المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابع من مظاهر العناية بوجوه الإعجاز - عناية المسلمين بإبراز وجوه الإعجاز في القرآن الكريم - حسن عبد الفتاح أحمد

[حسن عبد الفتاح أحمد]

الفصل: ‌الفصل الرابع من مظاهر العناية بوجوه الإعجاز

‌الفصل الرابع من مظاهر العناية بوجوه الإعجاز

المبحث الأول: الإعجاز العلمي للقرآن الكريم

كثرت في الآونة الأخيرة وبالتحديد عبر القرنين الماضيين أو دونهما دراسات خرجت من ذاتية الإعجاز النفسي للقرآن إلى صور أخرى من الإعجاز لا تتأتى بغير التأويل البعيد لبعض آيات القرآن الكريم.

"ومعجزة القرآن تختلف عن معجزات الرسل السابقين في كثير من زوايا الإعجاز، وللقرآن إعجاز لا يتنبه إليه العقل إلا بعد أن ينشط ويكتشف المستور عنه من حقائق الكون وأسراره، حينئذ يتبين أن للقرآن وجوهَ إعجازٍ أخرى أو جديدة تزيد في معنى الإعجاز أو تعطي أبعادا جديدة لما يقال "(1) .

هذا ما قرره الشيخ الشعراوي من أن ابتداء تنبه المسلم إلى وجه إعجازي قد لا يتأتى من القرآن مباشرة، بل ينبع رفده من الكون ويبزغ بريقه من أسرار هذا الكون سواء ما كان بالفكر العقلي المجرد أو بواسطة ما يتوصل به إلى غموض هذه الأسرار من وسائل.

ويقول الشيخ: "فإذا انتقلنا إلى الاختراعات الحديثة نجد أنها اكتشاف لقوانين الكون"(2) وفي صفحة أخرى يقول الشيخ (3) " إن القرآن لم يأت ليعلمنا أسرار الوجود ولكنه أشار إليها وسجلها ليظهر الإعجاز الإلهي للناس

(1) معجزة القرآن محمد متولي الشعراوي جـ1 صـ23.

(2)

معجزة القرآن محمد متولي الشعراوي جـ2 صـ287.

(3)

معجزة القرآن محمد متولي الشعراوي جـ3 صـ398، 399.

ص: 78

في كل عصر ومع تقدم العلم البشرى. على أن ربط القرآن الكريم بالنظريات العلمية شيء لا يجب أن يحدث، فالقرآن لا تُرْبَطُ صحتُه باتفاقه مع نظرية علمية أيا كانت ولكن العلم هو الذي يستمد صحته وبيانه إذا اتفق مع آيات القرآن الكريم، فكل علم مخالِف لحقائق القرآن هو علم زائف، لأن قائل القرآن هو الله سبحانه وتعالى وخالق الكون هو الله سبحانه وتعالى".

والأستاذ فوزي شعبان مترجم كتاب أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية لمؤلفه دكتور موريس بوكاي في مقدمة الترجمة يقول (1) : "وقد احتوى القرآن الكريم على آيات بينات في العلوم الطبيعية أخرجها الأستاذ يوسف مروة في كتاب "العلوم الطبيعية في القرآن الكريم" وبلغت. 774 آية بالتحديد ومفصلة كما يلي: الرياضيات 61، الفيزياء 264، الذرة 5، الكيمياء 29، النسبية 62، الفلك 100، المناخيات 20، المائيات 14، علم الفضاء 11، علم الحيوان 12، علم الزراعة 21، علم الأحياء 36، الجغرافيا العامة 73، علم السلالات البشرية10، علم طبقات الأرض 20، علم الكون وتاريخ الأحداث الكونية36"

وقد سبق الأوائلُ إلى تعداد ما يحتويه القرآن من مثل ذلك، فقال ابن أبي الفضل المرسي في تفسيره: جمع القرآن علومَ الأولين والآخرين بحيث لم يُحِطْ بها علما حقيقة إلا المتكلم بها ثم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما استأثر به سبحانه وتعالى، ثم روت عنه– أراد عن النبي صلى الله عليه وسلم معظمَ ذلك سائرُ سادات الصحابة وأعلامهم. إلى أن قال: ونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة فذكر علم المواقيت والمعاني والبيان والبديع

(1) أصل الإنسان بين العلم والكتب السماوية صـ5.

ص: 79

والطب والهيئة والهندسة والجدل والمقابلة والنجامة وأصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها:

كالخياطة والحدادة والبناء والنجارة والغزل والنسيج والفلاحة والصيد والغوص والصياغة والزجاجة والفخارة والمِلاحة والكتابة والخبز والطبخ والغسل والقصارة والجزارة والبيع والشراء والصبغ والحجارة والكيالة والمنكوحات وجميع ما وقع ويقع في الكائنات ما يحقق معنى قوله تعالى "ما فرطنا في الكتاب من شيء" انتهى ملخصا من الإتقان (1) .

وقال ابن سراقة من بعض وجوه إعجاز القرآن ما ذكر الله فيه من أعداد الحساب والجمع والقسمة والضرب والموافقة والتأليف والمناسبة والتصنيف والمضاعفة ليَعْلَمَ بذلك أهلُ العلم والحساب أنه صلى الله عليه وسلم صادق في قوله، وأن القرآن ليس من عنده إذ لم يكن ممن خالط الفلاسفة ولا تلقى الحُسَّابَ وأهل الهندسة (2) .

وتحت عنوان شهادات منصفة ساق الأستاذ محمد سامي محمد علي في كتابه " الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (3) شهادة أحد مشاهير العلماء، وهو عالم غربي من أكبر الجراحين والأطباء المشهورين وهو الدكتور موريس بوكاي الذي شرح الله صدره للإسلام فأسلم بعد علم ودراية.

وقد ألقى الدكتور محاضرة في أكاديمية العلوم الفرنسية بباريس سنة 1967 حضرها حشد كبير من العلماء في شتى فروع العلوم الحديثة، وبعد

(1) الإتقان من صـ1027 إلى صـ1033 جـ2.

(2)

الإتقان صـ1033 جـ2.

(3)

الإعجاز العلمي في القرآن الكريم صـ116، نقله عن كتاب القرآن والعلوم الحديثة لإبراهيم فواز عراجي صـ61.

ص: 80

أن عرض حقائق القرآن الكريم في شتى ميادين العلم سأل أخيرا هؤلاءِ العلماءَ قائلا:

"هل لكم أن تخبروني من أين جاء محمد بهذا العلم الحديث، وقد أكدتم أنفسُكُم يا علماء الغرب والشرق وبعد محاولات طويلة عبر الزمن أن ما جاء منسوبا للتوراة والإنجيل جاء مناقضا للعلم الحديث ومفاهيمه كافة فطرحتموه جانبا، تاركين أمره لخيال المؤمنين وأهل الأديان. فمن أين لمحمد هذا العلم؟ "

فسكت الجميع. ولا من مجيب. فقال بوكاي:

بالطبع لا جواب عندكم! والجواب عندي: أنه من عند الله وأن محمدا رسول الله، وقد أحدثت هذه المحاضرة ضجة إعلامية في أنحاء أوربا.

ميزان تفسير الآية تفسيرا يتعلق بالعلوم الحديثة:

واستقبل الأستاذ محمد سامي الحديث عن علوم الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بميزان لتفسير الآيات تفسيرا يتعلق بالعلوم الكونية قائلا (1) "النظرية - التي بين الأخذ والرد - لا يصلح لنا تطبيقها على الآية القرآنية أما الحقيقة العلمية فمن المستحيل أن تتناقض أو تتصادم مع الآية القرآنية، ونتحدى الآن أو في المستقبل ظهور حقيقة علمية تخالف القرآن الكريم.

إذاً لا مانع إطلاقا أن نطبق الحقيقة العلمية على الآية القرآنية التي تلفت الأنظار إلى إشارات علمية كونية.

(1) الإعجاز العلمي في القرآن الكريم محمد سامي صـ26.

ص: 81

لكن علينا ونحن نبحث في أسرار القرآن الكريم لاستخراج الدرر واللآلئ العلمية أن نخضع تفسيرنا هذا لشروط نَصَّ عليها علماء التفسير الذين عُنُوا بمناهج البحث، وهذا الميزان لا يتمثل في أكثر من الميزان الذي نعتمد عليه لتفسير أي كلام عربي، ويتكون هذا الميزان من المقومات والأركان التالية:

1-

خضوع التفسير لدلالات اللغة العربية وقواعدها التي لا خلاف عليها.

2-

خضوعه لقواعد تفسير النصوص المتفق عليها كأحكام العموم والخصوص والإطلاق والتقييد والمنطوق والمفهوم وما إلى ذلك من قواعد.

3-

ألا يتعارض التفسير معارضة حادة مع مضمون أي آية أخرى في القرآن بحيث لا يمكن الجمع بينهما بحال تحت ظل أي قاعدة من قواعد تفسير النصوص.

4-

ألا يتعارض التفسير معارضة حادة مع الدلالة الثابتة لنص حديث نبوي صحيح بحيث لا تترك هذه المعرضة سبيلا سائغا للتوفيق بينهما".

ومن خلال التطبيق لضوابط هذا الميزان تلزم ضرورةُ الانطلاق من القرآن الكريم، وفي قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ} تحديد لكيفية الرؤية العلمية، بازغة أولاً من القرآن الكريم وهى في أوج ظهورها في الكون شاهدة بصدق القرآن، ولكن حين نأخذ من المشاهد النظرية تفسيرا للقرآن نكون قد أوقفنا أنفسنا في منزلق خَطِر، إذا ما جنحت النظرية إلى تعارض مع نظرية أخرى، وبالتالي يتوجب علينا التحسب إلى مثل هذه الأمور، فإنه حين يخفق المرء في استخراج المعاني المزيحة لحجب الجهل البشرى بنور العلم القرآني ينصرف العلماءُ - بحسن نية هي السذاجة

ص: 82

في أصلها - وأشباهُ العلماء - إلى درك مطالب الإلحاح الساذج أن العلمَ يوافقُه القرآنُ.

وتفاسير القرآن على ضوء العلوم الحديثة – كتفسير المراغي والجوهري لم يثبت مضمون ما احتوته من مثل هذا بعد. ونخشى أن يستدعى هذا ضعضعةَ الإيمان في بعض النفوس التي لا تفرق بين خطأ المفسر أو الباحث وصحةِ النص القرآني (1) .

وهناك من يرى صحة الانطلاق من خارج القرآن فيقول (2) . (ففي أيامنا هذه استطاع العلم أن يرى ما سبق إليه القرآن بالبيان والتعريف) مع أنه يبين معنى قولٍ منسوب إلى المسيح هو "ويخبركم بأمور آتية" ومعلوم أن الخبر لا يتوقف فهمه على أمر لاحق.

وكل هذا الكلام يصح في أبعاض كل هذه الفروع العلمية، فحين تجد فرعا منها لا يلزم أن تستغرق الآيات تفاصيلَ هذا الفرع، ولكن تمتد من القرآن آيات توضح وتفسر بعض الحقائق الكونية في ظواهرها الطبيعية.

فكل ما يقع تحت رؤية البشر مع استدامة توحُّدِ هذه الرؤية مَدَّ الزمن هو الذي يُفترض فيه أن يكون حقيقة تواكب إشارات القرآن على نحو لا يُحْدِثُ اختلافا في المفهوم في زمن ما.

(1) فكرة الإعجازصـ390.

(2)

قالوا عن الإسلام الندوة العلمية للشباب الإسلامي صـ49 نقلاً عن كتاب محمد في التوراة والإنجيل والقرآن صـ47، 48 لمؤلفه إبراهيم خليل أحمد وهوقس من مواليد الإسكندرية أسلم رسمياً عام 1959م وانظر الكتاب نفسه محمد في التوراة والإنجيل والقرآن دار المنار للنشر والتوزيع ط 1409هـ – 1989م صـ55 فهو موضع الاستشهاد.

ص: 83

وما يأخذ في حين تفسيرا يختل في حين آخر لا شك شيء لم يُعَايَنْ بغير افتراضاتٍ ونظريات بُحِثَ لها عن تفسير فيه مجمل تفصيل الرؤية لظاهرة غامضة التفسير، غائرة المدى.

وأقرب مثال طروء تناقضات عدة في تفسير اختلاف حركة الشمس أو الأرض أو هما معا، والصورة التي تتخذها الأرض في الذهن لإقامة تفسيرٍ لا برهانَ، على النظام الشمسي الدقيق، حتى بدت في أفق علم الفلك نظريات ثلاث تشرح كل منها تعليل الليل والنهار والفصول الأربعة وغير ذلك مما يتعلق بهذا.

وإحدى هذه النظريات – نظرية كوبرنيقوس – يمكن القول أنها استحمكت في التصور الفكري البشري واستولت عليه، بغض النظر عن دلالات نصوصٍ دينية.

ولم يكن للقرآن أن يقبض إسهاماته في سبر البشر أغوار ظواهر الكون فأمد بما يقيم به نظرية وينفي به أخرى، ولا كمال للقبولِ لنظرية واحدة من الثلاث، بل تحتمل الآياتُ والأحاديثُ مباركةَ كلِّ نظريةٍ في طرف منها أو في بعضها الأكبر.

فحين تفترض بعض النظريات أن الأرض في شكلها كرة مفلطحة "غير كاملة الاستدارة" وتدور حول نفسها وحول الشمس ليحدث بالدورتين الليل والنهار والفصول الأربعة، ترى نظرية أخرى أن الأرض لا تدور بل ليست لها جاذبية، وتنفي بعضا مما ألفه الناس وآنسوه من نظرية كوبر نيقوس التفسيرية لحركة المجموعة الشمسية، ونجد النظرية المعارضة للمألوفة من

ص: 84

النظريات ترى أن الأرض لا تدور وإنما تدور حولها الشمس (1) وأن سجودها تحت العرش يكون فوق المحيط في الجهة المقابلة لمركز اليابسة "مكة المكرمة" وأن هذا الموضع لا يختلف باختلاف الأيام على مدار العام.

وتبرز نظرية ثالثة تعضد النظرية الوردانية السابقة في بعضها وتختلف عنها في أن الكون أرضى بمعنى أن الأرض ليست كروية، بل مجوفة مسقوفة بالسماء ونحن في الداخل والشمس تدور في فلكها داخل الأرض التي يحيا فيها جميع الأحياء. (2)

ولسنا بحاجة إلى ضرورة مد الأيدي لتؤيد نظرية وتلغى أخرى إلا على أساس من انبثاق وجه مرجح لإحدى النظريات الثلاث.

وما سقت هذا إلا استدلالاً على أهمية التريث في سحب المعاني من النظريات الفرضية التفسيرية للظواهر الكونية إلى معاني القرآن الكريم.

بل يجب أن لا نكترث بعدم التوافق بين النظريات العلمية والمعاني القرآنية، وحَرِيٌ بنا أن نقف على مثال يؤيد أهمية الأخذ من القرآن أَوَّلا وابتداءً لأنه لا يعطى في بسط المعنى إلا حقائق العلم حين يتكافأ الفهم عن القرآن مع صحة النظر في الكون.

ولقد استجاب الدكتور سعد محمد محمد الشيخ المرصفي لتقرير القرآن لحقيقة كونية في كتابه "الكعبة مركز العالم"(3) متخذا من قوله تعالى في

(1) قصة الخلق من العرش إلى الفرش عيد ورداني. الشركة العصرية للنشر – المركز الدولي للنشر، الصفحات 294، 352، 387، 477، 533.

(2)

تناقض علم الفلك مع القرآن الكريم وتوافق نظرية الكون الأرضي معه. مصطفى أحمد عبد القادر.

(3)

الكعبة مركز العالم مكتبة المنار الإسلامية – الكويت، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت، ومثل ذلك في كتاب الكعبة المشرفة سرة الأرض ووسط الدنيا. دكتور أحمد السيد دراج. دار العلم والثقافة القاهرة.

ص: 85

سورة البقرة {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} منطلقا لبحث الوسطية المذكورة في القرآن، فخرج بنتيجة علمية مركوزة على دراسات بالحاسب الآلي، مفاد هذه النتيجة أن الوسطية لا تعنى الوسطية المعنوية فحَسْب، بل يُرَادُ بها كذلك الوسطية الحسية، حيث برهن على أن واقع الأرض - بمقاييس العلم الحديث - لا يتوسط يابسها وقراها إلا أم القرى، ومركزها هو الكعبة المشرفة، فتحقق بيان معنى {لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} (الشورى: 6) .

ومن هذا يتضح أن ما كان البدء به من القرآن هو المعول عليه في احتسابه وجه إعجاز، أما ما استجلب من تفسير النظريات - دون الحقائق - العلمية، قد يروق في أول الأمر ثم يفارق التوافق الفهم عند بروز نظرية أخرى تناهض الأولى أو تنقضها.

ص: 86