الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
(26)
ثم قسم سبحانه أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: (للذين أحسنوا) بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الإيمان والأعمال والكف عما نهاهم عنه من المعاصي، وقيل للذين شهدوا أن لا إله إلا الله (الحسنى) أي المثوبة الحسنى وإن كان معه ذنوب، فعصاة المؤمنين داخلون في هذا، وقال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، والعرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها ولذلك ترك موصوفها، وقيل المراد بالحسنى الجنة.
(وزيادة) قيل المراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) وقيل الزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وبه قال جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت، وبه قال الحسن وعكرمة والضحاك ومقاتل والسدي.
وقيل الزيادة هي مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقيل الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، قاله علي بن أبي طالب، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان قاله مجاهد، وقيل هي ما يعطيهم سبحانه في الدنيا من فضله لا يحاسبهم عليه يوم القيامة، قاله ابن زيد، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في ذكره.
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال
فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم " (1).
وفي لفظ من حديث أبي موسى مرفوعاً: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن، أخرجه الدارقطني وابن جرير وغيرهما، وروي مثله عن جماعة من الصحابة مرفوعاً بطرق، وقد روي عن التابعين ومن بعدهم روايات في تفسير الزيادة غالبها أنها النظر إلى وجه الله سبحانه، وقد ثبت التفسير بذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق حينئذ لقائل مقال ولا التفات إلى المجادلات الواقعة بين المتمذهبة الذين لا يعرفون من السنة المطهرة ما ينتفعون به، فإنهم لو عرفوا ذلك لكفوا عن كثير من هذيانهم والله المستعان.
(ولا يرهق) الرهق الغشيان، وقيل أصله المقاربة، وقيل معناه يلحق ومنه قيل غلام مراهق إذا لحق بالرجال، وقيل يعلو والمعاني متقاربة والمعنى لا يغشى (وجوههم قتر) هو غبار معه سواد، وقيل سواد الوجه واحده قترة وقيل هو الدخان ومنه غبار القدر، وقيل التقليل ومنه ولم يقتروا، ومنه على المقتر قدره، وقيل الكآبة.
(ولا ذلة) هي ما يظهر على الوجه من الخضوع والانكسار والهوان، يعني لا يعلو وجوههم غبرة ولا يظهر فيها هوان، وقال مجاهد في الآية: خزي، وعن صهيب عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: هذا بعد نظرهم إليه عز وجل، أخرجه أبو الشيخ، والجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال، قاله أبو البقاء.
وهذا ليس بجائز لأن المضارع متى وقع حالاً منفياً بلا امتنع دخول واو الحال عليه كالمثبت أو في محل الرفع نسقاً على الحسنى، والتقدير وأن لا يرهق أي وعدم رهقهم.
(أولئك أي المتصفون بالصفات السابقة هم (أصحاب الجنة هم فيها خالدون) أي المتنعمون بأنواع نعمها لا يخرجون منها أبداً.
(1) الإمام أحمد، 4/ 333.
وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)
(والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) أي يجازى سيئة واحدة بسيئة واحدة لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة؛ وهذا أولى مما عداه وفيه سبعة أوجه قررها السمين لا نطول بذكرها، والمراد بالسيئة إما الشرك أو المعاصي التي ليست بشرك وهي ما يتلبس به العصاة من المعاصي، قال ابن كيسان: الباء زائدة والمعنى جزاء سيئة مثلها وقيل جزاء سيئة كائن بمثلها.
وقيل التقدير فلهم جزاء سيئة، وفيه التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات لأن الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة تفضلاً منه سبحانه وتكرماً، وأما السيئات فإنه يجازي فاعلها عليها بمثلها عدلا منه سبحانه.
(وترهقهم) أي تغشاهم (ذلة) أي هوان وخزي، وقال ابن عباس: ذلة وشدة (ما لهم من الله من عاصم) أي لا يعصمهم أحد كائناً من كان من سخط الله وعذابه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين والأول أولى.
(كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً) القطع بفتح الطاء جمع قطعة وبإسكانها جزء وهما قراءتان سبعيتان، قال ابن السكيت: القطع طائفة من الليل وقيل ظلمة آخر الليل، وقال الأخفش: سواد الليل، والجملة حالية أو مستأنفة أي أغشيت وألبست وجوههم قطعاً وسواداً من الليل في حال ظلمته.
(أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفات الذميمة (أصحاب النار هم فيها خالدون) إطلاق الخلود هنا مقيد بما تواتر في السنة من خروج عصاة الموحدين.
(ويوم نحشرهم جميعاً) الحشر الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد وقال مجاهد: الحشر الموت، ويوم منصوب على المفعولية بمضمر أي أنذرهم يوم نحشرهم لموقف الحساب، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوالهم القبيحة، والمعنى أن الله سبحانه يحشر العابد والمعبود لسؤالهم يوم القيامة.
(ثم نقول) في حالة الحشر ووقت الجمع (للذين أشركوا) تقريعاً لهم على رؤوس الأشهاد وتوبيخاً لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة وحضور معبوداتهم (مكانكم) أي الزموا مكانكم واثبتوا فيه وقفوا في موضعكم، ولا تنفكوا منه ولا تبرحوا عنه حتى تسألوا وتنظروا ما يفعل بكم، ونصب مكانكم على أنه في الأصل ظرف لفعل أقيم مقامه لا على أنه اسم فعل وحركته حركة بناء كما هو رأي الفارسي، قاله أبو السعود.
قال الخفاجى: وهذا كله تكلف، قال الدماميني: لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا الظرف اسم فعل إما لازماً وإما متعدياً، وهلا جعلوه ظرفاً على بابه ولم يخرجوه عن أصله أي اثبت مكانك انتهى وفيه بحث.
والضمير في قوله (أنتم) تأكيد للضمير الذي في مكانكم لسده مسد الزموا (وشركاؤكم) عطف عليه وقرىء بالنصب على المفعول معه، وفي هذا وعيد وتهديد للعابدين والمعبودين، والمراد بالشركاء هنا الملائكة وقيل الشياطين وقيل الأصنام وأن الله سبحانه ينطقها في هذا الوقت وقيل المسيح وعزير، والظاهر أنه كل معبود للمشركين كائناً ما كان.
(فزيلنا) أي فرقنا وقطعنا ما كان (بينهم) من التواصل في الدنيا يقال زيلته فتزيل أي فرقته فتفرق، والمزايلة المفارقة والتزايل التباين، قال السيوطي: ميزنا بينهم وبين المؤمنين، كما في آية (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) انتهى. وفيه مسامحة.
قال القرطبي: هذا التفسير بعيد من سابقه ولاحقه إذ هما في الكلام على المشركين ومعبوداتهم فالأولى القول الآخر الذي جرى عليه غيره كالبيضاوي والخازن ونص الخطيب: بينهم، أي بين المشركين وشركائهم، وذلك حين يتبرأ كل معبود عمن عبده، وهذا أنسب بقوله.
(وقال شركاؤهم) الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه، وإنما أضاف الشركاء إليهم مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه لكونهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم، فهم شركاؤهم في أموالهم من هذه الحيثية، وقيل لكونهم شركاءهم في هذا الخطاب والإضافة لأدنى ملابسة.
(ما كنتم إيّانا تعبدون) في الحقيقة ونفس الأمر، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم وشياطينكم الذين أغووكم، لأنها الآمرة لكم بالإشراك على حد قوله (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) الآية. وهذا الجحد من الشركاء وإن كان مخالفاً لما قد وقع من المشركين من عبادتهم فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة وتقديم المفعول للفاصلة.
فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)
(فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم) إن كنا أمرناكم بعبادتنا أو رضينا ذلك منكم (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) القائل لهذا الكلام هم المعبودون قالوا لمن عبدهم من المشركين، والمراد بالغفلة هنا عدم الرضاء بما فعله المشركون من العبادة لهم، أو عدم علمهم بها، أو كل من الأمرين.
وفي هذا دليل على أن هؤلاء المعبودين غير الشياطين لأنهم يرضون بما فعله المشركون من عبادتهم، قال أبو السعود: هذا من كلام الأصنام كما علمت. انتهى.
قلت: ويمكن أن يكونوا من الشياطين ويحمل هذا الجحد منهم على أنهم لم يجيروهم على عبادتهم ولا أكرهوهم عليها.
(هنالك) أي في ذلك المكان الدهش أو في ذلك الموقف الدحض أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان (تبلو) أي تختبر وتذوق (كل نفس) مؤمنة كانت أو كافرة، سعيدة أو شقية جزاء (ما أسلفت) من العمل وتعاينه بكنهه متتبعة لآثاره من نفع أو ضر، وخير أو شر، فمعنى تبلو تذوق وتختبر، وقيل تعلم وقيل تتبع فهو من التلو، وهذا على القراءة بالفوقية بإسناد الفعل إلى كل نفس.
وأما على القراءة بالنون فالمعنى أن الله يبتلي كل نفس ويختبرها وأنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها، ويجوز أن يراد يصيب بالبلاء أي
العذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر، والبلية والبلاء والبلوى واحد، والجمع البلايا ومعنى الكل الاختبار.
أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يؤدوهم النار ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (هنالك تبلو) الآية.
وعن ابن زيد قال: تعاين كل نفس ما عملت، وقرئ تتلو من التلاوة، أي تقرأ كل نفس صحيفة عملها من خير أو شر.
(وردوا) أي الذين أشركوا (إلى الله) أي إلى جزائه وما أعد لهم من عقابه والرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه (مولاهم) ربهم ومالكهم (الحق) صفة له، أي الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وقرئ بالنصب على المدح كقولهم الحمد لله أهل الحمد (وضل عنهم) أي ضاع وبطل وذهب في الموقف (ما كانوا يفترون) عليه من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة تشفع لهم إلى الله وتقربهم إليه.
والحاصل أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق ويعترفون به ويقرون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلهاً، ولكن حين لا ينفعهم ذلك. وعن السدي قال: نسخها قوله (بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم).
ثم لما بين الله سبحانه فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج الدامغة من أحوال الرزق والحواس والموت والحياة والابتداء والإعادة والإرشاد والهدى، وبنى سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤولين ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس فقال:
قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)
(قل) يا محمد للمشركين احتجاجاً لحقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الشرك؛ وهذه أسئلة ثمانية، جواب الخمسة الأولى منها منهم، وجواب الاثنين بعدها منه صلى الله عليه وسلم بتعليم الله إياه لعدم قدرتهم عليه، وجواب الأخير لم يذكر لشهرته والعلم به.
(من يرزقكم من السماء) بالمطر (والأرض) بالنبات والمعادن فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو من كل واحدة منهما توسعة عليكم، ومن لابتداء الغاية فإن اعترفوا حصل المطلوب وإن لم يعترفوا بأن الله هو الذي خلقهما فقل.
(أم من يملك السمع والأبصار) أم هي المنقطعة بمعنى بل وفي هذا إضراب انتقال، انتقال من سؤال إلى سؤال على القاعدة المقررة في القرآن لا إضراب إبطال، أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من أدنى شيء وحقيقة الملك معروفة ويلزمها الاستطاعة لأن المالك لشيء يستطيع التصرف فيه والحفظ له والحماية، لذلك تجوّز به عن كل منهما وخصهما بالذكر لما فيهما من الصنعة العجيبة والخلقة الغريبة حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم ويحصلون بهما من الفوائد ما لا يدخل تحت حصر الحاصرين، ثم انتقل إلى حجة ثالثة فقال (ومن يخرج الحي من الميت) أي الإنسان من النطفة والطير من البيضة والنبات من الحبة أو المؤمن من الكافر، والأول أقرب إلى الحقيقة (ويخرج الميت من الحي) أي النطفة من الإنسان أو الكافر من المؤمن، أو البيضة من الطائر الحي، والمراد
بهذا الاستفهام عمن يحيي ويميت، وهذه حجة رابعة ثم انتقل إلى حجة خامسة فقال:
(ومن يدبر الأمر) بين الخلائق أي يقدره ويقضيه، وهذا من عطف العام على الخاص لأنه قد عم ما تقدم وغيره (فسيقولون الله) أي سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات الخمس إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم، والمعنى الله يفعل ذلك.
(فقل) أمره أن يقول لهم ذلك وعظاً وتذكيراً بعد أن يجيبوا بهذا الجواب (أفلا تتقون) الاستفهام للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي تعلمون ذلك أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال، وتعبدون هذه الأموات والأصنام التي لا تقدر على شيء من هذه الأمور بل ولا تعلم به، وفي البيضاوي أفلا تتقون عقابه بإشراككم إياه ما لا يشاركه في شيء من ذلك.
(فذللكم) الذي يفعل هذه الأفعال (الله) وهو (ربكم) المتصف بأنه (الحق) لا ما جعلتموهم شركاء له في الموتى والأصنام، والاستفهام في قوله (فماذا بعد الحق إلا الضلال) للتقريع والتوبيخ إن كانت ما استفهامية لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام، والمعنى أي شيء بعد الحق إلا الضلال فإن ثبوت ربوبية الرب سبحانه حق بإقرارهم وكان غيره باطلاً لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وصفاته.
(فأنى تصرفون) أي كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر وتقعون في الضلال إذ لا واسطة بينهما فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر، والاستفهام للإنكار والاستبعاد والتعجب.
كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)
(كذلك) أي كما ثبت أن الحق ليس بعده إلا الضلال أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق كذلك (حقت كلمة ربك) أي حق حكمه وقضاؤه (على الذين فسقوا) خرجوا من الحق إلى الباطل وتمردوا في كفرهم عناداً ومكابرة، قال الزمخشري: أي مثل ذلك الحق حقت، وقال الزجاج: أي حقت عليهم هذه الكلمة ووجبت وهي (أنهم لا يؤمنون) أي عدم إيمانهم بدل كل من كل، أو المعنى لأنهم لا يؤمنون فيكون تعليلاً لحقيتها عليهم.
(قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده) أورد سبحانه في هذا حجة سادسة على المشركين وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقولها لهم وهم وإن كانوا لا يعترفون بالمعاد لكنه لما كان أمراً ظاهراً بيّناً وقد أقام الأدلة عليه في هذه السورة على صورة لا يمكن دفعها عند من أنصف ولم يكابر كان كالمسلم عندهم الذي لا جحد له ولا إنكار فيه.
والمعنى هل من هذه الأصنام والأموات التي تزعمون أنها آلهة من يقدر على أن ينشئ الخلق من العدم على غير مثال سبق ثم يعيده بعد الموت في القيامة كهيئته أول مرة للجزاء.
وهذا السؤال استفهام إنكار، وإنما لم يعطف على ما قبله إيذاناً باستقلاله في إثبات المطلوب، وعبارة أبي السعود هذا احتجاج آخر على حقية التوحيد
وبطلان الإشراك بإظهار كون شركائهم بمعزل عن استحقاق الألوهية ببيان اختصاص خواصها من بدء الخلق وإعادته به تعالى. اهـ
والحاصل أنه لا يقال إن الكفار ينكرون الإعادة والبعث فكيف يحتج عليهم بها لأن إلزام الخصم كما يصح بما يعترف به يصح أيضاً بما تبينت وثبتت حقيته لقوة برهانه، فلذا جعل الإعادة كالبدء في الإلزام لظهور برهانها وإن لم يعترفوا بها.
ولذلك أمر الرسول أن ينوب عنهم في الجواب كما قال سبحانه (قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) أي هو الذي يفعل ذلك لا غيره، وهذا القول الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر الله سبحانه له نيابة عن المشركين في الجواب كما تقدم، إما عن طريق التلقين لهم وتعريفهم كيف يجيبون وإرشادهم إلى ما يقولون، وإما لكون هذا المعنى قد بلغ في الوضوح إلى غاية لا يحتاج معها إلى إقرار الخصم ومعرفة ما لديه، وإما لكون المشركين لا ينطقون بما هو الصواب في هذا الجواب فراراً منهم عن أن تلزمهم الحجة أو أن يسجل عليهم بالمكابرة إن حادوا عن الحق.
(فأنى تؤفكون) أي فكيف تصرفون عن الحق وتنقلبون منه إلى غيره، والمراد التعجب من أحوالهم.
ثم أمره الله سبحانه أن يورد عليهم حجة سابعة فقال
(قل هل من شركائكم) الاستفهام هاهنا كالاستفهامات السابقة (من يهدي إلى الحق) الإستدلال بالهداية بعد الاستدلال بالخلق وقع كثيراً في القرآن كقوله (الذي خلقني فهو يهدين) وقوله (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) وقوله (الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) وفعل الهداية يجيء متعدياً باللام وإلى وهما بمعنى واحد، روى ذلك عن الزجاج.
وقيل كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء باللام للدلالة على أن المنتهى
غاية الهداية والمعنى متقارب، وقد يحذف الحرف تخفيفاً وقد جمع بين المتعديين هنا بحرف الجر، فعدى الأول والثالث بإلى والثاني باللام والتعدية بهذين الحرفين من باب التفنن في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين: والمراد بالحق في المواضع الثلاثة ضد الباطل.
ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب بقوله (قل) لهم (الله) الذي له الإحاطة الكاملة (يهدي للحق) من يشاء دون غيره ممن زعمتموهم شركاء، ودليل ذلك ما تقدم من الأدلة الدالة على اختصاصه سبحانه بهذا، وهداية الله سبحانه لعباده إلى الحق هي بما نصبه لهم من الآيات في المخلوقات وإرساله للرسل وإنزاله للكتب، وخلقه لما يتوصل به العباد إلى ذلك من العقول والأفهام والأسماع والأبصار.
والاستفهام في قوله (أفمن) للتقرير وإلزام الحجة والفاء لترتيبه على ما سبق وهو برهان ثامن لم يذكر جوابه في الآية، والمعنى أفمن (يهدي) الناس (إلى الحق) وهو الله سبحانه (أحق أن يتبع) ويقتدي (أم من لا يهدي) أي أم الأحق بأن يتبع ويقتدي به من لا يهتدي بنفسه (إلا أن يهدى) الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يهتدي في حال من الأحوال إلا في حال هدى الغير إياه، وكان مقتضى المقابلة أن يقال أم من لا يهدي، وإنما خولف إشارة إلى أنه إذا لم يهتد بنفسه لا يهدي غيره.
وقال النحاس: الاستثناء منقطع كما تقول فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع أي لكنه يحتاج أن يسمع، فمعنى إلا أن يهدى أي لكنه يحتاج أن يهدى (فما لكم كيف تحكمون) هذا تعجيب من حالهم باستفهامين متواليين أي أيُّ شيء يثبت لكم في هذه الحالة؟ فهذه جملة مستقلة، وكيف تحكمون لي باتخاذ هؤلاء شركاء لله؟ وهي جملة أخرى مستقلة، وكلا الاستفهامين للتقريع والتوبيخ.
ثم بين سبحانه ما هؤلاء عليه في أمر دينهم وعلى أي شيء بنوه وبأي شيء اتبعوا هذا الدين الباطل وهو الشرك فقال
(وما يتبع أكثرهم إلا ظناً) هذا كلام مبتدأ غير داخل في الأوامر السابقة، والمعنى ما يتبع هؤلاء المشركون في إشراكهم بالله وجعلهم له أنداداً إلا مجرد الظن والتخمين والتحدس، ولم
يكن ذلك عن بصيرة والتفات إلى فرد من أفراد العلم، فضلاً عن أن يسلكوا مسالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق المبنية على المقدمات اليقينية الصادقة فيفهموا مضمونها ويقفوا على مقتضاها وبطلان ما يخالفها، بل ظن من ظن من سلفهم أن هذه المعبودات تقربهم إلى الله وأنها تشفع لهم.
ولم يكن ظنه هذا لمستند قط بل مجرد خيال مختل وحدس باطل فقلدوا فيه آباءهم ولعل تنكير الظن هنا للتحقير، أي إلا ظناً ضعيفاً واهياً لا يستند إلى ما تستند إليه سائر الظنون.
وقيل المراد بالآية أنه ما يتبع أكثرهم في الإيمان بالله والإقرار به إلا ظناً والأول أولى، وقيل المراد بالأكثر الكل لأن جميعهم يتبعون الظن في دعواهم أن الأصنام تشفع لهم، قال الكرخي: وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز، وقيل المراد بالأكثر الرؤساء.
ثم أخبرنا الله سبحانه (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) لأن أمر الدين إنما ينبني على العلم وبه يتضح الحق من الباطل، والظن لا يقوم مقام العلم ولا يدرك به الحق ولا يغني عن الحق في شيء من الأشياء، والجملة مستأنفة لبيان شأن الظن وبطلانه ومن بمعنى عن والحق بمعنى العلم (إن الله عليم بما يفعلون) من الأفعال القبيحة الصادرة لا عن برهان فيندرج تحتها ما حكى عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعة والاتباع للظنون الفاسدة اندراجاً أولياً.
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)
(وما كان هذا القرآن أن يفترى) قيل إن بمعنى اللام أي ليفترى، وقيل بمعنى لا أي لا يفترى.
لما فرغ سبحانه من دلائل التوحيد وحججه شرع في تثبيت أمر النبوة أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشتمل على الحجج البينة والبراهين الواضحة مفترى من الخلق (من دون الله) وإنما هو من عند الله عز وجل، وكيف يصح أن يكون مفترى على سبيل الافتعال والاختلاق وقد عجز عن الإتيان بسورة منه القوم الذين هم أفصح العرب لساناً وأدقهم إذهاناً.
قال الفراء: ومعنى الآية وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله (وما كان لنبي أن يغل وكقوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) يعني ليس وصف القرآن وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر، وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب.
(ولكن) كان هذا القرآن، ووقعت لكن هنا أحسن موقع إذ هي بين نقيضين وهما الكذب والصدق المضمن للتصديق، وفيه أوجه (أحدها) العطف على خبر كان (الثاني) أنه خبر لكان مضمرة وتقدم تقديره وإليه ذهب الكسائي والفراء وابن سعدان والزجاج وهذا كالذي قبله في المعنى (الثالث) تقديره وما كان هذا القرآن أن يفترى ولكن أنزل للتصديق (والرابع) تقديره ولكن يصدق الذي، قاله السمين.
(تصديق الذي بين يديه) أي أمامه من الكتب الإلهية المنزلة على
الأنبياء قبله، أي أنها قد بشرت به قبل نزوله فجاء مصدقاً لها، ونفس هذا
التصديق معجزة مستقلة، لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه ولا اتصل بمن له علم بذلك، وقيل المعنى ولكن تصديق النبي الذي بين يدي القرآن وهو محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنهم شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن.
(وتفصيل الكتاب) التفصيل التبيين، أي بين ما في كتب الله المتقدمة، والألف واللام في الكتاب للجنس، وقيل أراد ما بين في القرآن من الأحكام فيكون المراد بالكتاب القرآن وقيل اللوح المحفوظ (لا ريب فيه) الضمير عائد إلى القرآن وهو داخل في حكم الاستدراك وهو خبر ثالث أو حال من الكتاب أي منتفياً عنه الريب أو مستأنف أو معترض بين تصديق وبين (من رب العالمين) أي كائن منه خبر رابع أو حال ثانية أو متعلق بتصديق أو بتفصيل أو التقدير أنزل للتصديق من رب العالمين.
(أم يقولون افتراه) الاستفهام للإنكار عليهم مع تقرير ثبوت الحجة وأم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي بل أيقولون افتراه واختلقه. وقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو أي ويقولون، وقيل الميم زائدة أي أيقولون والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار والاستبعاد، أي هذا القول منهم في غاية البعد والشناعة، وقيل التقدير أيقرون به أم يقولون.
ثم أمره الله سبحانه أن يتحداهم حتى يظهر عجزهم ويتبين ضعفهم فقال (قل) تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان مقالتهم الفاسدة (فأتوا) أي إن كان الأمر كما تزعمون من أن محمداً افتراه فأتوا أنتم على جهة الافتراء (بسورة مثله) في البلاغة وجودة الصناعة فأنتم مثله في معرفة لغة العرب وفصاحة الألسن، وحسن النظم وبلاغة الكلام، والمراد مثل هذه السورة لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه، هكذا قال الرازي وهي مكية والأولى التناول لجميع السور، فإنهم
لا يقدرون أن يأتوا بأقصر سورة.
(وادعوا) بمظاهريكم ومعاونيكم (من استطعتم) دعاءه والاستعانة به من قبائل العرب ومن آلهتكم التي تجعلونها شركاء لله (من دون الله) أي من سوى الله من خلقه (إن كنتم صادقين) في دعواكم إن هذا القرآن مفترى، فإن ذلك مستلزم لإمكان الإتيان بمثله، وهو أيضا مستلزم لقدرتكم عليه.
وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها وأظهرها للعقول، فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية قال: لهم هذا الذي نسبتموه إليّ وأنا واحد منكم ليس عليكم إلا أن تأتوا وأنتم الجمع الجَمّ بسورة مماثلة لسورة من سوره، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم، أو من غيرهم من بني آدم ومن الجن أو من الأصنام، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي فأنتم صادقون فيما نسبتموه إليّ والصقتموه بي.
فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف والتنزل البالغ بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة، بل كاعوا عن الجواب وتشبثوا بأذيال العناد البارد والمكابرة المجردة عن الحجة، وذلك مما لا يعجز عنه مبطل.
ومراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن أربعة: أولها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال تعالى (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن)
ثانيها: أنه تحداهم بعشر سور. قال تعالى (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات).
ثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال تعالى (فأتوا بسورة مثله)
رابعها: أنه تحداهم بحديث مثله كما قال تعالى (فليأتوا بحديث مثله)
فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله في إثبات إن القرآن معجز.
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40)
ثم إن الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن وأتى به عقب هذا التحدي البالغ فقال
(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) فأضرب عن الكلام الأول وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه وما اشتمل عليه، وهكذا صنع من تصلب في التقليد ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف، بل يرده بمجرد كونه لم يوافق هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه ويعلم مبناه كما تراه عياناً، وتعلمه وجداناً.
والحاصل أن من كذب بالحجة النيرة والبرهان الواضح قبل أن يحيط بعلمه فهو لم يتمسك بشيء في هذا التكذيب إلا مجرد كونه جاهلاً إنما كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب، منادياً على نفسه بالجهل بأعلى صوته ومسجلاً بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل، وليس على الحجة ولا على من جاء بها من تكذيبه شيء.
ما يبلغ الأعداء من جاهل
…
ما يبلغ الجاهل من نفسه (ولما يأتهم تأويله) أي بل كذبوا بما لم يحييطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله، أي كذبوا به حال كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به ولا بلغته عقولهم ولا وصلت أذهانهم معانيه الرائقة المُنبئة عن علو شأنه.
والمعنى أن التكذيب وقع منهم قبل الإحاطة بعلمه، وقبل أن يعرفوا ما
يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه من حكاية ما سلف من أخبار الرسل المتقدمين، والأمم السابقين، ومن حكايات ما سيحدث من الأمور المستقبلة التي أخبر عنها قبل كونها أو قبل أن يفهموه حق الفهم وتتعقله عقولهم، فإنهم لو تدبروه كل التدبر لفهموه كما ينبغي، وعرفوا ما اشتمل عليه من الأمور الدالة أبلغ دلالة على أنه كلام الله.
وعلى هذا فمعنى تأويله ما يئول إليه لمن تدبره من المعاني الرشيقة واللطائف الأنيقة وكلمة التوقع أظهر في المعنى الأول، والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم ومن جهة المعنى من حيث الإخبار بالغيب.
(كذلك) أي مثل ذلك التكذيب (كذب الذين من قبلهم) من الأمم عند أن جاءتهم الرسل بحجج الله وبراهينه فإنهم كذبوا به قبل أن يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) من الأمم السالفة من سوء العاقبة بالخسف والمسخ ونحو ذلك من العقوبات التي حلت بهم، كما حكى ذلك القرآن عنهم واشتملت عليه كتب الله المنزلة عليهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل فرد من الناس والجملة في قوة فأهلكناهم.
(ومنهم) أي ومن هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن (من يؤمن به) في نفسه ويعلم أنه صدق وحق ولكنه كذَّب مكابرة وعناداً، وقيل المراد ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن كذب به في الحال (ومنهم من لا يؤمن به) ولا يصدقه في نفسه بل كذب به جهلاً وتقليداً، أو لا يؤمن به في المستقبل بل يبقى على جحوده وإصراره؛ وقيل الضمير في الموضعين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قيل أن هذا التقسيم خاص بأهل مكة، وقيل عام في جميع الكفار (وربك أعلم بالمفسدين) فيجازيهم بأعمالهم والمراد بهم المصرون المعاندون.
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)
(وإن كذبوك فقل) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إن أصروا على تكذيبه واستمروا عليه (لي) جزاء (عملي ولكم عملكم) أي جزاؤه فقد أبلغت إليكم ما أمرت بإبلاغه وليس علي غير ذلك، ثم أكد بقوله (أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) أي لا تؤاخذون بعملي ولا أوخذ بعملكم، وفيه توكيد لما أفادته لام الاختصاص من عدم تعدي أجر العمل إلى غير عامله.
وقد قيل أن هذا منسوخ بآية السيف لما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم كما ذهب إليه جماعة من المفسرين منهم مقاتل والكلبي، وعن ابن زيد قال: أمره الله بهذا ثم نسخه فأمره بجهادهم.
قال الرازي: وهو بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، بل هو باق فكان القول بالنسخ باطلاً.
(ومنهم من يستمعون إليك) بين الله سبحانه في هذا إن في أولئك الكفار من بلغت حاله، في النفرة والعداوة إلى هذا الحد وهي أنهم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة لعدم حصول أثر السماع وهو حصول القبول والعمل بما يسمعونه، وجمع الضمير في يستمعون حملاً على معنى من وأفرده في ومنهم من ينظر حملاً على لفظه، قيل والنكتة كثرة المستمعين بالنسبة إلى الناظرين لان
الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر من المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع والنور الموافق لنور البصر، والتقدير في قوله ومنهم من يستمعون ومنهم من ينظر ومنهم ناس يستمعون ومنهم بعض ينظر.
(أفأنت تسمع الصم) الهمزة للإنكار يعني أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صم والصمم مانع من سماعهم فكيف يطمع منهم في ذلك مع حصول المانع وهو الصمم، فكيف إذا انضم إلى ذلك (ولو كانوا لا يعقلون) فإن من كان أصمَّ غير عاقل لا يفهم شيئاً ولا يسمع ما يقال له، والفاء عاطفة.
وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه، ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مريضة بمعارضة الوهم ومتابعة الإلف والتقليد، تعذر أفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق.
والكلام في
(ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) كالكلام فيما تقدم لأن العمى مانع فكيف يطمع من صاحبه في النظر، وقد انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهماً يقوم مقام النظر، وكذلك الأصم العاقل قد يتحدس تحدساً يفيده بعض فائدة بخلاف من جمع له بين عمى البصر والبصيرة فقد تعذر عليه الإدراك، وكذا من جمع له بين الصمم وذهاب العقل فقد انسد علبيه باب الهدى.
والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه واستراح من الاشتغال به والهمزة للإنكار.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)
(إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك، ولم يظلمهم الله شيئاً من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية *فعلى نفسها براقش تجني*
قيل والنكتة في وضع الظاهر موضع المضمر زيادة اليقين والتقرير، وتقديم المفعول على الفعل لإفادة القصر أو لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة.
(و) اذكر (يوم نحشرهم) أي المشركين المنكرين للبعث لموقف الحساب، وأصل الحشر إخراج الجماعة وإزعاجهم من مكانهم أي إحياؤهم من القبور (كأن) أي كأنهم (لم يلبثوا) أي مشبهين بمن لم يلبث (إلا ساعة من النهار) أي شيئاً قليلاً.
والمراد باللبث هو اللبث في الدنيا وقيل في القبور، استقلوا المدة الطويلة إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم أو استقصروها للدهش والحيرة أو لطول وقوفهم في المحشر أو لشدة ما هم فيه من العذاب، نسوا لذات الدنيا وكأنها لم تكن ومثل هذا قولهم (لبثنا يوماً أو بعض يوم) أو لأن مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة قليل جداً.
والمقصود من هذا التشبيه كما قاله أبو السعود بيان كمال سهولة الحشر بالنسبة إليه تعالى ولو بعد دهر طويل، وإظهار بطلان استعبادهم وإنكارهم له بقولهم (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون) ونحو ذلك أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكال والصور فإن اللبث اليسير يلزمه عدم التبدل والتغير.
والمراد بالساعة الزمن القليل فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها بالنهار لأن ساعاته أعرف حالاً من ساعات الليل.
(يتعارفون بينهم) أي يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً، بيان وتقرير لما سبق وذلك يقع في الحشر الذي هو الاجتماع أي في ابتدائه وينقطع في أثنائه وقيل عند خروجهم من القبور ثم ينقطع التعارف بينهم لما بين أيديهم من الأمور المدهشة للعقول المذهلة للأفهام، وأما البعث فلا تعارف فيه لعدم الاجتماع الذي هو لازمه.
وهذا أحد وجهين في المقام ذكره البيضاوي وأبو البقاء، وغالب المفسرين على خلافه وهو تفسير الحشر بالبعث من القبور وجرى على هذا أبو السعود والخازن والقرطبي، وقيل أن هذا التعارف هو تعارف التوبيخ والتقريع يقول بعضهم لبعض أنت أضللتني وأغويتني، لا تعارف شفقة ورأفة كما قال تعالى (ولا يسأل حميم حميماً) وقوله تعالى (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) فيجمع بأن المراد بالتعارف هو تعارف التوبيخ، وعليه يحمل قوله (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول) وقوله تعالى (كلما دخلت أمة) الآية وقوله (ربنا إنا أطعنا سادتنا) الآية، قال القرطبي: وهو الصحيح.
وقد جمع بين الآيات المختلفة في مثل هذا وغيره بأن المواقف يوم القيامة مختلفة فقد يكون في بعض المواقف ما لا يكون في الآخر.
(قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) هذا تسجيل من الله سبحانه عليهم
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)
بالخسران وتعجيب منه ولذا أتى بحرف التحقيق، والمراد باللقاء يوم القيامة عند الحساب والجزاء أي من باع آخرته الباقية بدنياه الفانية قد خسر لأنه آثر الفاني على الباقي، والجملة مستأنفة أو في محل نصب بإضمار قول أي قائلين قد خسر (وما كانوا مهتدين) نفى عنهم أن يكونوا من جنس المهتدين لجهلهم وعدم طلبهم لما ينجيهم وينفعهم ويصلحهم.
(وإما نرينك بعض الذي نعدهم) أصله إن نُرِكَ وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ولأجله زيدت نون التأكيد خلافاً لسيبويه، والمعنى أن حصلت منا الإراءة لك بعض الذي وعدناهم من إظهار دينك في حياتك بقتلهم وأسرهم، وجواب الشرط محذوف، والتقدير فتراه أو فذاك.
وجملة (أو نتوفينك) معطوفة على ما قبلها، المعنى أو لا نرينك ذلك في حياتك بل نتوفينك قبل ذلك (فإلينا مرجعهم) فعند ذلك نعذبهم في الآخرة فنريك عذابهم فيها، وجواب أو نتوفينك محذوف أيضاً والتقدير أو نتوفينك قبل الإراءة فنحن نريك ذلك في الآخرة، وقيل أنه جواب للشرط وما عطف عليه إذ معناه صالح لذلك، وإلى هذا ذهب العوفي وابن عطية.
وقيل أن جواب أو نتوفينك هو قوله فإلينا مرجعهم لدلالته على ما هو
المراد من إراءة النبي صلى الله عليه وسلم تعذيبهم في الآخرة وقيل العدول في الموضعين إلى صيغة المستقبل لاستحضار الصورة، والأصل أريناك أو توفيناك وفيه نظر فان إراءة صلى الله عليه وسلم ببعض ما وعد المشركين من العذاب لم تكن قد وقعت كالوفاة.
وحاصل معنى هذه الآية: إن لم ننتقم منهم عاجلاً انتقمنا منهم آجلاً، وقد أراد الله قتلهم وأسرهم وذلهم وذهاب عزهم وانكسار سورة كبرهم بما أصابهم به في يوم بدر وما بعده من المواطن فلله الحمد.
(ثم الله شهيد على ما يفعلون) من تكذيبهم وكفرهم فيعذبهم أشد العذاب وجاء بثم الدالة على التبعيد مع كون الله سبحانه شهيدا على ما يفعلونه في الدارين للدلالة على أن المراد بهذه الأفعال ما يترتب عليها من الجزاء أو ما يحصل من إنطاق الجوارح بالشهادة عليهم يوم القيامة، فجعل ذلك بمنزلة شهادة الله عليهم كما ذكره النيسابوري.
وفي السمين (ثم) هنا ليست للترتيب الزماني بل هي لترتيب الأخبار لا لترتيب القصص في نفسها كقولك زيد عالم ثم هو كريم.
قال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، كأنه قيل ثم الله معاقب على ما يفعلون، وفيه وعيد لهم وتهديد شديد.
(ولكل أمة) من الأمم الخالية في وقت من الأوقات (رسول) يرسله الله إليهم يبين لهم ما شرعه الله لهم من الأحكام على حسب ما تقتضيه المصلحة (فإذا جاء رسولهم) إليهم وبلغهم ما أرسله الله به فكذبوه جميعاً (قضى بينهم) أي بين الأمة ورسولها (بالقسط) أي العدل فنجا الرسول وهلك المكذبون له، فيكون ما يعذبون به عدلاً لا ظلماً كما قال سبحانه (وما
كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وقوله تعالى (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)
ويجوز أن يراد بالضمير في (بينهم) الأمة على تقدير أنه كذبه بعضهم وصدقه البعض الآخر فيهلك المكذبون وينجو المصدقون، وفي وقت هذا القضاء قولان أحدهما أنه في الدنيا، والآخر أنه في الأخرة، والأول أولى.
(وهم لا يظلمون) في ذلك القضاء فلا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة، ومنه قوله تعالى (وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم) وقوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) والمراد المبالغة في إظهار العدل والنصفة بين العباد.
ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبه الكفار
(و) ذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما هددهم بنزول العذاب كانوا (يقولون متى هذا الوعد) والاستفهام منهم للإنكار والاستبعاد، والقدح في النبوة لا طلباً لتعيين وقت مجيئه على وجه الإلزام كما في سورة الملك فإن المطلوب هناك تعيين الوقت.
(إن كنتم صادقين) خطاباً منهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين، ويحتمل أن يراد بالقائلين هذه المقالة جميع الأمم الذين لم يسلموا لرسلهم الذين أرسلهم الله إليهم.
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم بما يحسم مادة الشبهة ويقطع اللجاج فقال
(قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً) أي لا أقدر على جلب نفع لها ولا دفع ضر عنها، فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري، وقدم الضر لأن السياق لإظهار العجز عن ظهور الوعد الذي استعجلوه واستبعدوه.
والاستثناء في قوله (إلا ما شاء الله) منقطع كما ذكره أئمة التفسير، وبه قال الزمخشري أي ولكن ما شاء الله من ذلك كان فكيف اقدر على أن أملك لنفسي ضراً أو نفعاً، وقيل متصل تقديره إلا ما شاء الله أن أملكه وأقدر عليه، والأول أولى.
وفي هذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين رزقهم وإحياهم ويميتهم فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع.
وحسبك في هذه الآية موعظة فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه، فضلاً عن أن يملكه لغيره.
فيا عجباً لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، كيف لا يتيقظون لما وقعوا به من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول قل هو الله أحد.
وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى بل إلى ما هو أشد
منها. فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقربين إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر.
ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، إنا لله وإنا إليه راجعون.
ثم بين سبحانه أن لكل طائفة حداً محدوداً لا يتجاوزونه فلا وجه لاستعجال العذاب فقال (لكل أمة) ممن قضى بينهم وبين رسولهم أو بين بعضهم لبعض (أجل) أي وقت خاص ومدة مضروبة يحل بهم ما يريده الله سبحانه لهم عند حلوله والأجل يطلق على مدة العمر، وعلى آخر جزء منه، والمراد هنا الثاني كما يؤخذ من التفاسير.
(فإذا جاء أجلهم) أي أجل كل أمة، قال أبو السعود: أن جعل الأجل عبارة عن حد معين من الزمان فمعنى مجيئه ظاهر، وأن أريد به ما امتد من الزمان فمجيئه عبارة عن انقضائه إذ هناك يتحقق مجيئه بتمامه (فلا يستأخرون) عن ذلك الأجل المعين (ساعة) أي شيئاً قليلاً من الزمان (ولا يستقدمون) منه، ومثله قوله تعالى (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) والسين زائدة فيهما، والكلام على هذه الآية المذكورة هنا قد تقدم في تفسير الآية التي في أول الأعراف فلا نعيده.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51)
(قل أرأيتم إن أتاكم عذابه) هذا منه سبحانه تزييف لرأي الكفار في استعجال العذاب بعد التزييف الأول، أي أخبروني عن عذاب الله إن أتاكم أي شيء تستعجلون منه وليس شيء من العذاب يستعجله العاقل، إذ العذاب كله مر المذاق، موجب لنفار الطبع منه.
فتكون جملة الاستفهام جاءت على سبيل التلطف بهم، والتنبيه لهم على أن العذاب لا ينبغي أن يستعجل، أو جاءت على سبيل التعجب والتهويل للعذاب، أي أيُّ شيء شديد تستعجلون منه، أي ما أشد وما أهول ما تستعجلون من العذاب. قاله أبو حيان.
(بياتاً) أي وقت بيات، والمراد به الوقت الذي يبيتون فيه وينامون ويغفلون عن التحرز، والبيات بمعنى التبييت اسم مصدر كالسلام بمعنى التسليم، وكذلك قوله (أو نهاراً) أي وقت الاشتغال بطلب المعاش والكسب، والاستفهام في قوله (ماذا يستعجل منه المجرمون) للإنكار المتضمن للنهي كما في قوله (أتى أمر الله فلا تستعجلوه)
ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم إن العذاب مكروه تنفر منه القلوب وتأباه الطبائع فما المقتضى لاستعجالهم له، وضمير منه راجع إلى العذاب، وقيل إلى الله، والجملة جواب الشرط بحذف الفاء وقيل أن الجواب محذوف.
والمعنى أن أتاكم عذابه تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ منكم فيه، وقيل أن الجواب قوله
(أثُّمَّ إذا ما وقع) ويكون جملة ماذا يستعجل اعتراضاً، والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، والأول أولى.
قال الحفناوي: ولم يقل يستعجلون منه للدلالة على ما يوجب ترك الاستعجال وهو الإجرام لأن من حق المجرم أن يخاف من العذاب على إجرامه وأن يهلك فزعاً من مجيئه وأن ابطأ فكيف يستعجله.
ودخول الهمزة الاستفهامية في (أَثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به) لإنكار إيمانهم حيث لا ينفع الإيمان وذلك بعد نزول العذاب، وهو يتضمن معنى التهويل عليهم وتفظيع ما فعلوه في غير وقته مع تركهم له في وقته الذي يحصل به النفع والدفع، وهذه الجملة داخلة تحت القول المأمور به، وجيء بكلمة ثم التي للتراخي دلالة على الاستبعاد، وجيء بإذا مع زيادة ما للتأكيد دلالة على تحقق وقوع الإيمان منهم في غير وقته ليكون في ذلك استجهال لهم.
والمعنى أبعد ما وقع عذاب الله عليكم وحل بكم سخطه وانتقامه آمنتم حين لا ينفعكم هذا الإيمان شيئاً ولا يدفع عنكم ضراً، وقيل أن هذه الجملة ليست داخلة تحت القول المأمور به وأنها من قول الملائكة استهزاء بهم وإزراء عليهم، والأول أولى، وقيل ثم هنا بفتح الثاء بمعنى هناك والأول أولى.
(آلآن) بهمزتين الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة ال المعرفة إذا اجتمع هاتان الهمزتان وجب في الثانية أحد أمرين: تسهيلها من غير ألف بينها وبين الأولى وإبدالها مداً بقدر ثلاث ألفات، وقد وقع في القرآن الكريم من هذا القبيل ستة مواضع اثنان في الأنعام وهما (آلذكرين) مرتين، وثلاثة في هذه السورة فقط آلآن هنا وفيما سيأتي ولفظ (آلله أذن لكم) وواحد في النمل (آلله خير) فلا يجوز في هذه المواضع الستة تحقيق الهمزتين، بل يجب أحد الأمرين اللذين قد عرفتهما، قيل هو استئناف بتقدير للقول غير داخل تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، أي قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به (و) الحال أنكم (قد كنتم به) أي العذاب (تستعجلون) يعني تكذبون لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والاستهزاء ويكون المقصود بأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول على سبيل التوبيخ لهم والازراء عليهم.
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)
(ثم قيل للذين ظلموا) أنفسهم بالكفر وعدم الإيمان (ذوقوا عذاب الخلد) أي العذاب الدائم الذي لا ينقطع وهو عطف على ما قدر قبل آلآن، والمراد منه التقريع والتوبيخ لهم يوم القيامة على سبيل الإهانة، أي قيل لهم أن هذا الذي تطلبونه ضرر محض عار عن النفع من كل وجه، والعاقل لا يطلب ذلك، والقائل لهم هذه المقالة قيل هم خزنة جهنم، ولا يبعد أن يكون القائل لذلك هم الأنبياء على الخصوص أو المؤمنون على العموم.
(هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) في الحياة الدنيا من الكفر والمعاصي والأعمال والاستفهام للتقرير، والاستثناء مفرغ وكأنه يقال لهم هذا القول عند استغاثتهم من العذاب وحلول النقمة بهم.
ثم حكى الله سبحانه عنهم بعد هذا البيانات البالغة والجوابات عن أقوالهم الباطلة أنهم استفهموا تارة أخرى عن تحقق العذاب فقال
(ويستنبئونك) أي يستخبرونك على جهة الاستهزاء منهم والإنكار (أحق هو) أي ما تعدنا به من العذاب في العاجل والآجل، وهذا السؤال منهم جهل محض وظلمات بعضها فوق بعض، فقد تقدم ذكره عنهم مع الجواب عليه، فصنيعهم في هذا التكرير صنيع من لا يعقل ما يقول ولا ما يقال له.
وقيل المراد بهذا الاستخبار منهم هو عن حقية القرآن.
(قل) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم في جواب استفهامهم الخارج مخرج الاستهزاء، أي قل لهم يا محمد غير ملتفت إلى
ما هو مقصودهم من الاستهزاء (إي) أي نعم (وربي إنه) أي أن ما أعدكم به من العذاب (لحق) ثابت كائن لا محالة.
ْوفي هذا الجواب تأكيد من وجوه (الأول) القسم مع دخول الحرف الخاص بالقسم الواقع موقع نعم (الثاني) دخول إن المؤكدة (الثالث) اللام في لحق (الرابع) اسمية الجملة وذلك يدل على أنهم قد بلغوا في الإنكار والتمرد إلى الغاية التي ليس وراءها غاية.
ثم توعدهم بأشد توعد ورهبهم بأعظم ترهيب فقال (وما أنتم بمعجزين) أي فائتين العذاب بالهرب والتحيل الذي لا ينفع والمكابرة التي لا تدفع من قضاء الله شيئاً بل هو مدرككم ولا بد، وهذه الجملة إما معطوفة على جملة جواب القسم أو مستأنفة لبيان عدم خلوصهم عن عذاب الله بوجه من الوجوه.
ثم زاد في التأكيد فقال
(ولو) امتناعية على ما هو الكثير فيها (أن لكل نفس) من الأنفس المتصفة بأنها (ظلمت) نفسها بالكفر بالله وعدم الإيمان به (ما في الأرض) من كل شيء من الأشياء التي تشتمل عليها من الأموال النفيسة والذخائر الفائقة (لافتدت به) أي جعلته فدية لها من العذاب يوم القيامة لا ينفعها الفداء ولا يقبل منها، ومثله قوله تعالى (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به)
ويجوز أن يكون الافتداء متعدياً وأن يكون قاصراً، فإذا كان مطاوعاً لمتعد كان قاصراً، تقول فديته فافتدى وإن لم يكن مطاوعاً يكون بمعنى فدى فيتعدى لواحد، والفعل يحتمل الوجهين فإن جعلناه متعدياً فمفعوله محذوف تقديره لافتدت به نفسها وهو من المجاز كقوله تعالى (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها).
(وأسروا الندامة) الضمير راجع إلى الكفار الذين سياق الكلام معهم،
وقيل راجع إلى الأنفس المدلول عليها بكل نفس وإن كان المراد خصوص الرؤساء منهم.
ومعنى أسروا أخفوا، أي لم يظهروا الندامة على ترك الإيمان بل أخفوها لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب عقولهم وذهب بتجلدهم، ويمكن أنه بقي فيهم وهم على تلك الحالة عرق ينزعهم إلى العصبية التي كانوا عليها في الدنيا فأسروا الندامة لئلا يشمت بهم المؤمنون.
وقيل أسرها الرؤساء فيما بينهم دون اتباعهم خوفاً من توبيخهم لهم لكونهم هم الذين أضلوهم وحالوا بينهم وبين الإسلام، وقيل معنى أسروا أظهروا لأن أسر من الأضداد ومعنى الأول هو الشهور في اللغة وهو في الآية يحتمل الوجهين؛ وقيل وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم لأن الندامة لا يمكن إظهارها.
وذكر المبرد في ذلك وجهين: الأول: أنها بدت في وجوهم أسرة الندامة وهي الانكسار واحدها سرار وجمعها أسارير والثاني: ما تقدم وقيل معنى أسروا الندامة أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها، قيل أنه ماض على بابه قد وقع، وقيل بل هو بمعنى المستقبل.
(لما) ظرف بمعنى حين أي حين (رأوا العذاب) أي وقوع هذا منهم كان عند رؤية العذاب ومعاينته، وأما بعد الدخول فيه فهم الذين قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا.
(وقضي بينهم بالقسط) أي العدل مستأنفة وهو الظاهر أو معطوفة على رأوا أي قضى الله بين المؤمنين وبين الكافرين أو بين الرؤساء أو بين الظالمين من الكفار والمظلومين بالعدل، وقيل معنى القضاء بينهم إنزال العقوبة عليهم (وهم لا يظلمون) أي لا يظلمهم الله فيما فعله بهم من العذاب الذي حل بهم فإنه بسبب ما كسبوا.
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56)
وجملة
(ألا إن لله ما في السماوات والأرض) مسوقة لتقرير كمال قدرته لأن من ملك ما في السماوات والأرض يتصرف به كيف يشاء، وغلب غير العقلاء لأنهم أكثر المخلوقات، قيل لما ذكر سبحانه افتداء الكفار بما في الأرض لو كان لهم ذلك بين أن الأشياء كلها لله وليس لهم شيء يتمكنون من الافتداء به.
وقيل لما أقسم على حقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يصحب من ذلك بدليل البرهان البين، بأن ما في العالم على اختلاف أنواعه ملكه يتصرف به كيف يشاء وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه انتباه للغافلين وإيقاظ للذاهلين.
ثم أكد ما سبق بقوله (ألا إن وعد الله حق) أي كائن لا محالة وهو عام يندرج فيه ما استعجلوه من العذاب اندارجاً أولياً، وتصدير الجملة بحرف التنبيه كما قلنا في التي قبلها مع الدلالة على تحقق مضمون الجملتين وتقرير ما سلف من الآيات الكريمة والتنبيه على وجوب استحضار المحافظة عليه (ولكن أكثرهم) أي أكثر الناس يعني الكفار (لا يعلمون) ما فيه صلاحهم فيعملون به وما فيه فسادهم فيجتنبونه لقصور عقلهم واستيلاء الغفلة عليهم.
(هو يحيي ويميت) أي يهب الحياة ويسلبها (وإليه ترجعون) في الدار الآخرة فيجازي كلاًّ بما يستحقه ويتفضل على من يشاء من عباده.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)
(يا أيها الناس) قيل أراد قريشاً وقيل هو على العموم وهو الأولى واختاره الطبري وفيه التفات ورجوع إلى استمالتهم عقب تحذيرهم من غوائل الضلال وشروع في بيان أدلة الرسالة بعد بيان أدلة التوحيد (قد جاءتكم موعظة) يعني القرآن فيه ما يتعظ به من قرأه وعرف معناه والوعظ في الأصل هو التذكير بالعواقب سواء كان بالترغيب أو الترهيب، والواعظ هو كالطبيب، ينهى المريض عما يضره وقيل الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
(من ربكم) من لابتداء الغاية وهو مجاز، أو للتبعيض أي موعظة كائنة من مواعظ ربكم (وشفاء لما في الصدور) من الشكوك التي تعتري بعض المرتابين لوجود ما يستفاد منه فيه من العقائد الحقة، واشتماله على تزييف العقائد الباطلة.
عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أشتكي صدري، فقال: اقرأ القرآن، يقول الله:(شفاء لما في الصدور) أخرجه ابن المنذر وابن مردويه.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه قال: >>عليك بقراءة القرآن والعسل فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء<< والشفاء في الأصل مصدر جعل وصفاً مبالغة أو هو اسم لما يشفى به أي يتداوى فهو كالدواء لما
يداوى به، وإنما خص الصدر بالذكر لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه، وداء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، والقرآن مزيل لأمراض القلب كلها.
(وهدى ورحمة للمؤمنين) بأنجائهم من الضلال، نزل بالعطف تغاير الصفات منزلة تغاير الذات، والهدى والإرشاد لمن اتبع القرآن وتفكر فيه وتدبر معانيه إلى الطريق الموصلة إلى الجنة، والرحمة هي ما يوجد في الكتاب العزيز من الأمور التي يرحم بها عباده فيطلبها من أراد ذلك حتى ينالها فالقرآن العظيم مشتمل على هذه الأمور جامع لهذه الأشياء كلها.
قال الكرخى: والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الباطن عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة، والهدى إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين، وهي النبوة فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره إ-هـ.
ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل الخطاب معه بعد خطابه للناس على العموم فقال
(قل بفضل الله وبرحمته) المراد بالفضل من الله سبحانه تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحييط به الحصر والرحمة رحمة لهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام؛ وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة إن فضل الله الإيمان ورحمته القرآن.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: فضل الله القرآن ورحمته: أن جعلكم من أهله. رواه أبو الشيخ وابن مردويه، وقد روي عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدمة، والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم، ولدخل في ذلك ما في القرآن منهما دخولاً أولياً.
وتكرير الباء في برحمته للدلالة على أن كل واحد من الفضل والرحمة
سبب مستقل في الفرح، وأصل الكلام قل بفضل الله وبرحمته فيفرحوا ثم حذف هذا الفعل لدلالة الثاني عليه في قوله (فبذلك فليفرحوا) وقيل أن فرحوا بشيء فليخصوا فضل الله ورحمته بالفرح وهو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب وتقديم الظرف على الفعل لإفادة الحصر والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا وفي هاتين الفائين أوجه ذكرها في الجمل.
وقد ذم الله سبحانه الفرح في مواطن كقوله (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) وجوَّزه في قوله (فرحين بما آتاهم الله من فضله) وكما في هذه الآية وقيل التقدير جاءتكم موعظة بفضل الله ورحمته فبذلك أي فبمجيئهما فليفرحوا (هو خير) أي إن هذا خير لهم (مما يجمعون) من حطام الدنيا ولذاتها الفانية قرئ بالياء والتاء وهما سبعيتان.
ثمِ أشار سبحانه بقوله
(قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً) إلى طريق أخرى غير ما تقدم في إثبات النبوة وتقرير ذلك ما حاصله أنكم تحكمون بتحليل البعض وتحريم البعض، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء مسلمهم وكافرهم، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله فيكم وفيما رزقكم فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله ولا طريق يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده.
والمعنى أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق أي زرع وضرع وغيرهما فجعلتم بعضه حراماً كالبحيرة والسائبة وبعضه حلالاً كالميتة وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام والحرث حسبما سبق حكاية ذلك عنهم في سورة الأنعام من الكتاب العزيز، وقيل ما استفهامية، وإليه ذهب الحوفي والزمخشري والظاهر أنها موصولة كما تقدم لأن فيه إبقاء أرأيت على بابها، ومعنى إنزال الرزق كون المطر ينزل من جهة العلو.
وقال الزجاج: أنزل بمعنى خلق كما قال (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ازواج وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد)(قل آلله أَذِنَ لكم) في هذا التحليل والتحريم والهمزة للإنكار (أم على الله تفترون) أم منقطعة بمعنى بل كما في الكشاف، والظاهر أنها متصلة كما قال السفاقسي: أي آلله اذن لكم أم تكذبون عليه في نسبة الإذن إليه.
قال الكرخي: وكفى به زاجراً لمن أفتى بغير إتقان كبعض فقهاء هذا الزمان اهـ. وإظهار الاسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال قبح الافتراء.
قلت وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي، ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم وجعلوه شارعاً مستقلاً، ما عمل به من الكتاب والسنة فهو العمول به عندهم وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه فهو في حكم المنسوخ عندهم، المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبداً بهذه الشريعة كما هم متعبدون بها ومحكوماً عليه بأحكامها كما هم محكوم عليهم بها، وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة ودليلاً معمولاً به.
وقد أخطأوا في هذا خطأً بيّناً وغلطوا غلطاً فاحشاً فان الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده، ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليداً له واقتداء به، وما جاء به المقلدة في تقويم هذا الباطل فهو من الجهل العاطل، اللهم كما رزقتنا من العلم ما نميز به الحق والباطل فارزقنا من الإنصاف ما نظفر عنده بما هو الحق عندك يا واهب الخير.
قال النسفي: الآية زاجرة عن التجوز فيما يسئل من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيه وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان وإلا فهو مفتر على الديّان.
وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)
ثم قال
(وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة) أي أيُّ شيء ظنهم في هذا اليوم وما يصنع بهم فيه، أي لا ينبغي هذا الحسبان ولا صحة له بوجه من الوجوه، وهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة لتعظيم الوعيد لهم غير داخلة تحت القول الذي أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم بل مبتدأة مسوقة لبيان ما سيحل بهم من عذاب الله، وذكر الكذب بعد الافتراء مع إن الافتراء لا يكون إلا كذباً لزيادة التأكيد.
(إن الله لذو فضل على الناس) يتفضل عليهم بأنواع النعيم في الدنيا والآخرة ومنه بعثة الرسل وإنزال الكتب لبيان الحلال والحرام وإبقاء الكتاب والسنة إلى آخر الدهر والزمان (ولكن أكثرهم لا يشكرون) الله على نعمه الواصلة إليهم منه سبحانه في كل وقت من الأوقات وطرفة من الطرفات، ولا يصرفون مشاعرهم إلى ما خلقت له.
(وما تكون في شأن) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما نافية والشأن الأمر بمعنى القصد وجمعه شئون، قال الأخفش: تقول العرب ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله، وما قصدت قصده فهو مصدر بمعنى المفعول.
(وما تتلو منه من قرآن) قال الفراء والزجاج: الضمير يعود على الشأن والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة منه، إذ التلاوة للقرآن من أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنه يتلو من أجل الشأن الذي حدث القرآن فيعلم كيف حكمه أو يتلو القرآن الذي ينزل في ذلك الشأن، وقال ابن
جرير الطبري: الضمير في منه عائد إلى الكتاب أي ما يكون من كتاب الله من قرآن وأعاده تفخيماً له كقوله (إني أنا الله) وقيل ما تتلو من الله من قرآن نازل عليك، فمن الثانية زائدة والأولى إما تعليلية أو ابتدائية بحسب الوجهين المتقدمين.
والخطاب في (ولا تعملون من عمل) لرسول الله وللأمة، وقيل الخطاب لكفار قريش (إلا كنا عليكم شهوداً) استثناء مفرغ من أعم الأحوال للمخاطبين بالأفعال الثلاثة أي ما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا في حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له، يقال شهدت على الشيء اطلعت عليه فأنا شاهد وشهيد، والجمع أشهاد وشهود.
والضمير في (إذ تفيضون فيه) عائد إلى العمل يقال أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه، وقال الضحاك الضمير في (فيه) عائد إلى القرآن والمعنى إذ تشيعون في القرآن الكذب، والإفاضة الدخول في العمل على جهة الانتصاب إليه والانبساط فيه.
قال ابن الأنباري: إذ تدفعون فيه وتبسطون في ذكره، وقيل الإفاضة الدفع بكثرة، وقال الزجاج: تنشرون فيه، وقيل تخوضون فيه، وقيل تأخذون أي تشرعون فيه والمعاني متقاربة.
(وما يعزب) أي يغيب ويخفى، وقيل يبعد، وقال ابن كيسان: يذهب، وهذه المعاني متقاربة، قرئ بضم الزاي وبكسرها سبعيتان وهما لغتان فصيحتان (عن ربك) أي عن علمه، ومن في (من مثقال ذرة) زائدة للتأكيد أي وزن ذرة أي نملة حمراء وهي خفيفة الوزن جداً (في الأرض ولا في السماء) أي في دائرة الوجود والإمكان، وإنما عبر عنها بهما مع أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء لا فيهما ولا فيما هو خارج عنهما لأن الناس لا يشاهدون سواهما وسوى ما فيهما من المخلوقات؛ وقدم الأرض على السماء لأنها محل استقرار العالم، فهم يشاهدون ما فيها من قرب.
(ولا أصغر من ذلك) أي من مثقال ذرة كلام برأسه مقرر لما قبله، ولا نافية للجنس (ولا أكبر) منها (إلا) وهو (في كتاب مبين) فكيف يغيب عنه وهو الكتاب الذي عند الله، يعني اللوح المحفوظ، قاله السدي. وقد أورد على توجيه النصب والرفع في أصغر وأكبر على العطف على لفظ مثقال ومحله أو على لفظ ذرة إشكال، وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وهو محال.
وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسماوات والأرض، وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في السلسلة العلية عن مرتبة الأول.
فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه صورة تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزئيات.
وأجيب أيضاً بأن الاستثناء منقطع أي لكن هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني أن إلا بمعنى الواو أي وهو أيضا في كتاب مبين، والعرب قد تضع إلا موضع الواو، ومنه قوله تعالى:(إنى لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم) يعني ومن ظلم، وقوله:(لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا) أي والذين ظلموا، وقدر هو بعد الواو التي جاءت إلا بمعناها كما في قوله (وقولوا حطة) أي هي حطة.
قال الكرخي: وهذا الوجه فيه تعسف، ومثله قوله:(ولا تقولوَا ثلاثة)(وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين).
وجوّز الكواشي كونه متصلاً مستثنى من " يعزب " على أن معناه يبين
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
ويصدر، والمعنى لا يصدر عن الله شيء بعد خلقه له إلا وهو في كتاب؛ وقال الكلبي: قد حاول الرازي جعله متصلاً بعبارة طويلة محصلها أنه جعله استثناء مفرغاً وهو حال من أصغر وأكبر، وهو في قوة المتصل، ولا يقال فيه متصل ولا منقطع.
ثم لما بين سبحانه إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية لقلوب المطيعين وكسر لقلوب العاصين ذكر حال المطيعين فقال:
(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم) الولي في اللغة ضد العدو فهو المحب، ومحبة العباد لله طاعتهم له، ومحبته لهم إكرامه إياهم، وعلى الأول يكون فعيل بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى مفعول فهو مشترك بينهما، وتركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولي كل شيء هو الذي يكون قريباً منه.
والمراد بالأولياء خُلَّص المؤمنين كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته، والمراد بنفي الخوف عنهم أنهم لا يخافون أبداً كما يخاف غيرهم، لأنهم قد قاموا بما أوجب الله عليهم وانتهوا عن العاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من أنفسهم وحسن ظن بربهم.
وكذلك (ولا هم يحزنون) على فوت مطلب من المطالب لأنهم يعلمون أن ذلك بقضاء الله وقدره فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم عن الهم والكدر، فصدورهم منشرحة وجوارحهم نشطة وقلوبهم مسرورة.
وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء بقوله:
(الذين آمنوا وكانوا يتقون) أي يؤمنون بما يجب الإيمان به، ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه قال أبو السعود: والمراد بالتقوى المرتبة الثالثة منها الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك التي يفيدها الإيمان أيضاً، ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك، أعني تنزه الإنسان عن كل ما يشغل سره عن الحق، والتبتل إليه بالكلية وهي التقوى الحقيقي المأمور به في قوله تعالى:(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) وبه يحصل الشهود والحضور والقرب الذي عليه يدور إطلاق الاسم عليه فملاك أمر الولاية هو التقوى المذكور فأولياء الله هم المؤمنون المتقون.
وعن سعيد بن جبير قال: هم الذين إذا رُؤوا ذكر الله. وعن ابن عباس قال: إذا رُؤوا يذكر الله لرؤيتهم. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، قال النووي: وذلك في العالم العامل بعلمه.
وقد أكثر أهل العلم من المتكلمين والصوفية وغيرهم في تعريف الولي ووصفه وأطالوا المقالات في ذلك بما لا حاجة إليه، وهذه الآية تغني عنها، فإنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.
والحاصل أن ولي الله من كان آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، وبالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به السنة المطهرة، لأن الإيمان مبني على العقيدة والعمل، ومقام التقوى هو أن يتقي العبد كل ما نهى الله عنه.
وعن عمرو بن الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض
لله فقد استحق الولاية من الله وأن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم " (1) " أخرجه أحمد وغيره.
وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم " خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا ذكر الله، وشرار عباده المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العنت "(2).
وعن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خياركم من ذكركم الله رؤيته وزاد في علمكم منطقه ورغبكم في الآخرة عمله "(3) أخرجه الحكيم الترمذي، وعن ابن عمر مرفوعاً: إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم منه، فجثى أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله صفهم لنا، جلهم لنا، قال قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل تصافوا في الله وتحابوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (4) أخرجه الحاكم وصححه.
وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن عمر ابن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، قال ابن كثير:(5) وإسناده جيد، وروي بطريق عن جماعة من الصحابة، وقد ورد في فضل المتحابين في الله أحاديث ليس فيها أنهم المرادون بالآية.
(1) الإمام أحمد 3/ 430.
(2)
الإمام أحمد 6/ 459.
(3)
ضعيف الجامع الصغير 2873.
(4)
المستدرك كتاب البر والصلة 4/ 170.
(5)
ابن كثير 2/ 422.
(لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) تفسير لمعنى كونهم أولياء الله
أي لهم البشرى من الله ما داموا في الحياة بما يوحيه إلى أنبيائه وينزله في كتبه من كون حال المؤمنين عنده هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم كما وقع كثير من البشارات للمؤمنين في القرآن الكريم.
وكذلك ما يحصل لهم من الرؤيا الصالحة وما يتفضل الله به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه من التبشير لهم عند حضور آجالهم بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة. قاله الزهري وقتادة.
وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة لهم مبشرين بالفوز بالنعيم والسلامة من العذاب، والبشرى مصدر أريد به المبشر به، والمراد حال كونهم في الدنيا وحال كونهم في الآخرة.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير والبيهقي وغيرهم عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء عن معنى قوله: (لهم البشرى) فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت عليَّ، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له فهي بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة " وفي إسناده هذا الرجل المجهول. وعن عبادة بن الصامت مرفوعاً مثله عند أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة. وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عمر مرفوعاً قال: الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها " (1) الحديث، وفي الباب أحاديث وقد وردت أحاديث صحيحة بأن الرؤيا الصالحة من المبشرات، وأنها جزء من أجزاء النبوة ولكنها لم تقيد بتفسير هذه الآية.
(1) الإمام أحمد 2/ 219.
وقد روي عن ابن عباس أن المراد بالبشرى في الآية هي قوله: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً) وعنه أنها قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وقيل البشرى في الحياة الدنيا هي الثناء الحسن وفي الآخرة الجنة.
وعن أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن " (1) أخرجه مسلم، قال أهل العلم وهي دليل للبشرى المؤخرة في الأخرة، وهذه البشرى المعجلة دليل على رضاء الله عنه؛ وقيل غير ذلك واللفظ أوسع من ذلك.
(لا تبديل لكلمات الله) أي لا تغيير لأقواله ولا خلف لمواعيده على العموم فيدخل فيها ما وعد به عباده الصالحين دخولاً أولياً (ذلك) أي المذكور قبله من كونهم مبشرين بالبشارتين في الدارين (هو الفوز العظيم) الذي لا يقادر قدره ولا يماثله غيره، والجملتان اعتراض في آخر الكلام عند من يجوزه وفائدتهما تحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، والأولى اعتراضية والثانية تذييلية.
(1) مسلم 2642.
وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)
(ولا يحزنك قولهم) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن من قول الكفار المتضمن للطعن عليه وتكذيبه والقدح في دينه، والمقصود تسلية له صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئة عن مقالاتهم الموحشة، وتبشير له بأنه تعالى ينصره.
ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معللاً لما ذكره من النهي فقال: (إن العزة لله جميعاً) أي الغلبة والقدرة والقهر له في مملكته وسلطانه، ليست لأحد من عباده، وإذا كان ذلك كله له فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم الكاذبة وهم لا يملكون من الغلبة شيئاً، ولا ينافي هذا ما في سورة المنافقين (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) لأن كل عزة بالله فهي كلها لله حقيقة لكن قد يظهرها على يد رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أيدي المؤمنين تكريماً وتعظيماً لهم؛ ومنه قوله:(كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إنّا لننصر رسلنا)(هو السميع) لما يقولون (العليم) بما يدبرون ويعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك.
(ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يأذن الله به، و (ألا) كلمة تنبيه معناه أنه لا ملك لأحد فيهما إلا لله عز وجل فهو يملك ما فيهما.
وقال في الآية الأولى (ما) وفي هذه (من) فمجموعهما دل على أن الله يملك جميع كل شيء فيهما من العقلاء وغيرهم، أو غلب العقلاء على غيرهم لكونهم أشرف: وفي الآية نعي على عباد البشر والملائكة، والجمادات لأنهم عبدوا المملوك وتركوا المالك وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا عقبه بقوله:
(وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) ما نافية وشركاء مفعول يتبع وعلى هذا يكون مفعول يدعون محذوفاً، والأصل وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن يكون المذكور مفعول يدعون وحذف مفعول يتبع لدلالة المذكور عليه، يعني أنهم وأن سموا معبوداتهم شركاء لله فليس شركاء له على الحقيقة لأن ذلك محال (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا).
وقيل ما استفهامية أي أيُّ شيء يتبع الذين يدعون؛ وعلى هذا شركاء منصوب بيدعون والكلام خارج مخرج التوبيخ لهم والإزراء عليهم.
وقيل موصولة، والمعنى أن الله مالك لمعبوداتهم لكونها من جملة من في السماوات ومن في الارض.
ثم زاد سبحانه في تأكيد الرد عليهم والدفع لأقوالهم فقال: (إن يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون يقيناً إنما يتبعون ظناً ويظنون أنهم آلهة تشفع لهم، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً (وإن هم إلا يخرصون) أصل معنى الخرص الحزر بتقديم الزاي على الراء أي التخمين والتقدير، ويستعمل بمعنى الكذب لغلبته في مثله، والاسم الخرص بالكسر أي يقدرون أنهم شركاء تقديراً باطلاً وكذباً بحتاً وقد تقدمت هذه الآية في الأنعام.
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69)
ثم ذكر سبحانه طرقاً من آثار قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه فقال:
(هو الذي جعل لكمٍ الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً) الجعل إن كان بمعنى الإبداع والخلق فمبصرًا حال، وإن كان بمعنى التصيير فهو المفعول الثاني أي جعل لعباده الزمان منقسماً إلى قسمين أحدهما مظلم وهو الليل لأجل أن يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب ويريحون أنفسهم عن الكد والكسب، والآخر مبصر لأجل أن يسعوا فيه بما يعود على نفعهم وتوفير معايشهم ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضيء منير لا يخفى عليهم كبير ولا حقير، وجعله سبحانه للنهار مبصراً مجاز.
والمعنى أنه مبصر صاحبه كقولهم نهاره صائم وقال قطرب: تقول العرب أظلم الليل وأبصر النهار بمعنى صار ذا ظلمة وذا ضياء، وفي الكلام شبه احتباك حيث حذف من كل ما أثبته أو مقابله في الآخر فحذف مظلماً لدلالة مبصراً عليه وحذف لتتحركوا لدلالة لتسكنوا عليه، وهذا أفصح الكلام.
(إن في ذلك) الجعل المذكور (لآيات) عجيبة كثيرة (لقوم يسمعون) ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية المنبهة على الآيات التكوينية مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها ومن غيرها مما لم يذكره فعند السماع منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون ويعلمون أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الله المتفرد بالوحدانية في الوجود فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان.
(قالوا اتخذ الله ولداً) هذا نوع آخر من أباطيل المشركين أو أهل الكتاب التي كانوا يتكلمون بها وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ وتبنى ولداً فرد ذلك عليهم بقوله: (سبحانه) فتنزه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين وكلمتهم الحمقاء، وبين أنه (هو الغني) عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب لأجل الحاجة، والغنى المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى الولد، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم الولد مقامه، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ذلك، وقد تقدم تفسير الآية في البقرة.
ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان فقال: (له ما في السماوات وما في الأرض) وإذا كان الكل له وفي ملكه فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولداً له للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة.
ثم زيف دعواهم الباطلة وبين أنها بلا دليل فقال (إن) أي ما (عندكم من سلطان) حجة وبرهان (بهذا) القول الذي تقولونه ومن زائدة للتأكيد؛ ثم وبخهم على هذا القول العاطل عن الدليل الباطل عند العقلاء (أتقولون على الله ما لا تعلمون) استفهام توبيخ ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم في شيء بل من الجهل المحض.
ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم قولاً يدل على أن ما قالوه كذب، وأن من كذب على الله لا يفلح فقال:
(قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) أي كل مفتر هذا شأنه ويدخل فيه قائل هذا القول دخولاً أوّلياً؛ وذكر الكذب مع الافتراء للتأكيد كما سبق في مواضع من الكتاب العزيز والمعنى أن هؤلاء الذين يكذبون على ربهم لا يفوزون بمطلب من المطالب، ولا يسعدون وإن اغتروا بطول السلامة والبقاء في النعمة
مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71)
ثم بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة فهو
(متاع) قليل (في الدنيا) ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري عذاباً مؤبداً، والجملة مستأنفة لبيان إن ما يحصل للمفتري بافترائه وما يتراءى فيه بحسب الظاهر من نيل المطالب والحظوظ الدنيوية بمعزل أن يكون من جنس الفلاح وليس بفائدة يعتد بها، بل هو متاع يسير في الدنيا يتعقبه الموت والعذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب من جملتها الكذب على الله، وليس بنافع في الآخرة، وقال الأخفش: إن التقدير لهم متاع في الدنيا، وقال الكسائي: ذلك متاع أو هو متاع.
(ثم إلينا مرجعهم) بعد الموت (ثم نذيقهم العذاب الشديد بما) أي بسبب ما (كانوا يكفرون) أي يجحدون في الدنيا من نعمة الله عليهم ويصفونه بما لا يليق بجلاله.
ولما بالغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبه المنهارة شرع في ذكر قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، لما في ذلك من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأسوة بمن سلف من الأنبياء، ولما كان قوم نوح أول الأمم هلاكاً وأعظمهم كفراً وجحوداً ذكر الله قصتهم وأنه أهلكهم بالغرق ليصير ذلك موعظة وعبرة لكفار قريش فقال:
(واتل عليهم) أي على الكفار المعاصرين لك المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة (نبأ نوح) أي خبره، والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن؛
والمراد بعض ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به كما فعله كفار قريش وأمثالهم.
(إذ) أي وقت أن (قال لقومه) اللام لام التبليغ (يا قوم إن كان كبر) أي عظم وثقل (عليكم مقامي) من باب الإسناد المجازي كقولهم ثقل عليّ ظله، والمقام بفتح الميم الموضع الذي يقام فيه، وبالضم مكان الإقامة أو الإقامة نفسها، وقد اتفق القراء هنا على الفتح.
وقرأ أبو رجاء وأبو مجلز وابن الجوزي بالضم، قال ابن عطية: ولم يقرأ هنا بالضم، وكأنه لم يطلع على قراءة هؤلاء، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان أي لأجله، ومنه (ولمن خاف مقام ربه) أي خاف ربه، ويجوز أن يراد بالمقام المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم لأنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ويجوز أن يراد بالمقام القيام لأن الواعظ يقوم حال وعظه.
والمعنى أن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم (و) كبر عليكم (تذكيري) لكم (بآيات الله) التكوينية والتنزيلية (فعلى الله توكلت) أي دمت على تخصيص التوكل به تعالى، وهذه الجملة جواب الشرط، والمعنى أني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديماً وحديثاً، ويجوز أن يريد إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب التوكل، ويجوز أن يكرن جواب الشرط فأجمعوا كما يأتي، قاله الأكثرون، والجملة اعتراض كقولك إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي وثقتي.
وقيل (فأجمعوا أمركم) عطف على الجواب، وجزم السفاقسي بأن جوابه محذوف أي فافعلوا ما شئتم، والمعنى اعزموا عليه، من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء، وروي عنه أجمع الشيء أعده وقال مؤرج السدوسي: أجمع الأمر أفصح من أجمع عليه، وقال أبو الهيثم: أجمع أمره جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً، وتفرقه أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً.
فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم والتصميم، يقال أجمع في المعاني وجمع في الأعيان وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، وفي التنزيل (فجمع كيده) قال ابن الأنباري: المراد من الأمر هنا وجوه كيدهم ومكرهم فالتقدير لا تدعو من أمركم شيئاً إلا أحضرتموه.
(وشركاءكم) أي ادعوهم لنصرتكم، قاله الكسائي والفراء، وقال الزجاج والفارسي: والمعنى مع شركائكم، ولم يذكر الزمخشري غير هذا، وقيل أجمعوا شركاءكم، وفي مصحف أُبَي: وادعوا شركاءكم، قال النحاس وغيره: وقراءة الرفع بعيدة، وقال المهدوي: يجوز رفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، ونسبة ذلك إلى الشركاء مع كون الأصنام لا تعقل لقصد التوبيخ والتقريع لمن عبدها.
(ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) أي خفياً، والغمة التغطية من قولهم غم الهلال إذا استتر أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً قاله الزجاج، وقال الهيثم: معناه لا يكن أمركم مبهماً، وقيل أن الغمة ضيق الأمر، كذا روي عن أبي عبيدة.
والمعنى لا يكن أمركم عليكم بمصاحبتي والمجاملة لي ضيقاً شديداً بل ادفعوا هذا الضيق والشدة بما شئتم وقدرتم عليه، وعلى الوجهين الأولين يكون المراد بالأمر الثاني هو الأمر الأول، وعلى الثالث يكون المراد غيره، وإنما نسب عدم الستر الذي هو عدم الغمة إلى الأمر مبالغة.
(ثم اقضوا إليّ) ذلك الأمر الذي تريدونه بي؛ وأصل اقضوا من القضاء وهو الأحكام، والمعنى احكموا ذلك الأمر.
قال الأخفش والكسائي: هو مثل " وقضينا إليه ذلك الأمر " أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. وقيل معناه ثم امضوا إليّ، قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة ومنه قضى الميت مضى. وعن بعض القراء ثم افضوا بالفاء أي توجهوا (ولا تنظرون) أي ثم لا تمهلوني ولا تؤخروني، بل عجلوا أمركم ونفذوا واصنعوا ما بدا لكم.
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)
وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدل على وثوقه بنصر ربه وعدم مبالاته بما يتوعده به قومه، ثم بين لهم أن كل ما أتى به إليهم من الأعذار والإنذار وتبليغ الشريعة عن الله ليس هو لطمع دنيوي ولا لغرض خسيس فقال
(فإن توليتم) أي إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم وتذكيري إياكم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها.
(فما سألتكم) في مقابلة ذلك عليه (من أجر) تؤدونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به والفاء جزائية (إن أجري) أي ما ثوابي في النصح والتذكير (إلا على الله) سبحانه فهو يثيبني آمنتم أو توليتم (وأمرت أن أكون من المسلمين) المنقادين لحكم الله الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله سبحانه لا يأخذون عليها أجراً ولا يطمعون في عاجل أو من المستسلمين لكل ما يصعب من البلاء.
(فكذبوه) أي استمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك. وليس المراد أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن.
(فنجيناه) أي نوحاً عليه السلام (ومن معه) أي من قد أجابه وصار على دينه، وكانوا ثمانين: أربعين رجلاً وأربعين امرأة (في الفلك) أي السفينة، والمفرد على وزن قفل والجمع على وزن أسد والمراد هنا المفرد.
(وجعلناهم) أي الذين نجاهم معه في الفلك حملاً على معنى من (خلائف) جمع خليفة، والمعنى أنه سبحانه جعلهم خلفاء يسكنون الأرض
التي كانت للمهلكين بالغرق ويخلفونهم فيها (وأغرقنا) بالطوفان (الذين كذبوا بآياتنا) من الكفار المعاندين لنوح الذين لم يؤمنوا به، تأخيره عن ذكر الإنجاء والاستخلاف حسبما وقع في قوله تعالى:(ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً) الآية لإظهار كمال العناية بشأن المقدم ولتعجيل المسرة للسامعين وللإيذان بسبق الرحمة التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) من إهلاكهم، فكذلك نفعل بمن كذبك، فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد للمشركين وتهويل عليهم.
(ثم بعثنا من بعده) أي من بعد نوح عليه السلام (رسلاً إلى قومهم) لم يسم هنا من كان بعد نوح من الرسل، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب (فجاؤوهم بالبينات) أي بالمعجزات الباهرات والدلالات الواضحات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها لقوم كل نبي (فما كانوا ليؤمنوا) أي فما أحدثوا الإيمان بل استمروا على الكفر وأصروا عليه.
والمعنى أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات (بما كذبوا به من قبل) أي من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجئ الرسل إليهم، والمعنى أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم، لأنهم كانوا غير مؤمنين بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولاً، وهذا مبني على أن الضمير في (كانوا) و (كذبوا) راجع إلى القوم المذكورين في قوله (إلى قومهم) وقيل ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح، أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، وقيل المعنى بما كذبوا به من قبل أي في عالم الذر.
(كذلك) أي مثل ذلك الطبع العظيم المحكم (نطبع) بنون العظمة، وقرئ بالياء على أن الضمير لله (على قلوب المعتدين) أي المتجاوزين للحدود
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76)
المعهودة في الكفر والعناد المتجافين عن قبول الحق وسلوك طريق الرشاد، وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنهم، لانهماكهم في الغي والضلال، وقد تقدم تفسير هذا في غير موضع.
(ثم بعثنا من بعدهم) أي بعد الرسل المتقدم ذكرهم وخص (موسى وهارون) بالذكر مع دخولهما تحت الرسل لمزيد شرفهما وخطر شأن ما جرى بينهما وبين فرعون (إلى فرعون وملئه) المراد بالملأ الأشراف، هكذا قرره بعض المفسرين؛ وقرر بعضهم أن المراد بالملأ هنا مطلق القوم من استعمال الخاص في العام وهو ظاهر صنيع السيوطي في الجلالين.
(بآياتنا) أي مصحوبين بالمعجزات وهي التسع المذكورة في الكتاب العزيز (فاستكبروا) عن قبولها ولم يتواضعوا لها ولم يذعنوا لما اشتملت عليه من المعجزات الموجبة لتصديق من جاء بها، والاستكبار ادعاء الكبر من غير استحقاق، والفاء فصيحة، وقيل عن الإيمان بموسى وهارون، والأول أولى.
(وكانوا قوماً مجرمين) أي كانوا ذوي إجرام عظام وآثام كبيرة، فبسبب ذلك اجترؤوا على ردها لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق وإبصار الصواب، قيل وهذه الجملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها.
(فلما جاءهم) أي فرعون وملأه (الحق) أي المعجزات التسع (من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين) أي لم يؤمنوا بها، بل حملوها على السحر مكابرة منهم.
قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)
(قال موسى) أي جملاً ثلاثاً: الأولى (أتقولون للحق لما جاءكم) قيل في الكلام حذف والتقدير أتقولون للحق سحر، فلا تقولوا ذلك.
ثم استأنف إنكاراً آخر من جهة نفسه فقال: (أسحر هذا) وهي الثانية والملجئ إلى هذا أنهم لم يستفهموه عن السحر حتى يحكي ما قالوه بقوله أسحر هذا بل هم قوم قاطعون بأنه سحر لأنهم قالوا إن هذا إلا سحر مبين، فحينئذ لا يكون قوله (أسحر هذا) من قولهم. وقال الأخفش: هو قولهم، وفيه نظر لما قدمنا.
وقيل معنى أتقولون أتعيبون الحق وتطعنون فيه وكان عليكم أن تذعنوا له ثم قال (أسحر هذا) منكراً لما قالوه؛ والاستفهام للتقريع والتوبيخ بعد الجملة الأولى المستأنفة، والمعنى أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا لسحر مبين، وهو أبعد شيء من السحر.
ثم أنكر عليهم وقرعهم ووبخهم فقال: (أسحر هذا) فجاء موسى عليه السلام بإنكار بعد إنكار وتوبيخ بعد توبيخ وتجهيل بعد تجهيل. والثالثة (ولا يفلح الساحرون) أي والحال كذا فلا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند الله، وقد أيده بالمعجزات والبراهين الواضحة، وحاصل السحر تمويه وتخييل وصاحب ذلك لا يفلح أبداً.
(قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا) مستأنفة، قال مجاهد:
لتلوينا وتصرفنا، وقال السدي: لتصدنا عن آلهتنا، وفي هذا ما يدل على أنهم انقطعوا عن الدليل وعجزوا عن إبراز الحجة، ولم يجدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم، بل لجؤوا إلى ما يلجأ إليه أهل الجهل والبلادة، وهو الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر، وضموا إلى ذلك ما هو غرضهم وغاية مطلبهم وسبب مكابرتهم للحق وجحودهم للآيات البينة وهو الرياسة الدنيوية التي خافوا عليها وظنوا أنها ستذهب عنهم إن آمنوا.
وكم بقي على الباطل وهو يعلم أنه باطل بهذه الذريعة من طوائف هذا العالم في سابق الدهر ولاحقه، فمنهم من حبسه ذلك عن الخروج من الكفر، ومنهم من حبسه عن الخروج إلى السنة من البدعة وإلى الرواية الصحيحة من الرأي البحت. قال أبو السعود: استئناف بياني مسوق لبيان أنه عليه السلام ألقمهم الحجر فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه صلى الله عليه وسلم فضلاً عن الجواب الصحيح، واضطروا إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج وديدن كل عاند لدود. انتهى.
واللفت والفتل أخوان وكلاهما من باب ضرب، يقال لفته لفتاً إذا صرفه عن الشيء ولواه عنه، وفي السمين: اللفت الليَّ والصرف، يقال لفته عن رأيه إذا صرفه، ولواه عنه إلى ذات اليمين أو الشمال.
وقال الأزهري: لفت الشيء وفتله لواه وهذا من المقلوب.
قلت ولا يدعي فيه قلب حتى يرجح أحد اللفظين في الاستعمال على الآخر. أي تريد أن تصرفنا عن الشيء الذي وجدنا عليه آباءنا وهو عبادة الأصنام.
(وتكون لكما) أي لموسى وهارون (الكبرياء) مصدر على وزن فعلياء ومعناها العظمة والملك والسلطان (في الأرض) أي مصر، وفيه خمسة أوجه جوزها أبو البقاء.
" أحدها " أن يكون متعلقاً بنفس الكبرياء " الثاني " أن يتعلق بنفس تكون " الثالث " أن يتعلق بالاستقرار في لكما لوقوعه خبراً " الرابع " أن يكون حالاً من الكبرياء " الخامس " أن يكون حالاً من الضمير في لكما لتحمله إياه.
قال الزجاج: سمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا، وقيل سمي بذلك لأن الملك يتكبر، والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد للآباء والحرص على الرياسة الدنيوية، لأنهم إذا أجابوا النبي وصدقوه صارت مقاليد أمر أمته إليه، ولم يبق للملك رياسة تامة لأن التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك لهم بالسياسات والعادات.
ثم قالوا (وما نحن لكما بمؤمنين) تصريحاً منهم بالتكذيب وقطعاً للطمع في إيمانهم، وقد أفردوا الخطاب لموسى في قولهم أجئتنا لتلفتنا ثم جمعوا بينه وبين هارون في الخطابين الأخيرين، ووجه ذلك أنهم أسندوا المجيء والصرف عن طريق آبائهم إلى موسى لكونه المقصود بالرسالة المبلغ عن الله ما شرعه لهم، وجمعوا بينهما في الضميرين الآخرين لأن الكبرياء شامل لهما في زعمهم، ولكن ترك الإيمان بموسى يستلزم ترك الإيمان بهارون، وقد مرت القصة في الأعراف.
(وقال فرعون) لما رأى اليد البيضاء والعصا (ائتوني بكل ساحر عليم) لأنه اعتقد أنهما من السحرة فأمر قومه بأن يأتوا بكل ساحر، أراد أن يعارض معجزة موسى بأنواع من التلبيس ليظهر أن ما أتى به موسى سحر، وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف، وقرئ " سحَّار " على صيغة المبالغة أي كثير السحر كثير العلم بعمله وأنواعه.
(فلما جاء السحرة) في الكلام حذف أي فأتوا بهم إليه، فلما جاء السحرة (قال لهم موسى) بعد أن قالوا له اما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين (ألقوا ما أنتم ملقون) أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم ليظهر الحق ويبطل الباطل ويتبين أن ما أتوا به فاسد زاهق.
فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)
(فلما ألقوا) ما ألقوه من ذلك الحبال والعمى (قال) لهم (موسى ما جئتم به) ما موصولة مبتدأ و (السحر) خبره، والمعنى أنه سحر لا أنه آية من آيات الله كما سماه فرعون وقومه أو هو من جنس السحر، يريهم أن حاله بين لا يعبأ به كأنه قال: ما جئتم به مما لا ينبغي أن يجاء به، وقرىء السحر على الاستفهام فما استفهامية أي شيء جئتم به أهو السحر الذي يعرف حاله كل أحد، ولا يتصدى له عاقل، وقرئ ما جئتم به سحر، وقرئ ما أتيتم به سحر، ودلالتهما على المعنى الثاني في القراءة المشهورة أظهر، وأجاز الفراء وغيره نصب السحر بجئتم وما شرطية والجزاء:
(إن الله سيبطله) على تقدير الفاء أي سيمحقه بالكلية ويهلكه فيصير باطلاً بما يظهره على يديَّ من الآيات والمعجزة فلا يبقى له أثر والسين للتأكيد: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) أي عمل هذا الجنس فيشمل كل من يصدق عليه أنه مفسد، ويدخل فيه السحر والسحرة دخولاً أولياً، والجملة تعليل لما قبلها أو عملكم فيكون من باب وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعار بعلة الحكم.
(ويحق الله الحق) أي يبينه ويوضحه (بكلماته) التي أنزلها في كتبه على أنبيائه لاشتمالها على الحجج والبراهين أو بوعده الصادق لموسى أنه يظهره أو بما سبق من قضائه وقدره لموسى أنه يغلب السحرة، أو بأوامره وأحكامه، والأول أولى.
(ولو كره المجرمون) من آل فرعون أو المجرمون على العموم ويدخل تحتهم آل فرعون دخولاً أوليا والإجرام الآثام.