المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ - فتح البيان في مقاصد القرآن - جـ ٦

[صديق حسن خان]

الفصل: فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ‌

(39)

(فسوف تعلمون من) موصولة في محل نصب أو استفهامية في محل رفع أي أينا (يأتيه عذاب يخزيه) أي يهينه وهو عذاب الغرق في الدنيا، قاله ابن عباس: والمراد بعذاب الخزي العذاب الذي يخزي صاحبه ويحل عليه العار (ويحل) التلاوة بكسر الحاء ويجوز لغة ضمها كما في المصباح أي ينزل (عليه عذاب مقيم) في الآخرة وهو عذاب النار الدائم والخلود فيها.

وقيل معنى يحل يجعل المؤجل حالاً مأخوذ من حلول الدين المؤجل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها ثم جعل يعمل منها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر وكيف تجري، قال سوف تعلمون، فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب الماء بها، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي (1)، وقد ضعفه الذهبي في مستدركه على مستدرك الحاكم، وقد روي في صفة السفينة وقدرها أحاديث وآثار ليس في ذكرها هنا كثير فائدة.

(1) المستدرك كتاب التفسير/هود 21/ 342.

ص: 178

حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)

ص: 179

(حتى إذا جاء أمرنا) حتى هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية وجعلت غاية لقوله (واصنع الفلك بأعيننا) وما بينهما اعتراض والمراد بالأمر العذاب أو وقته وهو واحد الأمور لا الأوامر ويصح أن يراد الثاني على معنى جاء أمرنا بركوب السفينة.

(وفار التنور) أي غلى، واختلف في تفسير التنور على أقوال (الأول) أنه وجه الأرض والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً أو اشرف موضع فيها؛ روى ذلك عن ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة.

(الثاني) أنه تنور الخبز الذي يخبزون فيه ابتدئ منه النبع على خلاف العادة وبه قال مجاهد وعطية والحسن وهو قول أكثر المفسرين، قيل وهذا أولى لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى، ولفظ التنور حقيقة في اسم الموضع الذي يخبز فيه (الثالث) أنه موضع اجتماع الماء في السفينة وروى هذا عن الحسن. (الرابع) أنه طلوع الفجر من قولهم تنور الفجر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب (الخامس) أنه مسجد الكوفة، روي ذلك عن علي أيضاً ومجاهد، وقال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة على يمين الداخل مما يلي باب كندة وكان الشعبي يحلف بالله أنه ما فار إلا من ناحية الكوفة. (السادس) أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة قاله قتادة (السابع) أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة وهي بالشام، روي ذلك عن عكرمة، وبه قال مقاتل (الثامن) أنه موضع بالهند، قال ابن عباس: كان تنور آدم

ص: 179

بالهند وكانت حواء تخبز فيه وصار إلى نوح.

قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن الله سبحانه قد أخبر بأن الماء قد جاء من السماء والأرض قال (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً) فهذه الأقوال تجتمع في إن ذلك كان علامة هكذا، قال: وفيه نظر فإن القول الرابع ينافي هذا الجمع ولا يستقيم عليه التفسير بنبع الماء إلا إذا كان المراد مجرد العلامة كما ذكره آخراً.

وقد ذكر أهل اللغة أن الفوز الغليان، يقال فار الماء يفور فوراً نبع وجرى وفارت القدر فوراً من باب قال وفوراناً غلت، وعلى هذا لا تجوز في الآية إلا من حيث نسبة الفوران إلى التنور، وهو اسم أعجمي عربته العرب، وعلى هذا فلا اشتقاق له.

وقيل فارسي لا تعرف له العرب اسماً غير هذا فلذلك جاء في القرآن بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون، وقيل جاء هكذا بكل لفظ عربي وعجمي، وأنه مما اتفق عليه لغة العرب والعجم كالصابون ووزنه تفعول ويعزى هذا لثعلب، وقيل فعول ويعزى لأبي على الفارسي، وقيل معنى فار التنور التمثيل بحضور العذاب كقولهم حمي الوطيس إذا اشتد الحرب، وعلى هذا فهو كناية عن اشتداد الأمر.

وقيل كان من حجر لحواء فصار إلى نوح، وقد روى في تفسير التنور غير هذا. ذكر ابن جرير وغيره إن الطوفان كان في ثالث عشر من أبيب رجب في شدة القيظ وكان الفوران علامة لنوح على مجيئه وركوب السفينة.

(قلنا) يا نوح (احمل فيها) أي في السفينة (من كل زوجين) مما في الأرض من الحيوانات (اثنين) ذكراً وأنثى، وقرئ من كل بالتنوين أي من كل شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر،

ص: 180

ويطلق على كل واحد منهما زوج كما تقول للرجل زوجٍ وللمرأة زوجٍ؛ وهو المراد هنا أي من كل فردين متزاوجين اثنين بأن تحمل من الطير ذكراً وأنثى ومن الغنم ذكراً وأنثى، وهكذا وتترك الباقي، والمراد من الحيوانات التي تنفع والتي تلد أو تبيض ليخرج المضرات، والتي تتوالد من العفونة والتراب كالدود والقمل والبق والبعوض فلم يحمل منه شيئاً.

ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلاً للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف ومنه قوله تعالى (وأنبتت من كل زوج بهيج).

قال الرازي: وأما ما يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن، وهو جسم ناري أو هوائي فكيف يفر من الغرق، وأيضاً فإن كتاب الله لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر صحيح، فالأولى ترك الخوض فيه اهـ.

(و) احمل (أهلك) والمراد امرأته المؤمنة وبنوه ونساؤهم (إلا من سبق عليه القول) أي من تقدم الحكم عليه بأنه من المغرقين في علمه أو في قوله (ولا تخاطبنى في الذين ظلموا أنهم مغرقون) على الاختلاف الشائع فيهم، فمن جعلهم جميع الكفار من أهله وغيرهم كان هذا الاستثناء من جملة احمل فيها وأهلك ومن قال المراد بهم ولده كنعان وامرأته الكافرة واعلة أم كنعان جعل الاستثناء من أهلك ويكون متصلاً إن أريد بالأهل ما هو أعم من المسلم والكافر منهم، ومنقطعاً إن أريد بالأهل المسلمون منهم فقط.

(و) احمل (من آمن) من قومك في السفينة، وأفرد الأهل منهم لمزيد العناية بهم أو للاستثناء منهم على القول الآخر.

ثم وصف الله سبحانه قلة المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به فقال (وما آمن معه إلا قليل) واعتبار المعية في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقر الأمان والنجاة، قيل كانوا ثمانية: نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم، وبه قال

ص: 181

قتادة وابن جرير ومحمد بن كعب القرظي، وقيل كانوا ثمانين رجلاً أحدهم جرهم، قاله ابن عباس. قال الخفاجي: وهي الرواية الصحيحة. اهـ.

ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين وهي موجودة بناحية الموصل، وقيل سبعة نوح وبنوه وثلاث كنائن له، قاله الأعمش، قال الخفاجي: ويرده عطف من آمن إلا أن يكون الأهل بمعنى الزوجة فإنه ثبت بهذا المعنى، وهو خلاف الظاهر، وقيل كانوا تسعة وسبعين: زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم.

وعن ابن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وقيل غير ذلك، قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال عز وجل (وما آمن معه إلا قليل) ولم يحد عدداً بمقدار، فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله سبحانه وتعالى إذ لم يرد ذلك في كتاب ولا خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ص: 182

(وقال اركبوا فيها) القائل نوح، وقيل الله سبحانه، والأول أولى لقوله:(إن ربي لغفور رحيم) والركوب العلو على ظهر الشيء المتحرك حقيقة نحو ركب الدابة أو مجازاً نحو ركبه الدين؛ وفي الكلام حذف أي اركبوا الماء في السفينة فلا يرد إن ركب يتعدى بنفسه.

وقيل أن الفائدة في زيادة " في " أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا على ظهرها، وقيل بل أنها زيدت لرعاية جانب المحلية والمكانية في السفينة كما في قوله (فإذا ركبوا في الفلك) وقوله (حتى إذا ركبا في السفينة).

قيل ولعل نوحاً قال هذه المقالة بعد إدخال ما أمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك وقال للمؤمنين اركبوا فيها، ويمكن أن يقال أنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج والأهل

ص: 182

والمؤمنين، ولا يمتنع أن يفهم خطابه من لا يعقل من الحيوانات، أو يكون هذا على طريقة التغليب، وقد روى صفة القصة وما حمله نوح في السفينة وكيف كان الغرق. وكم بقيت السفينة على ظهر الماء روايات كثيرة لا مدخل لها في تفسير كلام الله سبحانه (بسم الله) متعلق باركبوا أو حال من فاعله أي اركبوا مسمين الله أو قائلين بسم الله (مجريها ومرساها) بضم الميم فيهما من أجريت وأرسيت على إنهما اسماً زمان وهما في موضع نصب على الظرفية أي وقت إجرائها وإرسائها أو مصدران كالإجراء والإرساء بحذف الوقت كقولك آتيك خفوق النجم أو اسما مكان انتصبا بما في بسم الله من معنى الفعل أو إرادة القول.

وقرئ الأول بفتح الميم والثاني بضمها وهاتان القراءتان سبعيتان، وقرئ بفتحها فيهما من جرى ورسى، وهذه شاذة، وقرئ مجريها ومرسيها بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل على أنهما وصفان لله، ويجوز أن يكونا في موضع رفع بإضمار مبتدأ أي هو مجريها ومرسيها، والرسو الثبات والاستقرار. قال مجاهد في الآية: أي حين تركبون وتجرون وترسون.

وعن الضحاك قال: كان إذا أراد أن ترسى قال: بسم الله فرست، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت.

(إن ربي لغفور) للذنوب (رحيم) بعباده ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة تفضلاً منه لبقاء هذا الجنس الحيواني وعدم استئصاله بالغرق.

أخرج أبو يعلى والطبراني وابن السني وغيرهم عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك الرحمن بسم الله مجراها الآية (وما قدروا الله حق قدره) الآية (1).

(1) ضعيف الجامع الصغير 1346 - تخريج الكلم 175 - الأحاديث الضعيفة 2932.

ص: 183

وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

ص: 184

(وهي تجري بهم) أي فركبوا مسمين والسفينة تجري، والجملة مستأنفة أو حالية ولذلك فسره الزمخشري بقوله أي تجرى وهم فيها (في موج) جمع موجة وهي ما ارتفع عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح واضطرابه في خلاله (كالجبال) شبهها بالجبال المرتفعة على الأرض، أي كل موجة منه كالجبل في تراكمها وارتفاعها وعظمها.

قال أهل السير: ارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعاً، وقيل خمسة عشر ذراعاً حتى أغرق كل شيء وعم العباد وشمل كل البلاد، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه كالحوت فغير ثابت.

(ونادى نوح ابنه) هو كنعان وقيل يام وكان كافراً؛ واستبعد كون نوح ينادي من كان كافراً مع قوله (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وأجيب بأنه كان منافقاً فظن نوح أنه مؤمن، وقيل حملته شفقة الأبوه على ذلك وكان من صلبه على المعتمد.

وقال ابن عباس: هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل، وقيل أنه كان ابن امرأته ولم يكن ابنه. ويؤيده ما روي أن علياً قرأ (ونادى نوح ابنها) وقيل أنه كان لغير رشدة وولد على فراش نوح، ورد بأن قوله هذا وقوله (إن ابني من أهلي) يدفع ذلك مع ما فيه من عدم صيانة منصب النبوة فإن جناب الأنبياء أرفع من أن يشار إليه بأصبع الطعن.

ص: 184

(وكان في معزل) أي في مكان عزل فيه نفسه عن قومه وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح (اركبوا فيها) وقيل في معزل من دين الله وقيل من السفينة. قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق، بل كان في أول فور التنور قبل سير السفينة.

(يا بني) أصله بثلاث ياءات ياء التصغير ولام الكلمة وياء المتكلم (اركب معنا) في السفينة أي أسلم واركب، قال ملا عليّ الجيلاني: الظاهر أن معنى الآية أسلم لتستحق الركوب معنا.

(ولا تكن مع الكافرين) في البعد عنا فتهلك معهم، نهاه عن الكون معهم خارج السفينة، ويمكن أن يراد بالكون معهم الكون على دينهم في الكفر، والأول أولى لأنه عليه السلام بصدد التحذير عن الهلكة فلا يلائمه النهي عن الكفر.

ثم حكى الله سبحانه ما أجاب به ابن نوح على أبيه فقال

ص: 185

(قال سآوي) أي سألتجئ وأصير (إلى جبل يعصمني) أي يمنعني بارتفاعه وعلوه (من) وصول (الماء) إليّ زعماً منه أن ذلك كسائر المياه في أزمنة السيول المعتادة التي ربما يتقي منها بالصعود إلى الربى، وأنى له ذلك وقد بلغ السيل الزبى، وجهلاً بأن ذلك إنما كان لإهلاك الكفرة، وأن لا محيص من ذلك سوى الالتجاء إلى ملجأ المؤمنين، فلذلك أراد عليه السلام أن يبين له حقيقة الحال، وأن يصرفه عن ذلك الفكر المحال.

(قال) أي فأجاب عنه نوح بقوله (لا عاصم) من الجبال أي لا مانع (اليوم من أمر الله) فإنه يوم قد حق فيه العذاب وجف القلم بما هو كائن، فيه نفي جنس العاصم فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجاً أولياً، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيماً لشأنه وتهويلاً لأمره (إلا من رحم) وقرئ على البناء للمفعول والاستثناء منقطع قاله الزجاج أي لكن من رحمه فهو يعصمه واستظهره السفاقسي أو متصل على أن يكون عاصم

ص: 185

بمعنى معصوم أي لا معصوم اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله مثل ماء دافق وعيشة راضية، واختار هذا الوجه ابن جرير والزمخشري وتبعه القاضي.

وقيل العاصم بمعنى ذي العصمة كلابن وتامر، والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحم الله وهو السفينة وحينئذ فلا يرد ما يقال أن معنى من رحم من رحمه الله ومن رحمه الله فهو معصوم، فكيف يصح استثناؤه عن العاصم لأن في كل وجه من هذه الوجوه دفعاً للإشكال.

وذكر صاحب الانتصاف إن الاحتمالات الممكنة هنا أربعة لا عاصم إلا راحم، لا معصوم إلا مرحوم، لا عاصم إلا مرحوم، لا معصوم إلا راحم، فالأولان استثناء من الجنس، والآخران استثناء من غير الجنس فيكون منقطعاً أي لكن المرحوم يعصم على الأول؛ ولكن الراحم يعصم من أراد على الثاني قال عكرمة: لا ناج إلا أهل السفينة.

(وحال بينهما الموج) أي حال بين نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق وقيل بين ابن نوح وبين الجبل والأول أولى لأن تفرع (فكان من المغرقين) عليه يدل على الأول لا على الثاني لأن الجبل ليس بعاصم والمعنى فصار أو فكان كنعان من المغرقين في علم الله بالفعل والمهلكين بالماء.

(وقيل) أي بعد ما تناهى الطوفان وأغرق الله قوم نوح والقيل كما قيل في هذين الموضعين عبارة عن تعلق القدرة التنجيزي بزوال الماء وبهلاكهم كما قيل في قوله تعالى (أن يقول له كن فيكون) وعلى هذا فالآية على الاستعارة المكنية والتخييلية وقيل تمثيلية، كما فصل ذلك الخفاجي في العناية تفصيلاً بسيطاً مع ما يصحبه من لطائف البلاغة.

ولكن الحق الذي لا تردد فيه عند أولي البصيرة أن الآية على حقيقتها من النداء والأمر وهو المختار في قوله سبحانه (كن فيكون) وأمثاله أيضاً.

ص: 186

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

ص: 187

(يا أرض ابلعي) يقال بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء: والبلع الشرب وتغوير الماء ومنه البالوعة وهي الموضع الذي يشرب الماء والازدراد يقال بلع ما في فمه من الطعام إذا ازدرده، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج.

قال الخفاجي: النشف من نشف الثوب العرق كسمع وبصر إذا شربه، قال المدقق: هذا أولى من جعل السكاكي البلع مستعاراً لغور الماء في الأرض لدلالته على جذب الأرض ما عليها كالبلع بالنسبة إلى الحيوان ولأن النشف فعل الأرض والغور فعل الماء. فالله دره ما أكثر اطلاعه على حقائق المعاني اهـ.

وقال عكرمة: ابلعي هو بالحبشية ازدرديه وعن ابن منبه نحوه وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: معناه اشربي بلغة الهند وعن ابن عباس مثله.

أقول وثبوت لفظ البلع وما يشتق منه في لغة العرب ظاهر مكشوف فمالنا وللحبشة والهند والمعنى انشفي وتشربي (ماءك) أي ما على وجهك من ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون والأنهار. وعبر عنه بالماء بعد ما عبر عنه بأمر الله، لأن المقام مقام النقص والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل.

(ويا سماء أقلعي) الإقلاع الإمساك يقال اقلع المطر إذا انقطع وأقلع عن

ص: 187

الشي إذا تركه وهو قريب من الأول، والمعنى أمر السماء بإمساك الماء عن الإرسال، ولفظ أحمد المهايمي في تفسيره: أي اجذبي إلى جهة الفوق ما نزل منك اهـ. وقيل ميز الله بين الماءين فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته وصار ماء السماء بحاراً، وخوطبت الأرض أولاً بالبلع لأن الماء نبع منها أولاً قبل إن تمطر السماء.

(وغيض الماء) أي نقص ونضب ما بين السماء والأرض من الماء يقال غاض الماء وغضته أنا وهو لازم ومتعد، فمن اللازم قوله تعالى (وما تغيض الأرحام) أي تنقص، وقيل بل هو هنا متعد أيضاً وسيأتي، ومن المتعدي هذه الآية لأنه لا يبنى للمفعول من غير واسطة حرف الجر إلا المتعدي بنفسه وهو إخبار عن حصور المأمورية من السماء والأرض معاً أي فامتثلا ما أمرا به ونقص الماء، ولا يخص غيض الماء بطوفان السماء كما توهم، وفيه كلام طويل في الكشف، قال الصاوي: أي ولم يذهب بالكلية لما علمت من بقاء ماء السماء.

(وقضي الأمر) أي أحكم وفرغ منه يعني أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام وأنجز ما كان وعده، قاله القرطبي (واستوت على الجودي) أي استقرت السفينة على الجبل المعروف بالجودي، روى أنه عليه السلام ركب في الفلك في عاشر رجب ونزل عنها في عاشر المحرم فصام ذلك اليوم شكراً فصار سنة، والجودي جبل بقرب الموصل.

وقيل أن الجودي اسم لكل جبل وقيل هو بالشام، وقيل بآمل وفي الحديث لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ويقال أنه من جبال الجنة فلذا استوت عليه بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر.

(وقيل بعداً للقوم الظالمين) القائل هو الله سبحانه ليناسب صدر الآية، وقيل هو نوح وأصحابه والمعنى وقيل هلاكاً لهم وهو من الكلمات التي تختص

ص: 188

بدعاء السوء، ووصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك وللإيماء إلى قوله (ولا تخاطبني في الذين ظلموا).

قال عبد الرحمن بن خلدون: اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع وبما كان من خراب المعمور وهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله وعاد أباً ثانيا للخليقة انتهى.

وقال ابن الأثير في الكامل: وأما المجوس فلا يعرفون الطوفان وكان بعضهم يقر به ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد خومرت كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم، وكذلك جميع الأمم المشرقية من الهند والفرس والصين لا يعترفون بالطوفان، وبعض الفرس يعترف به ويقول لم يكن عاماً ولم يتعد عقبة حلون.

والصحيح أن جميع أهل الأرض من ولد نوح عليه السلام لقوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث أولاد نوح انتهى.

وقال المقريزي في الخطط: أن جميع أهل الشرائع أتباع الأنبياء من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحاً هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم عليه السلام انحصر فيه ومنه ذرأ الله جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك فأنكروا الطوفان.

وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأول كانوا بالبلاد الشرقية من بابل فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين.

ص: 189

والحق ما عليه أهل الشرائع وأن نوحاً عليه السلام لما أنجاه الله ومن معه بالسفينة نزل بهم وهم ثمانون رجلاً سوى أولاده فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيد هذا قول الله تعالى عن نوح. (وجعلنا ذريته هم الباقين) انتهى.

وقد أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغه من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عن الوصف وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة الثابتين الأقدام في علم البيان، الراسخين في اللغة المطلعين على ما هو مدون من خطب مصاقع خطباء العرب وأشعار بواقع شعرائهم المرتاضين بدقائق علوم العربية وأسرارها.

قال الصاوي وسليمان الجمل: قال بعضهم: هذه الآية أبلغ آية في القرآن باحتوائها على أحد وعشرين نوعاً من أنواع البديع، والحال أن كلماتها تسعة عشر انتهى.

قلت: وقد تعرض لبيان ما اشتملت عليه من ذلك جماعة فأطالوا وأطابوا رحمنا الله وإياهم برحمته الواسعة منهم أبو حيان محمد بن يوسف الإمام الأندلسي في تفسيره المسمى بالنهر الماد من المحيط ذكر فيه أحداً وعشرين نوعاً من البديع وكذا السيد محمد بن أسماعيل بن صلاح الأمير في رسالته المسماة بالنهر المورود، في تفسير آية هود، وهو المناسبة والمطابقة، والمجاز، والاستعارة، والإشارة والتمثيل، والأرداف، والتعليل، وصحة التقسيم، والاحتراس، والإيضاح، والمساواة، وحسن النسق، والإيجاز، والتسهيم والتهذيب، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، والمقابلة، والذم، والوصف.

وبسط في بيان هذه الأنواع أتم بسط وقال هذا كله نظراً في الآية من

ص: 190

جانب البلاغة، وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ترى نظم للمعاني لطيف سديد وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق على المرتاد، بل ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها.

وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية أصلية مستعملة جارية على قانون اللغة سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسة على الاسلات، كل منها كالماء في السلاسة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة. انتهى.

قلت: النظر في هذه الآية من أربع جهات:

(الأول) من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز وغيره كما تقدمت الإشارة إليه (والثاني) من جهة علم المعاني، وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها (والثالث والرابع) من جهة الفصاحة المعنوية واللفظية كما تقدم.

وقد ذكر طرفاً من هذه الجهات الأربع النسفي في المدارك، ثم قال: ومن ثم أطبق المعاندون، على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر.

ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور. اهـ.

قال القاضي: والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحس نظمها

ص: 191

والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. قال الخفاجي: هذه الآية حوت من البلاغة أمراً عجيباً ترقص الرؤوس له طرباً وما اشتملت عليه من الفصاحة والنكات مفصل في شرح المفتاح.

وقال أبو السعود: ولقد بلغت الآية الكريمة من مراتب الإعجاز قاصيتها، وملكت من غرر المزايا ناصيتها، وقد تصدى لتفصيلها المهرة المتقنون، ولعمري إن ذلك فوق ما يصفه الواصفون، فحري بنا أن نوجز الكلام في هذا الباب ونفوّض الأمر إلى تأمل أولي الألباب والله عنده علم الكتاب.

ص: 192

(ونادى نوح ربه) أي دعاه، والظاهر أن هذا النداء كان قبل سيرها لأنه سؤال في تجاه ابنه ولا معنى للسؤال إلا عند إمكان النجاة، والمراد أنه أراد دعاءه بدليل الفاء في قوله (فقال رب إن ابني من أهلي) وعطف الشيء على نفسه غير سائغ فلابد من التقدير المذكور قاله الزمخشري. وقيل عطف تفسير أو تفصيل إذ القول المذكور هو عين النداء فهو مرتبط في المعنى بقوله (ونادى نوح ابنه) والمعنى أنه من الأهل الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك وأهلك.

فإن قيل كيف طلب نوح عليه السلام إنجاز ما وعده الله بقوله (وأهلك) وهو المستثنى منه وترك ما يفيده الاستثناء وهو إلا من سبق عليه القول فيجاب بأنه لم يعلم إذ ذاك أنه ممن سبق عليه القول فإنه كان يظنه من المؤمنين.

(وإن وعدك الحق) الصدق الذي لا خلف فيه وهذا منه (وأنت أحكم الحاكمين) أي أتقن المتقنين لما يكون به الحكم فلا يتطرق إلى حكمك نقض، وقيل أراد به أعلمهم وأعدلهم أي أنت أكثر علماً وعدلاً من ذوي الحكم، وقيل أن الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدراع.

ص: 192