الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ
(46)
ثم أجاب الله سبحانه عن نوح ببيان أن ابنه غير داخل في عموم الأهل وأنه خارج بقيد الاستثناء (قال يا نوح إنه) يعنى هذا الابن الذي سألتني نجاته (ليس من أهلك) الذين آمنوا بك وتابعوك ومن أهل دينك، وإن كان من أهلك باعتبار القرابة، قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر المفسرين: أنه ابن نوح من صلبه وهو الصحيح.
وعن ابن عباس قال: ما بغت امرأة نبي قط، وأن الله نص عليه بقوله (ونادى نوح ابنه) ونوح أيضاً نص عليه بقوله (يا بني) ولا يجوز صرف الكلام عن الحق إلى المجاز من غير ضرورة.
وقيل المعنى إنه ليس من الذين وعدتك أن أنجيهم معك، وإنما خالف هذا الظاهر من خالفه لأنه استبعد أن يكون ولد نبي كافراً، وهذا خطأ ممن قاله لأن الله يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم، فإن الله سبحانه قد أخرج قابيل من صلب آدم وهو نبي وكان كافراً. وأخرج إبراهيم: وهو نبي من صلب آزر وكان كافرآ، فكذلك أخرج كنعان من صلب نوح وهو كافر، فهو المتصرف في خلقه كيف شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
ثم صرح بالعلة الموجبة لخروجه من عموم الأهل المبينة له بأن المراد بالقرابة قرابة الدين لا قرابة النسب وحده فقال (إنه عمل غير صالح) قرأ الجمهور (عمل) على لفظ المصدر وقرئ على لفظ الفعل، ومعنى الأولى المبالغة في ذمه كأنه جعل نفس العمل وأصله ذو عمل غير صالح، كذا قال أبو
إسحق الزجاجي وأبو علي الفارسي وابن الأنباري والواحدي، وعبارة الصاوي إن الضمير عائد إلى الولد، ويقال في الإخبار عنه بعمل ما قيل في زيد عدل وهو الراجح. اهـ.
ومعنى الثانية ظاهر، أي أنه عمل عملاً غير صالح، وهو كفره وعدم متابعته لأبيه. قاله أبو علي.
قال الصاوي: أشار السيوطي إلى أن الضمير في (أنه) عائد إلى نوح على حذف مضاف، والمعنى قال الله له: يا نوح إن سؤالك عمل غير مقبول. انتهى. ويؤيده ما قال ابن عباس: يقول مسألتك اياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك.
ثم نهاه عن مثل هذا السؤال فقال (فلا تسألن ما ليس لك به علم) أي ما لا تعلم أصواب هو فتسأل عنه أم ليس كذلك فتتركه، وهو وإن كان نهياً عاماً بحيث يشمل كل سؤال لا يعلم صاحبه إن حصول مطلوبه منه صواب فهو يدخل تحته سؤاله هذا دخولاً أولياً. وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع وسمى دعاءه سؤالاً لتضمنه معنى السؤال باعتبار استنجازه في شأن ولده.
(إني أعظك) من (أن تكون من الجاهلين) أي أحذرك وأنهاك أن تكون جاهلاً فتسأل مثل ما يسألون كقوله يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً، وسمى سؤاله جهلاً لأن حب الولد شغله عن تذكر استثناء من سبق عليه القول منهم بالإهلاك قاله الكرخي.
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)
وقيل المعنى أرفعك أن تكون منهم، قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء العاملين. ثم لما علم نوح بأن سؤاله لم يطابق الواقع وأن دعاءه ناشئ عن وهم كان يتوهم بادر إلى الاعتراف بالخطأ وطلب المغفرة والرحمة و
(قال رب إني أعوذ بك) أي ألجأ إليك وأعتذر من (أن أسألك ما ليس لي به علم) أي أطلب منك بعد ذلك ما لا علم لي بصحته وجوازه (وإلا تغفر لي) ذنب ما دعوت به على غير علم مني وجهلي وإقدامي عليه (وترحمني) برحمتك التي وسعت كل شيء فتقبل توبتي (أكن من الخاسرين) في أعمالي فلا أربح فيها.
وليس في الآية ما يقتضي صدور ذنب ومعصية من نوح سوى تأويله وإقدامه على سؤال ما لم يؤذن له فيه. وهذا ليس بذنب ولا معصية.
وقال الخطيب: أخطأ في ذلك الاجتهاد كما وقع لآدم في الأكل من الشجرة فلم يصدر منه إلا هذه الزلة.
(قيل يا نوح) القائل هو الله أو الملائكة (اهبط) أي أنزل من السفينة إلى الأرض أو من الجبل إلى المنخفض منها فقد بلعت الأرض ماءها وجفت (بسلام منا) أي بسلامة وأمن.
وقيل بتحية وعظمة كما قال (سلام على نوح في العالمين) وذلك أن الغرق لما كان عاماً في جميع الأرض فعندما خرج من السفينة علم أنه ليس في
الأرض شيء ينتفع به من النبات والحيوان فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جهات الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب، فلما قال الله ذلك زال عنه الخوف لأن السلامة لا تكون إلا مع الأمن وسعة الرزق.
ثم أردفه الله تعالى بالبركة بقوله (وبركات) أي خيرات نامية ونعم ثابتة باقية دائمة في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق والبركة مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته ومنه البركة لثبوت الماء فيها (عليك) وفي هذا الخطاب دليل على قبول توبته ومغفرة زلته وخلاصه من الخسران وإعلام وبشارة من الله تعالى بفيضان أنواع الخيرات عليه في كل ما يأتي وما يذر.
(وعلى أمم) ناشئة وهم المُتَشَعّبُونَ (ممن معك) أي من ذرية من كان معك في السفينة وهي الأمم إلى آخر الدهر؛ قيل الذين كانوا معه في السفينة لم يعقب أحد منهم إلا أولاد نوح الثلاثة، فانحصر النوع الإنساني بعد نوح في ذريته ولذلك يقال أنه آدم الصغير وقد كان بينه وبين آدم ألف سنة وثمانية أجداد.
فالمراد من هذه الآية تقسيم ذرية أولاد نوح إلى فريق مؤمن وفريق كافر لا تقسيم من كان معه في السفينة إذ كانوا كلهم مؤمنين، قال أبو السعود: ويجوز أن تكون من بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك، وإنما سموا أمماً لأنهم أمم متحزبة وجماعات متفرقة أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت منهم، فحينئذ يكون المراد بالأمم المشار إليهم في قوله (وأمم سنمتعهم) بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة، ويبقى أمر الأمم المؤمنة الناشئة منهم مبهماً غير متعرض له ولا مدلول عليه ومع ذلك ففي دلالة المذكور على خبره المحذوف خفاء، لأن من المذكورة بيانية والمحذوفة تبعيضية أو ابتدائية فتأمل اهـ.
قيل أراد الله سبحانه بهذا الأمم الذين كانوا معه من صار مؤمناً من ذريتهم وأراد بقوله وأمم سنمتعهم من صار كافراً من ذريتهم إلى يوم القيامة، والتقدير ومنهم أمم أو يكون أمم، والمعنى سنمتعهم في الدنيا بما فيها من المتاع ونعطيهم منها ما يعيشون به (ثم يمسهم منا) في الآخرة أو في الدنيا (عذاب أليم) وعن الضحاك قال: وعلى أمم ممن معك يعني ممن لم يولد أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة، وأمم سنمتعهم يعني متاع الحياة الدنيا لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة.
قال محمد بن كعب القرظي: دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك العذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامه وعن ابن زيد: هبطوا والله راض عنهم، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم الله ومنهم من عذب، وقيل المراد بالأمم الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب وبالعذاب ما نزل بهم، وإلى هنا انتهت قصة نوح عليه السلام.
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)
(تلك) أي قصة نوح وهو مبتدأ (من أنباء الغيب) خبره أي من جنسها والأنباء جمع نبأ وهو الخبر أي أخبار الغيب التي مرت بك في هذه السورة (نوحيها) أي القصة (إليك) خبر ثانٍ والمجيء بالمضارع لاستحضار الصورة.
(ما كنت) يا محمد (تعلمها أنت) تفصيلاً خبر ثالث وإلا كانت مشهورة عند كل القرون لكن إجمالاً (ولا) يعلمها (قومك) يعني العرب بل هي مجهولة عندكم وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمه إذا لم يخالط غيرهم وإنهم مع كثرتهم لما لم يسمعوه فكيف بواحد منهم (من قبل هذا) أي الوحي أو القرآن أو من قبل هذا الوقت، (فاصبر) على ما تلاقيه من كفار زمانك كما صبر نوح على أذى قومه والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها (إن العاقبة) المحمودة في الدنيا والآخرة (للمتقين) لله المؤمنين بما جاءت به رسله؛ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتبشير له بأن الظفر للمتقين في عاقبة الأمر ولا اعتبار بمباديه.
(و) أرسلنا (إلى عاد أخاهم هوداً) أي واحداً منهم النسب لا في الدين، وهود عطف بيان وقوم عاد كانوا عبدة أوثان وقد تقدم مثل هذا في الأعراف، وقيل هم عادان الأولى والأخرى، فهؤلاء هم عاد الأولى من ذرية سام
ابن نوح، وعاد الأخرى هم شداد ولقمان وقومهما المذكورون في قوله (إرم ذات العماد) وأصل عاد اسم رجل ثم صار اسماً للقبيلة كتميم وبكر ونحوهما وبين هود ونوح ثمانمائة سنة وعاش أربعمائة سنة وأربعاً وستين سنة.
(قال يا قوم اعبدوا الله) وحدوه ولا تشركوا معه شيئاً في العبادة (ما لكم من إله غيره) في معنى العلة لما قبله قرئ غيره بالجر على اللفظ، وبالرفع على محل من إله، وبالنصب على الاستثناء (إذ أنتم) أي ما أنتم باتخاذ إله غير الله وجعله شفيعاً (إلا مفترون) أي كاذبون على الله عز وجل.
ثم خاطبهم فقال
(يا قوم لا أسألكم عليه أجراً) أي لا أطلب منكم أجراً على الذي أبلغكم وأنصحكم به من الإرشاد إلى عبادة الله وحده وأنه لا إله لكم سواه، فالضمير راجع إلى مضمون هذا الكلام وخاطب بهذا كل نبي قومه إزاحة لما عسى أن يتوهموه وإمحاضاً للنصحية، فإنها ما دامت مشوبة بالمطامع فهي بمعزل عن التأثير، وقد تقدم معنى هذا في قصة نوح وقال هنا أجراً وهناك ما لا تفنناً أو لذكر الخزائن بعده هناك ولفظ المال بها أليق.
(إن أجري إلا على الذي فطرني) أي ما أجري الذي أطلب إلا ممن خلقني فهو الذي يثيبني على ذلك (أفلا تعقلون) إن أجر الناصحين إنما هو من رب العالمين.
وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55)
ثم أرشدهم إلى الاستغفار والتوبة فقال
(ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) أي اطلبوا مغفرته لما سلف من ذنوبكم بفعل الطاعة ثم توسلوا إليه بالتوبة وقد تقدم زيادة بيان لمثل هذا في قصة نوح ثم رغبهم في الإيمان بالخير العاجل فقال (يرسل السماء عليكم مدراراً) أي كثير الدرور أي السيلان والنزول والتتابع، والسماء المطر يقال درت السماء تدر فهي مدرار، ولم يؤنثه لأن المراد بالسماء المؤنثة السحاب أو المطر كما تقدم فذكر على المعنى أو أن مفعالاً للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث أو أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب قاله مكي.
وكان قوم هود أهل بساتين وزروع وعمارة وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن، عن الضحاك قال: أمسك الله القطر عن عاد ثلاث سنين فأجدبت بلادهم وقحطت بسبب كفرهم فقال لهم هود (استغفروا) الآية فأبوا إلا تمادياً.
(ويزدكم قوة إلى قوتكم) أي شدة مضافه إلى شدتكم أو خصباً إلى خصبكم أو عزاً إلى عزكم، قال الزجاج: قوة في النعم، وقال عكرمة: القوة إلى القوة ولد الولد، وقيل كانت قد عقمت نساؤهم ثلاثين سنة لم تلد؛ وقيل قوة في الدين إلى قوة الأبدان.
(ولا تتولوا مجرمين) أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه وتقيموا على الكفر مصرين عليه والإجرام الآثام كما تقدم ثم أجابه قومه بما يدل على فرط جهالتهم وعظيم غباوتهم.
(قالوا يا هود ما جئتنا ببينة) أي بحجة واضحة نعمل عليها ونؤمن لك بها غير معترفين بما جاءهم به من حجج الله وبراهينه عناداً وبعداً عن الحق والباء للتعدية أو للمصاحبة (وما نحن بتاركي آلهتنا) التي نعبدها من دون الله (عن قولك) أي لأجله أو تركاً صادراً عنه، فعن على الأول للتعليل كما أشار إليه ابن عطية ولكن المختار الثاني ولم يذكر الزمخشري غيره.
(وما نحن لك بمؤمنين) أي بمصدقين في شيء مما جئت به
(إن نقول إلا اعتراك) يقال عراه الأمر واعتراه إذا ألم به أي ما نقول إلا أنه أصابك (بعض آلهتنا) التي تعيبها وتسفه رأينا في عبادتها (بسوء) بجنون حتى نشأ عنه ما تقوله لنا وتكرره علينا من التنفير عنها والاستثناء مفرغ كما قال الزمخشري.
فأجابهم بما يدل على عدم مبالاته بهم وعلى وثوقه بربه وتوكله عليه وأنهم لا يقدرون على شيء مما يريده به الكفار، بل الله سبحانه هو الضار النافع (قال إني أشهد الله) على نفسي (واشهدوا) أنتم أيضاً عليها (أني بريء مما تشركون) به
(من دونه) أي من إشراككم من دون الله من غير أن ينزل به سلطاناً (فكيدوني جميعاً) أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنها تقدر على الإضرار بي وإنها اعترتني بسوء (ثم لا تنظرون) أي لا تمهلوني بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم واحتالوا في هلاكي.
وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصك مسامعهم ويوضح عجزهم وعدم قدرتهم على شيء وهذا من معجزاته الباهرة.
إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)
(إني توكلت على الله ربي وربكم) فهو يعصمني من كيدكم وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي كل مبلغ فمن توكل على الله كفاه.
ثم لما بين لهم توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته وصفه بما يوجب التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم وأنه مالك للجميع فقال (ما من دابة) تدب على الأرض (الا هو آخذ بناصيتها) أي أن ناصية كل دابة.
قال الرازي وهو بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، بل هو باق فكان القول بالنسخ باطلاً.
(ومنهم من يستمعون إليك) بين الله سبحانه في هذا أن في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد وهي أنهم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة لعدم حصول أثر السماع وهو حصول القبول والعمل بما يسمعونه، وجمع الضمير في يستمعون حملاً على معنى من وأفرده في ومنهم من ينظر حملاً على لفظه، قيل والنكتة كثرة المستمعين بالنسبة إلى الناظرين لأن الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر من المقابلة وانتفاء الحائل
وانفصال الشعاع والنور الموافق لنور البصر، والتقدير في قوله ومنهم من يستمعون ومنهم من ينظر ومنهم ناس يستمعون ومنهم بعض ينظر.
(أفأنت تسمع الصم) الهمزة للإنكار يعني أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صم والصمم مانع من سماعهم فكيف يطمع منهم في ذلك مع حصول المانع وهو الصمم، فكيف إذا انضم إلى ذلك (لو كانوا لا يعقلون) فإن من كان أصم غير عاقل لا يفهم شيئاً ولا يسمع ما يقال له، والفاء عاطفة.
وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ولذلك لا توصف به البهائم وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مريضة بمعارضة الوهم ومتابعة الإلف والتقليد، تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق.
والكلام في (ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) كالكلام فيما تقدم لأن العمى مانع فكيف يطمع من صاحبه في النظر، وقد انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهما يقوم مقام النظر، وكذلك الأصم (وعصوا) أي رؤساؤهم وسفلتهم (رسله) أي هوداً وحده لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هنا للتعظيم أو لأن من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل.
وقيل إنهم عصوا هوداً ومن كان قبله من الرسل أو كانوا بحيث لو بعث الله إليهم رسلاً متعددين لكذبوهم (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) الجبار المتكبر والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له ويتجاوز في الظلم.
قال أبو عبيدة: العنيد والعنود والعاند والمعاند هو المعارض بالخلاف منه، ومنه قيل للعرق الذي يتفجر بالدم عاند، وعن قتادة قال: عنيد مشرك، وقال السدي: العنيد المشاق.
وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)
(واتبعوا) أي جميعهم أو السفلة والرؤساء (في هذه الدنيا لعنة) أي ألحقوها على لسان الأنبياء، واللعنة هي الإبعاد من الرحمة والطرد من الخير، والمعنى أنها لازمة لهم لا تفارقهم ما داموا في الدنيا (و) اتبعوها (يوم القيامة) فلعنوا هنالك كما لعنوا في الدنيا.
قال السدي: لم يبعث نبي بعد عاد ألا لعنت على لسانه، وقال قتادة: تتابعت عليهم لعنتان من الله، لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة.
(ألا إن عاداً كفروا ربهم) قال الفراء: أي بنعمة ربهم، يقال كفرته وكفرت به مثل شكرته وشكرت له (ألا بعداً لعاد قوم هود) أي لا زالوا مبعدين من رحمة الله، والبعد الهلاك والتباعد عن الخير، يقال بعد يبعد بعدًا إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعداً إذا هلك، والمبالغة في التنصيص والتكرير بعبارتين مختلفتين تدل على تقوية التأكيد ونهاية التحقيق، وقد تقدم إن العرب تستعمله في الدعاء بالهلاك.
(و) أرسلنا (إلى ثمود أخاهم صالحاً) وهم سكان الحجر، فقوم هود عاد الأولى وقوم صالح عاد الثانية كما قال المحلي في سورة النجم، وقرأ الحسن ثمود بالتنوين في جميع المواضع، واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع، فالصرف باعتبار التأويل بالحي والمنع بالقبيلة، وهكذا سائر ما يصح فيه التأويلان، وبين صالح وهود مائة سنة، وعاش صالح مائتي سنة
وثمانين سنة ومكانهم بين الشام والمدينة، وتقدم في الأعراف بسط قصتهم وقصة الناقة بأكثر مما هنا.
والكلام فيه وفي قوله (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) كما تقدم في قصة هود (هو أنشأكم من الأرض) أي ابتدأ خلقكم لأن كل بني آدم من صلب آدم وهو مخلوق منها فمن لابتداء الغاية، وقيل هي بمعنى في (واستعمركم فيها) أي جعلكم عمارها وسكانها من قولهم أعمر فلان فلاناً داره فهي له عمرى فيكون استفعل بمعنى افعل مثل استجاب بمعنى أجاب والسين والتاء زائدتان.
وقال الضحاك: معناه أطال عمركم، وكانت أعمارهم ثلثمائة إلى ألف سنة، وقيل معناه أمركم بعمارتها من بناء المساكن وغرس الأشجار. وقال ابن زيد: استخلفكم فيها.
(فاستغفروه) أي سلوه المغفرة لكم من عبادة الأصنام (ثم توبوا إليه) أي ارجعوا إلى عبادته (إن ربي قريب مجيب) أي قريب الإجابة لمن دعاه، وقد تقدم القول فيه في البقرة عند قوله تعالى (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).
(قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً) أي كنا نرجو أن تكون فينا سيداً مطاعاً ننتفع برأيك ونسعد بسيادتك لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد لأنه كان من قبيلتهم، وكان يعين ضعيفهم ويغني فقيرهم (قبل هذا) الذي أظهرته من ادعائك النبوة ودعوتك إلى التوحيد، وقيل كان صالح يعيب آلهتهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم فلما دعاهم إلى الله قالوا انقطع رجاؤنا منك.
والاستفهام في قوله: (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا) للإنكار، أنكروا عليه هذا النهي، والمعنى ما كان يعبد آباؤنا فهو حكاية حال ماضية لاستحضار الصورة (وإننا لفي شك مما تدعونا إليه) من عبادة الله (مريب) موقع في الريبة من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلاً يوجب له الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء