الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَيْسَ بجيد لِأَنَّهُ عِنْد غَيرهم أشهر مِنْهُ عِنْدهم. الثَّالِث إِنَّمَا تَركه لِأَنَّهُ لم يكن لَهُم سَبِيل إِلَيْهِ من أجل كفار مُضر وَهَذَا أَيْضا لَيْسَ بجيد لِأَنَّهُ لَا يلْزم من عدم الِاسْتِطَاعَة ترك الْأَخْبَار بِهِ ليعْمَل بِهِ عِنْد الْإِمْكَان على أَن الدَّعْوَى أَنهم كَانُوا إِلَّا سَبِيل لَهُم إِلَى الْحَج بَاطِلَة لِأَن الْحَج يقه فِي الْأَشْهر الْحرم وَقد ذكرُوا أَنهم كَانُوا يأمنون فِيهَا لَكِن يُمكن أَن يُقَال إِنَّمَا أخْبرهُم بِبَعْض الْأَوَامِر لكَوْنهم سَأَلُوهُ أَن يُخْبِرهُمْ بِمَا يدْخلُونَ بِهِ الْجنَّة فاقتصر فِي المناهى عَن الانتباذ فِي الأوعية لِكَثْرَة تعاطيهم لَهَا. الرَّابِع وَهُوَ الْمُتَعَمد عَلَيْهِ مَا أجَاب بِهِ القَاضِي عِيَاض من أَن السَّبَب فِي كَونه لم يذكر الجح لِأَنَّهُ لم يكن فرض لِأَن قدومهم كَانَ فِي سنة ثَمَان قبل فتح مَكَّة وَالْحج فرض فِي سنة تسع فَإِن قلت الْأَصَح أَن الْحَج فرض سنة سِتّ وقدومهم فِي سنة ثَمَان أَو عَام الْفَتْح كَمَا نقل عَنهُ وَقد ذَكرْنَاهُ قلت اعْتِمَاد القَاضِي على أَنه فرض فِي سنة تسع فَإِن قلت أخرج الْبَيْهَقِيّ فِي السّنَن الْكَبِير من طَرِيق أبي قلَابَة عَن أبي زيد الْهَرَوِيّ عَن قُرَّة فِي هَذَا الحَدِيث وَفِيه ذكر الْحَج وَلَفظه " وتحجوا الْبَيْت الْحَرَام " وَلم يتَعَرَّض لعدد قلت هَذِه رِوَايَة شَاذَّة وَقد أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَمن استخرج عَلَيْهِمَا وَالنَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة من طَرِيق قُرَّة وَلم يذكر أحد مِنْهُم الْحَج. وَمِنْهَا مَا قيل لم عدل عَن لفظ الْمصدر الصَّرِيح فِي قَوْله " وَأَن تعطوا من الْمغنم " إِلَى مَا فِي معنى الْمصدر وَهِي أَن مَعَ الْفِعْل أُجِيب بِأَنَّهُ للإشعار بِمَعْنى التجدد الَّذِي للْفِعْل لِأَن سَائِر الْأَركان كَانَت ثَابِتَة قبل ذَلِك بِخِلَاف إِعْطَاء الْخمس فَإِن فرضيته كَانَت متجددة وَمِنْهَا مَا قيل لم خصصت الأوعية الْمَذْكُورَة بالنهى أُجِيب بِأَنَّهُ يسْرع إِلَيْهِ الاسكار فِيهَا فَرُبمَا شربه بعد إسكاره من لم يطلع عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا قيل مَا الْحِكْمَة فِي الْإِجْمَال بِالْعدَدِ قبل التَّفْسِير فِي قَوْله بِأَرْبَع وَعَن أَربع أُجِيب لأجل تشويق النَّفس إِلَى التَّفْصِيل لتسكن إِلَيْهِ ولتحصيل حفظهَا للسامع حَتَّى إِذا نسي شَيْئا من تفاصيل مَا أجمل طلبته نَفسه بِالْعدَدِ فَإِذا لم يسْتَوْف الْعدَد الَّذِي حفظه علم أَنه قد فَاتَهُ بعض مَا سمع فَافْهَم وَالله أعلم بِالصَّوَابِ
41 -
(بَاب مَا جاءَ أنّ الأعْمَال بالنِّيَّةِ والحِسْبَةِ ولِكُلِّ امرِىء مَا نَوَى)
الْكَلَام فِيهِ على وُجُوه. الأول: التَّقْدِير: هَذَا بَاب بَيَان مَا جَاءَ، وارتفاع الْبَاب على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، وَهُوَ مُضَاف إِلَى كلمة: مَا، الَّتِي هِيَ مَوْصُولَة، وَأَن، مَفْتُوحَة فِي مَحل الرّفْع على أَنَّهَا فَاعل جَاءَ، وَالْمعْنَى: مَا ورد فِي الحَدِيث (إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا بِهَذَا اللَّفْظ على مَا يَأْتِي الْآن، وَكَذَلِكَ أخرجه بِهَذَا اللَّفْظ فِي بَاب هِجْرَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وَقد ذكرنَا فِي أول الْكتاب أَنه أخرج هَذَا الحَدِيث فِي سَبْعَة مَوَاضِع عَن سَبْعَة شُيُوخ. وَقَوله:(وَلكُل امرىء مَا نوى) من بعض هَذَا الحَدِيث وَقَوله: (والحسبة) لَيْسَ من لفظ الحَدِيث أصلا، لَا من هَذَا الحَدِيث وَلَا من غَيره، وَإِنَّمَا أَخذه من لَفْظَة: يحتسبها، الَّتِي فِي حَدِيث أبي مَسْعُود، رضي الله عنه، الَّذِي ذكره فِي هَذَا الْبَاب، فَإِن قلت: والحسبة، عطف على قَوْله: بِالنِّيَّةِ، وداخل فِي حكمه، وَقَوله: مَا جَاءَ يَشْمَل كليهمَا، وكل مِنْهُمَا يُؤذن بِأَنَّهُ من لفظ الحَدِيث وَلَيْسَ كَذَلِك. قلت: لَا نسلم. أما الْمَعْطُوف فَلَا يلْزم أَن يكون مشاركا للمعطوف عَلَيْهِ فِي جَمِيع الْأَحْكَام، وَأما شُمُول قَوْله: مَا جَاءَ كلا اللَّفْظَيْنِ، فَإِنَّهُ أَعم أَن يكون بِاللَّفْظِ الْمَرْوِيّ بِعَيْنِه، أَو بِلَفْظ يدل عَلَيْهِ مَأْخُوذ مِنْهُ، وَقَوله: الْحِسْبَة، إسم من قَوْله: يحتسبها، الَّذِي ورد فِي حَدِيث أبي مَسْعُود، رضي الله عنه، فَحِينَئِذٍ دخلت هَذِه اللَّفْظَة تَحت قَوْله: مَا جَاءَ. فَإِن قلت: سلمنَا ذَلِك، وَلَكِن قَوْله:(وَلكُل امرىء مَا نوى) من تَتِمَّة قَوْله: (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ)، وَقَوله:(والحسبة) لَيْسَ مِنْهُ وَلَا من غَيره بِهَذَا اللَّفْظ، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلكُل امرىء مَا نوى والحسبة. قلت: نعم كَانَ هَذَا مُقْتَضى الظَّاهِر، وَلَكِن لما كَانَ لفظ: الْحِسْبَة، من الاحتساب، وَهُوَ: الْإِخْلَاص، كَانَ ذكره عقيب النِّيَّة أمسّ من ذكره عقيب قَوْله:(وَلكُل امرىء مَا نوى)، لِأَن النِّيَّة إِنَّمَا تعْتَبر إِذا كَانَت بالإخلاص. قَالَ الله تَعَالَى:{مُخلصين لَهُ الدّين} وَجَوَاب آخر، وَهُوَ: أَنه عقد هَذَا الْبَاب على ثَلَاث تراجم: الأولى: هِيَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَالثَّانيَِة: هِيَ الْحِسْبَة، وَالثَّالِثَة: هِيَ قَول: (وَلكُل امرىء مَا نوى) . وَلِهَذَا أخرج فِي هَذَا الْبَاب ثَلَاثَة أَحَادِيث، لكل تَرْجَمَة حَدِيث، فَحَدِيث عمر، رضي الله عنه، لقَوْله:(الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) وَحَدِيث أبي مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لقَوْله:(والحسبة) وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص، رضي الله عنه لقَوْله:(وَلكُل امرىء مَا نوى) . فَلَو أخر لفظ: الْحِسْبَة، إِلَى آخر الْكَلَام، وَذكره عقيب قَوْله:
(وَلكُل امرىء مَا نوى) ، كَانَ يفوت قَصده التَّنْبِيه على ثَلَاث تراجم، وَإِنَّمَا كَانَ يفهم مِنْهُ ترجمتان: الأولى: من قَوْله (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ وَلكُل امرىء مَا نوى) وَالثَّانيَِة: من قَوْله (والحسبة) فَانْظُر إِلَى هَذِه النكات، هَل ترى شارحا ذكرهَا أَو حام حولهَا؟ وكل ذَلِك بالفيض الإل هِيَ والعناية الرحمانية.
الْوَجْه الثَّانِي: وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْمَذْكُور فِي الْبَاب الأول هُوَ الْأَعْمَال الَّتِي يدْخل بهَا العَبْد الْجنَّة، وَلَا يكون الْعَمَل عملا إلَاّ بِالنِّيَّةِ وَالْإِخْلَاص، فَلذَلِك ذكر هَذَا الْبَاب عقيب الْبَاب الْمَذْكُور. وَأَيْضًا فَالْبُخَارِي أَدخل الْإِيمَان فِي جملَة الْأَعْمَال، فَيشْتَرط فِيهَا النِّيَّة، وَهُوَ اعْتِقَاد الْقلب بقوله، عليه الصلاة والسلام:(الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . وَقَالَ ابْن بطال: أَرَادَ البُخَارِيّ الرَّد على المرجئة: أَن الْإِيمَان قَول بِاللِّسَانِ دون عقد الْقلب، أَلا يرى إِلَى تأكيده بقوله:(فَمن كَانَت هجرته إِلَى الله وَرَسُوله) إِلَى آخر الحَدِيث.
الْوَجْه الثَّالِث: إِن الْحِسْبَة، بِكَسْر الْحَاء وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة، اسْم من الاحتساب، وَالْجمع: الْحسب. يُقَال: احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله، أَي: اعتددته أنوي بِهِ وَجه الله تَعَالَى. وَمِنْه قَوْله، عليه السلام:(من صَامَ رَمَضَان إِيمَانًا واحتسابا غفر لَهُ مَا تقدم من ذَنبه) . وَفِي حَدِيث عمر، رضي الله عنه:(يَا أَيهَا النَّاس! احتسبوا أَعمالكُم، فَإِن من احتسب عمله كتب لَهُ أجر عمله وَأجر حسبته) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال: احتسبت بِكَذَا أجرا عِنْد الله، وَالِاسْم: الْحِسْبَة، بِالْكَسْرِ، وَهِي الْأجر. وَكَذَا قَالَ فِي (الْعباب) : الْحِسْبَة بِالْكَسْرِ: الْأجر، وَيُقَال: إِنَّه يحسن الْحِسْبَة فِي الْأَمر: إِذا كَانَ حسن التَّدْبِير لَهُ والحسبة، أَيْضا: من الْحساب. مِثَال: الْعقْدَة وَالركبَة، وَقَالَ ابْن دُرَيْد: احتسبت عَلَيْهِ بِكَذَا، أَي: أنكرته عَلَيْهِ. وَمِنْه: محتسب الْبَلَد، واحتسب فلَان ابْنا أَو بِنْتا، إِذا مَاتَ وَهُوَ كَبِير، فَإِن مَاتَ صَغِيرا قيل: افترطه. وَقَالَ ابْن السّكيت: احتسبت فلَانا: اختبرت مَا عِنْده، وَالنِّسَاء يحتسبن مَا عِنْد الرِّجَال لَهُنَّ: أَي يختبرن. وَقَالَ بَعضهم: المُرَاد بالحسبة طلب الثَّوَاب. قلت: لم يقل أحد من أهل اللُّغَة: إِن الْحِسْبَة طلب الثَّوَاب، بل مَعْنَاهَا مَا ذَكرْنَاهُ من أَصْحَاب اللُّغَات، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظ أَيْضا مَا يشْعر بِمَعْنى الطّلب، وَإِنَّمَا الْحِسْبَة هُوَ: الثَّوَاب، على مَا فسره الْجَوْهَرِي، وَالثَّوَاب: هُوَ الْأجر على أَنه لَا يُفَسر بِهِ فِي كل مَوضِع، أَلا ترى إِلَى حَدِيث عمر، رضي الله عنه: فَإِن فِيهِ أجر حسبته، وَلَو فسرت الْحِسْبَة بِالْأَجْرِ فِي كل الْمَوَاضِع يصير الْمَعْنى فِيهِ: كتب لَهُ أجر عمله وَأجر أجره، وَهَذَا لَا معنى لَهُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنى: لَهُ أجر عمله وَأجر احتساب عمله، وَهُوَ إخلاصه فِيهِ. أَو الْمَعْنى: من اعْتد عمله نَاوِيا، كتب لَهُ أجر عمله وَأجر نِيَّته.
فَدَخَلَ فيهِ: الإيمانُ والوضُوء والصَّلاةُ والزَّكاةُ والحَجُّ والصَّوْم والأحْكامُ
هَذَا من مقول البُخَارِيّ لَا من تَتِمَّة مَا جَاءَ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ماصرح بِهِ فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر، فَقَالَ: قَالَ أَبُو عبد الله فَدخل فِيهِ الْإِيمَان إِلَخ، وَالْمرَاد بِأبي عبد الله هُوَ: البُخَارِيّ نَفسه. فَإِن قلت: مَا الْفَاء فِي قَوْله: فَدخل؟ قلت: فَاء جَوَاب شَرط مَحْذُوف، تَقْدِيره: إِذا كَانَ الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ فَدخل فِيهِ الْإِيمَان
…
الخ، وَالضَّمِير فِي: فِيهِ، يرجع إِلَى مَا تقدم من قَوْله: بَاب مَا جَاءَ أَن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ
…
الخ، والتذكير بِاعْتِبَار الْمَذْكُور.
ثمَّ اعْلَم أَنه ذكر هُنَا سَبْعَة أَشْيَاء:
الأول: الْإِيمَان، فَدَخَلُوا فِي ذَلِك على مَا ذهب إِلَيْهِ البُخَارِيّ من أَن الْإِيمَان عمل، وَقد علم أَن معنى الْإِيمَان إِمَّا التَّصْدِيق أَو معرفَة الله تَعَالَى بِأَنَّهُ وَاحِد لَا شريك لَهُ، وكل مَا جَاءَ من عِنْده حق، فَإِن كَانَ المُرَاد الأول فَلَا دخل للنِّيَّة فِيهِ، لِأَن الشَّارِع قَالَ: الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، والأعمال حركات الْبدن، وَلَا دخل للقلب فِيهِ. وَإِن كَانَ المُرَاد الثَّانِي، فدخول النِّيَّة فِيهِ محَال، لِأَن معرفَة الله تَعَالَى، لَو توقفت على النِّيَّة، مَعَ أَن النِّيَّة قصد الْمَنوِي بِالْقَلْبِ، لزم أَن يكون عَارِفًا بِاللَّه قبل مَعْرفَته، وَهُوَ محَال، وَلِأَن الْمعرفَة، وَكَذَا الْخَوْف والرجاء، متميزة لله تَعَالَى بصورتها، وَكَذَا التَّسْبِيح وَسَائِر الْأَذْكَار والتلاوة لَا يحْتَاج شَيْء مِنْهَا إِلَى نِيَّة التَّقَرُّب.
الثَّانِي: الْوضُوء، فدخوله فِي ذَلِك على مذْهبه، وَهُوَ مَذْهَب مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد وَعَامة أَصْحَاب الحَدِيث، وَعَن أبي حنيفَة وسُفْيَان الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَالْحسن بن حييّ: لَا يدْخل، وَقَالُوا: لَيْسَ الْوضُوء عبَادَة مُسْتَقلَّة، وَإِنَّمَا هِيَ وَسِيلَة إِلَى الصَّلَاة. وَقَالَ الْخصم: ونوقضوا بِالتَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ وَسِيلَة، وَقد اشْترط الْحَنَفِيَّة النِّيَّة فِيهِ. قلت: هَذَا التَّعْلِيل ينْتَقض بتطهير الثَّوْب وَالْبدن عَن الْخبث، فَإِنَّهُ طَهَارَة، وَلم يشْتَرط فِيهَا النِّيَّة، فَإِن قَالُوا: الْوضُوء تَطْهِير حكمي ثَبت شرعا غير مَعْقُول، لِأَن لَا يعقل فِي الْمحل نَجَاسَة تَزُول بِالْغسْلِ إِذْ الْأَعْضَاء طَاهِرَة حَقِيقَة وَحكما، إِمَّا حَقِيقَة فَظَاهر، وَأما حكما فَلِأَنَّهُ لَو صلى إِنْسَان وَهُوَ حَامِل مُحدث جَازَت الصَّلَاة، وَإِذا ثَبت أَنه تعبدي، وَحكم الشَّرْع بِالنَّجَاسَةِ فِي حق الصَّلَاة فَجَعلهَا كالحقيقة، كَانَ مثل التَّيَمُّم، حَيْثُ جعل الشَّارِع مَا لَيْسَ بمطهر حَقِيقَة مطهرا حكما، فَيشْتَرط فِيهِ النِّيَّة كالتيمم، تَحْقِيقا لِمَعْنى التَّعَبُّد إِذْ
الْعِبَادَة لَا تتأدى بِدُونِ النِّيَّة، بِخِلَاف غسل الْخبث، فَإِنَّهُ مَعْقُول لما فِيهِ من إِزَالَة عين النَّجَاسَة عَن الْبدن أَو الثَّوْب، فَلَا يتَوَقَّف على النِّيَّة. قُلْنَا: المَاء مطهر بطبعه لِأَنَّهُ خلق مطهرا. قَالَ الله تَعَالَى: {وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا} (الْفرْقَان: 48) كَمَا أَنه مزيل للنَّجَاسَة ومطهر بطبعه، وَإِذا كَانَ كَذَلِك تحصل الطَّهَارَة بِاسْتِعْمَالِهِ، سَوَاء نوى أَو لم ينْو، كالنار يحصل بهَا الإحراق، وَإِن لم يقْصد. وَالْحَدَث يعم الْبدن لِأَنَّهُ غير متجزىء فيسري إِلَى الْجَمِيع، وَلِهَذَا يُوصف بِهِ كُله، فَيُقَال: فلَان مُحدث، كَسَائِر الصِّفَات، إِذْ لَيْسَ بعض الْأَعْضَاء أولى بِالسّرَايَةِ من الْبَعْض، إِذْ لَو خصص بعض الْأَعْضَاء بِالْحَدَثِ لخصَّ مَوضِع خُرُوج النَّجَاسَة بذلك، لِأَنَّهُ أولى الْمَوَاضِع بِهِ لخُرُوج النَّجَاسَة مِنْهُ، لكنه لم يخص، فَإِنَّهُ لَا يُقَال: مخرجه مُحدث، فَإِذا لم يخص الْمخْرج بذلك فَغَيره أولى، وَإِذا ثَبت أَن الْبدن كُله مَوْصُوف بِالْحَدَثِ كَانَ الْقيَاس غسل كُله، إلَاّ أَن الشَّرْع اقْتصر على غسل الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة الَّتِي هِيَ الْأُمَّهَات للأعضاء تيسيرا، وَأسْقط غسل الْبَاقِي فِيمَا يكثر وُقُوعه، كالحدث الْأَصْغَر، دفعا للْحَرج، وَفِيمَا عداهُ، وَهُوَ الَّذِي لَا يكثر وجوده كالحدث الْأَكْبَر، مثل: الْجَنَابَة وَالْحيض وَالنّفاس، أقرّ على الأَصْل حَيْثُ أوجب غسل الْبدن فِيهَا، فَثَبت بِمَا ذكرنَا أَن مَا لَا يعقل مَعْنَاهُ وصف كل الْبدن بِالنَّجَاسَةِ مَعَ كَونه طَاهِرا حَقِيقَة، وَحكمهَا دون تَخْصِيص الْمخْرج، وَكَذَا الِاقْتِصَار على غسل بعض الْبدن، وَهُوَ الْأَعْضَاء الْأَرْبَعَة، بعد سرَايَة الْحَدث إِلَى جَمِيع الْبدن غير مَعْقُول، وكونهما مِمَّا لَا يعقل لَا يُوجب تَغْيِير صفة المطهر، فَبَقيَ المَاء مطهرا كَمَا كَانَ، فيطهر مُطلقًا. وَالنِّيَّة لَو اشْترطت، إِنَّمَا تشْتَرط للْفِعْل الْقَائِم بِالْمَاءِ وَهُوَ التَّطْهِير، لَا الْوَصْف الْقَائِم بِالْمحل وَهُوَ الْحَدث، لِأَنَّهُ ثَابت بِدُونِ النِّيَّة، وَقد بَينا أَن المَاء، فِيمَا يقوم بِهِ من صفة التَّطْهِير، لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة، لِأَنَّهُ مطهر طبعا، فَيكون التَّطْهِير بِهِ معقولاً، فَلَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة، كَمَا لَا يحْتَاج فِي غسل الْخبث بِخِلَاف التُّرَاب، فَإِنَّهُ غير مطهر بطبعه لكَونه ملوثا بالطبع، وَإِنَّمَا صَار مطهرا شرعا حَال إِرَادَة الصَّلَاة بِشَرْط فقد المَاء، فَإِذا وجدت نِيَّة إِرَادَة الصَّلَاة صَار مطهرا، وَبعد إِرَادَة الصَّلَاة وصيرورته مطهرا شرعا مستغن عَن النِّيَّة، كَمَا اسْتغنى المَاء عَنْهَا بِلَا فرق بَينهمَا.
الثَّالِث: الصَّلَاة، وَلَا خلاف أَنَّهَا لَا تجوز إِلَّا بِالنِّيَّةِ.
الرَّابِع: الزَّكَاة، فَفِيهَا تَفْصِيل، وَهُوَ: أَن صَاحب النّصاب الحولي إِذا دفع زَكَاته إِلَى مستحقيها لَا يجوز لَهُ ذَلِك إلَاّ بنية مُقَارنَة للْأَدَاء، أَو عِنْد عزل مَا وَجب مِنْهَا تيسيرا لَهُ، وَأما إِذا كَانَ لَهُ دين على فَقير فَأَبْرَأهُ عَنهُ، سقط زَكَاته عَنهُ نوى بِهِ الزَّكَاة أَو لَا، وَلَو وهب دينه من فَقير، وَنوى عَنهُ زَكَاة دين آخر على رجل آخر، أَو نوى زَكَاة عين لَهُ، لَا يَصح. وَلَو غلب الْخَوَارِج على بَلْدَة فَأخذُوا الْعشْر سقط عَن أَرْبَاب الْأَمْوَال بِخِلَاف الزَّكَاة، فَإِن للْإِمَام أَن يَأْخُذهَا ثَانِيًا، لِأَن التَّقْصِير هَهُنَا من جِهَة صَاحب المَال حَيْثُ مر بهم، وَهُنَاكَ التَّقْصِير فِي الإِمَام حَيْثُ قصر فيهم. وَقَالَت الشَّافِعِي: السُّلْطَان إِذا أَخذ الزَّكَاة فَإِنَّهَا تسْقط وَلَو لم ينْو صَاحب المَال، لِأَن السُّلْطَان قَائِم مقَامه. قلت: كَانَ يَنْبَغِي على أصلهم أَن لَا تسْقط إلَاّ بِالنِّيَّةِ مِنْهُ، لِأَن السُّلْطَان قَائِم مقَامه فِي دَفعهَا إِلَى الْمُسْتَحقّين لَا فِي النِّيَّة، وَلَا حرج فِي اشْتِرَاط النِّيَّة عِنْد أَخذ السُّلْطَان.
الْخَامِس: الْحَج، وَلَا خلاف فِيهِ أَنه لَا يجوز إلَاّ بِالنِّيَّةِ لِأَنَّهُ دَاخل فِي عُمُوم الحَدِيث. فَإِن قلت: قَالَ الشَّافِعِي: إِذا نوى الْحَج عَن غَيره ينْصَرف إِلَى حج نَفسه، ويجزيه عَن فَرْضه، وَقد ترك الْعَمَل بِعُمُوم الحَدِيث. قلت: قَالَت الشَّافِعِيَّة: أخرجه الشَّافِعِي من عُمُوم الحَدِيث بِحَدِيث شبْرمَة، وَالْعَمَل بالخاص مقدم لِأَنَّهُ جمع بَين الدَّلِيلَيْنِ، وَحَدِيث شبْرمَة رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل وهناد بن السّري الْمَعْنى وَاحِد. قَالَ إِسْحَاق: أَنبأَنَا عَبدة بن سُلَيْمَان عَن ابْن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة عَن عُرْوَة عَن سعيد بن جُبَير: (عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يَقُول: لبيْك عَن شبْرمَة. قَالَ: من شبْرمَة؟ قَالَ: أَخ لَهُ، أَو قريب لَهُ. قَالَ: حججْت عَن نَفسك؟ قَالَ: لَا. قَالَ: حج عَن نَفسك، ثمَّ حج عَن شبْرمَة) . رُوَاته كلهم رجال مُسلم، إلَاّ إِسْحَاق بن إِسْمَاعِيل شيخ أبي دَاوُد، وَقد وَثَّقَهُ بَعضهم. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا إِسْنَاد صَحِيح لَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب أصح مِنْهُ، وَقد أخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا فِي (سنَنه) وَجَاء فِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ:(فَاجْعَلْ هَذِه عَن نَفسك، ثمَّ حج عَن شبْرمَة) . وَفِي رِوَايَة لَهُ أَيْضا: (هَذِه عَنْك، وَحج عَن شبْرمَة) . وَقَالَ: فهم من هَذَا الحَدِيث: أَنه لَا بُد من تَقْدِيم فرض نَفسه، وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس وَالْأَوْزَاعِيّ وَأحمد وَإِسْحَاق، واحتجت الْحَنَفِيَّة بِمَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم:(أَن امْرَأَة من خثعم قَالَت: يَا رَسُول الله إِن أبي أَدْرَكته فَرِيضَة الْحَج، وَإنَّهُ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة، أفأحج عَنهُ؟ قَالَ: نعم حجي عَن أَبِيك) من غير استفسار: هَل حججْت أم لَا؟ وَهَذَا أصح من حَدِيث شبْرمَة، على أَن الدَّارَقُطْنِيّ قَالَ: الصَّحِيح من الرِّوَايَة: (اجْعَلْهَا فِي نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة) قَالُوا: كَيفَ يَأْمُرهُ بذلك وَالْإِحْرَام
وَقع عَن الأول؟ قُلْنَا: يحْتَمل أَنه كَانَ فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام حِين لم يكن الْإِحْرَام لَازِما على مَا رُوِيَ عَن بعض الصَّحَابَة أَنه تحلل فِي حجَّة الْوَدَاع عَن الْحَج بِأَفْعَال الْعمرَة، فَكَانَ يُمكنهُ فسخ الأول وَتَقْدِيم حج نَفسه، والزيادات الَّتِي رَوَاهَا الْبَيْهَقِيّ لم تثبت.
السَّادِس: الصَّوْم، فَفِيهِ خلاف، فمذهب عَطاء وَمُجاهد وَزفر أَن الصَّحِيح الْمُقِيم فِي رَمَضَان لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة، لِأَنَّهُ لَا يَصح فِي رَمَضَان النَّفْل فَلَا معنى للنِّيَّة؟ وَعند الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة: لَا بُد من النِّيَّة، غير أَن تعْيين الرمضانية لَيْسَ بِشَرْط عِنْد الْحَنَفِيَّة، حَتَّى لَو صَامَ رَمَضَان بنية قَضَاء أَو نذر عَلَيْهِ أَو تطوع أَنه يجزىء عَن فرض رَمَضَان. فَإِن قلت: لِمَ قدم الْحَج على الصَّوْم؟ قلت: بِنَاء على مَا ورد عِنْده فِي حَدِيث: (بني الْإِسْلَام على خمس) . وَقد تقدم.
السَّابِع: الْأَحْكَام، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: الْأَحْكَام أَي: بِتَمَامِهَا، فَيدْخل فِيهِ تَمام الْمُعَامَلَات والمناكحات والجراحات، إِذْ يشْتَرط فِي كلهَا الْقَصْد إِلَيْهِ، وَلِهَذَا لَو سبق لِسَانه من غير قصد إِلَى: بِعْت ورهنت وَطلقت ونكحت، لم يَصح شَيْء مِنْهَا. قلت: كَيفَ يَصح أَن يُقَال: الْأَحْكَام بِتَمَامِهَا، وَكثير مِنْهَا لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة، بِخِلَاف بَين الْعلمَاء؟ فَإِن قَالَ هَذَا بِنَاء على مذْهبه فمذهبه لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن القَاضِي أَبَا الطّيب نقل عَن الْبُوَيْطِيّ عَن الشَّافِعِي أَن: مَن صرح بِلَفْظ الطَّلَاق وَالظِّهَار وَالْعِتْق، وَلم يكن لَهُ نِيَّة، يلْزمه فِي الحكم. وَكَذَلِكَ أَدَاء الدّين ورد الودائع وَالْأَذَان والتلاوة والأذكار وَالْهِدَايَة إِلَى الطَّرِيق وإماطة الْأَذَى عبادات كلهَا تصح بِلَا نِيَّة إِجْمَاعًا. وَقَالَ بَعضهم: وَالْأَحْكَام أَي: الْمُعَامَلَات الَّتِي يدْخل فِيهَا الِاحْتِيَاج إِلَى المحاكمات فَيشْمَل الْبيُوع والأنكحة والأقارير وَغَيرهَا. قلت. هَذَا أَيْضا مثل ذَلِك، فَإِن رد الودائع فِيمَا تقع بِهِ فِيهِ المحاكمة، مَعَ أَن النِّيَّة لَيست بِشَرْط فِيهِ إِجْمَاعًا، وَكَذَلِكَ أَدَاء الدّين. فَإِن قلت: مؤدي الدّين أَو راد الْوَدِيعَة يقْصد بَرَاءَة الذِّمَّة، وَذَلِكَ عبَادَة. قلت: نَحن لَا ندعي أَن النِّيَّة لَا تُوجد فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء، وَإِنَّمَا ندعي عدم اشْتِرَاطهَا، ومؤدي الدّين إِذا قصد بَرَاءَة الذِّمَّة بَرِئت ذمَّته وَحصل بِهِ الثَّوَاب، وَلَيْسَ لنا فِيهِ نزاع، وَإِذا أدّى من غير نِيَّة بَرَاءَة الذِّمَّة، هَل يَقُول أحد إِن ذمَّته لَا تَبرأ.
وَقَالَ ابْن الْمُنِير: كل عمل لَا تظهر لَهُ فَائِدَة عَاجلا، بل الْمَقْصُود بِهِ طلب الثَّوَاب، فالنية شَرط فِيهِ، وكل عمل ظَهرت فَائِدَته ناجزة، وتقاضته الطبيعة، فَلَا يشْتَرط فِيهِ النِّيَّة، إلَاّ لمن قصد بِفِعْلِهِ معنى آخر يَتَرَتَّب عَلَيْهِ الثَّوَاب قَالَ: وَإِنَّمَا اخْتلفت الْعلمَاء فِي بعض الصُّور لتحَقّق منَاط التَّفْرِقَة. قَالَ: وَأما مَا كَانَ من الْمعَانِي المختصة: كالخوف والرجاء، فَهَذَا لَا يُقَال فِيهِ بِاشْتِرَاط النِّيَّة، لِأَنَّهُ لَا يُمكن إلَاّ منوياً وَمَتى فرضت النِّيَّة مفقودة فِيهِ استحالت حَقِيقَته، فالنية فِيهَا شَرط عَقْلِي، وَكَذَلِكَ لَا تشْتَرط النِّيَّة للنِّيَّة فِرَارًا من التسلسل.
قلت: فِيهِ نظر من وُجُوه. الأول: فِي قَوْله: كل عمل لَا يظْهر لَهُ فَائِدَة، فَإِنَّهُ منقوض بِتِلَاوَة الْقُرْآن وَالْأَذَان وَسَائِر الْأَذْكَار. فَإِنَّهَا أَعمال لَا تظهر لَهَا فَائِدَة عَاجلا، بل الْمَقْصُود مِنْهَا طلب الثَّوَاب، مَعَ أَن النِّيَّة لَيست بِشَرْط فِيهَا بِلَا خلاف. الثَّانِي: فِي قَوْله: وكل عمل ظَهرت. إِلَى آخِره. فَإِنَّهُ منقوض أَيْضا بِالْبيعِ وَالرَّهْن وَالطَّلَاق وَالنِّكَاح بسبق اللِّسَان من غير قصد، فَإِنَّهُ منقوض لم يَصح شَيْء مِنْهَا على أصلهم لعدم النِّيَّة. الثَّالِث: فِي قَوْله: وَأما مَا كَانَ من الْمعَانِي المختصة. إِلَى آخِره، فَإِنَّهُ جعل النِّيَّة فِيهِ حَقِيقَة تِلْكَ الْمعَانِي، ثمَّ قَالَ: فالنية فِيهَا شَرط عَقْلِي، وَبَين الْكَلَامَيْنِ تنَاقض. الرَّابِع: فِي قَوْله: وَكَذَلِكَ لَا تشْتَرط النِّيَّة للنِّيَّة فِرَارًا من التسلسل، فَإِنَّهُ بنى عدم اشْتِرَاط النِّيَّة للنِّيَّة على الْفِرَار من التسلسل وَلَيْسَ كَذَلِك، لِأَن الشَّارِع شَرط النِّيَّة للأعمال، وَهِي حركات الْبدن، وَالنِّيَّة خطرة الْقلب وَلَيْسَت من الْأَعْمَال، وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا قَوْله صلى الله عليه وسلم:(نِيَّة الْمُؤمن خير من عمله) . فَإِذا كَانَت النِّيَّة عملا يكون الْمَعْنى: عمل الْمُؤمن خير من عمله. وَهَذَا لَا معنى لَهُ.
وَقَالَ الله تَعَالَى {قُلْ كُلٌّ يَعْمَل على شاكِلَتِهِ} على نيَّتِهِ.
قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَنه جملَة حَالية لَا عطف، وَحَكَاهُ بَعضهم عَنهُ، ثمَّ قَالَ: أَي مَعَ أَن الله قَالَ: قلت: لَيْت شعري مَا هَذِه الْحَال؟ وَأَيْنَ ذُو الْحَال؟ وَهل هِيَ مَبْنِيَّة لهيئة الْفَاعِل أَو لهيئة الْمَفْعُول؟ على أَن الْقَوَاعِد النحوية تَقْتَضِي أَن الْفِعْل الْمَاضِي الْمُثبت إِنَّمَا يَقع حَالا إِذا كَانَ فِيهِ: قد، لِأَن الْمَاضِي من حَيْثُ إِنَّه مُنْقَطع الْوُجُود عَن زمَان الْحَال منَاف لَهُ، فَلَا بُد من: قد، لتقربه من الْحَال لِأَن الْقَرِيب من الشَّيْء فِي حكمه. فَإِن قلت: لَا يلْزم أَن تكون ظَاهِرَة، بل يجوز أَن تكون مضمرة، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{أَو جَاءَكُم حصرت صُدُورهمْ} (النِّسَاء: 90) أَي: قد حصرت. قلت: أنكر الْكُوفِيُّونَ إِضْمَار: قد، وَقَالُوا: هَذَا خلاف الأَصْل، أولُوا الْآيَة: بأوجاءكم حاصرة صُدُورهمْ. نعم، يُمكن أَن تجْعَل الْوَاو هُنَا للْحَال، لَكِن بِتَقْدِير مَحْذُوف، وَتَقْدِير هَذِه الْجُمْلَة إسمية، وَهُوَ أَن يُقَال تَقْدِيره: وَكَيف لَا يدْخل الْإِيمَان وأخواته الَّتِي ذكرهَا فِي قَوْله الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ، وَالْحَال أَن الله تَعَالَى قَالَ: {قل كل يعْمل
على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) وَقَوله: لَا عطف، لَيْسَ بسديدٍ لِأَنَّهُ يجوز أَن يكون للْعَطْف على مَحْذُوف، تَقْدِيره: يدْخل فِيهِ الْإِيمَان. الخ، لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) وَقَالَ تَعَالَى: {قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84)، وَتَفْسِير بَعضهم بقوله: أَي إِن الله تَعَالَى، يشْعر بِأَن الْوَاو هَهُنَا للمصاحبة، وَقد تبع الْكرْمَانِي بِأَنَّهَا للْحَال، وَبَينهمَا تنافٍ، على أَن الْوَاو بِمَعْنى: مَعَ، لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون من بَاب الْمَفْعُول مَعَه، أَو هِيَ الْوَاو الدَّاخِلَة على الْمُضَارع الْمَنْصُوب لعطفه على اسْم صَرِيح أَو مؤول كَقَوْلِه.
(وَلبس عباءة وتقر عَيْني.)
وَالثَّانِي: شَرطه أَن يتَقَدَّم الْوَاو نفي أَو طلب، ويسمي الْكُوفِيُّونَ هَذِه: وَاو الصّرْف، وَلَيْسَ النصب بهَا خلافًا لَهُم، ومثاله:{وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين} (آل عمرَان: 142) وَقَول الشَّاعِر:
(لَا تنهَ عَن خلق وَتَأْتِي مثله)
وَالْوَاو هُنَا لَيست من القبيلين الْمَذْكُورين، وَيجوز أَن تكون الْوَاو هَهُنَا بِمَعْنى: لَام التَّعْلِيل، على مَا نقل عَن الْمَازرِيّ، أَنَّهَا تَجِيء بِمَعْنى لَام التَّعْلِيل، فَالْمَعْنى على هَذَا، فَدخل فِيهِ الْإِيمَان وأخواته لقَوْله تَعَالَى:{قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) قَالَ اللَّيْث: الشاكلة من الْأُمُور مَا وَافق فَاعله، وَالْمعْنَى أَن كل أحد يعْمل على طَرِيقَته الَّتِي تشاكل أخلاقه، فالكافر يعْمل مَا يشبه طَرِيقَته من الْإِعْرَاض عِنْد النِّعْمَة واليأس عِنْد الشدَّة، وَالْمُؤمن يعْمل مَا يشبه طَرِيقَته من الشُّكْر عِنْد الرخَاء وَالصَّبْر عِنْد الْبلَاء، وَيدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى:{فربكم أعلم بِمن هُوَ أهْدى سَبِيلا} (الْإِسْرَاء: 84) وَقَالَ الزّجاج: على شاكلته: على طَرِيقَته ومذهبه، وَنقل ذَلِك عَن مُجَاهِد أَيْضا، وَمن هَذَا أَخذ الزَّمَخْشَرِيّ، وَقَالَ: أَي على مذْهبه وطريقته الَّتِي تشاكل كل حَاله فِي الْهدى والضلالة، من قَوْلهم: طَرِيق ذُو شواكل، وَهِي الطّرق الَّتِي تتشعب مِنْهُ، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله {فربكم أعلم بِمن هُوَ أهْدى سَبِيلا} (الْإِسْرَاء: 84) أَي أَسد مذهبا، وَطَرِيقَة وَقَوله على نِيَّته تَفْسِير لقَوْله: على شاكلته، وَحذف مِنْهُ حرف التَّفْسِير، وَهَذَا التَّفْسِير رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَمُعَاوِيَة بن قُرَّة الْمُزنِيّ وَقَتَادَة فِيمَا أخرجه عبد بن حميد والطبري عَنْهُم. وَفِي (الْعباب) وَقَوله تَعَالَى:{قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) أَي: على ناحيته وطريقته. وَقَالَ قَتَادَة: أَي على جَانِبه وعَلى مَا يَنْوِي. وَقَالَ ابْن عَرَفَة: أَي على خليقته ومذهبه وطريقته. ثمَّ قَالَ فِي آخر الْبَاب: والتركيب يدل معظمه على الْمُمَاثلَة.
قَالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ولَكِنْ جهِادٌ ونِيَّةٌ.
هُوَ قِطْعَة من حَدِيث لِابْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما أَوله: (لَا هِجْرَة بعد الْفَتْح، وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة، وَإِذا استنفرتم فانفروا) ، أخرجه هَهُنَا مُعَلّقا، وَأخرجه مُسْندًا فِي الْحَج وَالْجهَاد والجزية، أما فِي الْحَج فَعَن عُثْمَان بن أبي شيبَة، وَفِيه، وَفِي الْجِزْيَة عَن عَليّ بن عبد الله كِلَاهُمَا عَن جرير، وَأما فِي الْجِهَاد فَعَن آدم عَن شَيبَان، وَعَن عَليّ بن عبد الله، وَعَمْرو بن عَليّ كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعيد عَن سُفْيَان، وَأخرجه مُسلم فِي الْجِهَاد عَن يحيى بن يحيى، وَفِيه وَفِي الْحَج عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم كِلَاهُمَا عَن جرير، وَفِيهِمَا أَيْضا عَن مُحَمَّد بن رَافع عَن يحيى بن آدم، وَفِي نُسْخَة عَن مُحَمَّد بن رَافع وَإِسْحَاق عَن يحيى بن آدم عَن مفضل بن مهلهل، وَفِي الْجِهَاد أَيْضا عَن أبي بكر وَأبي كريب كِلَاهُمَا عَن وَكِيع عَن سُفْيَان، وَعَن عبد بن حميد عَن عبيد الله بن مُوسَى عَن إِسْرَائِيل، وَفِي نُسْخَة عَن شَيبَان بدل إِسْرَائِيل، خمستهم عَن مَنْصُور عَنهُ بِهِ، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْجِهَاد وَالْحج عَن عُثْمَان بِهِ مقطعاً، وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي السّير عَن أَحْمد بن عَبدة الضَّبِّيّ عَن زِيَاد بن عبد الله البكائي عَن مَنْصُور بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح، وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي الْبيعَة عَن إِسْحَاق بن مَنْصُور عَن يحيى بن سعيد بِهِ، وَفِي الْحَج عَن مُحَمَّد بن قدامَة عَن جرير، وَعَن مُحَمَّد بن رَافع بِهِ مُخْتَصرا، وَالْمعْنَى: أَن تَحْصِيل الْخَيْر بِسَبَب الْهِجْرَة قد انْقَطع بِفَتْح مَكَّة وَلَكِن حصلوه فِي الْجِهَاد وَنِيَّة صَالِحَة، وَفِيه الْحَث على نِيَّة الْخَيْر مُطلقًا وَإنَّهُ يُثَاب على النِّيَّة. قَوْله:(جِهَاد) مَرْفُوع على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: وَلَكِن طلب الْخَيْر جِهَاد وَنِيَّة.
ونفَقَةُ الرَّجُلِ على أهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا صَدَقَةً.
هَذَا من معنى حَدِيث أبي مَسْعُود الَّذِي يذكرهُ عَن قريب. قَوْله (وَنَفَقَة الرجل) كَلَام إضافي مُبْتَدأ وَخَبره قَوْله (صَدَقَة)، وَقَوله (يحتسبها) حَال من الرجل أَي: حَال كَونه مرِيدا بهَا وَجه الله تَعَالَى، وَقد فسرنا معنى الاحتساب مُسْتَوفى عَن قريب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ذكر هَذَا تَقْوِيَة لما ذكره من قبل. قلت: لما عقد الْبَاب على ثَلَاث تراجم ذكر لكل تَرْجَمَة مَا يطابقها من الْكَلَام بعد قَوْله، فَدخل فِيهِ الْإِيمَان وَالْوُضُوء وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالْحج وَالصَّوْم وَالْأَحْكَام. فَقَوله: وَقَالَ تَعَالَى: {قل كل يعْمل على شاكلته} (الْإِسْرَاء: 84) لقَوْله (إِن الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . وَقَوله: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: (وَلَكِن جِهَاد وَنِيَّة) لقَوْله (وَلكُل امرىء مَا نوى) ،
وَقَوله (وَنَفَقَة الرجل على أَهله يحتسبها صَدَقَة) لقَوْله: والحسبة، وَلذَلِك ذكر ثَلَاثَة أَحَادِيث، فَحَدِيث عمر، رضي الله عنه، لقَوْله (الْأَعْمَال بِالنِّيَّةِ) . وَحَدِيث أبي مَسْعُود، لقَوْله (والحسبة) ، وَحَدِيث سعد بن أبي وَقاص، لقَوْله:(وَلكُل امرىء مَا نوى) .
54 -
حدّثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ أخْبَرَنَا مالِكٌ عنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عنْ مُحَمّدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَن عَلْقَمَةَ بنِ وَقَّاصٍ عنْ عُمَرَ أنّ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ الأَعْمَالُ بالنِّيَّةِ ولِكُلِّ امْرِىءٍ مَا نَوَى فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ورسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ ورسولِهِ ومَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ لدنْيَا يُصِيبُهَا أَو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هاجَرَ إِليهِ.
(الحَدِيث 54 انْظُر الحَدِيث رقم 1) .
قد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى فِي أول الْكتاب لِأَنَّهُ صدر كِتَابه بِهَذَا الحَدِيث، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي رِجَاله ومسلمة، بِفَتْح الميمين وَاللَّام، وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: لما كَانَ الحَدِيث بِتَمَامِهِ صَحِيحا ثَابتا عِنْد البُخَارِيّ لم خرمه فِي صدر الْكتاب؟ مَعَ أَن الخرم جَوَازه مُخْتَلف فِيهِ. قلت: لأخرم، بِالْجَزْمِ، لِأَن المقامات مُخْتَلفَة، فَلَعَلَّ فِي مقَام بَيَان أَن الْإِيمَان من النِّيَّة، واعتقاد الْقلب سمع الحَدِيث تَمامًا، وَفِي مقَام أَن الشُّرُوع فِي الْأَعْمَال إِنَّمَا يَصح بِالنِّيَّةِ، سمع ذَلِك الْقدر الَّذِي روى، ثمَّ إِن الخرم مُحْتَمل أَن يكون من بعض شُيُوخ البُخَارِيّ لَا مِنْهُ، ثمَّ إِن كَانَ مِنْهُ فخرمه ثمَّة لِأَن الْمَقْصُود يتم بذلك الْمِقْدَار. فَإِن قلت: كَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر عِنْد الخرم الشق الَّذِي يتَعَلَّق بمقصوده، وَهُوَ: أَن النِّيَّة يَنْبَغِي أَن تكون لله تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. قلت: لَعَلَّه نظر إِلَى مَا هُوَ الْغَالِب الْكثير بَين النَّاس. انْتهى. قلت: هَذَا كُله إطناب فِي الْكَلَام، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَن يُقَال، إِن هَذِه الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله من اخْتِلَاف الروَاة، فَكل مِنْهُم قد روى مَا سَمعه. فَلَا خرم فِيهِ لَا من البُخَارِيّ وَلَا من شُيُوخه، وَإِنَّمَا البُخَارِيّ ذكر كل مَا رَوَاهُ من الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا زِيَادَة ونقصان بِحَسب مَا يُنَاسب الْبَاب الَّذِي وَضعه تَرْجَمَة لَهُ.
55 -
حدّثنا حَجَّاجُ بنُ مِنْهَالٍ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخْبَرَنِي عَدِيُّ بنُ ثابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ عبَد اللَّهِ بنَ يَزِيدَ عنْ أبي مَسْعُودٍ عنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ إِذا أنْفَقَ الرَّجُلُ على أهْلِهِ يَحْتَسِبُها فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ.
قد قُلْنَا: إِن الْبَاب مَعْقُود على ثَلَاث تراجم،. لكل تَرْجَمَة حَدِيث يطابقها، وَهَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّانِيَة، وَهِي قَوْله (والحسبة) .
بَيَان رِجَاله: وهم خَمْسَة. الأول: الْحجَّاج بن منهال، بِكَسْر الْمِيم، أَبُو مُحَمَّد الْأنمَاطِي السّلمِيّ، مَوْلَاهُم وَغَيره، سمع شُعْبَة من الْأَعْلَام، وروى عَنهُ مُحَمَّد بن يحيى الذهلي وَابْن وارة وَالْبَغوِيّ وَإِسْمَاعِيل القَاضِي وَالْبُخَارِيّ وَآخَرُونَ، اتّفق على توثيقه، وَكَانَ رجلا صَالحا وَكَانَ سمساراً يَأْخُذ من كل دِينَار حَبَّة، فجَاء خراساني مُوسر من أَصْحَاب الحَدِيث فَاشْترى لَهُ أنماطاً وَأَعْطَاهُ ثَلَاثِينَ دِينَارا، فَقَالَ: خُذ هَذِه سمسرتك، قَالَ: دنانيرك أَهْون عَليّ من هَذَا التُّرَاب، هَات من كل دِينَار حَبَّة، وَأخذ ذَلِك. قَالَ أَحْمد بن عبد الله: هُوَ بَصرِي ثِقَة، مَاتَ بِالْبَصْرَةِ سنة سِتّ عشرَة أَو سَبْعَة عشرَة وَمِائَتَيْنِ، قَالَ الشَّيْخ قطب الدّين فِي (شَرحه) وروى لَهُ البُخَارِيّ، وروى مُسلم وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَن رجل عَنهُ، وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي (شَرحه) : روى عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَأَبُو دَاوُد، وَقَالَ الْمُزنِيّ فِي (تهذيبه) : روى لَهُ السِّتَّة، وَالصَّوَاب أَن البُخَارِيّ وَمُسلمًا وَأَبا دَاوُد رووا عَنهُ، وَالثَّلَاثَة الْبَقِيَّة رووا لَهُ، وَلَيْسَ فِي الْكتب السِّتَّة حجاج بن منهال سواهُ. الثَّانِي: شُعْبَة بن حجاج، وَقد مر ذكره غير مرّة. الثَّالِث: عدي بن ثَابت الْأنْصَارِيّ الْكُوفِي، سمع جده لأمه عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ والبراء بن عَازِب وَغَيرهمَا من الصَّحَابَة، روى عَنهُ الْأَعْمَش وَشعْبَة وَغَيرهمَا، قَالَ أَحْمد، ثِقَة: وَقَالَ أَبُو حَاتِم: صَدُوق وَكَانَ إِمَام مَسْجِد الشِّيعَة بِالْكُوفَةِ وقاضيهم، مَاتَ سنة سِتّ عشرَة وَمِائَة، روى لَهُ الْجَمَاعَة. الرَّابِع: عبد الله بن يزِيد بن حُصَيْن بن عَمْرو بن الْحَارِث بن خطمة، واسْمه عبد الله بن خَيْثَم بن مَالك بن أَوْس، أخي الْخَزْرَج ابْني حَارِثَة بن ثَعْلَبَة العنقاء، لطول عُنُقه، ابْن عَمْرو مزيقيا ابْن عَامر مَاء السَّمَاء بن حَارِثَة الغطريف بن امرىء الْقَيْس البطريق بن ثَعْلَبَة البهلول بن مَازِن بن الأزد، الْأنْصَارِيّ الخطمي الصَّحَابِيّ، سكن الْكُوفَة، وَكَانَ أَمِيرا عَلَيْهَا، شهد
الْحُدَيْبِيَة وَهُوَ ابْن سبع عشرَة سنة، وَشهد صفّين والجمل والنهروان مَعَ عَليّ رضي الله عنه، وَكَانَ الشّعبِيّ كَاتبه، وَكَانَ من أفاضل الصَّحَابَة وَقيل: إِن لِأَبِيهِ يزِيد صُحْبَة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم سَبْعَة وَعِشْرُونَ حَدِيثا، أخرج البُخَارِيّ مِنْهَا حديثين: أَحدهمَا فِي الاسْتِسْقَاء مَوْقُوف، وَفِي الْمَظَالِم حَدِيث النَّهْي عَن النهبى والمثلة، وَمُسلم أَحدهمَا، وَأَخْرَجَا لَهُ عَن الْبَراء وَأبي مَسْعُود وَزيد بن ثَابت: رضي الله عنهم، مَاتَ زمن ابْن الزبير رضي الله عنهما، قَالَ الْوَاقِدِيّ، وَفِي الصَّحَابَة عبد الله بن زيد جمَاعَة، هَذَا أحدهم، وَالثَّانِي: عبد الله بن يزِيد الْقَارِي، لَهُ ذكر فِي حَدِيث عَائِشَة أَنه عليه السلام، سمع قِرَاءَته. وَالثَّالِث: عبد الله بن يزِيد النَّخعِيّ، وَالرَّابِع: عبد الله بن زيد البَجلِيّ، لَهُ حَدِيث:(إِذا أَتَاكُم كريم قوم فأكرموه) . أوردهُ ابْن قَانِع. وَالْخَامِس: غلط فِيهِ ابْن الْمُبَارك فِي حَدِيث ابْن مربع. كَانُوا على مَسَاجِدكُمْ. الْخَامِس: أَبُو مَسْعُود عقبَة بن عَمْرو بن ثَعْلَبَة بن أسيرة، بِفَتْح الْهمزَة وَكسر السِّين، وَقيل بضَمهَا، وَقيل: يسيرَة، بِضَم أَوله، بن عسيرة، بِفَتْح الْعين وَكسر السِّين الْمُهْمَلَتَيْنِ، ابْن عَطِيَّة بن جدارة، بِكَسْر الْجِيم، وَقَالَ ابْن عبد الْبر بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة، ابْن عَوْف بن الْخَزْرَج، الْأنْصَارِيّ الخزرجي البدري، شهد الْعقبَة مَعَ السّبْعين، وَكَانَ أَصْغَرهم، وَشهد أحدا ثمَّ الْجُمْهُور على أَنه لم يشْهد بَدْرًا، وَإِنَّمَا سكنها. وَقَالَ حمدون بن شهَاب الزُّهْرِيّ، وَابْن إِسْحَاق صَاحب (الْمَغَازِي)، وَالْبُخَارِيّ فِي (صَحِيحه) : شَهِدَهَا، وَكَذَا الحكم بن عتبَة، وَقَالَ ابْن سعد: قَالَ مُحَمَّد بن عمر وَسعد بن إِبْرَاهِيم وَغَيرهمَا: لم يشْهد بَدْرًا، وَقَالَ الحكم وَغَيره من أهل الْكُوفَة: شَهِدَهَا، وَأهل الْمَدِينَة أعلم بذلك. رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مائَة حَدِيث وحديثان، اتفقَا مِنْهَا على تِسْعَة، وللبخاري حَدِيث، وَلمُسلم سَبْعَة، روى عَنهُ عبد الله بن يزِيد الخطمي وَابْنه بشير وَغَيرهمَا، سكن الْكُوفَة وَمَات بهَا، وَقيل: بِالْمَدِينَةِ، قبل الْأَرْبَعين، قيل: سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ، وَقيل: سنة إِحْدَى أَو اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين، روى لَهُ الْجَمَاعَة. وَفِي الصَّحَابَة: أَبُو مَسْعُود، هَذَا، وَأَبُو مَسْعُود الْغِفَارِيّ قيل: اسْمه عبد الله، وثالث الظَّاهِر أَنه الأول.
بَيَان الْأَنْسَاب: الْأنمَاطِي: بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون النُّون، نِسْبَة إِلَى بيع الأنماط، وَهُوَ جمع نمط، وَهُوَ ضرب من الْبسط. السّلمِيّ، بِضَم السِّين وَفتح اللَّام، نِسْبَة إِلَى سليم بن مَنْصُور بن عِكْرِمَة بن حَفْصَة بن قيس غيلَان، وَهُوَ من شَاذ النّسَب، وَالْقِيَاس: السليمي. وَقَالَ الرشاطي: السّلمِيّ فِي قيس غيلَان، وَفِي الأزد، فَالَّذِي فِي قيس غيلَان سليم بن مَنْصُور كَمَا ذكرنَا، وَالَّذِي فِي الأزد سليم بن فهم بن غنم بن دوس. الخطمي، بِفَتْح الْخَاء المعحمة وَسُكُون الطَّاء، نِسْبَة إِلَى: خطمة، أحد أجداد عبد الله بن يزِيد، وَقد ذكرنَا أَن اسْمه عبد الله، وَإِنَّمَا سمي: خطمة، لِأَنَّهُ ضرب رجلا على خطمه، أَي: أَنفه. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الخطم من كل طَائِر منقاره، وَمن كل دَابَّة مقدم أَنفه، وَفِيه: والمخاطم الأنوف، وَاحِدهَا: مخطم، بِكَسْر الطَّاء. وَرجل أخطم طَوِيل الْأنف. البدري، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة نِسْبَة إِلَى بدر، وَهُوَ الْموضع الَّذِي لَقِي فِيهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمُشْركين من قُرَيْش، فأعز الْإِسْلَام وَأظْهر دينه، وَهَذَا الْموضع يُسمى: بَدْرًا باسم الَّذِي احتفر فِيهِ الْبِئْر، وَهُوَ: بدر بن يخلد بن النَّضر بن كنَانَة، بَينه وَبَين الْمَدِينَة ثَمَانِيَة برد وميلان.
بَيَان لطائف إِسْنَاده: مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث والإخبار وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي وكوفي. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَنه وَقع للْبُخَارِيّ غَالِبا خماسياً. وَلمُسلم من جَمِيع طرقه سداسياً.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا عَن حجاج بن منهال، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُسلم، وَفِي النَّفَقَات عَن آدم. وَأخرجه مُسلم فِي الزَّكَاة عَن ابْن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَأبي بكر بن رَافع عَن غنْدر، وَعَن أبي كريب عَن وَكِيع، كلهم عَن شُعْبَة عَن عدي بن ثَابت عَن عبد الله بن يزِيد عَن أبي مَسْعُود بِهِ وَقَالَ: حسن صَحِيح وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الزَّكَاة عَن ابْن بشار عَن غنْدر، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود عَن بشر بن الْمفضل كِلَاهُمَا عَن شُعْبَة.
بَيَان اللُّغَات: قَوْله (انفق) من: إِنْفَاق المَال، وَهُوَ إنفاده وإهلاكه، وَالنَّفقَة اسْم، وَهِي من الدَّرَاهِم وَغَيرهَا، وَيجمع على نفاق، بِالْكَسْرِ. نَحْو: ثَمَرَة وثمار، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: انفق الشَّيْء وأنفده أَخَوان، وَعَن يَعْقُوب: نفق الشَّيْء ونفد، وَاحِد وكل مَا جَاءَ مِمَّا فاؤه نون، وعينه فَاء، فدال على معنى الْخُرُوج والذهاب، وَنَحْو ذَلِك، إِذا تَأَمَّلت. قلت: معنى قَوْله: إخْوَان بَينهمَا الِاشْتِقَاق الْأَكْبَر، فَإِن بَينهمَا تنَاسبا فِي التَّرْكِيب وَفِي الْمَعْنى لاشتمال كل مِنْهُمَا على معنى الْخُرُوج والذهاب. قَوْله (على أَهله)، وَفِي (الْعباب) : الْأَهْل أهل الرجل وَأهل الدَّار، وَكَذَلِكَ الْأَهِلّة، وَالْجمع: أهلات وأهلون، والأهالي زادوا فِيهِ الْيَاء على غير قِيَاس
كَمَا جمعُوا لَيْلًا على ليَالِي، وَقد جَاءَ فِي الشّعْر:
(أهال مثل: فرخ وأفراخ)
وَأنْشد الْأَخْفَش:
(وبلدة مَا الْأنس من أهالها
…
ترى بهَا العوهق من وائالها)
ومنزل أهلَّ بِهِ أَهله، وَقَالَ ابْن السّكيت مَكَان مأهول فِيهِ أَهله، وَمَكَان آهل لَهُ أهل، وَقَالَ ابْن عباد: يَقُولُونَ: هُوَ أهلة، لكل خير بِالْهَاءِ، وَالْفرق بَين الْأَهْل والآل أَن: الْآل يسْتَعْمل فِي الْأَشْرَاف: وَفِي (الْعباب) : آل الرجل: أَهله وَعِيَاله، وَآله: أَيْضا أَتْبَاعه. قَالَ تَعَالَى: {كدأب آل فِرْعَوْن} (آل عمرَان: 11، الْأَنْفَال: 52 و 54) وَقَالَ ابْن عَرَفَة: يَعْنِي من آل إِلَيْهِ بدين أَو مَذْهَب أَو نسب، وَآل النَّبِي صلى الله عليه وسلم: عشيرته. وَقَالَ أنس رضي الله عنه: (سُئِلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: مَن آل مُحَمَّد؟ قَالَ: كل تَقِيّ) . قلت: هُوَ واوي، فَلذَلِك ذكره أهل اللُّغَة فِي بَاب أول. قَوْله (يحتسبها) من الاحتساب وَقد فسرناه عَن قريب. قَوْله (صَدَقَة) وَهِي: مَا تَصَدَّقت بِهِ على الْفُقَرَاء.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله: (إِذا) كلمة فِيهَا معنى الشَّرْط و: (انفق الرجل) جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل فعل الشَّرْط، قَوْله:(على أَهله) يتَعَلَّق بانفق. قَوْله (يحتسبها) جملَة فعلية مضارعية وَقعت حَالا من: الرجل، والمضارع إِذا وَقع حَالا وَكَانَ مثبتاً لَا يجوز فِيهِ الْوَاو على مَا عرف. قَوْله (فَهُوَ لَهُ صَدَقَة) جَوَاب الشَّرْط، فَلذَلِك دخلت فِيهَا الْفَاء. قَوْله (فَهُوَ) مُبْتَدأ. وَالْجُمْلَة، أَعنِي قَوْله (لَهُ صَدَقَة)، خَبره فَقَوله: صَدَقَة، مُبْتَدأ و: لَهُ، مقدما خَبره، وَالضَّمِير أَعنِي: هُوَ، يرجع إِلَى الْإِنْفَاق الَّذِي يدل عَلَيْهِ قَوْله (أنْفق)، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى {اعدلوا هُوَ أقرب للتقوى} (الْمَائِدَة: 8) أَي: الْعدْل أقرب إِلَى التَّقْوَى.
بَيَان الْمعَانِي: فِي قَوْله: (إِذا أنْفق) ، حذف الْمَعْمُول ليُفِيد التَّعْمِيم، وَالْمعْنَى: إِذا أنْفق أَي نَفَقَة كَانَت صَغِيرَة أَو كَبِيرَة، وَفِيه ذكر: إِذا، دون إِن، لِأَن أصل: إِن، عدم الْجَزْم بِوُقُوع الشَّرْط، وَاصل: إِذا، الْجَزْم بِهِ، وَغلب لفظ الْمَاضِي مَعَ: إِذا، على الْمُسْتَقْبل فِي الِاسْتِعْمَال، فَإِن اسْتِعْمَال: إِذا أكرمتني أكرمتك، مثلا، أَكثر من اسْتِعْمَال: إِذا تكرمني أكرمك، لكَون الْمَاضِي أقرب إِلَى الْقطع بالوقوع من الْمُسْتَقْبل، نظرا إِلَى اللَّفْظ لَا إِلَى الْمَعْنى، فَإِنَّهُ يدل على الِاسْتِقْبَال لوُقُوعه فِي سِيَاق الشَّرْط، وَفِيه التَّنْبِيه بِالْحَال لإِفَادَة زِيَادَة تَخْصِيص لَهُ، فَكلما ازْدَادَ الْكَلَام تَخْصِيصًا ازْدَادَ الحكم بعدا، كَمَا أَنه كلما ازْدَادَ عُمُوما ازْدَادَ قرباً، وَمَتى كَانَ احْتِمَال الحكم أبعد كَانَت الْفَائِدَة فِي إِيرَاده أقوى. قَوْله (يحتسبها) أَي: يُرِيد بهَا وَجه الله، وَالنَّفقَة الْمُطلقَة فِي الْأَحَادِيث ترد إِلَى هَذَا الحَدِيث وَأَمْثَاله الْمُقَيد بِالنِّيَّةِ، لحَدِيث امْرَأَة عبد الله بن مَسْعُود رضي الله عنه، وَامْرَأَة من الْأَنْصَار وسؤالهما: اتجزىء الصَّدَقَة عَنْهُمَا على أزواجهما وأيتامهما؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (لَهما أَجْرَانِ: أجر الْقَرَابَة، وَأجر الصَّدَقَة) . وَقَول أم سَلمَة رضي الله عنهما: (هَل لي أجر فِي بني أبي سَلمَة أنْفق عَلَيْهِم؟ فَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: نعم لَك أجر مَا أنفقت) . وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِي قَوْله: يحتسبها، أَفَادَ بمنطوقه أَن الْأجر فِي الْإِنْفَاق إِنَّمَا يحصل بِقصد الْقرْبَة وَاجِبَة أَو مُبَاحَة، وَأفَاد بمفهومه أَن من لم يقْصد الْقرْبَة لم يُؤجر، لَكِن تَبرأ ذمَّته من الْوَاجِبَة لِأَنَّهَا معقولة الْمَعْنى.
بَيَان الْبَيَان: فِيهِ إِطْلَاق النَّفَقَة على الصَّدَقَة مجَازًا، إِذْ لَو كَانَت الصَّدَقَة حَقِيقِيَّة كَانَت تحرم على الرجل أَن ينْفق على زَوجته الهاشمية، وَوُجُود الْإِجْمَاع على جَوَاز الْإِنْفَاق على الزَّوْجَات الهاشميات وَغَيرهَا قَامَ قرينَة صارفة عَن إِرَادَة الْحَقِيقَة، والعلاقة بَين الْمَوْضُوع لَهُ وَبَين الْمَعْنى الْمجَازِي ترَتّب الثَّوَاب عَلَيْهِمَا وتشابههما فِيهِ، فَإِن قلت: كَيفَ يتشابهان وَهَذَا الْإِنْفَاق وَاجِب، وَالصَّدَََقَة فِي الْعرف لَا تطلق إلَاّ على غير الْوَاجِب، اللَّهُمَّ إلَاّ أَن تقيد بِالْفَرْضِ وَنَحْوه؟ قلت: التَّشْبِيه فِي أصل الثَّوَاب لَا فِي كميته وَلَا كيفيته. فَإِن قلت: شَرط البيانيون فِي التَّشْبِيه أَن يكون الْمُشبه بِهِ أقوى، وَهَهُنَا بِالْعَكْسِ، لِأَن الْوَاجِب أقوى فِي تَحْصِيل الثَّوَاب من النَّفْل. قلت: هَذَا هُوَ التشابه لَا التَّشْبِيه، والتشبيه لَا يشْتَرط فِيهِ ذَلِك، وَتَحْقِيق هَذَا الْكَلَام أَنه إِذا أُرِيد مُجَرّد الْجمع بَين الشَّيْئَيْنِ فِي أَمر، وأنهما متساويان فِي جِهَة التَّشْبِيه: كعمامتين متساويتين فِي اللَّوْن، فَالْأَحْسَن ترك التَّشْبِيه إِلَى الحكم بالتشابه، ليَكُون كل وَاحِد من الطَّرفَيْنِ مشبهاً ومشبهاً بِهِ احْتِرَازًا من تَرْجِيح أحد المتساويين من جِهَة التَّشْبِيه على الآخر، لِأَن فِي التَّشْبِيه تَرْجِيحا، وَفِي التشابه تَسَاويا. وَيجوز التَّشْبِيه أَيْضا فِي مَوضِع التشابه، لَكِن إِذا وَقع التَّشْبِيه فِي بَاب التشابه صَحَّ فِيهِ الْعَكْس، بِخِلَافِهِ فِيمَا عداهُ، وَكَانَ حكم الْمُشبه بِهِ على خلاف مَا ذكر من أَن حَقه أَن يكون أعرف بِجِهَة التَّشْبِيه من الْمُشبه، وَأقوى حَالا، كتشبيه غرَّة الْفرس بالصبح وَعَكسه، فَيُقَال: بدا الصُّبْح كغرة الْفرس، وبدت غرَّة الْفرس كالصبح، مَتى أُرِيد بِوَجْه الشّبَه ظُهُور مُنِير فِي سَواد أَكثر مِنْهُ مظلم،
أَو حُصُول بَيَاض، فَإِنَّهُ مَتى كَانَ المُرَاد بِوَجْه الشّبَه هَذَا كَانَ من بَاب التشابه، وينعكس التَّشْبِيه لعدم اخْتِصَاص وَجه الشّبَه حينئذٍ بِشَيْء من الطَّرفَيْنِ، بِخِلَاف مَا لَو لم يكن وَجه الشّبَه ذَلِك، كالمبالغة فِي الضياء، فَإِنَّهُ لَا يكون من بَاب التشابه، وَلَا مِمَّا ينعكس فِي التَّشْبِيه. قَوْله (على أَهله) خَاص بِالْوَلَدِ وَالزَّوْجَة، لِأَنَّهُ إِذا كَانَ الْإِنْفَاق فِي الْأَمر الْوَاجِب كالصدقة فَلَا شكّ أَن يكون آكِد، وَيلْزم مِنْهُ كَونه صَدَقَة فِي غير الْوَاجِب بِالطَّرِيقِ الأولى.
56 -
حدّثنا الحَكَمُ بنُ نافعٍ قَالَ أخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حدّثني عامِرُ بنُ سَعْدٍ عنْ سَعْدِ بنِ أبي وَقاصٍ أنَّهُ أخْبَرَهُ أنّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ إنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِها وَجْهَ اللَّهِ إلَاّ أُجِرْتَ عَليْها حتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ..
هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة الثَّالِثَة، كَمَا ذكرنَا، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه قد ذكر فِي بَاب: إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة، وَكَانَ على الاستسلام أَو الْخَوْف من الْقَتْل.
وَالْحكم بِفَتْح الْكَاف: هُوَ أَبُو الْيَمَان الْحِمصِي. وَالزهْرِيّ: هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره: هَذَا الحَدِيث قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل مَشْهُور، أخرجه البُخَارِيّ هَهُنَا كَمَا ترى، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن يُونُس، وَفِي الدَّعْوَات عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَفِي الْهِجْرَة عَن يحيى بن قزعة، ثَلَاثَتهمْ عَن إِبْرَاهِيم بن سعد، وَفِي الْجَنَائِز عَن عبد الله بن يُوسُف عَن مَالك، وَفِي الطِّبّ عَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة، وَفِي الْفَرَائِض عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب أَيْضا، وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان، خمستهم عَنهُ بِهِ. وَأخرجه مُسلم فِي الْوَصَايَا عَن يحيى بن يحيى عَن إِبْرَاهِيم بن سعد بِهِ، وَعَن قُتَيْبَة وَأبي بكر بن أبي شيبَة كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أبي الطَّاهِر بن السَّرْح وحرملة بن يحيى كِلَاهُمَا عَنهُ بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْوَصَايَا أَيْضا عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن يحيى بن أبي عمر عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن عَمْرو بن عُثْمَان بن سُفْيَان عَن سُفْيَان بِهِ، وَفِي عشرَة النِّسَاء عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم، وَفِي الْيَوْم وَاللَّيْلَة عَن مُحَمَّد بن سَلمَة عَن ابْن الْقَاسِم عَن مَالك بِبَعْضِه. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْوَصَايَا عَن هِشَام بن عمار، وَالْحُسَيْن بن الْحسن الْمروزِي، وَسَهل بن أبي سهل بن سهل الرَّازِيّ، ثَلَاثَتهمْ عَن سُفْيَان بِهِ.
بَيَان الْإِعْرَاب: قَوْله (إِنَّك)، إِن: حرف من الْحُرُوف المشبهة بِالْفِعْلِ، فالكاف إسمها و:(لن تنْفق)، خَبَرهَا وَكلمَة: لن، حرف نصب، وَنفي واستقبال، وَفِيه ثَلَاثَة مَذَاهِب: الأول: إِنَّه حرف مقتضب بِرَأْسِهِ، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور. وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَب الْفراء أَن أَصله: لَا، فابدلت النُّون من الْألف، فَصَارَ: لن. وَالثَّالِث: وَهُوَ مَذْهَب الْخَلِيل وَالْكسَائِيّ. أَن أَصله: لَا إِن، فحذفت الْهمزَة تَخْفِيفًا، وَالْألف لالتقاء الساكنين. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: إِنَّه يُفِيد توكيد النَّفْي، قَالَه فِي (الْكَشَّاف) وَقَالَ فِي (انموذجه) يُفِيد تأييد النَّفْي، ورد بِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا دَلِيل، وَقَالُوا: لَو كَانَت للتأبيد لِمَ يُقيد منفيها بِالْيَوْمِ فِي: {لن أكلم الْيَوْم إنسياً} (مَرْيَم: 26) . ولكان ذكر الْأَبَد فِي: {وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ أبدا} (الْبَقَرَة: 95) تَكْرَارا، وَالْأَصْل عَدمه. قَوْله (تنْفق) مَنْصُوب بهَا. وَقَوله (نَفَقَة) نصب على أَنه مفعول مُطلق. قَوْله (تبتغي) ، جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل، وَقعت حَالا من الضَّمِير الَّذِي فِي: لن تنْفق، وَالْبَاء فِي: بهَا إِمَّا للمقابلة كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {ادخُلُوا الْجنَّة بِمَا كُنْتُم تَعْمَلُونَ} (النَّحْل: 32) وَإِمَّا للسَّبَبِيَّة كَمَا فِي قَوْله صلى الله عليه وسلم (لن يدْخل أحدكُم الْجنَّة بِعَمَلِهِ) وَإِمَّا للظرفية بِمَعْنى: فِيهَا وَإِنَّمَا قُلْنَا هَكَذَا لِأَن تبتغي، متعدٍ يُقَال: ابْتَغَيْت الشَّيْء وتبغيته إِذا طلبته، من: بغيت الشَّيْء: طلبته. قَوْله: (وَجه الله)، كَلَام إضافي مفعول: تبتغي. قَوْله (إِلَّا أجرت) ، بِضَم الْهمزَة، على صِيغَة الْمَجْهُول، والمستثنى مَحْذُوف لِأَن الْفِعْل لَا يَقع اسْتثِْنَاء، وَالتَّقْدِير: لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله تَعَالَى إلَاّ نَفَقَة أجرت بهَا. وَيكون قَوْله أجرت بهَا صفة للمستثنى، وَالْمعْنَى على هَذَا، لِأَن النَّفَقَة الْمَأْجُور فِيهَا هِيَ الَّتِي تكون ابْتِغَاء لوجه الله تَعَالَى. لِأَنَّهَا لَو لم تكن لوجه الله تَعَالَى لما كَانَت مأجوراً فِيهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: التَّقْدِير: إلَاّ فِي حَالَة أجرت بهَا، ثمَّ فسر ذَلِك بقوله: أَي: لن تنْفق نَفَقَة تبتغي بهَا وَجه الله تَعَالَى فِي حَال من الْأَحْوَال إلَاّ وَأَنت فِي حَال مأجوريتك عَلَيْهَا. قلت: لَو قدر هَكَذَا لن تنْفق نَفَقَة لوجه الله تَعَالَى إلَاّ حَال كونك مأجوراً عَلَيْهَا كَانَ أحسن على مَا لَا يخفى. فَإِن قلت: الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِل أَو مُنْقَطع؟ قلت: مُتَّصِل، لِأَن الْمُسْتَثْنى من جنس الْمُسْتَثْنى مِنْهُ. قَوْله (بهَا) ، الْبَاء إِمَّا للسَّبَبِيَّة، وَإِمَّا