المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌المسألة الخامسة سئل، رحمه الله، عن هذه المسائل المفيدة: الأولى: إذا رأينا - فتاوى ومسائل (مطبوع ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الرابع)

[محمد بن عبد الوهاب]

الفصل: ‌ ‌المسألة الخامسة سئل، رحمه الله، عن هذه المسائل المفيدة: الأولى: إذا رأينا

‌المسألة الخامسة

سئل، رحمه الله، عن هذه المسائل المفيدة:

الأولى: إذا رأينا حديثًا في بعض الكتب، مثل الآداب، أو شرح الأربعين لابن حجر الهيثمي 1، أو المنازل، أو المشارق، أو الإقناع، أو المنتهى، ونسبه صاحبه إلى الصحيحين أو بعض المساند، هل يسوغ الأخذ به والعمل به، ولو لم نقف على الأصل؟

الثانية: إذا وجدنا روايتين عن الإمام أحمد مختلفتين، أو أقوالاً لأصحاب مختلفة، وكل يدلي بدليل، هل يجوز العمل بكل منهما؟ وإذا حكى بعض العلماء مثل صاحب الفروع أو غيره، كلامًا للإمام أحمد أو للأصحاب وأمثالهم في مسألة، ولم يذكر استدلالهم على ذلك بشيء، أو ذكر أن فلانًا قال: كذا، وفلانًا قال: كذا، بضد القول الأول، ما الحكم في ذلك؟ إذا قال: الصحيح أو المذهب كذا، هل يعمل به؟

الثالثة: إذا فسر بعض الأصحاب معنى حديث، واستدل به على حكم، وفسره آخر بضده، واستدل به على حكم يقابل الأول، أو نقل عن الإمام تفسير حديث، أو نقل آخر عنه ضده، مثل حديث "الإغلاق" 2، قال

1 في المخطوطة وطبعة الأسد: الهيتمي كما في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر وفي البدر الطالع اسمه: أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي، بالتاء.

2 ولفظه: لا طلاق ولا إعتاق في اغلاق.

ص: 27

ابن القيم عن الإمام أحمد أنه فسره بالغضب، ونقل غيره أنه - أي: الإمام أحمد - فسره بالإكراه.

الرابعة: قولهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وعلى من اجتهد أو قلد مجتهداً حيًا أو ميتًا، وإذا ورد حديثان متضادان في الحكم، مثل حديث "القلتين" و "بئر بضاعة"، ذكر العلماء 1 أن حديث "بئر بضاعة" مطلق، وحديث "القلتين" مقيد، فيحمل المطلق على المقيد، وذكر غيره أن هذا -أي حديث القلتين - (بالمفهوم والمطلق منطوق ما يسوغ لمثلنا) 2، وحديث القلتين استدلوا على صحته، وأن غيره يحمل عليه، بأنه عليه السلام سئل عن إناء ولغ فيه كلب فأمر بإراقته، ولم يسأل هل تغير أم لا.

الخامسة: الثلاث طلقات 3 المجموعة، ذكر الشيخ منصور في شرح الإقناع وقوعها، يُروى عن ابن عباس، وعن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر قال: وعن مالك بن الحارث قال: " جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثًا، فقال: إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان؛ فلم يجعل له مخرجًا ". وروى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد قال: " أُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلاً طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فغضب وقال: أيُلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، أفلا أقتله؟ "4. انتهى.

وأما ما روى طاووس عن ابن عباس

1 في طبعة الأسد: (ذكر بعض العلماء) ، وكذا في طبعة أبا بطين.

2 ما بين القوسين ساقط من طبعة أبا بطين.

3 في المخطوطة ساقطة. وقد ورد هذا السؤال في الدرر، وأثبتناه نظرًا لتغير الإجابة في بعض جملها.

4 النسائي: الطلاق (3401) .

ص: 28

قال: " كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلافة أبي بكر، وصدر من خلافة عمر: الثلاث واحدة

إلخ" 1، فقال الأثرم: 2 سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس بأي شيء تدفعه؟ 3 قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس بوجوه خلافه، ثم ذكر عن ابن عباس خلافه من وجوه أنها ثلاث. انتهى.

السادسة: قول أهل العلم: إن اتفاق الأئمة حجة واختلافهم رحمة، فما معنى كون اختلافهم رحمة؟ واحتج بهذه من اتبع بعض 4 المجتهدين.

السابعة: الحلف بالطلاق، ذكر الشيخ منصور في شرح الإقناع نقلاً عن اختيارات أبي العباس، قال: قال أبو العباس: تأملت نصوص أحمد، فرأيته يأمر باعتزال الرجل امرأته في كل يمين حلف الرجل عليها. انتهى.

فهذا من أبي العباس يدل على أن مذهب الإمام أحمد يدل على صحة الحلف بالطلاق.

الثامنة: مسألة الوقف على الأولاد، ذكر مصنف المنتهى في شرحه عن مسند الحميدي:" أن أبا بكر وسعداً وعمرو بن العاص وحكيم بن حزام تصدقوا على أولادهم بدور المدينة ".

التاسعة: قوله تبارك وتعالى: {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ

1 مسلم: الطلاق (1472)، والنسائي: الطلاق (3406)، وأبو داود: الطلاق (2199، 2200) .

2 في طبعة أبا بطين: الأشرم.

3 في طبعتي الأسد وأبا بطين: (أو دفعه) .

4 في طبعة أبا بطين: بدون (بعض) .

ص: 29

الْجَاهِلِيَّةِ} 1، وقوله:{الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ} 2، وقوله: 3 {وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} 4، ما معنى: سوء الظن بالله؟ وقوله: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ} 5، ما معناه؟ وما معنى إدخال البخاري إياه في كتاب الطب؟ وكذلك الحديث الذي أورده:" ما من مسلم يصيبه أذى " 6، فإن فسرتم "الأذى" بجميع المكروهات كما هو المشهور من معنى اللفظ الأخير:" ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى " 7، فعطف "الأذى" على ما تقدم، والعطف يقتضي المغايرة؛ هل المراد: المسلم 8 الذي لم يصدر منه شرك بالكلية، أم لا؟ وما معنى قولهم: من الشرك: التصنع للمخلوق 9، وخوفه ورجاؤه؟ وهل المراد به: الشرك الأكبر أو الأصغر؟ 10.

وقوله: " أنا عند ظن عبدي بي: إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن بي شرًا فله " 11، ما معناه؟ والحديث الذي فيه النهي عن قيل وقال، وعن كثرة السؤال وإضاعة المال، وقوله عليه السلام:" الشؤم في ثلاثة: في المرأة، والدار، والفرس " 12، ما معناه؟

وترك الخارص الثلث أو الربع، هل هو صحيح أم لا؟ فإن قلتم: لا، فما معنى الحديث

1 سورة آل عمران آية: 154.

2 سورة الفتح آية: 6.

3 في المخطوطة: (وقال) ، ولعل الصواب ما ذكر.

4 سورة فصلت آية: 23.

5 سورة النساء آية: 123.

6 البخاري: المرضى (5647)، ومسلم: البر والصلة والآداب (2571) ، وأحمد (1/381، 1/441، 1/455)، والدارمي: الرقاق (2771) .

7 البخاري: المرضى (5642)، ومسلم: البر والصلة والآداب (2573)، والترمذي: الجنائز (966) ، وأحمد (2/303، 2/335، 2/402، 3/4، 3/18، 3/24، 3/38، 3/48، 3/61، 3/81) .

8 في طبعةأبا بطين: بدون كلمة (المسلم) .

9 في طبعة أبا بطين: (المخلوق مسلم) .

10 في المخطوطة: تقديم (الأصغر) على (الأكبر) .

11 البخاري: التوحيد (7405)، ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار (2675)، والترمذي: الزهد (2388) والدعوات (3603)، وابن ماجة: الأدب (3822) ، وأحمد (2/391، 2/413، 2/445، 2/480، 2/482، 2/515، 2/517، 2/524، 2/534) .

12 في طبعةأبا بطين: (في المرأة والولد والفرس) .

ص: 30

الذي استدل به مَن جوّزه، وهو قوله للعباس:" هي علي، ومثلها معها "؟ وقوله: " الماهر بالقرآن 1 مع السفرة الكرام البررة. والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران "، هل المراد: حفظ حروفه، ويحصل الفضل بذلك أم لا؟ والحفظ مع فهم المعاني؟ وما معنى المشقة والتعاهد؟ وما معنى قوله: 2 " طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة "3. أفتونا مأجورين.

فأجاب، رحمه الله: اعلم - أرشدك الله -: أن الله سبحانه وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى الذي هو: العلم النافع، ودين الحق الذي هو: العمل الصالح؛ إذا كان من ينتسب إلى الدين: منهم من يتعانى بالعلم والفقه ويقول 4 به كالفقهاء، ومنهم من يتعانى العبادة وطلب الآخرة كالصوفية، فبعث الله نبيه بهذا الدين الجامع للنوعين.

ومن أعظم ما امتن الله 5 به عليه وعلى أمته، أن أعطاه جوامع الكلم، فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصى; وكذلك يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكلمة الجامعة. ومن فهم هذه المسألة فهمًا جيدًا، فهم قوله تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} 6، وهذه الكلمة أيضاً من جوامع الكلم، إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة. فعلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما أوصانا بقوله:

1 في طبعة الأسد: (في القرآن) ، وكذا في طبعة أبا بطين.

2 في طبعة الأسد ساقطة.

3 مسلم: الأشربة (2059)، والترمذي: الأطعمة (1820)، وابن ماجة: الأطعمة (3254) ، وأحمد (3/301، 3/315، 3/382)، والدارمي: الأطعمة (2044) .

4 في طبعتي الأسد وأبا بطين: (ويصول) ، بدلاً من (يقول) .

5 ساقطة من المخطوطة.

6 سورة المائدة آية: 3.

ص: 31

" عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي! تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة 1، وكل بدعة ضلالة "، وفهم أيضاً معنى قوله:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} 2. فإذا كان الله سبحانه قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله، أي: إلى كتابه، وإلى الرسول، أي: إلى سنته، علمنا قطعًا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع فيه الناس، وجد فيه ما يفصل النزاع.

وهذه كلمات يسيرة تحتاج إلى بسط طويل، وتشير إلى حظ جليل، وإنما قدمتها لأن من عرفها انجلى عنه إشكالات كثيرة في مسائل لا تحصر، منها بعض هذه المسائل المسؤول عنها، من ذلك جواب:

المسألة الثانية: إذا اختلف كلام أحمد وكلام أصحابه، فنقول: في محل النزاع، التراد إلى الله والرسول، لا إلى كلام أصحابه، ولا إلى الراجح المرجح من الروايتين والقولين، خطأ قطعًا، وقد يكون صوابًا. وقولك: إذا استدل كل منهما بدليل، فالأدلة 3 الصحيحة لا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضًا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل:(لأنه) 4 إما استدل بحديث لم يصح، وإما (لأنه) 5 فهم من كلمة صحيحة مفهومًا مخطئًا.

1 ساقطة من المخطوطة.

2 سورة النساء آية: 59.

3 في طبعة الأسد: (فالدلائل) ، وكذا في طبعة أبا بطين.

4 زيادة على المخطوطة.

5 زيادة على المخطوطة.

ص: 32

وبالجملة، 1 فمتى 2 رأيت الاختلاف، فرُدَّه إلى الله والرسول، فإذا تبين لك الحق فاتبعه، فإن لم يتبين واحتجت إلى العمل، فقلد من تثق بعلمه ودينه؛ وهل يتخير الرجل عند ذلك أو يتحرى أو يقلد الأعلم أو الأورع؟ فيه كلام ليس هذا موضعه.

فتبين بهذا جواب المسألة الثانية والثالثة والرابعة.

وأما المسألة الأولى: فإن كان صاحب الكتاب 3 ثقة مأمونًا، ونسبه إلى الصحيحين وغيرهما، جاز العمل بقوله، ولا أحد منع ذلك.

وأما المسألة الخامسة وهي قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة. فإن أراد القائل مسائل الخلاف كلها، فهذا باطل يخالفه إجماع الأمة؛ فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف أو أخطأ كائنًا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله قد بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئًا نبِّه على خطئه، وأُنكر عليه.

وإن أريد بمسائل الاجتهاد ومسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح، لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة الناس؛ فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر

1 في المخطوطة: فاء بدلا من الباء.

2 في طبعة الأسد وأبا بطين: (فمهما) .

3 في طبعة أبا بطين: (فإن كان صاحب الدلائل) .

ص: 33