المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الأول: ما يعتبر من وجوه للإعجاز ويعول عليه - عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم - حسن عبد الفتاح أحمد

[حسن عبد الفتاح أحمد]

الفصل: ‌المبحث الأول: ما يعتبر من وجوه للإعجاز ويعول عليه

‌الفصل الثالث العناية ببيان وتمييز وجوه الإعجاز

‌المبحث الأول: ما يعتبر من وجوه للإعجاز ويعول عليه

يؤلف تناول وجوه الإعجاز عبر القرون الإسلامية تكاملا مباشرا وغير مباشر في منظومة الدراسات القرآنية. ولذلك يكثر التشابه بين محتويات المؤلفات في هذا الخصوص خلا بعض ما يفارق منها المعهود بامتداد جديد إلى آفاق أرحب. والمحصلة الأخيرة هي القصد المشترك بين الجميع إلى إخراج جملة من سرائر القرآن تقيم برهان صدق دعوى النبي الأمي صلى الله عليه وسلم أنه أوحى إليه هذا القرآن

والخطابي يؤكد تعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن، وأن ذلك الأمر - الإعجاز - أبين من احتياجه إلى دليل أكثر من الوجود القائم المستمر على وجه الدهر. من لدن نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ما شاء الله.

يقول سليمان الخطابي (1) : "قد أكثر الناس الكلام في هذا الباب قديما وحديثا، وذهبوا فيه كل مذاهب من القول، وما وجدناهم بَعْدُ صدرُوا عن رِي، وذلك لتعذر معرفة وجه الإعجاز في القرآن ومعرفة الأمر في الوقوف على كيفيته.

(1) بيان إعجاز القرآن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن صـ21.

ص: 46

فأما أن يكون قد بقيت في النفوس بقية بكونه معجزا للخلق ممتنعا عليهم الإتيان بمثله على حال (1) فلا موضع لها.

"والذي عليه الجمهور والحذاق وهو الصحيح في نفسه أن التحدي إنما وقع بنظمه وصحة معانيه وتوالى فصاحة ألفاظه. {فإن فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ} (هود: 14) فوجه إعجازه أن الله أحاط بالكلام كله علما، فأي لفظة تصلح أن تلي الأولى وتبين المعنى بعد المعنى كانت كما وردت في القرآن الكريم.

فلو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب في أن يوجد أحسنُ منها لم يوجد ونحن تَبَيَّنَ لنا البراعةُ في أكثره، ويخفى علينا وجهُها في مواضع لقصورنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق وجودة القريحة وميز الكلام (2) ".

ولقد كثر الأخذ والرد في الوقوف على وجه إعجازي محدد للقرآن في ذاته ككلام، وما استقر لأحد مَقَاماً حتى أقام فيه آخرُ اعتراضا أحاله دون مُقَامِه، وما استرد هذا لنفسه قولا حتى محاه ذاك الآخر، فصار البحث عن وجه الإعجاز هو بذاته وَجْهَ الإعجاز، إذ الحيرة في الثبات على حقيقة أمر، برهان العجز عن الوصول إلى هذه الحقيقة، فانكشف لذي العلوم الكونية بيان القدرة في إحكام النواميس الكونية والقوانين التي تسير وفقها الأغراض الخَلْقِيَّة، فأخذ المسلمون، العلماءُ منهم بهذه المجالات - وجها لشبه الرؤية بمعنى آيات قرآنية استراحت له نفوسهم، واستهدت له قلوبهم، وراق رواؤه لظمأ اشتباه المعاني عليهم، فعرضوا ما اقتبسوه من نظرة العلماء في الكون على

(1) أي على وجه إعجاز معين.

(2)

المحرر الوجيز لابن عطية جـ1 صـ52.

ص: 47

محتملات الألفاظ في آيات قرآنية، فنازعهم منه توافق بين المعنى القرآني والعلمِ الحديث، سواء كان على نحوٍ مطيع ذلول، أو نحوه مُكْرَهٍ مسوق بالافتعال.

والناظر في كتب الإعجاز العلمي للقرآن لن يجد غير التكرار، اللهم إلا ما اشتمل عليه بعضها مما وقف عليه مؤلفوها من فائدة جديدة علموا بها فاستأثر ببدء إبدائها صاحبها فأفاد منها خَلَفه.

والآيات القرآنية التي تحوى جُمَلاً من الاحتمالات المعنوية لألفاظها هي التي تُوسِعُ المضمار للسائرين القادرين على اقتناص التوافق العلمي مع المعنى القرآني لبعض الآيات، أما ما كان محدَّد الفهم، محكم المعنى، فهي الآيات التي لا يخرج تفسيرها عن الحقائق العلمية، لذا كانت تلك الآيات منطلقا لفهم الحقائق الكونية على نحو ما وصف الحكيم الخبير في كلامه، ومن جملة ذلك قوله تعالى {وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ} (النور: 45) .وقوله تعالى: {ولِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ} (الشورى: 49،50) فالله أنزل القرآن بعلمه الذي علم عن خلقه، قدير لا يأتي أحد بغير ما وصف، ولن يزيد أحد على ما خلق الله قسما خامسا فوق هذه القسمة لصور الهبة الإلهية، والآية الأولى كالثانية فيها تحد بالقدرة الإلهية، فالله خلق الدواب من ماء ولكن الإنسان يصنع الدواب - كوسائل المواصلات وغيرها الآن - من غير الماء، فهل من البشر من يقدر على الخلق من الماء؟ أو أن يخص كل دابة بماء؟.

ص: 48