيد، أَي: يدْخل فِي الْبَاب حَدِيث رَوَاهُ أَبُو سعيد سعد بن مَالك الْخُدْرِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور، وَأَشَارَ بِهَذَا إِلَى أَن الحَدِيث الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب لَهُ طَرِيق غير الطَّرِيق الَّتِي سَاقهَا هَهُنَا، وَقد أخرج البُخَارِيّ حَدِيث أبي سعيد فِي الْحيض وَغَيره من طَرِيق عِيَاض بن عبد الله عَنهُ، وَفِيه قَوْله صلى الله عليه وسلم للنِّسَاء:(تصدقن فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار. فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير) . الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: يحْتَمل أَن يُرِيد بذلك حَدِيث أبي سعيد: (لَا يشْكر الله من لَا يشْكر النَّاس) . قلت: هَذَا بعيد، وَمرَاده مَا ذَكرْنَاهُ، وَيُؤَيِّدهُ مَا فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس من قَوْله:(وتكفرن العشير) . كَذَا فِي حَدِيث أبي سعيد، وترجمة الْبَاب بِهَذِهِ اللَّفْظَة، وَلَا يُنَاسب التَّرْجَمَة إلَاّ حديثاهما، فَافْهَم.
29 -
حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أُرِيتُ النَّارَ فَإذَا أكْثَرُ أهْلِهَا النَّسَاءُ يَكْفُرْنَ قِيلَ
أيَكْفُرْنَ باللَّهِ قالَ يَكْفُرَن العَشِيرَ ويَكْفُرْنَ الإحْسَانَ لَوْ أحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهرَ ثُمَّ رَأتْ مِنْكَ شَيْئا قَالَتْ مَا رَأيْتُ مِنْكَ خَيْرا قَطُّ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة لِأَنَّهَا فِي كفران العشير وَإِطْلَاق الْكفْر على غير الْكفْر بِاللَّه.
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: عبد الله بن مسلمة القعْنبِي الْمدنِي، وَقد تقدم ذكره. الثَّانِي: الإِمَام مَالك بن أنس، وَقد تقدم ذكره أَيْضا، الثَّالِث: أَبُو أُسَامَة زيد بن أسلم الْقرشِي الْعَدوي، مولى عمر بن الْخطاب، رضي الله عنه، روى عَن أَبِيه وَعبد الله بن عمر وَأنس وَجَابِر وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَعَطَاء بن يسَار وَغَيرهم، روى عَنهُ مَالك وَالزهْرِيّ وَمعمر وَأَيوب وَيحيى وَعبد الله بن عمر وَالثَّوْري وَبَنوهُ عبد الله وَعبد الرَّحْمَن وَأُسَامَة وَغَيرهم. قَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث، توفّي سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عَطاء بن يسَار، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَالسِّين الْمُهْملَة، القَاضِي الْمدنِي الْهِلَالِي، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ رضي الله عنها، أَخُو سُلَيْمَان وَعبد الْملك وَعبد الله، سمع أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَغَيرهم، وروى عَنهُ عَمْرو بن دِينَار وَزيد بن أسلم وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن سعد: كَانَ ثِقَة كثير الحَدِيث. وَقَالَ يحيى بن معِين وَأَبُو زرْعَة: هُوَ ثِقَة توفّي سنة ثَلَاث أَو أَربع وَمِائَة، وَقيل: أَربع وَتِسْعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: عبد الله بن عَبَّاس، رضي الله عنهما.
بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة، وَمِنْهَا: أَنهم أَئِمَّة أجلاء كبار.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه هَهُنَا: عَن عبد الله بن مسلمة عَن مَالك، وَهُوَ طرف من حَدِيث طَوِيل أوردهُ فِي بَاب: صَلَاة الْكُسُوف بِهَذَا الاسناد تَاما، وَأخرجه فِي الصَّلَاة فِي بَاب: من صلى وقدامه نَار بِهَذَا الاسناد بِعَيْنِه، وَأخرجه فِي بَدْء الْخلق فِي ذكر الشَّمْس وَالْقَمَر عَن شيخ غير القعْنبِي مُقْتَصرا على مَوضِع الْحَاجة، وَأخرجه فِي عشرَة النِّسَاء عَن شيخ غَيرهمَا عَن مَالك أَيْضا. وَأخرجه فِي كتاب الْعلم عَن سُلَيْمَان بن حَرْب عَن شُعْبَة عَن أَيُّوب عَن ابْن عَبَّاس. وَأخرجه مُسلم فِي الْعِيدَيْنِ عَن أبي بكر وَابْن أبي عمر عَن سُفْيَان عَن أَيُّوب، وَعَن أبي رَافع بن أبي رِفَاعَة عَن عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج كِلَاهُمَا عَن عَطاء، وَأخرجه مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة وَابْن عمر أَيْضا، وَأَخْرَجَاهُ من حَدِيث جَابر رضي الله عنه أَيْضا. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة تقطيع هَذَا الحَدِيث وَإِخْرَاج طرف مِنْهُ هَهُنَا، ثمَّ إِخْرَاجه تَاما فِي مَوضِع آخر بِعَين الْإِسْنَاد الَّذِي هَهُنَا؟ قلت: مذْهبه جَوَاز تقطيع الحَدِيث إِذا كَانَ مَا يقطعهُ مِنْهُ لَا يسْتَلْزم فَسَاد الْمَعْنى، وغرضه من ذَلِك تنويع الْأَبْوَاب، وَرُبمَا يتَوَهَّم من لَا يحفظ الحَدِيث، وَلَا لَهُ كَثْرَة الممارسة فِيهِ، أَن الْمُخْتَصر حَدِيث مُسْتَقل بِذَاتِهِ، وَلَيْسَ بعض غَيره، لَا سِيمَا إِذا كَانَ ابْتِدَاء الْمُخْتَصر من أثْنَاء الحَدِيث التَّام كَمَا فِي هَذَا الحَدِيث، فَإِن أَوله هُنَا قَوْله عليه السلام:(أريت النَّار) إِلَى آخر مَا ذكر مِنْهُ، وَأول التَّام عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: (خسفت الشَّمْس على عهد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ، فَذكر قصَّة صَلَاة الْكُسُوف، ثمَّ خطْبَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم وفيهَا الْقدر الْمَذْكُور هُنَا، وَكثير مِمَّن يعد أَحَادِيث البُخَارِيّ يظنّ أَن مثل هَذَا الحَدِيث حديثان أَو أَكثر لاخْتِلَاف ابْتِدَاء الحَدِيث، فَمن ذَلِك قَالُوا عدَّة أَحَادِيثه بِغَيْر تكْرَار أَرْبَعَة آلَاف أَو نَحْوهَا، وَكَذَا ذكر ابْن الصّلاح وَالنَّوَوِيّ وَمن بعدهمَا، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل إِذا حرر ذَلِك لَا يزِيد على ألفي حَدِيث وَخَمْسمِائة حَدِيث وَثَلَاثَة عشر حَدِيثا.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله: (أريت) ؛ بِضَم الْهمزَة، من الرُّؤْيَة الَّتِي بِمَعْنى التبصير. قَوْله:(العشير) قد مر تَفْسِيره، قَوْله:(الْإِحْسَان) ، مصدر أحسن، يُقَال: أَحْسَنت بِهِ وأحسنت إِلَيْهِ إِذا فعلت مَعَه جميلاً، وَأَصله من الْحسن خلاف الْقبْح. قَوْله:(الدَّهْر) ، هُوَ الزَّمَان، وَالْجمع: الدهور، وَيُقَال: الدَّهْر: الْأَبَد، وَقَالَ الْأَزْهَرِي: الدَّهْر عِنْد الْعَرَب يَقع على بعض الدَّهْر الأطول، وَيَقَع على مُدَّة الدُّنْيَا كلهَا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: قَالَ قوم: الدَّهْر مُدَّة الدُّنْيَا من ابتدائها إِلَى انْقِضَائِهَا. وَقَالَ آخَرُونَ: بل دهر كل قوم زمانهم. قَوْله: (قطّ) ، لتأكيد نفي الْمَاضِي، وفيهَا لُغَات: فتح الْقَاف وَضمّهَا مَعَ تَشْدِيد الطَّاء المضمومة فيهمَا، وبفتحهما مَعَ تَشْدِيد الطَّاء الْمَكْسُورَة، وبالفتح مَعَ إسكان الطَّاء، وبالفتح بِكَسْر الطَّاء المخففة. قَالَ الْجَوْهَرِي: قَالَ الْكسَائي: كَانَ أَصْلهَا: قطط، فسكن الأول وحرك الآخر بإعرابه، ثمَّ قَالَ بعد حكايته: فِيهَا لُغَات مِنْهَا عَن بَعضهم: قطّ وقط بِالتَّخْفِيفِ، وَزَاد القَاضِي: قطّ
بِكَسْر الْقَاف مَعَ التَّخْفِيف، هَذَا كُله إِذا كَانَت زمنية أما إِذا كَانَت بِمَعْنى: حسب، وَهُوَ: الِاكْتِفَاء، فَهِيَ مَفْتُوحَة سَاكِنة الطَّاء، تَقول: رَأَيْته مرّة وَاحِدَة فَقَط. قَالَ القَاضِي: وَقد يكون هَذَا للتقليل أَيْضا.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (أريت) : على صِيغَة الْمَجْهُول بِمَعْنى أَبْصرت، وَالضَّمِير الَّذِي فِيهِ هُوَ الْقَائِم مقَام الْمَفْعُول الأول. وَقَوله:(النَّار) هُوَ الْمَفْعُول الثَّانِي. قَوْله: (فَرَأَيْت) عطف على: (أريت) . وَقَوله: (أَكثر أَهلهَا) كَلَام إضافي مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول أول لرأيت. وَقَوله (النِّسَاء) بِالنّصب أَيْضا لِأَنَّهُ مفعول ثَان وَفِي بعض الرِّوَايَات: (رَأَيْت النَّار أَكثر أَهلهَا النِّسَاء) بِدُونِ قَوْله: (فَرَأَيْت)، فعلى هَذَا: أريت، بِمَعْنى: أعلمت، فالتاء مَفْعُوله الأول نَائِب عَن الْفَاعِل، وَالنَّار مَفْعُوله الثَّانِي، وَالنِّسَاء مَفْعُوله الثَّالِث. وَقَوله:(أَكثر أَهلهَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ بدل من النَّار، وَيجوز رفع أَكثر على أَنه مُبْتَدأ، وَالنِّسَاء بِالرَّفْع أَيْضا خَبره، وَالْجُمْلَة تكون حَالا بِدُونِ الْوَاو، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{اهبطوا بَعْضكُم لبَعض عَدو} (الْبَقَرَة: 36، والأعراف: 24) وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث ابْن عمر، رضي الله عنهما:(فَإِنِّي رأيتكن أَكثر أهل النَّار، فَقَالَت امْرَأَة مِنْهُنَّ جزلة: وَمَا لنا يَا رَسُول الله أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ: تكثرن اللَّعْن وتكفرن العشير، مَا رَأَيْت من ناقصات عقل وَدين) . الحَدِيث فَقَوله: أَكثر، بِالنّصب إِمَّا على الْمَفْعُول، أَو على الْحَال على مَذْهَب ابْن السراج وَأبي عَليّ الْفَارِسِي وَغَيرهمَا مِمَّن قَالَ: إِن أفعل لَا يتعرف بِالْإِضَافَة، وَقيل: هُوَ بدل من الْكَاف فِي: رأيتكن، وَقَوْلها: وَمَا لنا أَكثر أهل النَّار؟ قَالَ النَّوَوِيّ: نصب أَكثر على الْحِكَايَة. قَوْله: (يكفرن) بياء المضارعة، جملَة استئنافية، وَالتَّقْدِير: هن يكفرن، وَهِي فِي الْحَقِيقَة جَوَاب سَائل سَأَلَ: يَا رَسُول الله لِمَ؟ وَجَاء بكفرهن بِالْبَاء السَّبَبِيَّة الْمُتَعَلّقَة بقول أَكثر، أَو بِفعل الرُّؤْيَة. قَوْله:(أيكفرن بِاللَّه) ؟ الْهمزَة للاستفهام وَهَذَا الاستفسار دَلِيل على أَن لفظ الْكفْر مُجمل بَين الْكفْر بِاللَّه وَالْكفْر الَّذِي للعشير، وَنَحْوه. قَوْله:(قَالَ) أَي النَّبِي صلى الله عليه وسلم. قَوْله: (يكفرن العشير) أَي: هن يكفرن العشير. وَقَوله: (يكفرن) جملَة فِي مَحل الرّفْع على الخبرية (والعشير) نصب على المفعولية. وَقَوله: (ويكفرن الاحسان) عطف على الْجُمْلَة الأولى. فَإِن قلت: كَيفَ عدى: يكفرن، بِالْيَاءِ فِي قَوْله:(أيكفرن بِاللَّه) ؟ وَلم يعديها فِي قَوْله: (يكفرن العشير) ؟ قلت: لَان فِي الأول يتَضَمَّن معنى الِاعْتِرَاف بِخِلَاف الثَّانِي. فَإِن قلت: مَا كفران العشير وَمَا كفران الاحسان؟ قلت: كفران العشير لَيْسَ لذاته، بل الكفران لَهُ هُوَ الكفران لإحسانه، فالجملة الثَّانِيَة فِي الْحَقِيقَة بَيَان للجملة الأولى. فَإِن قلت: مَا الْألف وَاللَّام فِي العشير؟ قلت: للْعهد إِن فسر العشير بِالزَّوْجِ، وللجنس أَو الاستغرق إِن فسر بالمعاشر مُطلقًا. فَإِن قلت: أَيهَا الأَصْل فِي اللَّام؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: الْجِنْس هُوَ الْحَقِيقَة، فَيحمل عَلَيْهَا إلَاّ إِذا دلّت قرينَة على التَّخْصِيص والتعميم فتتبع الْقَرِينَة حِينَئِذٍ، وَهَذَا حكم عَام لهَذِهِ فِي جَمِيع الْمَوَاضِع، وَالَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن أصل اللَّام للْعهد، وَقد عرف فِي مَوْضِعه. قَوْله:(لَو أَحْسَنت) وَفِي بعض النّسخ: (إِن أَحْسَنت) . فَإِن قلت: لَو لِامْتِنَاع الشَّيْء لِامْتِنَاع غَيره، فَكيف صَحَّ هُنَا هَذَا الْمَعْنى؟ قلت: لَو هُنَا بِمَعْنى: إِن، يَعْنِي لمُجَرّد الشّرطِيَّة، وَمثله كثير. وَيحْتَمل أَن يكون من قبيل قَوْله عليه السلام:(نعم العَبْد صُهَيْب لَو لم يخف الله لم يَعْصِهِ) بِأَن يكون الحكم ثَابتا على النقيضين، والطرف الْمَسْكُوت عَنهُ أولى من الْمَذْكُور. قَوْله:(أَحْسَنت) لَيْسَ الْخطاب فِيهِ لأحد بِعَيْنِه، وَإِنَّمَا مُرَاده بِهَذَا كل من يَأْتِي مِنْهُ أَن يكون مُخَاطبا بِهِ. فَإِن قلت: أصل وضع الضَّمِير أَن يكون مُسْتَعْملا لمُعين مشخص. قلت: نعم، لَكِن هَذَا على سَبِيل التَّجَوُّز: فَإِن قلت: لَو لم يكن عَاما لما جَازَ اسْتِعْمَاله فِي كل مُخَاطب كزيد مثلا حَقِيقَة؟ قلت: عَام بِاعْتِبَار أَمر عَام لِمَعْنى خَاص، بِخِلَاف الْعلم، فَإِنَّهُ خَاص بالاعتبارين. وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن اللَّفْظ قد يوضع وضعا عَاما لأمور مَخْصُوصَة، كاسم الْإِشَارَة فَإِنَّهُ وضع بِاعْتِبَار الْمَعْنى الْعَام الَّذِي هُوَ الْإِشَارَة الحسية للخصوصيات الَّتِي تَحْتَهُ، أَي لكل وَاحِد مِمَّا يشار إِلَيْهِ، وَلَا يُرَاد بِهِ عِنْد الِاسْتِعْمَال الْعُمُوم على سَبِيل الْحَقِيقَة، وَقد يوضع وضعا عَاما الْمَوْضُوع لَهُ عَام، نَحْو: الرجل، فَلَا يُرَاد بِهِ خَاص حَقِيقَة، وَهُوَ عكس الأول. وَقد يوضع وضعا خَاصّا لموضوع لَهُ خَاص، نَحْو: الْعلم كزيد وَنَحْوه والمضمرات من الْقسم الأول فَإِن أُرِيد بالضمير فِي: أَحْسَنت، مُخَاطب معِين، كَانَ حَقِيقَة وإلَاّ كَانَ مجَازًا، وَمثله قَوْله تَعَالَى:{وَلَو ترى إِذْ المجرمون ناكسوا رؤوسهم} (السَّجْدَة: 12) قَوْله: (الدَّهْر)، نصب على الظّرْف. قَوْله:(ثمَّ رَأَتْ) جملَة معطوفة على مَا قبلهَا، وَقد علم أَن فِي: ثمَّ، معنى المهلة والتراخي. قَوْله:(شَيْئا) نصب على أَنه مفعول: رَأَتْ، أَي شَيْئا قَلِيلا لَا يُوَافق مزاجها، أَو شَيْئا حَقِيرًا لَا يعجبها، فَحِينَئِذٍ التَّنْوِين فِيهِ للتقليل أَو التحقير. قَوْله:(خيرا) مفعول مَا رَأَيْت.