المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين - عمدة القاري شرح صحيح البخاري - جـ ١

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌(كتاب الْإِيمَان)

- ‌(بَاب الْإِيمَان وَقَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم بني الْإِسْلَام على خمس)

- ‌(بَاب دعاؤكم إيمَانكُمْ)

- ‌(بَاب أُمُورِ الإِيمَانِ)

- ‌(بَاب المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ)

- ‌(بَاب أيُّ الإِسْلَام أفْضَلُ)

- ‌(بَاب إطْعَامُ الطَّعَامِ مِنَ الإِسْلَامِ)

- ‌(بَاب مِنَ الإِيمَانِ أنْ يُحِبَّ لإِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)

- ‌(بَاب حُبُّ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الإِيمَانِ)

- ‌(بَاب حَلَاوَةِ الإِيمَانِ)

- ‌(بَاب عَلَامَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الانْصَارِ)

- ‌(بَاب)

- ‌(بَاب مِنَ الدِّينِ الفِرَارُ مِنَ الفِتَنِ)

- ‌(بَاب قَوْلِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّه، وأنَّ المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} )

- ‌(بَاب مَنْ كَرِهَ أنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَن يُلْقَى فِي النارِ مِن الإِيمانِ)

- ‌(بابُ تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمانِ فِي الأَعْمَالِ)

- ‌(بَاب الحَياءُ مِنَ الإيمانِ)

- ‌(بَاب {فَإِن تَابُوا وَأقَامُوا الصَّلَاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} )

- ‌(بابُ مَنْ قَالَ: إنّ الإيمَانَ هُوَ العَمَلُ لقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} )

- ‌(بابُ إذَا لَمْ يَكُنِ الإسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وكانَ عَلَى الإستسْلَامِ أَو الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالىَ {قَالَتِ الَاعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنَا} فَاذَا كانَ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهْوَ

- ‌(بابُ إفْشاءُ السَّلَامِ مِنَ الإسْلَامِ)

- ‌(بابُ كُفْرَانِ العَشِيرِ وَكُفْرٍ دُونَ كُفْرٍ)

- ‌(بَاب المَعَاصِي مِنْ أمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكابِهَا إلَاّ بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جاهِليَّةٌ وقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {إنّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ

- ‌(بَاب {وإنْ طَائِفَتَانِ مِنْ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فأصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَسَمَّاهُمُ المُؤْمِنِينَ} )

- ‌(بَاب ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ)

- ‌(بابُ عَلَاماتِ المُنَافِقِ)

- ‌(بابُ قِيامُ لَيْلَةِ القَدْرِ مِنَ الإيمانِ)

- ‌(بابٌ الْجِهادُ مِنَ الإيمانِ)

- ‌(بابٌ تَطَوُّعُ قِيام رَمَضَانَ مِنَ الْإِيمَان)

- ‌(بابٌ صَوْمُ رَمَضانَ احْتِسابا مِنَ الإيمانِ)

- ‌(بابٌ الدِّينُ يُسْرٌ)

- ‌(بابٌ الصَّلاةُ مِنَ الإيمانِ)

- ‌(بابُ حُسْنِ إسْلَامِ المَرْء)

- ‌(بَاب أحَبُّ الدِّينِ إلَى اللَّهِ أدْوَمُهُ)

- ‌(بابُ زِيَادَةِ الإيمَانِ ونُقْصَانِهِ)

- ‌(قَالَ أَبُو عبد الله قَالَ أبان حَدثنَا قَتَادَة حَدثنَا أنس عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم " عَن إِيمَان " مَكَان " من خير

- ‌(بَاب الزَّكاةُ مِنَ الإسْلَامِ)

- ‌(بابُ اتِّبَاعُ الْجَنائِزِ مِنَ الإِيمَان)

- ‌(بابُ خَوْفِ ألمُؤمِنِ مِنْ أنْ يَحْبَطَ عَملُهُ لَا يَشْعُرُ)

- ‌{بَاب سُؤال جِبْريلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عنِ الإيمانِ والإسْلامِ والإحْسانِ وعِلْمِ السَّاعةِ} )

- ‌(قَالَ أَبُو عبد الله جعل ذَلِك كُله من الْإِيمَان)

- ‌(بَاب)

- ‌(بابُ فَضْلِ مَنِ اسْتَبْرأَ لِدِينِهِ)

- ‌(بَاب أَدَاءُ الْخُمُسِ مِنَ الإيمانِ)

- ‌(بَاب مَا جاءَ أنّ الأعْمَال بالنِّيَّةِ والحِسْبَةِ ولِكُلِّ امرِىء مَا نَوَى)

- ‌(بَاب قَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الدِّينُ النَّصِيحَةُ للَّهِ ولِرَسُولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ

الفصل: ‌(باب قول النبي صلى الله عليه وسلم الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين

للمقابلة، وَإِمَّا بِمَعْنى: على، وَلِهَذَا فِي بعض النّسخ، عَلَيْهَا، بدل: بهَا، وَالْبَاء تَجِيء بِمَعْنى: على كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {مَن إِن تأمنه بقنطار} (آل عمرَان: 75) قَوْله (حَتَّى)، قَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ العاطفة لَا الجارة، وَمَا بعْدهَا مَنْصُوب الْمحل، وَبَعْضهمْ تبعه على هَذَا. قلت: حَتَّى، هَذِه ابتدائية، أَعنِي؛ حرف تبتدأه بعده الْجمل، أَي: تسْتَأْنف فَتدخل على الْجُمْلَة الإسمية وَالْجُمْلَة الفعلية، وَذَلِكَ لِأَن: حَتَّى، العاطفة لَهَا شُرُوط مِنْهَا: أَنَّهَا لَا تعطف الْجمل، لِأَن شَرط معطوفها أَن يكون جزأ مِمَّا قبلهَا، أَو جُزْء مِنْهُ، وَلَا يتأتي ذَلِك إلَاّ فِي الْمُفْردَات، على أَن الْعَطف بحتى قَلِيل، وَأهل الْكُوفَة ينكرونه الْبَتَّةَ، وَمَا بعد حَتَّى هَهُنَا جملَة، لِأَن قَوْله (مَا) ، مَوْصُولَة مُبْتَدأ، وَخَبره مَحْذُوف، وَكَذَا الْعَائِد إِلَى الْمَوْصُول، تَقْدِيره؛ حَتَّى الَّذِي تجْعَل فِي فَم امْرَأَتك فَأَنت مأجور فِيهِ، وَوجه آخر يمْنَع من كَون: حَتَّى، عاطفة، هُوَ: أَن الْمَعْطُوف غير الْمَعْطُوف عَلَيْهِ، فَإِذا جعلت: حَتَّى، عاطفة لَا يُسْتَفَاد أَن: مَا يَجْعَل فِي فَم امْرَأَته مأجور فِيهِ. فَإِن قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: يُسْتَفَاد ذَلِك من حَيْثُ إِن قيد الْمَعْطُوف عَلَيْهِ قيد فِي الْمَعْطُوف. قلت: الْقَيْد فِي الْمَعْطُوف عَلَيْهِ هُوَ الابتغاء لوجه الله تَعَالَى والآجر لَيْسَ بِقَيْد فِيهِ، لِأَنَّهُ أصل الْكَلَام، وَالْمَقْصُود فِي الْمَعْطُوف حُصُول الْأجر بالانفاق الْمُقَيد بالابتغاء. فَافْهَم.

بَيَان الْمعَانِي:. فِيهِ تَمْثِيل باللقمة مُبَالغَة فِي حُصُول الْأجر، لِأَن الْأجر إِذا ثَبت فِي لقْمَة زَوْجَة غير مضطرة، ثَبت فِيمَن أطْعم الْمُحْتَاج كسرة، أَو رغيفاً بِالطَّرِيقِ الأولى، وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا بَيَان لقاعدة مهمة، وَهِي: أَن مَا أُرِيد بِهِ وَجه الله تَعَالَى ثَبت فِيهِ الْأجر، وَإِن حصل لفَاعِله فِي ضمنه حَظّ نفس من لَذَّة أَو غَيرهَا، فَلهَذَا مثل صلى الله عليه وسلم بِوَضْع اللُّقْمَة فِي فَم الزَّوْجَة، وَمَعْلُوم أَنه غَالِبا يكون بحظ النَّفس والشهوة واستمالة قَلبهَا، فَإِذا كَانَ الَّذِي هُوَ من حظوظ النَّفس بِالْمحل الْمَذْكُور من ثُبُوت الْأجر فِيهِ، وَكَونه طَاعَة وَعَملا أخروياً إِذا أُرِيد بِهِ وَجه الله تَعَالَى، فَكيف الظَّن بِغَيْرِهِ مِمَّا يُرَاد بِهِ وَجه الله تَعَالَى وَهُوَ مباعد للحظوظ النفسانية؟ قَوْله (تبتغي بهَا وَجه الله)، أَي: ذَاته، عز وجل. الْمَعْنى: أَنه لَا يطْلب غير الله تَعَالَى. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الْوَجْه والجهة بِمَعْنى، يُقَال: هَذَا وَجه الرَّائِي، أَي: هُوَ الرَّائِي نَفسه. قلت: هَذَا كَلَام الْجَوْهَرِي، فَإِن أَرَادَ بِذكرِهِ أَن الْوَجْه هَهُنَا بِمَعْنى الْجِهَة فَلَا وَجه لَهُ، وَإِن أَرَادَ أَنه من قبيل هَذَا وَجه الرَّائِي فَلَا وَجه لَهُ أَيْضا، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن تكون لَفْظَة: وَجه، زَائِدَة. وَحمل الْكَلَام على الْفَائِدَة أولى. وَقَالَ الْكرْمَانِي هُنَا أَيْضا، فَإِن قلت: مَفْهُومه أَن الْآتِي بِالْوَاجِبِ إِذا كَانَ مرائياً فِيهِ لَا يُؤجر عَلَيْهِ. قلت: هُوَ حق، نعم يسْقط عَنهُ الْعقَاب لَكِن لَا يحصل لَهُ الثَّوَاب. قلت: حكمه بِسُقُوط الْعقَاب مُطلقًا غير صَحِيح، بل الصَّحِيح التَّفْصِيل فِيهِ، وَهُوَ أَن الْعقَاب الَّذِي يَتَرَتَّب على ترك الْوَاجِب يسْقط لِأَنَّهُ أَتَى بِعَين الْوَاجِب، وَلكنه كَانَ مَأْمُورا أَن يَأْتِي بِمَا عَلَيْهِ بالإخلاص وَترك الرِّيَاء، فَيَنْبَغِي أَن يُعَاقب على ترك الْإِخْلَاص. لِأَنَّهُ مَأْمُور بِهِ، وتارك الْمَأْمُور بِهِ يُعَاقب. قَوْله (فِي فَم امْرَأَتك) . وَفِي رِوَايَة الْكشميهني:(فِي فِي امْرَأَتك) ، وَهُوَ رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: حذف الْمِيم أصوب، وبالميم لُغَة قَليلَة. قلت: لِأَن أصل فَم: فوه على وزن فعل، بِدَلِيل قَوْلهم: أَفْوَاه، وَهُوَ جمع مَا كَانَ على: فَعْلٍ سَاكن الْعين مُعْتَلًّا كَقَوْلِهِم: ثوب واثواب، وحوض وأحواض، فَإِذا أفردت عوضت من واوها، مِيم، لتثبت، وَلَا تعوض فِي حَال الْإِضَافَة إلَاّ شاذاً، وَإِعْرَابه فِي الْمِيم مَعَ فتح الْفَاء فِي الْأَحْوَال الثَّلَاث، تَقول: هَذَا فَم، وَرَأَيْت فَمَا، وانتفعت بِفَم. وَمِنْهُم من يكسر الْفَاء على كل حَال، وَمِنْهُم من يرفع على كل حَال، وَمِنْهُم من يعربه من مكانين. فَإِن قلت: لم خص الْمَرْأَة بِالذكر؟ قلت: لِأَن عود مَنْفَعَتهَا إِلَى الْمُنفق، فَإِنَّهَا تؤتر فِي حسن بدنهَا ولباسها، وَالزَّوْجَة من أحظ حظوظه الدُّنْيَوِيَّة وملاذه، وَالْغَالِب من النَّاس النَّفَقَة على الزَّوْجَة لحُصُول شَهْوَته وَقَضَاء وطره، بِخِلَاف الْأَبَوَيْنِ، فَإِنَّهَا رُبمَا تخرج بكلفة ومشقة، فَأخْبر صلى الله عليه وسلم، أَنه إِذا قصد باللقمة الَّتِي يَضَعهَا فِي فَم الزَّوْجَة وَجه الله تَعَالَى، وَجعل لَهُ الْأجر مَعَ الداعية، فَمَعَ غير الداعية وتكلف الْمَشَقَّة أولى.

42

- ‌

‌(بَاب قَوْلِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم الدِّينُ النَّصِيحَةُ للَّهِ ولِرَسُولِهِ ولأَئِمَّةِ المُسْلِمِينَ

وعامَّتِهِمْ وقولِهِ تَعَالَى {إِذا نَصَحُوا للَّهِ وَرَسُولِهِ} )

الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: إِن بَاب قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم، كَلَام إضافي مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، تَقْدِيره: هَذَا بَاب قَول النَّبِي عليه الصلاة والسلام، وَقَوله:(الدّين) مُبْتَدأ و: (النصِيحَة) خَبره، وَهَذَا التَّرْكِيب

ص: 320

يُفِيد الْقصر والحصر، لِأَن الْمُبْتَدَأ وَالْخَبَر إِذا كَانَا معرفتين يُسْتَفَاد ذَلِك مِنْهُمَا. فَإِن قلت: مَا مَحل هَذِه الْجُمْلَة؟ قلت: النصب لِأَنَّهُ مقول القَوْل، وَاللَّام فِي: لله، صلَة، لِأَن الفصيح أَن يُقَال: نصح لَهُ، فَإِن قلت: لِمَ ترك اللَّام فِي عامتهم؟ قلت: لأَنهم كالاتباع للأئمة لَا اسْتِقْلَال لَهُم، وإعادة اللَّام تدل على الِاسْتِقْلَال. قَوْله (وَقَوله تَعَالَى) بِالْجَرِّ، عطف على قَوْله:(قَول النَّبِي) صلى الله عليه وسلم.

الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول، أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَأَنَّهَا لَا تقبل إِلَّا إِذا كَانَت ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى مَعَ ترك الرِّيَاء، وَالْعلم على هَذَا الْوَجْه من جملَة النَّصِيحَة لله تَعَالَى، وَمن جملَة النَّصِيحَة لرَسُوله أَيْضا، حَيْثُ أَتَى بِعَمَلِهِ على وفْق مَا أَمر بِهِ الرَّسُول عليه السلام، مجتنباً عَمَّا نَهَاهُ عَنهُ. ثمَّ إِن البُخَارِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى، ختم كتاب الْإِيمَان بِهَذَا الحَدِيث لِأَنَّهُ حَدِيث عَظِيم جليل حفيل، عَلَيْهِ مدَار الْإِسْلَام، كَمَا قيل: إِنَّه أحد الْأَحَادِيث الْأَرْبَعَة الَّتِي عَلَيْهَا مدَار الْإِسْلَام، فَيكون هَذَا ربع الْإِسْلَام. وَمِنْهُم من قَالَ: يُمكن أَن يسْتَخْرج مِنْهُ الدَّلِيل على جَمِيع الْأَحْكَام.

الثَّالِث: أَنه ذكر هَذَا الحَدِيث مُعَلّقا وَلم يُخرجهُ مُسْندًا فِي هَذَا الْكتاب، لِأَن رَاوِي الحَدِيث تَمِيم الدَّارِيّ، وَأشهر طرقه فِيهِ: سُهَيْل بن أبي صَالح، وَلَيْسَ من شَرطه، لِأَنَّهُ لم يخرج لَهُ فِي صَحِيحه، وَقد أخرج لَهُ مُسلم وَالْأَرْبَعَة، وروى عَنهُ مَالك وَيحيى الْأنْصَارِيّ وَالثَّوْري وَابْن عُيَيْنَة وَحَمَّاد بن سَلمَة وَخلق كثير، وَالْأَرْبَعَة. وَقَالَ البُخَارِيّ: سَمِعت عليا يَعْنِي ابْن الْمَدِينِيّ، يَقُول: كَانَ سُهَيْل بن أبي صَالح مَاتَ لَهُ أَخ، فَوجدَ عَلَيْهِ فنسي كثيرا من الْأَحَادِيث. وَقَالَ يحيى بن معِين: لَا يحْتَج بِهِ، وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه، وَقَالَ ابْن عدي: وَهُوَ عِنْدِي ثَبت لَا بَأْس بِهِ مَقْبُول الْأَخْبَار، وَقد روى عَنهُ الْأَئِمَّة، وَقَالَ الْحَاكِم: وَقد روى مَالك فِي شُيُوخه من أهل الْمَدِينَة النَّاقِد لَهُم، ثمَّ قَالَ فِي أَحَادِيثه بالعراق: إِنَّه نسي الْكثير مِنْهَا وساء حفظه فِي آخر عمره، وَقد أَكثر مُسلم عَنهُ فِي إِخْرَاجه فِي الشواهد مَقْرُونا فِي أَكثر رُوَاته يحافظ لَا يدافع، فَيسلم بذلك من نسبته إِلَى سوء الْحِفْظ، وَلَكِن لما لم يكن عِنْد البُخَارِيّ من شَرطه، لم يَأْتِ فِيهِ بِصِيغَة الْجَزْم، وَلَا فِي معرض الإستدلال بل أدخلهُ فِي التَّبْوِيب فَقَالَ: بَاب قَول النَّبِي صلى الله عليه وسلم كَذَا، فَلم يتْرك ذكره لِأَنَّهُ عِنْده من الواهي، بل ليفهم أَنه اطلع عَلَيْهِ أَن فِيهِ عِلّة منعته من إِسْنَاده، وَله من ذَلِك فِي كِتَابَة كثير يقف عَلَيْهِ من لَهُ تَمْيِيز، وَالله أعلم.

الرَّابِع: أَن هَذَا الحَدِيث أخرجه مُسلم: حَدثنَا مُحَمَّد بن عباد الْمَكِّيّ ثَنَا سُفْيَان عَن سُهَيْل عَن عَطاء بن يزِيد اللَّيْثِيّ عَن تَمِيم الدَّارِيّ أَن النَّبِي عليه الصلاة والسلام قَالَ: (الدّين النَّصِيحَة. قُلْنَا: لمن؟ قَالَ: لله ولكتابه ولرسله ولأئمة الْمُسلمين وعامتهم) . وَلَيْسَ لتميم الدَّارِيّ فِي صَحِيح مُسلم غَيره، أخرجه فِي بَاب الْإِيمَان، وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا فِي الْأَدَب عَن أَحْمد بن يُونُس عَن زُهَيْر عَن سُهَيْل بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن عبد الرَّحْمَن عَن سُفْيَان الثَّوْريّ بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن مَنْصُور عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة بِهِ. وَأخرجه إِمَام الْأَئِمَّة، مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة فِي كتاب (السياسة) تأليفه: حَدثنَا عبد الْجَبَّار بن الْعَلَاء الْمَكِّيّ، حَدثنَا ابْن عُيَيْنَة عَن سُهَيْل، سَمِعت عَطاء بن يزِيد، حَدثنَا تَمِيم قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (الدّين النَّصِيحَة الدّين النَّصِيحَة! فَقَالَ رجل: لمن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لله ولكتابه ولنبيه ولأئمة الْمُؤمنِينَ وعامتهم) .

الْخَامِس: أَن حَدِيث النَّصِيحَة رُوِيَ عَن سُهَيْل عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَهُوَ وهم من سُهَيْل أَو مِمَّن روى عَنهُ. قَالَ البُخَارِيّ فِي (تَارِيخه) : لَا يَصح إلَاّ عَن تَمِيم، وَلِهَذَا الِاخْتِلَاف لم يُخرجهُ فِي (صَحِيحه) ، وَلِلْحَدِيثِ طرق دون هَذِه فِي الْقُوَّة، فَمِنْهَا مَا أخرجه أَبُو يعلى من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَمِنْهَا مَا أخرجه الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عمر رضي الله عنهما.

السَّادِس: قَوْله (الدّين النَّصِيحَة)، فِيهِ حذف تَقْدِيره: عماد الدّين وقوامه النَّصِيحَة، كَمَا يُقَال: الْحَج عَرَفَة، أَي: عماد الْحَج وقوامه وقُوف عَرَفَة. وَالتَّقْدِير: مُعظم أَرْكَان الدّين النَّصِيحَة، كَمَا يُقَال: الْحَج عَرَفَة، أَي: مُعظم أَرْكَان الْحَج وقُوف عَرَفَة. وأصل النَّصِيحَة مَأْخُوذ من نصح الرجل ثَوْبه إِذا خاطه بالمنصح، وَهِي الإبرة، وَالْمعْنَى: أَنه يلم شعث أَخِيه بالنصح، كَمَا تلم المنصحة، وَمِنْه التَّوْبَة النصوح، كَأَن الذَّنب يمزق الدّين وَالتَّوْبَة تخيطه. وَقَالَ الْمَازرِيّ: النَّصِيحَة مُشْتَقَّة من: نصحت الْعَسَل إِذا صفيته من الشمع، شبه تَخْلِيص القَوْل من الْغِشّ بتخليص الْعَسَل من الْخَلْط. وَفِي (الْمُحكم) النصح: نقيض الْغِشّ، نصح لَهُ ونصحه ينصح نصحاً أَو نصُوحًا ونصاحة. وَفِي (الْجَامِع) : النصح: بذل الْمَوَدَّة وَالِاجْتِهَاد فِي المشورة. وَفِي كتاب ابْن طريف: نصح قلب الْإِنْسَان: خلص من الْغِشّ. وَفِي (الصِّحَاح) : هُوَ بِاللَّامِ أفْصح. وَفِي (الغريبين) نَصَحته، قَالَ أَبُو زيد أَي: صدقته. وَقَالَ الْخطابِيّ: النَّصِيحَة كلمة جَامِعَة مَعْنَاهَا: حِيَازَة الْحَظ للمنصوح لَهُ، وَيُقَال: هُوَ من وجيز الْأَسْمَاء، ومختصر

ص: 321

الْكَلَام، وَلَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة مُفْردَة تستوفى بهَا الْعبارَة عَن معنى هَذِه الْكَلِمَة، كَمَا قَالُوا فِي الْفَلاح: لَيْسَ فِي كَلَام الْعَرَب كلمة مُفْردَة تستوفى بهَا الْعبارَة عَن معنى مَا جمعت من خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. أما النَّصِيحَة لله تَعَالَى: فمعناها يرجع إِلَى الْإِيمَان بِهِ، وَنفي الشّرك عَنهُ، وَترك الْإِلْحَاد فِي صِفَاته، وَوَصفه بِصِفَات الْجلَال والكمال، وتنزيهه تَعَالَى عَن النقائص، وَالْقِيَام بِطَاعَتِهِ وَاجْتنَاب مَعْصِيَته، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عَصَاهُ، وَالِاعْتِرَاف بنعمته وشكره عَلَيْهَا وَالْإِخْلَاص فِي جَمِيع الْأُمُور. قَالَ: وَحَقِيقَة هَذِه الْإِضَافَة رَاجِعَة، إِلَى العَبْد فِي نصيحة نَفسه، فَإِنَّهُ تَعَالَى غَنِي عَن نصح الناصح وَعَن الْعَالمين. وَأما النَّصِيحَة لكتابة، سبحانه وتعالى: فالإيمان بِأَنَّهُ كَلَام الله تَعَالَى، وتنزيهه بِأَنَّهُ لَا يُشبههُ شَيْء من كَلَام الْخلق، وَلَا يقدر على مثله أحد من الْمَخْلُوقَات، ثمَّ تَعْظِيمه وتلاوته حق تِلَاوَته، وَإِقَامَة حُرُوفه فِي التِّلَاوَة، والتصديق بِمَا فِيهِ، وتفهم علومه، وَالْعَمَل بمحكمه، وَالتَّسْلِيم لمتشابهه، والبحث عَن ناسخه ومنسوخه، وعمومه وخصوصه، وَسَائِر وجوهه، وَنشر علومه، وَالدُّعَاء إِلَيْهِ. وَأما النَّصِيحَة لرَسُوله عليه الصلاة والسلام: فتصديقه على الرسَالَة وَالْإِيمَان بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ، وطاعته فِي أوامره ونواهيه، ونصرته حَيا وَمَيتًا، وإعظام حَقه وإحياء سنته، والتلطف فِي تعلمهَا وَتَعْلِيمهَا والتخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه ومحبة أهل بَيته وَأَصْحَابه. وَأما النَّصِيحَة للأئمة: فمعاونتهم على الْحق وطاعتهم فِيهِ، وتذكيرهم بِرِفْق وَترك الْخُرُوج عَلَيْهِم بِالسَّيْفِ وَنَحْوه، وَالصَّلَاة خَلفهم، وَالْجهَاد مَعَهم وَأَدَاء الصَّدقَات إِلَيْهِم، هَذَا على الْمَشْهُور من أَن المُرَاد من الْأَئِمَّة أَصْحَاب الْحُكُومَة: كالخلفاء والولاة، وَقد يؤول بعلماء الدّين، ونصيحتهم قبُول مَا رَوَوْهُ وتقليدهم فِي الْأَحْكَام وإحسان الظَّن بهم. وَأما نصيحة الْعَامَّة: فإرشادهم لمصالحهم فِي آخرتهم ودنياهم، وكف الْأَذَى عَنْهُم: وَتَعْلِيم مَا جهلوا، وإعانتهم على الْبر وَالتَّقوى، وَستر عَوْرَاتهمْ والشفقة عَلَيْهِم، وَأَن يحب لَهُم مَا يحب لنَفسِهِ من الْخَيْر.

السَّابِع: فِي الحَدِيث فَوَائِد. مِنْهَا: مَا قيل: إِن الدّين يُطلق على الْعَمَل لكَونه سمى النَّصِيحَة: دينا. وَمِنْهَا: إِن النَّصِيحَة فرض على الْكِفَايَة لَازِمَة على قدر الطَّاقَة إِذا علم الناصح أَنه يقبل نصحه، ويطاع أمره وَأمن على نَفسه الْمَكْرُوه، فَإِن خشِي فَهُوَ فِي سَعَة، فَيجب على من علم بِالْمَبِيعِ عَيْبا أَن يُبينهُ بَائِعا كَانَ أَو أَجْنَبِيّا، وَيجب على الْوَكِيل وَالشَّرِيك والخازن النصح. وَمِنْهَا: أَن النَّصِيحَة كَمَا هِيَ فرض للمذكورين، فَكَذَلِك هِيَ فرض لنَفسِهِ، بِأَن ينصحها بامتثال الْأَوَامِر وَاجْتنَاب المناهي.

الثَّامِن: قَوْله تَعَالَى: {إِذا نصحوا لله وَرَسُوله} (التَّوْبَة: 91) فِي سُورَة بَرَاءَة وَأول الْآيَة: {لَيْسَ على الضُّعَفَاء وَلَا على المرضى وَلَا على الَّذين لَا يَجدونَ مَا يُنْفقُونَ حرج إِذا نصحوا لله وَرَسُوله} (التَّوْبَة: 91) الْآيَة. أكَّد الحَدِيث الْمَذْكُور بِهَذِهِ الْآيَة، وَالْمرَاد بالضعفاء: الزمنى والهرمى، وَالَّذين لَا يَجدونَ: الْفُقَرَاء. والنصح لله وَرَسُوله: الْإِيمَان بهما وطاعتهما فِي السِّرّ والعلن.

57 -

حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا يَحْيَى عَنْ إسْمَاعِيلَ قالَ حدّثني قَيْسُ بنُ أبي حَازِمٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عبْدِ اللَّهِ قَالَ بَايَعْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم علَى إِقَامِ الصَّلَاةِ وإِيتَاءِ الزَّكاةِ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ..

مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن الْمَذْكُور فِيهِ:(والنصح لكل مُسلم) . وَفِي التَّرْجَمَة: لعامة الْمُسلمين، وَمُرَاد البُخَارِيّ من التَّرْجَمَة وُقُوع الدّين على الْعَمَل، فَإِنَّهُ سمى النَّصِيحَة: دينا. وَقَالَ ابْن بطال: مَقْصُوده الرَّد على من زعم أَن الْإِسْلَام القَوْل دون الْعَمَل، وَهُوَ ظَاهر الْعَكْس، لِأَنَّهُ لما بَايعه على الْإِسْلَام شَرط عَلَيْهِ: والنصح لكل مُسلم، فَلَو دخل فِي الْإِسْلَام لما اسْتَأْنف لَهُ بيعَة.

بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة الأول: مُسَدّد بن مسرهد، تقدم. الثَّانِي: يحيى بن سعيد الْقطَّان، تقدم. الثَّالِث: إِسْمَاعِيل بن أبي خَالِد البَجلِيّ التَّابِعِيّ، تقدم. الرَّابِع: قيس بن أبي حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمُعْجَمَة، واسْمه عبد عَوْف، وَيُقَال: عَوْف بن عبد الْحَارِث بن الْحَارِث بن عَوْف، الأحمسي البَجلِيّ الْكُوفِي التَّابِعِيّ المخضرم، أدْرك الْجَاهِلِيَّة، وَجَاء ليبايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقبض وَهُوَ فِي الطَّرِيق، ووالده صَحَابِيّ، سمع خلقا من الصَّحَابَة مِنْهُم الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ، وَلَيْسَ فِي التَّابِعين من يروي عَنْهُم غَيره، وَقيل: لم يسمع من عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعنهُ جمَاعَة من التَّابِعين، وجلالته مُتَّفق عَلَيْهَا وَهُوَ أَجود النَّاس إِسْنَادًا، كَمَا قَالَه أَبُو دَاوُد. وَمن طُرف أَحْوَاله أَنه روى عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة لم يرو عَنْهُم غَيره مِنْهُم أَبوهُ ودكين بن سعيد والصنابح بن الأعسر ومرداس الْأَسْلَمِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَاتَ سنة أربعٍ وَقيل: سبع وَثَمَانِينَ، وَقيل: سنة ثَمَان

ص: 322

وَتِسْعين روى لَهُ الْجَمَاعَة. الْخَامِس: جرير بن عبد الله بن جَابر بن مَالك بن نضر بن ثَعْلَبَة البَجلِيّ الأحمسي، أَبُو عبد الله، أَبُو عمر، نزل الْكُوفَة ثمَّ تحول إِلَى قرقيسيا، وَبهَا توفّي سنة إِحْدَى وَخمسين، وَقيل: غير ذَلِك، لَهُ مائَة حَدِيث، اتفقَا مِنْهَا على ثَمَانِيَة، وَانْفَرَدَ البُخَارِيّ بِحَدِيث، وَمُسلم بِسِتَّة. كَذَا فِي (شرح قطب الدّين) وَفِي (شرح النَّوَوِيّ) ، لَهُ مِائَتَا حَدِيث انْفَرد البُخَارِيّ بِحَدِيث، وَقيل: بِسِتَّة وَلَعَلَّ صَوَابه: وَمُسلم بِسِتَّة بدل: وَقيل بِسِتَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي فِي (شَرحه) : لجرير عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مائَة حَدِيث ذكر البُخَارِيّ مِنْهَا تِسْعَة وَهَذَا غلط صَرِيح، وَكَانَ قدومه على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم، سنة عشر فِي رَمَضَان فَبَايعهُ وَأسلم. وَقيل: أسلم قبل وَفَاة النَّبِي صلى الله عليه وسلم، بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى سَنَام الْبَعِير كَانَت صنمه ذِرَاعا، وَاعْتَزل الْفِتْنَة، وَكَانَ يدعى يُوسُف هَذِه الْأمة لحسنه، روى عَنهُ بنوه: عبد الله وَالْمُنْذر وَإِبْرَاهِيم، وَابْن ابْنه أَبُو زرْعَة هرم، روى لَهُ الْجَمَاعَة، وروى الطَّبَرَانِيّ فِي تَرْجَمته أَن غُلَامه اشْترى لَهُ فرسا بثلاثمائة، فَلَمَّا رَآهُ جَاءَ إِلَى صَاحبه فَقَالَ؛ إِن فرسك خير من ثلثمِائة، فَلم يزل يزِيدهُ حَتَّى أعطَاهُ ثَمَانمِائَة. وَقَالَ: بَايَعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مُسلم. وَلَيْسَ فِي الصَّحَابَة جرير بن عبد الله البَجلِيّ، إلَاّ هَذَا. وَمِنْهُم جرير بن عبد الله الْحِمْيَرِي فَقَط، وَقيل: ابْن عبد الحميد، وَمِنْهُم جرير بن الأرقط، وَجَرِير بن أَوْس الطَّائِي، وَقيل: جريم، وَأَبُو جرير يروي حَدِيثا عَن ابْن أبي ليلى عَنهُ.

بَيَان الْأَنْسَاب: البَجلِيّ: فِي كهلان، بِفَتْح الْجِيم، ينْسب إِلَى بجيلة بنت صَعب بن سعد الْعَشِيرَة بن مَالك، وَهُوَ مذْحج، كَانَت عِنْد أَنْمَار بن أراش بن الْغَوْث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان فولده مِنْهَا، وهم: عبقر والغوث وجهينة، ينسبون إِلَيْهَا، مِنْهُم: جرير بن عبد الله الْمَذْكُور، قَالَ الرشاطي: جرير بن عبد الله بن جَابر، وَهُوَ الشليل بن مَالك بن نضر بن ثَعْلَبَة بن جشم بن عريف بن خُزَيْمَة بن عَليّ بن مَالك بن سعد بن نَذِير بن قسر وَهُوَ مَالك بن عبقر وَهُوَ ولد بجيلة، ذكره أَبُو عَمْرو وَرفع نسبه. غير أَنه قَالَ فِي خُزَيْمَة: جزيمة، وَفِي عَليّ: عدي، وَكِلَاهُمَا وهم وتصحيف، وكما ذكرناهما ذكره ابْن الْكَلْبِيّ وَابْن حبيب وَغَيرهمَا. وَقَالَ ابْن دُرَيْد: اشتقاق: البجيلة، من الغلظ، يُقَال: ثوب بجيل، أَي: غليظ، و: رجل بجال، أَيْضا: إِذا كَانَ غليظاً سميناً، وكل شَيْء عَظمته وغلظته فقد بجلته. الأحمسي: بِالْحَاء الْمُهْملَة، فِي بجيلة: أحمس بن الْغَوْث والغوث هَذَا ابْن لبجيلة، كَمَا ذكرنَا من حمس الرجل: إِذا شجع، وَأَيْضًا هاج وَغَضب، وَهُوَ حمس وأحمس: كَرجل وأرجل، وَفِي ربيعَة أَيْضا: أحمس بن ضبيعة بن ربيعَة بن نزار، مِنْهُم المتلمس الشَّاعِر، وَهُوَ: جرير بن عبد الْمَسِيح بن عبد الله بن زيد بن دوقن بن حَرْب بن وهب بن جلى بن أحمس بن ضبيعة.

بَيَان لطائف أسناده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد والعنعنة، وَلَا يخفى الْفرق بَين الصيغتين. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون مَا خلا مُسَددًا. وَمِنْهَا: إِن ثَلَاثَة مِنْهُم، وهم: إِسْمَاعِيل وَقيس وَجَرِير مَكْنُون بِأبي عبد الله. وَمِنْهَا: أَن هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة كلهم بجليون. وَمِنْهَا: أَن الأثنين مِنْهُم إِسْمَاعِيل وَقيس تابعيان.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هُنَا كَمَا ترى، وَأخرجه أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن أبي مُوسَى عَن يحيى، وَفِي الزَّكَاة عَن مُحَمَّد بن عبد الله عَن أَبِيه، وَفِي الْبيُوع عَن عَليّ عَن سُفْيَان، وَفِي الشُّرُوط عَن مُسَدّد أَيْضا عَن يحيى، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عبد الله بن نمير، وَأبي أُسَامَة عَن يحيى بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْبيعَة عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى بِهِ.

بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب: قَوْله (بَايَعت) ، من الْمُبَايعَة، وَهُوَ عقد الْعَهْد، وَهُوَ فعل وفاعل و:(رَسُول الله)، كَلَام إضافي مَفْعُوله. قَوْله (على إقَام الصَّلَاة) أَصله: إِقَامَة الصَّلَاة، وَإِنَّمَا جَازَ حذف التَّاء لِأَن الْمُضَاف إِلَيْهِ عوض عَنْهَا، قد مر تَفْسِير: إِقَامَة الصَّلَاة. قَوْله (وإيتاء الزَّكَاة) أَي: إعطائها قَوْله (والنصح) بِالْجَرِّ، عطف على الْمَجْرُور قبله.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله (بَايَعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم : كَانَت مبايعته عليه السلام لأَصْحَابه فِي أَوْقَات بِحَسب الْحَاجة إِلَيْهَا من: تَحْدِيد عهد أَو توكيد أَمر، فَلِذَا اخْتلفت ألفاظها، كَمَا سَيَأْتِي. وَأَخْرَجَا من رِوَايَة الشّعبِيّ عَن جرير رضي الله عنه، قَالَ: (بَايَعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على السّمع وَالطَّاعَة، فلقتني فِيمَا اسْتَطَعْت، والنصح لكل مُسلم) . وَرَوَاهُ ابْن حبَان من طَرِيق أبي زرْعَة بن عَمْرو بن جرير عَن جده. وَزَاد فِيهِ: (فَكَانَ جرير إِذا اشْترى وَبَاعَ يَقُول لصَاحبه: إعلم أَن مَا أَخذنَا مِنْك أحب إِلَيْنَا مِمَّا أعطيناكه، فاختر) . قَوْله (فِيمَا اسْتَطَعْت) رُوِيَ بِضَم التَّاء وَفتحهَا، قَالَه قطب الدّين فِي (شَرحه) : ثمَّ قَالَ: فعلى الرّفْع يحْتَاج جرير

ص: 323

ينْطق بهَا. أَي: قل فِيمَا اسْتَطَعْت، وَهُوَ مُوَافق لقَوْله تَعَالَى:{لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا} (الْبَقَرَة: 233) وَالْمَقْصُود من هَذِه اللَّفْظَة التَّنْبِيه على أَن المُرَاد: فِيمَا اسْتَطَعْت من الْأُمُور المبايع عَلَيْهَا، هُوَ: مَا يُطَاق، كَمَا هُوَ الْمُشْتَرط فِي أصل التَّكْلِيف، وَفِي قَوْله: لَقَّنَنِي، دلَالَة على كَمَال شَفَقَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ الْخطابِيّ: جعل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النَّصِيحَة للْمُسلمين شرطا فِي الَّذِي يُبَايع عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة، فَلذَلِك ترَاهُ قرنها بهما. فَإِن قلت: لِمَ اقْتصر عَلَيْهِمَا وَلم يذكر الصَّوْم وَغَيره؟ قلت: قَالَ القَاضِي عِيَاض: لدُخُول ذَلِك فِي السّمع وَالطَّاعَة، يَعْنِي الْمَذْكُور، فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الَّتِي ذَكرنَاهَا الْآن، وَقَالَ غَيره: إِنَّمَا اقْتصر عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُمَا أهم أَرْكَان الدّين وأظهرها، وهما الْعِبَادَات: الْبَدَنِيَّة والمالية.

58 -

حدّثنا أبُو النُّعْمانِ قَالَ حَدثنَا أبُو عَوَانَةَ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلاقَةَ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ يَوْمَ مَاتَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ قَامَ فَحمِدَ اللَّهَ وأثْنَى عَلَيْهِ وقالَ عَلَيْكُمْ بِإِتّقَاءِ اللَّهِ وحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ والوَقَارِ والسَّكِينَةِ حَتَّى يأْتِيَكُمُ أميرٌ فإِنَّماَ يأْتِيكُمْ الآْنَ ثُمَّ قالَ اسْتَعْفُوا لامِيركُمْ فإِنَّهُ كانَ يُحِبُّ العَفْوَ ثُمَّ قالَ أمّا بَعْدُ فإِنِّي أتَيْتُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قُلْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الإِسْلَامِ فَشَرَطَ عَلَيَّ والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ فَبَايَعْتُهُ عَلَى هَذَا ورَبِّ هَذَا المَسْجِدِ إنِّي لَنَاصِحٌ لَكُمْ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ وَنَزَلَ..

هَذَا الحَدِيث يدل على بعض التَّرْجَمَة المستلزم للْبَعْض الآخر، إِذْ النصح لِأَخِيهِ الْمُسلم لكَونه مُسلما إِنَّمَا هُوَ فرع الْإِيمَان بِاللَّه وَرَسُوله.

بَيَان رِجَاله: وهم أَرْبَعَة. الأول: أَبُو النُّعْمَان مُحَمَّد بن الْفضل، السدُوسِي الْبَصْرِيّ، الْمَعْرُوف بعارم، بمهملتين، وَهُوَ لقب رَدِيء، لِأَن العارم: الشرير الْمُفْسد. يُقَال: عرم يعرم عرامة، بِالْفَتْح، وَصبي عَارِم أَي: شرير بَين العرام، بِالضَّمِّ. وَكَانَ رحمه الله بَعيدا مِنْهُ، لَكِن لزمَه هَذَا اللقب فاشتهر بِهِ، سمع ابْن الْمُبَارك وخلائق، وروى عَنهُ البُخَارِيّ وَغَيره من الْأَعْلَام، قَالَ أَبُو حَاتِم: إِذا حَدثَك عَارِم فاختم عَلَيْهِ. وَقَالَ عبد الرَّحْمَن: سَمِعت أبي يَقُول: اخْتَلَط أَبُو النُّعْمَان فِي آخر عمره وَزَالَ عقله، فَمن سمع مِنْهُ قبل الِاخْتِلَاط فسماعه صَحِيح. وَكتب عَنهُ قبل الِاخْتِلَاط سنة أَربع عشرَة وَمِائَتَيْنِ، وروى عَنهُ مُسلم بِوَاسِطَة، وَالْأَرْبَعَة كَذَلِك، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ. الثَّانِي: أَبُو عوَانَة، بِالْفَتْح، واسْمه الوضاح الْيَشْكُرِي، وَقد تقدم. الثَّالِث: زِيَاد بن علاقَة، بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وبالقاف، ابْن مَالك الثَّعْلَبِيّ، بالثاء الْمُثَلَّثَة، الْكُوفِي، أَبُو مَالك، سمع جَرِيرًا وَعَمه قُطْبَة بن مَالك وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة، وَغَيرهم. وَعنهُ جماعات من التَّابِعين مِنْهُم الْأَعْمَش، وَكَانَ يخضب بِالسَّوَادِ. قَالَ يحيى بن معِين: ثِقَة، مَاتَ سنة خمس وَعشْرين وَمِائَة. الرَّابِع: جرير رضي الله عنه.

بَيَان الْأَنْسَاب: السدُوسِي: بِفَتْح السِّين الأولى: نِسْبَة إِلَى سدوس، اسْم قَبيلَة. وَقَالَ الرشاطي: السدُوسِي، فِي بكر بن وَائِل، وَفِي تَمِيم. فَالَّذِي فِي بكر بن وَائِل: سدوس بن شَيبَان بن ذهل بن ثَعْلَبَة بن عكابة بن صَعب بن عَليّ بن بكر بن وَائِل، مِنْهُم من الصَّحَابَة قُطْبَة بن قَتَادَة، وَالَّذِي فِي تَمِيم: سدوس بن دارم بن مَالك بن حَنْظَلَة بن مَالك بن زيد مَنَاة، وَأعلم أَن كل سدوسي فِي الْعَرَب بِفَتْح السِّين إلَاّ سدوس بن أصمع بن أبي بن عبيد بن ربيعَة بن نصر بن سعد بن نَبهَان بن طي، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: السدوس: الطيلسان. الثَّعْلَبِيّ: بالثاء الْمُثَلَّثَة فِي غطفان: ثَعْلَبَة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، وَفِي أَسد بن خُزَيْمَة: ثَعْلَبَة بن دودان بن أَسد بن خُزَيْمَة.

بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري وواسطي. وَمِنْهَا: أَنه من رباعيات البُخَارِيّ.

بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا كَمَا ترى، وَأخرجه فِي الشُّرُوط عَن أبي نعيم عَن الثَّوْريّ، وَأخرجه مُسلم فِي الْإِيمَان عَن أبي بكر بن شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَمُحَمّد بن عبد الله بن نمير، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن الثَّوْريّ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْبيعَة، وَفِي السّير عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد المَقْبُري، عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَفِي الشُّرُوط عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد عَن شُعْبَة عَنهُ نَحوه.

ص: 324

بَيَان اللُّغَات: قَوْله (وَالْوَقار) ، بِفَتْح الْوَاو، الرزانة، (والسكينة)، السّكُون وَقَالَ الْجَوْهَرِي: السكينَة: الْوَدَاع، وَالْوَقار، قَوْله (استعفوا) ، من الاستعفاء، وَهُوَ طلب الْعَفو، وَالْمعْنَى: اطْلُبُوا لَهُ الْعَفو من الله. كَذَا هُوَ فِي أَكثر الرِّوَايَات، بِالْعينِ الْمُهْملَة وَالْوَاو فِي آخِره، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر:(اسْتَغْفرُوا) ، بغين مُعْجمَة وَرَاء، من الاسْتِغْفَار، وَهِي رِوَايَة الْأصيلِيّ فِي (الْمُسْتَخْرج) .

بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله (سَمِعت) . جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل. وَجَرِير بن عبد الله مَفْعُوله، وَفِيه تَقْدِير لَا يَصح الْكَلَام، إِلَّا بِهِ، لِأَن جَرِيرًا ذَات، والمسموع هُوَ الصَّوْت والحروف، وَهُوَ: سَمِعت قَول جرير بن عبد الله أَو نَحوه، فَلَمَّا حذف هَذَا وَقع مَا بعده تَفْسِيرا لَهُ، وَهُوَ قَوْله: يَقُول. وَيَوْم نصب على الظَّرْفِيَّة أضيف إِلَى الْجُمْلَة، أَعنِي: قَوْله: مَاتَ الْمُغيرَة بن شُعْبَة. قَوْله (قَامَ) جملَة استئنافية لَا مَحل لَهَا من الْإِعْرَاب. قَوْله (فَحَمدَ الله) عطف عَلَيْهِ، أَي: عقيب قِيَامه حمد الله تَعَالَى. قَوْله (عَلَيْكُم) اسْم من أَسمَاء الْأَفْعَال مَعْنَاهُ: الزموا اتقاء الله. قَوْله (وَحده) ، نصب على الحالية، وَإِن كَانَ معرفَة لِأَنَّهُ مؤول إِمَّا بِأَنَّهُ فِي معنى وَاحِدًا، وَإِمَّا بِأَنَّهُ مصدر: وحد يحد وحداً، نَحْو وعد يعد وَعدا. قَوْله (لَا شريك لَهُ)، جملَة تؤكد معنى: وَحده. قَوْله (وَالْوَقار) بِالْجَرِّ عطف على: باتقاء الله، أَي: وَعَلَيْكُم بالوقار والسكون. قَوْله (حَتَّى يأتيكم أَمِير) . كلمة: حَتَّى، هَذِه للغاية، و: يأتيكم، مَنْصُوب بِأَن الْمقدرَة بعد حَتَّى. فَإِن قلت: هَذَا يَقْتَضِي أَن لَا يكون بعد إتْيَان الْأَمِير الاتقاء وَالْوَقار والسكون، لِأَن حكم مَا بعد: حَتَّى، الَّتِي للغاية خلاف مَا قبل. قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: لَا نسلم أَن حكمه خلاف مَا قبله، سلمنَا لكنه غَايَة لِلْأَمْرِ بالاتقاء لَا للأمور الثَّلَاثَة، أَو غَايَة للوقار والسكون لَا للاتقاء، أَو غَايَة للثَّلَاثَة. وَبعد الْغَايَة، يَعْنِي عِنْد إتْيَان الْأَمِير يلْزم ذَلِك بِالطَّرِيقِ الأولى، وَهَذَا مَبْنِيّ على قَاعِدَة أصولية وَهِي: إِن شَرط اعْتِبَار مَفْهُوم الْمُخَالفَة فقدان مَفْهُوم الْمُوَافقَة، وَإِذا اجْتمعَا يقدم الْمَفْهُوم الْمُوَافق على الْمُخَالف. قلت: مَفْهُوم الْمُوَافقَة مَا كَانَ حكم الْمَسْكُوت عَنهُ مُوَافقا لحكم الْمَنْطُوق بِهِ، كمفهوم تَحْرِيم الضَّرْب للْوَالِدين، من تنصيص تَحْرِيم التأفيف لَهما، وَمَفْهُوم الْمُخَالفَة مَا كَانَ حكم الْمَسْكُوت عَنهُ مُخَالفا لحكم الْمَنْطُوق، كفهم نفي الزَّكَاة عَن العلوفة بتنصيصه صلى الله عليه وسلم على وجوب الزَّكَاة فِي الْغنم السَّائِمَة. قَوْله (فَإِنَّمَا يأتيكم) أَي: الْأَمِير، وَكلمَة: إِنَّمَا، من أَدَاة الْحصْر. قَوْله (الْآن)، نصب على الظّرْف. قَوْله (فَإِنَّهُ) الْفَاء: فِيهِ للتَّعْلِيل. وَقَوله (كَانَ يحب الْعَفو) ، جملَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا خبر إِن. قَوْله (أما بعد)، كلمة: أما، فِيهَا معنى الشَّرْط، فَلذَلِك كَانَت الْفَاء لَازِمَة لَهَا، و: بعد، من الظروف الزمانية، وَكَثِيرًا مَا يحذف مِنْهُ الْمُضَاف إِلَيْهِ ويبنى على الضَّم، وَيُسمى غَايَة. وَهَهُنَا قد حذف، فَلذَلِك بني على الضَّم، وَالْأَصْل: أما بعد الْحَمد لله وَالثنَاء عَلَيْهِ، أَو التَّقْدِير: أما بعد كَلَامي هَذَا، فَإِنِّي أتيت: قَوْله (قلت) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل بدل من قَوْله (أتيت) فَلذَلِك ترك العاطف حَيْثُ لم يقل: وَقلت، أَو: هِيَ اسْتِئْنَاف. وَقَوله: فَشرط على بتَشْديد الْيَاء فِي: على، على الصَّحِيح من الرِّوَايَات، وَالْمَفْعُول مَحْذُوف تَقْدِيره: فَشرط على الْإِسْلَام. قَوْله (والنصح) بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ عطف على الْإِسْلَام، أَي: وعَلى النصح لكل مُسلم، وَيجوز فِيهِ النصب عطفا على مفعول شَرط مُقَدّر تَقْدِيره: وَشرط النصح لكل مُسلم. قَوْله (على) هَذَا إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور من الْإِسْلَام والنصح كليهمَا. قَوْله (وَرب هَذَا الْمَسْجِد) الْوَاو فِيهِ للقسم، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَسْجِد الْكُوفَة. قَوْله (إِنِّي لناصح) جَوَاب الْقسم، وأكده بِأَن وَاللَّام وَالْجُمْلَة الإسمية. قَوْله (وَنزل) أَي: عَن الْمِنْبَر، أَو مَعْنَاهُ: قعد، لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة: قَامَ. فَافْهَم.

بَيَان الْمعَانِي: قَوْله (يَوْم مَاتَ الْمُغيرَة) . كَانَت وَفَاته سنة خمسين من الْهِجْرَة، وَكَانَ والياً على الْكُوفَة فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، واستناب عِنْد مَوته ابْنه عَرَفَة. وَقيل: استناب جَرِيرًا الْمَذْكُور، وَلِهَذَا خطب الْخطْبَة الْمَذْكُورَة. قَوْله (فَحَمدَ الله) . أَي اثنى عَلَيْهِ بالجميل، وَأثْنى عَلَيْهِ أَي: ذكره بِالْخَيرِ، وَيحْتَمل أَن يُرَاد بِالْحَمْد وَصفه متحلياً بالكمالات، وبالثناء وَصفه متخلياً عَن النقائص، فَالْأول إِشَارَة إِلَى الصِّفَات الوجودية، وَالثَّانِي: إِلَى الصِّفَات العدمية: أَي التنزيهات. قَوْله (حَتَّى يأتيكم أَمِير) أَي: بدل هَذَا الْأَمِير الَّذِي مَاتَ، وَهُوَ الْمُغيرَة. فَإِن قلت: لم نصحهمْ بالحلم والسكون؟ قلت: لِأَن الْغَالِب أَن وَفَاة الْأُمَرَاء تُؤدِّي إِلَى الْفِتْنَة وَالِاضْطِرَاب بَين النَّاس، والهرج والمرج، وَأما ذكره الاتقاء فَلِأَنَّهُ ملاك الْأَمر وَرَأس كل خير، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى مَا يتَعَلَّق بمصالح الدّين، وبالوقار والسكينة إِلَى مَا يتَعَلَّق بمصالح الدُّنْيَا. وَقَوله (فَإِنَّمَا يأتيكم الْآن) إِمَّا أَن يُرَاد بِهِ حَقِيقَته، فَيكون ذَلِك الْأَمِير جَرِيرًا بِنَفسِهِ. لما روى أَن الْمُغيرَة اسْتخْلف جَرِيرًا على الْكُوفَة عِنْد مَوته على مَا ذكرنَا، أَو يُرِيد بِهِ الْمدَّة الْقَرِيبَة من

ص: 325

الْآن فَيكون ذَلِك الْأَمِير زياداً، إِذْ ولاه مُعَاوِيَة بعد وَفَاة الْمُغيرَة الْكُوفَة. قَوْله (استعفوا) أَي: اسألوا الله تَعَالَى لأميركم الْعَفو فَإِنَّهُ كَانَ يحب الْعَفو عَن ذنُوب النَّاس، إِذْ يُعَامل بالشخص كَمَا هُوَ يُعَامل بِالنَّاسِ، وَفِي الْمثل السائر: كَمَا تدين تدان، وَقيل: كَمَا تكيل تكال. وَقَالَ ابْن بطال: جعل الْوَسِيلَة إِلَى عَفْو الله بِالدُّعَاءِ بأغلب خلال الْخَيْر عَلَيْهِ، وَمَا كَانَ يُحِبهُ فِي حَيَاته، وَكَذَلِكَ يجزى كل أحد يَوْم الْقِيَامَة بِأَحْسَن أخلاقه وأعماله. قَوْله (وَرب هَذَا الْمَسْجِد) يشْعر بِأَن خطبَته كَانَت فِي الْمَسْجِد الْحَرَام، وَيجوز أَن تكون إِشَارَة إِلَى جِهَة الْمَسْجِد، وَيدل عَلَيْهِ رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ بِلَفْظ: وَرب الْكَعْبَة، ذكر ذَلِك للتّنْبِيه على شرف الْمقسم بِهِ، ليَكُون أدعى للقبول. قَوْله (إِنِّي لنا صَحَّ) فِيهِ إِشَارَة إِلَى أَنه وَفِي بِمَا بَايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وَأَن كَلَامه صَادِق خَالص عَن الْأَغْرَاض الْفَاسِدَة. فَإِن قلت: النصح للْكَافِرِ يَصح بِأَن يدعى إِلَى الْإِسْلَام ويشار عَلَيْهِ بِالصَّوَابِ إِذا اسْتَشَارَ فَلِمَ، قَيده بقوله (لكل مُسلم)، وَبِقَوْلِهِ:(لكم) ؟ قلت: هَذَا التَّقْيِيد من حَيْثُ الْأَغْلَب فَقَط. فَافْهَم.

ص: 326