الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الخيار
1 -
عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع" متفق عليه واللفظ لمسلم.
[المفردات]
" الخيار" بكسر الخاء اسم من الاختيار أو التخيير وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه قال الحافظ فى الفتح: وهو خياران، خيار المجلس وخيار الشرط وزاد بعضهم خيار النقيصة وهو مندرج فى خيار الشرط فلا يزاد اهـ والظاهر أن خيار العيب كرد المصراة لا يندرج فى خيار الشرط.
"ما لم يتفرقا" أى ما لم يتباعدا عن بعضهما من المكان الذى عقدا فيه صفقة البيع وتم فيه بينهما الإيجاب والقبول.
"وكانا جميعا" أى تفرقا بعد أن كانا معا فى مجلس واحد.
"أو يخير أحدهما الآخر" أى يقول البائع أو المشترى لصاحبه بعد الإيجاب والقبول: إن شئت أن تقرر نفاذ البيع حالا وإسقاط خيار المجلس فعلت.
"فتبايعا على ذلك": أى فوافقه صاحبه على إسقاط خيار المجلس.
"وجب البيع" أى ثبت البيع ولزم، وسقط حقهما فى خيار المجلس "وإن تفرقا" أى بأبدانهما عن مجلس العقد.
"بعد أن تبايعا" أى بعد الإيجاب والقبول.
"ولم يترك واحد منهما البيع" أى أمضيا البيع ولم يستعمل أحدهما حقه فى خيار المجلس بفسخ البيع.
"فقد وجب البيع" أى ثبت البيع ولزم ونفذ.
[البحث]
هذا الحديث من أعظم الشواهد على حرص شريعة الإسلام على ضبط المبايعات وإعطاء الفرصة لكل واحد من المتبايعين ليتروى ويتجنب أسباب الندم، ودفع أوضار العجلة التى قد تهب ريثا وحزنا طويلا، فلم تفرض شريعة الإسلام إيجاب البيع وإلزام الطرفين بمجرد الإيجاب والقبول بل أعطت لكل واحد منهما فرصة التروى ما داما فى مجلس العقد إلا إذا خير أحدهما صاحبه فى قطع خيار المجلس فوافقه على ذلك فإن البيع حينئذ يعتبر لازما ثابتا نافذا، وقد روى البخارى ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن المُتَبَايعَين بالخيار فى بيعهما ما لم يتفرقا أو يكون البيع خيارا" زاد البخارى: قال نافع: وكان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه. وفى لفظ لمسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" وفى لفظ لمسلم عن نافع قال: فكان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه" وفى بعض نسخ
مسلم "هنية" ومعنى: مشى هنيهة أو هنية أى شيئا يسيرا. ومعنى: أراد أن لا يقيله أى لا ينفسخ البيع، ومعنى قوله فى الحديث:"إلا بيع الخيار" أى يثبت لهما الخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا فى المجلس ويختارا إمضاء البيع فيلزم البيع بنفس التخاير ولا يدوم إلى المفارقة بالأبدان. وفسره بعض أهل العلم بأن معناه إلا بيعا شرط فيه خيار الشرط ثلاثة أيام أو سواها من مدة معلومة فلا ينقضى الخيار فيه بالمفارقة بل يبقى حتى تنقضى المدة المشروطة، قال الترمذى فى جامعه: ومعنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: "إلا ببيع الخيار" معناه: أن يخير البائع المشترى بعد إيجاب البيع، فإذا خيَّره فاختار البيع فليس له خيار بعد ذلك فى فسخ البيع وإن لم يتفرقا. هكذا فسره الشافعى وغيره، اهـ وقال أبو داود: حدثنا عبد اللَّه بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد اللَّه بن عمر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا حماد عن أيوب عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم بمعناه قال: أو يقول أحدهما لصاحبه: كما روى البخارى من حديث حكيم بن حزام رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: البيعان بالخيار ما لم يفترقا" وفى لفظ للبخارى من حديث حكيم بن حزام: ما لم يتفرقا" ولا شك أن هذه الألفاظ النبوية المنقولة عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من وجوه كثيرة صحيحة ثابتة تثبت خيار المجلس وحديث الباب أعظمها وضوحا فى ثبوت ذلك. وما التوفيق إلا باللَّه. قال الخطابى فى حديث الباب: هذا أوضح شئ فى ثبوت خيار المجلس وهو مبطل لكل تأويل مخالف لظاهر الحديث اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.
2 -
إذا أراد أحد المتبايعين قطع خيار المجلس فوافقه صاحبه فقد لزم البيع وتم وانقطع هذا الخيار.
3 -
أن خيار المجلس خاص بالبيع بخلاف عقد النكاح والعتق وغيرهما.
2 -
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضى اللَّه عنهم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله" رواه الخمسة إلا ابن ماجه، ورواه الدارقطنى وابن خزيمة وابن الجارود، وفى رواية: "حتى يتفرقا عن مكانهما".
[المفردات]
" والمبتاع" أى والمشترى.
"إلا أن تكون صفقة خيار" أى إلا أن يخير أحدهما صاحبه بقطع خيار المجلس فيوافقه على ذلك.
"ولا يحل له" أى لأحد المتبايعين.
"أن يفارقه" أى أن يقوم مسرعا من المجلس بمجرد الإيجاب والقبول مفارقا صاحبه.
"خشية أن يستقيله" أى يسرع فى القيام من المجلس مخافة أن يختار صاحبه فسخ البيع فى المجلس بسبب خيار المجلس الذى قررته الشريعة للمتبايعين. فمعنى يستقيله يلغى الإيجاب
والقبول اللذين حصلا فى المجلس ويعلم صاحبه بذلك فى المجلس. والعرب تقول: استقلت ما فات عنى بمعنى: استدركته.
"وفى رواية" للبيهقى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهم.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا قتيبة بن سعيد ثنا الليث عن ابن عجلان عن عمربر بن شعيب عن أبيه عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا، الا أن تكون صفقة خيار ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله اهـ وقال الترمذى بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث حسن، ومعنى هذا أن يفارقه بعد البيع خشية أن يستقيله، ولو كانت الفرقة بالكلام ولم يكن له خيار بعد البيع لم يكن لهذا الحديث معنى حيث قال: ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله اهـ وقال الترمذى أيضا: ومما يقوى قول من يقول (الفرقة بالأبدان لا بالكلام) حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبى صلى الله عليه وسلم وأماما صح عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أنه كان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة" وفى لفظ: كان ابن عمر إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه" فيمكن حمله على أنه لم يكن يفارقه بمجرد الإيجاب والقبول بل يجلس قليلا ثم يفارقه فتحصل فرصة الخيار لصاحبه وتحصل له فرصة توثيق البيع كذلك، والممنوع سرعة المفارقة بمجرد الإيجاب والقبول لما فيه من تضييع فرصة صاحبه فى
الخيار. وقال ابن حجر فى التلخيص: (تنبيه) لم يبلغ ابن عمر النهى المذكور اهـ والرواية التى أشار إليها المصنف بقوله: وفى رواية: "حتى يتفرقا عن مكانهما" قد أخرجها البيهقى فى السنن الكبرى فقال: أخبرنا محمد بن الحسين السلمى وأحمد بن محمد بن أحمد بن الحارث الأصفهانى الفقيه قالا: أنا على بن عمر الحافظ ثنا أبو بكر النيسابورى ثنا أبو عبد اللَّه أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثنى عمى قال: حدثنى مخرمة بن بكر عن أبيه قال: سمعت عمرو بن شعيب يقول: سمعت شعيبا يقول سمعت عبد اللَّه بن عمرو يقول: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما إلا أن يكون صفقة خيار، ولا يحل لأحد أن يفارق صاحبه مخافة أن يقيله" قال البيهقى: قوله: "يقيله" أراد به -واللَّه أعلم- يفسخه فعبر بالإقالة عن الفسخ اهـ وقد يفهم من قوله: مخافة أن يقيله. وفى لفظ حديث الباب: خشية أن يستقيله" أن يكون المحظور أن يستشعر أحدهما ندم صاحبه بعد الإيجاب والقبول مباشرة فيسارع إلى المفارقة حتى ينقطع الخيار، وهذا يؤكد ما أشرت إليه آنفا مما يمكن حمل عمل ابن عمر عليه، فهو لم يفعل ما كان يفعله رضى اللَّه عنه من المفارقة لخشيته من ندم صاحبه. بل لمجرد حرصه على إتمام الصفقة مع ترك بعض الفرصة لصاحبه. واللَّه أعلم. ولا يعكر على هذا ما رواه البخارى فى صحيحه فى باب إذا اشترى شيئا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا ولم ينكر البائع على المشترى قال: قال أبو عبد اللَّه: وقال الليث حدثنى عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب
عن سالم بن عبد اللَّه عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما قال: بعت من أمير المؤمنين عثمان مالا بالوادى بمال له بخيبر فلما تبايعنا رجعت على عقبى حتى خرجت من بيته خشية أن يرادَّنى البيع، وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار حتى يتفرقا قال عبد اللَّه: فلما وجب بيعى وبيعه رأيت أنى قد غبنته بأنى سقته إلى أرض ثمود بثلاث ليال، وساقنى إلى المدينة بثلاث ليال، فإن قوله: فلما وجب بيعى وبيعه رأيت أنى قد غبنته الخ فإنه ظاهر فى أن ابن عمر رأى الغبطة فى القرب من المدينة مع أن البائع قد يرى الغبطة فى الأرض البعيدة لمعنى غير المعنى الذى نظر إليه ابن عمر رضى اللَّه عنهما كما أنه ليس فيه نص على أن ابن عمر لم يترك فرصة لعثمان ليختار فى المجلس، وعثمان رضى اللَّه عنه أحد الأئمة الأعلام الوقافين عند سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، الخبراء بالتجارة، فلا تقع معه مبايعة فيها مخالفة لهدى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
1 -
ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.
2 -
أن لكل واحد من المتبايعين قطع خيار المجلس بموافقة صاحبه على قطع الخيار.
3 -
أنه لا يحل لأحد المتبايعين إذا أحس بندم صاحبه على الصفقة أن يعجل بقطع خيار المجلس ليفوت على صاحبه الخيار.
3 -
وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: ذَكَرَ رجلٌ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه يخدع فى البيوع فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" متفق عليه.
[المفردات]
" رجل" فى المنتقى لابن الجارود من طريق سفيان عن نافع أنه حَبَّان بن منقذ، وحبان بفتح الحاء وتشديد الباء هو ابن منقذ بن عمرو الأنصارى رضى اللَّه عنه قيل أنه كان فى زمن عثمان رضى اللَّه عنه ابن مائة وثلاثين سنة.
"يخدع" أى يُغَرُّ ويغبن.
"لا خِلابة" بكسر الخاء وتخفيف اللام أى لا خديعة. ومنه برق خالب أى لا مطر فيه، فهو يخدع من يراه.
[البحث]
لفظ البخارى فى باب ما يكره من الخداع فى البيع من طريق عبد اللَّه بن دينار عن عبد اللَّه بن عمر رضى اللَّه عنهما أن رجلا ذُكرَ للنبى صلى الله عليه وسلم أنه يخدع فى البيوع فقال: "إذا بايعت فقل: لا خِلابة" وفى لفظ لمسلم أنه كان يقول: "لا خِيابة" فيقلب اللام ياء قال الحافظ فى الفتح: وكأنه كان لا يفصح باللام للثغة لسانه، ومع ذلك لم يتغير الحكم فى حقه عند أحد من الصحابة الذين كانوا يشهدون له بأن النبى صلى الله عليه وسلم جعله بالخيار اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن من اشترط عند البيع أن لا خلابة يثبت له الخيار عند وجود الخِلابة.
2 -
صحة العقد ممن يُخْدَعُ فى البيوع.
3 -
بغض الإسلام للخداع فى البيوع.