الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: بيان جملة وجوه الإعجاز الذاتي للقرآن
من الممكن وضع وجوه الإعجاز تحت تقسيم يرجع في أصله إلى معطيات المعاني من الألفاظ. فإن الألفاظ - من حيث كونها حاملة للمعاني على الوصف الذي سبق ذكره آنفا - يطرد فيها الإعجازُ في جميع آيات القرآن الكريم بما تحمله من خصائصَ بيانيةٍ، وهذه النظرة اللغوية تنتظم القرآن في قطعة قطعة منه وفي سورة سورة، وفيما بين السور وبعض، وفى القرآن كله جملة (1) .
والإعجاز اللغوي هو الذي وقع من جهته التحدي بالقرآن جملة وتفصيلاً أما من حيث الإعجاز العلمي - أي ما يعطيه من علوم - فهذا العطاء يتوقف على سلامة الفهوم، واستنارة الحلوم، وهذا ما يجعله مصلحا لكل زمان ومكان.
ومن حيث إعجازه الإصلاحي التهذيبي الاجتماعي فهو ينسق بين طبائع البشر بما لا يجعل لقويها طغيانا على ضعيفها، إذ يخاطب في كل حال بمقتضاه خطابا يستوثق به الوصول إلى المخاطبين في كل حين وحال.
والإعجاز الذاتي هو الذي يستبق الفهمُ الصريح إلى نظمه، أما ما عدا ذلك فلا يطرد في جميع القرآن.
فإخباره بالغيبيات ماضيها ومستقبلها، تنطق به آيات دون آيات، ووجوه الإعجاز العلمي سواء ما كان منها طبيا أو كونيا كظواهِرَ لها من النظريات تفسير تَبْرُز به معان مستجدة للقرآن الكريم يكون في آيات منه دون آيات، أما من حيث الإعجاز العددي فهو بلا شك يدخل في إطار
(1) النبأ العظيم صـ107.
الإعجاز الذاتي لأن الألفاظ من أول نزول القرآن إلى آخر يوم يُقرأ فيه هذا القرآن لم ولن يمسها نقص أو زيادة، مع أنه إعجاز غير مطرد في كل الآيات ولذلك تنقسم أوجه الإعجاز إلى ثوابت ومتغيرات، وهذه الثوابت تنقسم إلى: ثوابتَ مطردةٍ عامةٍ في كل الآيات والسور، وثوابتَ ينقدح وجودها في آيات دون آيات.
أما المتغيرات فهي كل ما يمس أصلا من أصول النظريات العلمية التي تقحمت على الإنسان مداخل فكره، فراح يصوب منها بعضَها بما يُلْهَم به من فكر فيستوضح بها معنى لآية أو آيات.
فالنص القرآني في نفسه من حيث هو كلام عربي، له وجه يتعلق به وهو اللغوي البياني، أو ما يسمى بالنظم، ووجه يتعلق بمفهوم النص القرآني ولو تأويلا من كل ما يستنبط منه أصول أو مفاتيح للعلوم ويقصد بالمؤول ما يؤول إليه فهم النص بعد استدراكه من خارج القرآن الكريم وثبت أنه من الحقائق العلمية التي لا تنقض.
وهناك وجه يتعلق بالنص من حيث المبالغة في معناه لإيجاد التوافُقِ أو التوفيق بينه وبين سائر النظريات التفسيرية لبعض الظواهر في هذا الكون الفسيح، واختط الثلاثة سبيلا واحدا هو إقامة البرهان على أن هذا الكلام لم يقله بشر وإنما هو من عند الله.
والنوعان الأخيران برز أولهما أولَ ما بَرَزَ أولُ الثلاثة وامتد معه على سبيل واحدة، حتى رافقهما في الآونة الأخيرة النوع الثالث، ليعلن الثلاثة بقاء قيام التحدي مع البرهان لكل الخلق على صدق كلام الخالق حتى تقوم الساعة، وأنه ما ينبغي لبشر أن يقوله، ولعل هذا مفاد قوله تعالى {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت: 53)
وتتلخص الخصائص التي تبرهن على أن القرآن من عند الله في أمور ثلاثة. (1)
أولاً: إعجاز القرآن.
ثانياً: نبوءات القرآن.
ثالثاً: القرآن والكشوف الحديثة.
وهذا التقسيم يوافق قول ابن القيم " وقد عدد العلماء وجوها من الإعجاز غير ما ذكرناه الأَوْلَى أن تعد من خصائصه. (2)
وعلى هذا يترجح أن تكون الثوابت التي هي من لوازم النص القرآني في كل آياته وفى كل عصر، هي المعتبرة في وجه الإعجاز، وما عدا ذلك يعد من خصائص القرآن الكريم.
فمن حيث نبوءات القرآن لا نجد غير القرآن الكريم ما تحققت نبوءاته حرفا حرفا، والنبوءات لا شك تبدأ من القرآن أولا، لا من الواقع ثم يصدق الواقع النبوءات فيما بعد، فمثلا في قوله تعالى:{سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ} " (القمر 45) هذه نبوءة قبل وجود الجمع حتى قال بعضهم متعجبا: أي جمع هذا، ثم تحقق الوعد للمسلمين والوعيد للكافرين - واستبان للمتعجب أي جمع قصد إليه القرآن يوم وعدهم بالنصر، وكل الآيات التي أطلق عليها أنها آيات علمية والتي أبانت عن مضمونها اكتشافات علمية أو ظواهر كونية، إنما برز المعنى في خارج القرآن ثم استفيد من الخارج المعنى الذي أضفى منه على هذه الآيات، ولذلك يقول الله تعالى"{سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} " ولذا لا تدخل هذه الآيات في إطار الإعجاز وإن دخلت في جملة البراهين على أن القرآن من عند الله.
(1) الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان طـ دار البحوث العلمية صـ123،127، 138.
(2)
الفوائد المشوق إلى علم القرآن وعلم البيان لابن القيم صـ255.