المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب العدة والإحداد - فقه الإسلام = شرح بلوغ المرام - جـ ٨

[عبد القادر شيبة الحمد]

الفصل: ‌باب العدة والإحداد

بسم الله الرحمن الرحيم

‌بابُ العِدَّةِ والإِحداد

ص: 3

1 -

عن المسور بن مخرمة رضى اللَّه عنه أن سُبَيْعَةَ الاسلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بعد وفات زوجها بِلَيَالٍ، فجاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكِح، فأذِنَ لَها فنَكَحَتْ" رواه البخارى، وأصله فى الصحيحين، وفى لفظ أنها وَضَعَتْ بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. وفى لفظ لمسلم قال الزهرى: ولا أرى بأسا أن تَزَوَّجَ وهى فى دمها غير أنه لا يَقْرَبُهَا زوجها حتى تطهر.

[المفردات]

العدة: بكسر العين وتشديد الدال هى اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها تنتهى إما بالولادة أو بالأقراء أو بالأشهر بحسب أحول المرأة.

والإِحداد: قال أهل اللغة: الإحداد والحداد مشتق من الحد وهو المنع يقال: أحدت المرأة وحدت وهى حاد ولا يقال حادة. وأنكر الأصمعى أن يقال: حدت المرأة من الثلاثى فلا يقال: إلا أحدت. أما الإِحداد فى الشرع فهو ترك الطيب والزينة للمعتدة عن وفاة.

سبيعة الأسلمية: بضم السين وفتح الباء هى سبيعة بنت الحارث

ص: 3

الأسلمية ذكرها ابن سعد فى الطبقات فى غرائب نساء العرب المسلمات المهاجرات المبايعات. وقد تزوجها سعد بن خولة من بنى عامر بن لؤى يعنى من حلفائهم وكان ممن شهد بدرا وتوفى عنها فى حجة الوداع وهى حامل. فلما وَلَدَتْ تجملت للخطاب فأنكر عليها أبو السنابل بن بَعْكَكٍ أحد رجال بنى عبد الدار فأتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته فأذن لها أن تتزوج، وهى لم يمض على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر. وقد كان أبو السنابل خطبها فأبت أن تنكحه.

نُفِسَتْ: بضم النون وكسر الفاء أى وَلَدَتْ.

بليال: بينتها رواية البخارى أنها أربعون ليلة والمراد أنها لم تجلس أربعة أشهر وعشرا. وأما ما وقع فى البخارى: فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: انكحى. فإن المراد منه بيان مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبى صلى الله عليه وسلم لا فى مدة بقية الحمل.

فاستأذنته أن تنكح: أى فجاءت إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واستفته هل يجوز لها أن تتزوج ما دامت قد وضعت حملها.

فأذن لها فنكحت: أى فأباح لها رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم فتزوجت

ص: 4

وهى لم يمض على وفاة زوجها سعد بن خولة أربعة أشهر وعشر.

وفى لفظ: أى للبخارى من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن عن زينب بنت أبى سلمة عن أمها أم سلمة رضى اللَّه عنها.

وَضَعَتْ: أى ولدت.

بعد وفاة زوجها: أى بعد موت زوجها سعد بن خولة رضى اللَّه عنه فى حجة الوداع.

وفى لفظ لمسلم: أى من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب.

لا أرى بأسا أن تَزَوَّجَ وهى فى دمها: أى لا أعلم مانعا يمنعها أن تتزوج وهى فى نفاسها وإن لم يمض على وفاة زوجها أربعة أشهر وعشر.

لا يقربها زوجها حتى تطهر: أى إلا أنه لا يجوز لزوجها أن يمسها حتى تخرج من نفساها.

[البحث]

ذكر اللَّه تبارك وتعالى فى سورة البقرة عدة المتوفى عنها زوجها فقال: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} وكان هذا فى أول الأمر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى:{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وقد استمر ذلك سبع سنوات ثم نزلت سورة الطلاق فذكر

ص: 5

اللَّه تبارك وتعالى فيها عدة الحامل سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها فقال: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} وبهذا تكون عدة المطلقة ذات الأقراء ثلاثة قروء لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} يعنى ما لم تكن حاملا، وقد نبه لذلك بقوله:{وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} وتكون عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا يعنى ما لم تكن حاملا أيضا. وعدة المطلقة اليائسة والصغيرة ثلاثة أشهر بدل ثلاثة أقراء فى ذوات الأقراء. أما عدة الحامل فوضع الحمل مطلقا سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها زوجها. قال البخارى فى صحيحه: "باب وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن" حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج قال أخبرنى أبو سلمة بن عبد الرحمن أن زينب ابنة أبى سلمة أخبرته عن أمها أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أن امرأة من أسلم يقال لها سُبَيْعة كانت تحت زوجها توفى عنها وهى حبلى فخطبها أبو السنابل ابن بعكك فأبت أن تنكحه، فقال: واللَّه ما يصلح أن تنكحيه حتى تعتدى آخر الأجلين فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاءت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "انكحى" حدثنا يحيى بن بكير عن الليث عن يزيد أن ابن شهاب كتب إليه أن عُبَيْدَ اللَّه بن عَبْد اللَّه أخبره عن أبيه أنه كتب إلى ابن الأرقم أن يسأل سبيعة الأسلمية كيف أفتاها

ص: 6

النبى صلى الله عليه وسلم فقالت: أفتانى إذا وضعْتُ أن أنكِحَ. حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال، فجاءت النبىَّ صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت. وساق مسلم من طريق ابن وهب حدثنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب حدثنى عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود أن أباه كتب إلى عمر بن عبد اللَّه بن الأرقم الزهرى يأمره أن يدخل على سبيعة بنت الحارث الأسلمية فيسألها عن حديثها وعما قال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين استفته، فكتب عمر بن عبد اللَّه إلى عبد اللَّه بن عتبة يخبره أن سبيعة أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو فى بنى عامر بن لؤى وكان ممن شهد بدرا فتوفى عنها فى حجة الوداع وهى حامل فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته فلما تَعَلَّتْ من نفاسها تجملت للخُطَّاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك (رجل من بنى عبد الدار) فقال لها: مالى أراك متجملة لعلكِ ترجين النكاح، إنكِ واللَّه ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعةُ أشهر وعشر. قالت سبيعة: فلما قال لى ذلك جَمعت على ثيابى حين أمسيت فأتيت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأفتانى بأنى قد حللتُ حين وضعت حملى، وأمرنى بالتزوج إن بدا لى. قال ابن شهاب: فلا أرى بأسا أن تتزوج حين وضعت وإن كانت فى دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر. حدثنا محمد بن المثنى العَنَزِىُّ حدثنا عبد الوهاب

ص: 7

قال: سمعت يحيى بن سعيد أخبرنى سليمان بن يسار أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبى هريرة وهما يذكران المرأة تُنْفَسُ بعد وفاة زوجها بليال. فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين وقال أبو سلمة: قد حَلَّتْ. فجعلا يتنازعان ذلك قال: فقال أبو هريرة: أنا مع ابن أخى "يعنى أبا سلمة" فبعثوا كُرَيْبا "مولى ابن عباس" إلى أم سلمة يسألها عن ذلك، فجاءهم فأخبرهم أن أم سلمة قالت: إن سبيعة الأسلمية نُفِسَتْ بعد وفاة زوجها بليال. وإنها ذكرت ذلك لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأمرها أن تتزوج اهـ وقد ذكر البخارى فى تفسير سورة الطلاق من صحيحه عن أبى عطية مالك ابن عامر قال: كنا عند عبد اللَّه (يعنى ابن مسعود) فقال: لنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} اهـ والمراد بالقصرى سورة الطلاق وبالطولى سورة البقرة. وقد أخرج ابن مردويه عن أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه.

قال: نزلت سورة النساء القصرى بعد التى فى البقرة بسبع سنين اهـ وقال الحافظ فى الفتح: وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجماعة حتى كان يقول من شاء لاعنته غلى ذلك اهـ يعنى أن سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها هى وضع الحمل.

2 -

أن قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}

ص: 8

خصص عموم قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} وصارت آية البقرة هذه خاصة بالمتوفى عنها زوجها إذا لم تكن حاملا.

3 -

أن المرأة قد تكون أفقه من الرجل فى بعض المسائل.

4 -

أن التلميذ قد يكون أفقه من شيخه فى بعض المسائل.

5 -

يجوز عقد الزواج على المرأة التى انتهت عدتها بوضع الحمل ولو لم تطهر من نفاسها.

6 -

أن الصحابة كانوا يفتون فى عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.

7 -

فقه سبيعة الأسلمية رضى اللَّه عنها.

8 -

أنه لا مانع شرعا من أن تقوم المرأة باستفتاء أهل العلم ولو كان مما يستحيى النساء من مثله.

9 -

أن رغبة المرأة فى الزواج ليست بمعيبة.

10 -

حرص الإِسلام على صيانة الأنساب.

11 -

رعاية الاحتياط للميت بجعل عدة المتوفى عنها زوجها وضع الحمل أو أربعة أشهر وعشرا لغير الحامل.

ص: 9

2 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: أُمرَتْ بريرة أن تعتد بثلاث حِيَض. رواه ابن ماجه ورواته ثقات لكنه معلول.

[المفردات]

أمرت بريرة: أى أمر رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بريرة.

ص: 9

أن تعتد بثلاث حيض: أى أن تتربص بعد أن اختارت نفسها حين عتقت بثلاثة أقراء.

[البحث]

هذا الحديث رواه ابن ماجه من طريق الثورى عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضى اللَّه عنها. ورجاله ثقات كما قال المصنف هنا. وقد روى الدارقطنى وأبو يعلى والبيهقى من طريق أبى معشر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل عدة بريرة عدة المطلقة. وأبو معشر ضعيف. وقد أخرجه البزار من طريق أبى معشر أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضى اللَّه عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم جعل عدة بريرة عدة الحرة، قال البزار: لا نعلم رواه هكذا إلا أبو معشر وفيه أيضا حميد بن الربيع شيخ البزار قد ضعفه جماعة ووثقه أحمد رحمه الله.

وأخرج الدارقطنى من طريق أبى بكر النيسابورى عن أحمد بن سعيد بن صخر الدارمى عن حبان بن هلال عن همام قال سمعت قتادة يحدث عن عكرمة عن ابن عباس أن عائشة اشترت بريرة فأعتقتها، واشترطوا الولاء، فقضى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أن الولاء لمن أعتق وخيرها فاختارت نفسها، ففرق بينهما، وجعل عليها عدة الحرة قال الحافظ فى الفتح: ليس اختيار العتيقة نفسها طلاقا فكان القياس أن تعتد بحيضة، لكن الحديث الذى أخرجه ابن ماجه على شرط الشيخين بل هو فى أعلى درجات الصحة اهـ.

ص: 10

3 -

وعن الشعبى عن فاطمة بنت قيس رضى اللَّه عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم فى المطلقة ثلاثا: "ليس لها سكنى ولا نفقة" رواه مسلم.

[المفردات]

الشعبى: هو عامر بن شراحيل بن عبدٍ من سلالة القيل حسان بن عمرو بن قيس بن معاوية بن جشم بن عبد شمس ابن وائل بن غوث بن قَطَن بن غريب بن زُهير ابن أيمن بن الهَمَيْسَع بن حمير. وقد ذكر ابن سعد فى الطبقات فى ترجمة عامر بن شراحيل قال: وحسان هو ذو الشَّعْبَيْن وهو جبل باليمن نزله هو وولده ودفن به ونسب إليه هو وولده فمن كان بالكوفة قيل لهم شعبيون منهم عامر الشعبى ومن كان بالشام قيل لهم شعبانيون، ومن كان بمصر والمغرب قيل لهم الأُشْعُوب وهم جميعا بنو حسان ابن عمرو ذى شعبين. فبنو على بن حسان بن عمرو رهط عامر بن شراحيل بن عبدٍ الشعبى. ودخلوا فى أحمور همدان باليمن فعدادهم فيهم اهـ وكان ضئيلا نحيفا، وقد ولد هو وأخ له فى بطن وقد قيل له مرة: يا أبا عمرو مالنا نراك ضئيلا؟ قال: إنى زُوحِمْتُ فى الرحم. وقد رأى الشعبى

ص: 11

على بن أبى طالب ووصفه وروى عن أبى هريرة وابن عمر وابن عباس وعدى بن حاتم وسمرة بن جندب وعمرو بن حريث والمغيرة بن شعبة والبراء بن عازب وزيد بن أرقم وابن أبى أوفى وجابر بن سمرة وأبى جحيفة وأنس بن مالك وعمران بن حصين وبريدة الأسلمى وجرير بن عبد اللَّه وأبى موسى الأشعرى والحسن بن على وعبد اللَّه ابن عمرو بن العاص والنعمان بن بشير وجابر بن عبد اللَّه وفاطمة بنت قيس وغيرهم رضى اللَّه عنهم. وروى عنه إسماعيل بن أبى خالد وأشعث بن سوار وداود بن أبى هند وزكريا بن أبى زائدة والأعمش وأبو حنيفة -وهو أكبر شيخ لأبى حنيفة- وابن عون ويونس بن أبى إسحاق وغيرهم. وقد اختلف فى عام وفاته فقيل سنة 103 أو 104 أو 105 هـ عن سبع وسبعين سنة. وعليه فتكون ولادته فى آخر خلافة عمر رضى اللَّه عنه أو أوائل خلافة عثمان رضى اللَّه عنه، ويتضح أن ما ذكر أنه ولد سنة سبع عشرة عام جلولاء غير صحيح. واللَّه أعلم.

ليس لها سكنى ولا نفقة: أى لا يجب لها على زوجها نفقة ولا سكنى مدة عدتها.

[البحث]

قد سقت فى بحث الحديث الثانى من أحاديث باب الكفاءة

ص: 12

والخيار قصة طلاق فاطمة بنت قيس، وقد ورد فى بعض ألفاظ هذا الحديث عند مسلم أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"ليس لك عليه نفقة" وفى لفظ: "لا نفقة لكِ ولا سكنى" وفى بعضها: "ليست لها نفقة وعليها العدة" وفى بعضها: "لا نفقة لكِ" وفى لفظ من طريق الشعبى قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عليها فقالت: طلقها زوجها ألبتة، فقالت فخاصمته إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى السكنى والنفقة. قالت: فلم يجعل لى سكنى ولا نفقة. وأمرنى أن أعتد فى بيت ابن أم مكتوم. ولفظ حديث الباب عند مسلم من طريق سلمة بن كهيل عن الشعبى عن فاطمة بنت قيس عن النبى صلى الله عليه وسلم فى المطلقة ثلاثا قال: "ليس لها سكنى ولا نفقة" وفى لفظ لمسلم من طريق أبى إسحاق قال: كنت مع الأسود بن يزيد جالسا فى المسجد الأعظم ومعنا الشعبى فحدث الشعبى بحديث فاطمة بنت قيس أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة. ثم أخذ الأسود كفًّا من حَصًى فحصبه به فقال: ويلك تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب اللَّه وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة لا ندرى لعلها حفظت أو نسيت، لها السكنى والنفقة قال اللَّه عز وجل:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} وفى لفظ لمسلم من طريق السُّدِّىِّ عن البَهِىِّ عن فاطمة بنت قيس قالت: "طلقنى زوجى ثلاثا فلم يجعل لى رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم سكنى ولا نفقة" ولما بلغ فاطمةَ بنت قيس رضى اللَّه عنها أن مروان بن الحكم أنكر حديثها

ص: 13

قالت: بينى وبينكم القرآن قال اللَّه عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} الآية قالت: هذا لمن كانت له مراجعة فأى أمر يحدث بعد الثلاث؟ فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا. فعلام تحبسونها. فقد أخرج مسلم من طريق ابن شهاب أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أخبره أن فاطمة بنت قيس أخبرته أنها كانت تحت أبى عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات. فزعمت أنها جاءت رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم تستفتيه فى خروجها من بيتها فأمرها أن تنتقل إلى ابن أم مكتوم الأعمى فأبى مروان أن يصدقه فى خروج المطلقة من بيتها. وقال عروة: إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، وحدثنيه محمد بن رافع حدثنا حُجَيْنٌ حدثنا الليث عن عُقَيْل عن ابن شهاب بهذا الإسناد مثله مع قول عروة إن عائشة أنكرت ذلك على فاطمة. حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد "واللفظ لعبد" قالا: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة أن أبا عمرو بن حفص بن المغيرة خرج مع على بن أبى طالب إلى اليمن فأرسل إلى امرأته فاطمة بنت قيس بتطليقة كانت بقيت من طلاقها وأمر لها الحارث بن هشام وعياش بن أبى ربيعة بنفقة فقالا لها: واللَّه مالك نفقة إلا أن تكونى حاملا فأتت النبى صلى الله عليه وسلم فذكرت له قولهما فقال: "لا نفقة لك" فاستأذنته فى الانتقال فأذن لها فقالت: أين يا رسول؟ فقال: "إلى ابن أم مكتوم" وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يراها، فلما مضت

ص: 14

عدتها أنكحها النبى صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد. فأرسل إليها مروان قبيصة ابن ذؤيب يسألها عن الحديث فحدثته به فقال مروان: لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التى وجدنا عليها الناس. فقالت فاطمة حين بلغها قول مروان: فبينى وبينكم القرآن قال اللَّه عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} الآية. قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأى أمر يحدث بعد الثلاث؟ فكيف تقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملا فعلام تحبسونها؟ اهـ قال الحافظ ابن حجر فى الفتح: وقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: بينى وبينكم كتاب اللَّه. قال اللَّه تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} -إلى قوله- {يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} قالت: هذا لمن كانت له مراجعة. فأى أمر يحدث بعد الثلاث؟ وإذا لم يكن لها نفقة وليست حاملا فعلام يحبسونها؟ وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى: {يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} المراجعة قتادة والحسن والسدى والضحاك أخرجه الطبرى عنهم ولم يحك عن أحد غيرهم خلافه اهـ وأما ما نسب إلى عمر رضى اللَّه عنه من إنكاره على فاطمة وقوله: لا ندع كتاب ربنا الخ فقد قال الحافظ فى الفتح: وقد أنكر أحمد ثبوت ذلك عن عمر أصلا اهـ كما قال الدارقطنى: قوله فى حديث عمر: وسنة نبينا غير محفوظ اهـ وما ذكره عروة عن عائشة رضى اللَّه عنها من إنكارها على فاطمة بنت قيس قد أشار البخارى رحمه الله بما يفيد أن عائشة تعترف فى الجملة

ص: 15

بحديث فاطمة فقد قال البخارى: وزاد ابن أبى الزناد عن هشام عن أبيه: عابت عائشة أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت فى مكان وَحْش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها النبى صلى الله عليه وسلم اهـ ففيه إشارة إلى إقرار عائشة بقصة فاطمة رضى اللَّه عنها. كما أن سياق البخارى لحديث مروان مع عائشة رضى اللَّه عنها يشعر أن مروان رجع إلى حديث فاطمة. وقد انعقد الإجماع على أن المتوفى عنها زوجها لا نفقة لها فى العدة. وسيأتى مزيد بحث لموضوع سكنى المتوفى عنها زوجها فى بحث الحديث الثامن والحديث التاسع من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن المطلقة ثلاثا لا نفقة لها.

2 -

وأن المطلقة ثلاثا لا سكنى لها.

3 -

وأن قوله تعالى: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ} خاص بمن يملك الزوج رجعتها.

4 -

وأن النفقة إنما تجب للمبتوتة إن كانت حاملا.

ص: 16

4 -

وعن أم عطية رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تُحِدُّ امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تَلْبَسُ ثوبا مصبوغا إلا ثَوْبَ عَصْبٍ، ولا تكتحل، ولا تَمَسُّ طيبا إلا إذا طَهُرَتْ نُبْذَة من قُسْطٍ أو أظْفَارٍ"

ص: 16

متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. ولأبى داود والنسائى من الزيادة "ولا تختضب" وللنسائى:"ولا تَمْتَشِطُ".

[المفردات]

لَا تُحِدُّ امرأة على ميت: أى لا يجوز لامرأة أن تمتنع من الطيب والزينة بسبب موت قريب لها أو عزيز عليها. وتحد بضم أوله كسر ثانية من الرباعى ويجوز أن يكون بفتح أوله وضم ثانيه من الثلاثى قال الحافظ فى الفتح: قال أبو حاتم: أنكر الأصمعى حدت ولم يعرف إلا أحدت. وقال الفراء: كان القدماء يؤثرون أحدت والأخرى أكثر ما فى كلام العرب اهـ فيقال للمرأة: المحدة والحادة وقال ابن التين: الصواب الحاد بلا هاء لأنه نعت للمؤنث كطالق وحائض قال الحافظ فى الفتح: قلت لكنه جائز فليس بخطأ وإن كان الآخر أرجح اهـ وقد أشرت فى مفردات الحديث الأول من أحاديث هذا الباب إلى أن مادة الإحداد تدور على معنى المنع، ومنه سمى البواب حدادا لمنعه الداخل، وسميت العقوبة

ص: 17

المقدرة حدا لأنها تمنع وتردع عن المعصية، وقال ابن درستويه: معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب ومنع الخطاب خطبتها والطمع فيها كما منع الحد المعصية اهـ وقال الفراء: سمى الحديد حديدا للامتناع به أو الامتناع على محاوله، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه فى الجهات.

فوق ثلاث إلا على زوج: أى أكثر من ثلاثة أيام بليالها إلا أن يكون إحدادها بسبب موت زوجها. أما إذا كان الميت غير زوج كأب أو غيره فإنه يجوز لها أن تحد عليه فى حدود ثلاثة أيام لا تزيد عليها. وإنما أبيح لها الإحداد على غير الزوج إلى ثلاثة أيام فقط لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية، وهو مظهر من مظاهر الحزن الجائزة فى هذه الحدود. وليس معنى قوله:"لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج" أن إحداد المرأة على الزوج فوق الثلاث هو جائز فقط وليس بواجب. لأن وجوب إحداد المرأة على زوجها فوق ثلاث قد ثبت من أدلة أخرى كالإحماع.

ص: 18

أربع أشهر وعشرا: أى يكون إحداد المرأة على زوجها مدة أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها يعنى على سبيل الوجوب.

ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عَصْبٍ: أى ولا تلبس المحدة ثوبا صبغ للزينة ويجوز لها أن تلبس ثوب عَصْبٍ والعصْب بفتح العين وسكون الصاد هى برود يمنية يُعْصَبُ غَزْلُهَا أى يُرْبَطُ ثم يصبغ ثم يُنْسَجُ معصوبا أى مربوطا فيخرج موشى لبقاء ما عصب به أبيض لم ينصبغ، وإنما يعصب السدى دون اللحمة قال الحافظ فى الفتح: وقال صاحب المنتهى: العصب هو المفتول من برود اليمن، وذكر أبو موسى المدنى فى (ذيل الغريب) عن بعض أهل اليمن أنه من دابة بحرية تسمى (فرس فرعون) يتخذ منها الخرز وغيره ويكون أبيض، وهذا غريب. وأغرب منه قول السهيلى: إنه نبات لا ينبت إلا باليمن، وعزاه لأبى حنيفة الدينورى، وأغرب منه قول الداودى: المراد بالثوب العصب الخضرة وهى الحبرة. وليس له سلف فى أن العصب الأخضر اهـ.

ولا تكتحل: أى ولا تضع فى عينها كحلا.

ص: 19

ولا تمس طيبا: أى ولا تتعطر.

إلا إذا طهرت نبذة من قُسْطٍ أو أظفار: أى ويرخص لها عند طهرها إذا اغتسلت من محيضها أن تأخذ قطعة من قسط أو أظفار فتتبع بها أثر الدم لإزالة الرائحة لا للتطيب. والنبذة هى القطعة، وتطلق على الشئ اليسير. والقسط بضم القاف وسكون السين بعدها طاء -ويقال فيه أيضا الكست بضم الكاف وسكون السين بعدها تاء- نوع من البخور وكذلك الأظفار. قال النووى: وأما القسط فبضم القاف ويقال فيه كست بكاف مضمومة بدل القاف وبتاء بدل الطاء وهو والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإِزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب واللَّه تعالى أعلم اهـ وقال البخارى: القُسْطُ والكُسْتُ مثل الكافور والقافور اهـ.

ولأبى داود والنسائى من الزيادة: أى من حديث أم عطية رضى اللَّه عنها وزاد فيه عن حديث الشيخين عنها.

ولا تختضب: أى ولا تصبغ يديها بالحناء.

ص: 20

وللنسائى: أى من حديث أم عطية بزيادة.

ولا تمتشط: أى ولا ترجل شعرها ولا تستعمل المشط فى تسوية شعرها.

[البحث]

أخرج البخارى حديث أم عطية من طريق أيوب عن حفصة عن أم عطية رضى اللَّه عنها قالت: كنا نُنْهَى أن نُحِدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نَطَّيَّبَ ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عَصْبٍ. وقد رُخِّصَ لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها فى نبذة من كُسْت أظفار، وكنا نُنْهَى عن اتباع الجنائز. ثم أخرجه من طريق هشام عن حفصة عن أم عطية قالت: قال النبى صلى الله عليه وسلم لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تُحِدَّ فوق ثلاث، إلا على زوج. فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عَصْب. وقال الأنصارى: حدثنا هشام حدثتنا حفصة حدثتنى أم عطية: نهى النبى صلى الله عليه وسلم: ولا تمس طيبا إلا أدنى طهرها إذا طهرت نبذة من قسط وأظفار. قال أبو عبد اللَّه: القسط والكست مثل الكافور والقافور. اهـ قال الحافظ فى الفتح: قوله: "من كست أظفار" كذا فيه بالكاف وبالإِضافة. وفى الذى بعده "من قسط وأظفار" بقاف وواو عاطفة وهو أوجه، وخطأ عياض الأول اهـ. وأخرجه مسلم من طريق هشام عن حفصة عن أم عطية باللفظ الذى ساقه المصنف. وأخرجه من طريق عبد اللَّه بن نمير ويزيد ابن هارون عن هشام عن حفصة عن أم عطية وقالا: "عند أدنى

ص: 21

طهرها نُبْذَةً من قسط وأظفار" ثم أخرجه من طريق أيوب عن حفصة عن أم عطية قالت: كنا نُنْهَى أن نُحَدَّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا. ولا نكتحل ولا نتطب ولا نلبس ثوبا مصبوغا، وقد رُخِّصَ للمرأة فى طُهْرِها إذا اغتسلت إحدانا من محيضها فى نُبْذَةٍ من قسط وأظفار" أهـ ولا معارضة بين رواية "قسط وأظفار" ورواية "قسط أو أظفار" لأنها فى الأولى على العطف وفى الثانية على الإِباحة والتسوية. وقال النسائى: أخبرنا محمد بن منصور قال حدثنا سفيان قال حدثنا عاصم عن حفصة عن أم عطية عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج، ولا تكتحل ولا تختضب، ولا تلبس ثوبا مصبوغا، وقال النسائى: أخبرنا حسين ابن محمد قال حدثنا خالد قال حدثنا هشام عن حفصة عن أم عطية قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث إلا على زوج فإنها تحد عليه أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبا مصبوغا ولا ثَوبَ عصْبٍ ولا تكتحل ولا تمتشط ولا تمس طيبا إلا عند طهرها حين تطهر نُبذًا من قسط وأظفار اهـ وقوله:"ولا ثوب عصب" معارض لما فى الصحيحين من قوله: "إلا ثوب عصب" ولا شك أن ما فى الصحيحين مقدم على ما فى غيرهما. وسيأتى مزيد بحث فى امتشاط الحادة واختضابها وتحريم الكحل عليها فى بحث الحديث الخامس والسادس من أحاديث هذا الباب إن شاء اللَّه تعالى.

ص: 22

[ما يفيده الحديث]

1 -

وجوب الإِحداد على المتوفى عنها زوجها مدة عدتها.

2 -

تحريم الطيب والكحل والزينة عليها.

3 -

منعها من الخضاب بالحناء مدة العدة.

4 -

تحريم الثياب المصبوغة للزينة عليها مدة العدة.

5 -

يجوز لها أن تلبس ثوب عصب.

6 -

يجوز لها عند طهرها من محيضها إذا اغتسلت أن تأخذ قطعة من قسط أو أظفار فتتبع بها أثر الدم لإِزالة الرائحة لا للتطيب.

ص: 23

5 -

وعن أم سلمة رضى اللَّه عنها قالت: جعلت على عينى صبرا بعد أن تُوُفِّى أبو سلمة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"إنه يَشُبُّ الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، وانزعيه بالنهار، ولا تمتشطى بالطيب، ولا بالحناء فإنه خضاب" قلت: بأى شئ أمتشط؟ قال: "بالسدر" رواه أبو داود والنسائى وإسناده حسن.

[المفردات]

أبو سلمة: هو عبد اللَّه أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم المخزومى القرشى. من السابقين الأولين، هاجر الهجرتين، وصلى للقبلتين. وهو ابن عمة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم برة بنت عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصى.

ص: 23

وكان من أول المهاجرين إلى المدينة المنورة، وشهد بدرا وأحدا وأصيب فيها بجرح، فاندمل جرحه فيما ظهر، فبعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرا من الهجرة سرية إلى بنى أسد بقَطن فغاب بضع عشرة ليلة ثم قدم المدينة فانتقض عليه جرحه. ومات لثلاث ليال مضين من جمادى الآخرة رضى اللَّه عنه وقد أغمضه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عند موته ودعا له وقال:"اللهم افسح له فى قبره وأضئ له فيه وعَظِّم نوره، واغفر ذنبه، اللهم ارفع درجته فى المهديين واخلفه فى تركته فى الغابرين واغفر لنا وله يا رب العالمين" وقد توفى رضى اللَّه عنه عن زوجه أم سلمة رضى اللَّه عنها وكان له من الولد: سلمة وعمر وزينب ودرة وأمهم أم سلمة رضى اللَّه عنهم.

يشب الوجه: أى يلونه ويُحَسِّنُه.

فلا تجعليه إلا بالليل: أى فلا تضعى الصبر على عينيك إلا بالليل. والصبر دواء شديد المرارة كالحنظل وهو كثير الفائدة.

وانزعيه بالنهار: أى واغسليه وأزيلى أثره بالنهار وامسحيه.

ولا تمتشطى بالطيب ولا بالحناء: أى ولا تُرَجِّلى شعرك بالطيب

ص: 24

أو الحناء فإنه أى الحناء خضاب وزينة.

بالسدر: أى ورق النبق.

[البحث]

قال النسائى: أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال حدثنا ابن وهب قال أخبرنى مخرمة عن أبيه قال: سمعت المغيرة بن الضحاك يقول: حدثتنى أم حكيم بنت أسِيدٍ عن أمها أن زوجها توفى، وكانت تشتكى عينها فتكتحل الجلاء، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة فسألتهأ عن كحل الجلاء فقالت: لا تكتحل إلا من أمر لابد منه، دخل علىَّ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم حين توفى أبو سلمة، وقد جعلت على عينى صبرا، فقال:"ما هذا يا أم سلمة؟ " قلتُ: إنما هو صبر يا رسول اللَّه، ليس فيه طيب. قال:"إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل ولا تمتشطى بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب" قلت: بأى شئ أمتشط يا رسول اللَّه؟ قال: "بالسدر تُغَلِّفِين به رأسك" اهـ وكحل الجلاء قال فى النهاية: هو بالكسر والمد: الإِثمد وقيل هو بالفتح والمد والقصر: ضرب من الكحل. قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث أنه صلى الله عليه وسلم دخل على أم سلمة وهى حادة على أبى سلمة، وقد جعلت على عينها صبرا، فقال:"ما هذا يا أم سلمة؟ " فقالت: هو صبر لا طيب فيه، قال:"اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" رواه الشافعى عن مالك أنه بلغه فذكره، ورواه أبو داود والنسائى من حديث ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن

ص: 25

أبيه عن المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن مولى لها عن أم سلمة به، وأتم منه، وفيه قصة، وأعله عبد الحق والمنذرى بجهالة حال المغيرة ومن فوقه. وأعل بما فى الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة سمعت أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه إن ابنتى توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها؟ قال: "لا. مرتين أو ثلاثا"(فائدة) المرأة هى عاتكة بنت نعيم أخت عبد اللَّه بن نعيم العدوى، وزوجها هو المغيرة المخزومى، وقع مسمى فى موطأ ابن وهب اهـ وقال فى التقريب: أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن أم سلمة، لم أقف على اسم أمها اهـ وهذا كله يرد قول المصف هنا: وإسناده حسن.

ص: 26

6 -

وعنها رضى اللَّه عنها أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه إن ابنتى مات عنها زوجها وقد اشتكت عَينهَا. أفتَكحُلُهَا؟ قال: "لا" متفق عليه.

[المفردات]

وعنها: أى عن أم سلمة رضى اللَّه عنها.

امرأة: هى عاتكة بنت نعيم أخت عبد اللَّه بن نعيم العدوى كما تقدم فى بحث الحديث السابق، وهى قرشية رضى اللَّه عنها.

زوجها: هو المغيرة المخزومى. قال الحافظ فى الفتح: ولم

ص: 26

تسم البنت التى توفى زوجها ولم تنسب فيما وقفت عليه. وأما المغيرة المخزومى فلم أقف على اسم أبيه وقد أغفله ابن منده فى الصحابة وكذا أبو موسى فى الذيل عليه، وكذا ابن عبد البر لكن استدركه ابن فتحون عليه اهـ.

وقد اشتكت عينها: أى آلمها وجع عينها.

أَفَتَكْحُلُهَا: بضم الحاء أى أتأذن لها فتضع فيها الكحل.

[البحث]

أخرج البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من طريق حميد بن نافع عن زينب بنت أبى سلمة أنها أخبرته هذه الأحاديث الثلاثة قال: قالت زينب: دخلت على أم حبيبة زوج النبى صلى الله عليه وسلم حين توفى أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة -خَلُوق أو غيره- فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت: واللَّه مالى بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تُحِدُّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفى أخوها فدعت بطيب فمست منه ثم قالت: واللَّه مالى بالطيب من حاجة غير أنى سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر تُحِدُّ على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" قالت زينب: سمعت

ص: 27

أمى أم سلمة تقول: جاءت امرأة إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول اللَّه إن ابنتى توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحُلها؟ فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا" مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول: "لا" ثم قال: "إنما هى أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن فى الجاهلية تَرْمِى بالبعرة على رأس الحول" قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمى بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفى عنها زوجها دخلت حِفْشًا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر سنة ثم تؤتى بدابة -حمار أو شاة أو طير- فَتَفْتَضُّ به فقلما تفتض بشئ إلا مات. ثم تخرج فتعطى بعرة فترمى ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره. وأخرج البخارى ومسلم واللفظ لمسلم من طريق حميد بن نافع قال: سمعت زينب بنت أم سلمة تحدث عن أمها أن امرأة توفى زوجها فخافوا على عينها فَأتَوُا النبىَّ صلى الله عليه وسلم فاستأذنوه فى الكحل فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "قد كانت إحداكن تكون فى شر بيتها فى أحلاسها -أو فى شر أحلاسها فى بيتها- حولا فإذا مر كلب رمت ببعرة فخرجت. أفلا أربعة أشهر وعشرا. وفى لفظ للبخارى: سئل مالك: ما تفتض به قال: تمسح به جلدها اهـ وقال النووى: وقال ابن وهب: معناه تمسح بيدها عليه أو على ظهره. وقيل معناه: تمسح به ثم تفتض أى تغتسل. والافتضاض الاغتسال بالماء العذب للإنقاء وإزالة الوسخ حتى تصير بيضاء كالفضة اهـ وقال الحافظ فى الفتح: ووقع فى رواية النسائى: "تقبص" بقاف ثم موحدة ثم مهملة خفيفة وهى رواية

ص: 28

الشافعى. والقبص الأخذ بأطراف الأنامل قال الأصبهانى وابن الأثير: هو كناية عن الإسراع أى تذهب بعَدْو وسرعة إلى منزل أبويها لكثرة حيائها لقبح منظرها أو لشدة شوقها إلى التزويج لبعد عهدها به اهـ. وفى لفظ لمسلم من طريق حميد بن نافع أنه سمع زينب بنت أبى سلمة تحدث عن أم سلمة وأم حبيبة تذكران أن امرأة أتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن بنتا لها توفى عنها زوجها فاشتكت عينها فهى تريد أن تَكْحُلَهَا فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "قد كانت إحداكن ترمى بالبعرة عند رأس الحول، وإنما هى أربعة أشهر وعشر" أهـ.

هذا أما مداواة المرأة الحادة عينيها بالمراهم ونحوها فلا أعلم مانعا يمنعه. واللَّه أعلم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

تحريم الكحل على المعتدة من وفاة زوجها.

2 -

لا يجوز للمرأة الحاد التزين مدة عدتها.

3 -

يُسر الشريعة الإِسلامية ووضع أوضار الجاهلية.

ص: 29

7 -

وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: طُلِّقَتْ خالتى فأرادت أن تَجُدَّ نَخْلَهَا فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "بل جُدِّى نخلك، فإنكِ عسى أن تَصَّدَّقى أو تفعلى معروفا" رواه مسلم.

ص: 29

[المفردات]

خالتى: قال فى التلخيص: تنبيه: خالة جابر ذكرها أبو موسى فى ذيل الصحابة فى المبهمات أهـ.

أن تَجُدَّ نخلها: أى تقطع تمرها والجداد: صرام النخل أى قطع تمرها. وهو بالدال المهملة. ومشى صاحب السبل على أنه بالجيم والذال وهو وهم مخالف لما فى صحيح مسلم، ولما يفهم من الحديث.

فزجرها رجل أن تخرج: أى فنهاها رجل أن تخرج من بيتها وهى فى عدتها مطلقة.

جُدِّى نخلك: أى لا حرج عليك فى الخروج لتجدى نخلك.

فإنك عسى أن تَصَّدَّقى أو تفعلى معروفا: أى فإنه يُرجَى من خروجك لجداد نخلك أن تتصدقى على الفقراء والمساكين أو أن يصل منك معروف وعمل صالح للمحتاجين أو أن تهدى منه.

[البحث]

لفظ هذا الحديث عند مسلم من طريق أبى الزيبر أنه سمع جابر ابن عبد اللَّه يقول: طُلِّقَتْ خالتى فأرادت أن تَجُدَّ نخلها فزجرها رجل أن تخرج فأتت النبىَّ صلى الله عليه وسلم فقال: "بلى فَجُدِّى نخلك فإنك عسى أن تَصَّدَّقى أو تفعلى معروفا" أهـ.

ص: 30

[ما يفيده الحديث]

1 -

جواز خروج المعتدة البائن للحاجة.

2 -

استحباب الصدقة من التمر عند جداده.

3 -

استحباب الهدية من التمر عند جداده.

4 -

استحباب حض أهل المال على التصدق والإهداء من أموالهم.

ص: 31

8 -

وعن فُرَيْعَةَ بنت مالك رضى اللَّه عنها أن زوجها خرج فى طلب أعْبُدٍ له، فقتلوه، قالت: فسألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلى فإن زوجى لم يترك لى مسكنا يملكه ولا نفقة، فقال:"نعم" فلما كنت فى الحجرة نادانى فقال: امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان. أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذى والذهلى وابن حبان والحاكم وغيرهم.

[المفردات]

فريعة بنت مالك: هى الفُرَيْعَةُ بنت مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر -وهو خدرة- من بنى الحارث بن الخزرج. وهى أخت أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنهما. وكانت الفريعة تحت سهل بن رافع بن بشير بن عمرو بن الحارث

ص: 31

ابن كعب بن زيد بن الحارث بن الخزرج. ثم خلف عليها سهل بن بشير بن عنبسة بن زيد بن عامر بن سواد بن ظفر.

زوجها: هو سهل بن رافع بن بشير بن عمرو بن الحارث ابن كعب بن زيد بن الحارث بن الخزرج.

خرج فى طلب أعبدٍ له: أى خرج من المدينة المنورة ليدرك مماليك له هربوا فأدركهم بمكان يقال له: طرف القَدُّوم. من طريق المدينة. فَعَدَوْا عليه فقتلوه رضى اللَّه عنه. وطرف القدوم بالتخفيف والتشديد موضع على ستة أميال من المدينة.

أن أرجع إلى أهلى: أى أنتقل إلى دار إخوتى وأهلى فى بنى خدرة.

فقال: "نعم" أى فأذن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالانتقال إلى دار إخوتى وأهلى فى بنى خدرة.

فلما كنت فى الحجرة نادانى: أى فلما فارقت المكان الذى كان فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى مكان قريب منه طلبنى.

امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله: أى لا تبرحى البيت الذى جاءك فيه نعى زوجك حتى تنتهى عدتك.

قالت: أى الفريعة بنت مالك.

فقضى به بعد ذلك عثمان: أى إن امرأة استفتت عثمان رضى اللَّه عنه أيام خلافته فى خروجها من بيتها التى أتاها فيه

ص: 32

نعى زوجها فَذُكِرَتْ له قصة الفريعة فأرسل إليها فسألها عما أفتاها به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى هذا الشأن فأخبرته الفريعة فأرسل إلى المرأة التى توفى عنها زوجها فأمرها أن لا تبرح بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله.

والذُّهْلى: هو محمد بن يحيى بن عبد اللَّه بن خالد بن فارس ابن ذؤيب الذهلى النيسابورى قال الحافظ فى التقريب: ثقة حافظ جليل من الحادية عشرة اهـ وكان الإِمام مسلم رحمه الله من تلاميذ محمد بن يحيى الذهلى الآخذين عنه. فلما قدم البخارى رحمه الله نيسابور أيام الفتنة فى الكلام بخلق القرآن فقام رجل إلى البخارى وسأله عن اللفظ بالقرآن فقال البخارى: أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا، فوقع بين الناس اختلاف. فنهى الذهلى عن مجالسة البخارى رحمهما اللَّه فانقطع عنه الناس إلا مسلم بن الحجاج، وأحمد بن سلمة ورد مسلم على محمد بن يحيى الذهلى مروياته عنه. وإن كان البخارى رحمه الله لم يمتنع من رواية حديثه غير أنه كان ينسبه إلى جده قال الإِمام مسلم رحمه اللَّه

ص: 33

-كما فى مقدمة فتح البارى لابن حجر- لما قدم محمد بن إسماعيل نيسابور ما رأيت واليا ولا عالما فعل به أهل نيسابور ما فعلوه به استقبلوه من مرحلتين من البلد أو ثلاث وقال محمد بن يحيى الذهلى فى مجلسه: من أراد أن يستقبل محمد بن إسماعيل غدا فليستقبله، فإنى أستقبله. فاستقبله محمد بن يحيى وعامة علماء نيسابور، فدخل البلد، فنزل فى دار البخاريين. فقال لنا محمد بن يحيى: لا تسألوه عن شئ من الكلام فإنه إن أجاب بخلاف ما نحن عليه وقع بيننا وبينه، وشمت بنا كل ناصبى ورافضى وجهمى ومرجئ بخراسان فازدحم الناس على محمد بن إسماعيل حتى امتلأت الدار والسطوح، فلما كان اليوم الثانى أو الثالث -من يوم قدومه- قام إليه رجل فسأله عن اللفظ بالقرآن فقال: أفعالنا مخلوقة وألفاظنا من أفعالنا، فوقع بين الناس اختلاف فقال بعضهم: قال لفظى بالقرآن مخلوق، وقال بعضهم لم يقل اهـ وقد أشاع بعض الناس أن البخارى يقول:

ص: 34

لفظى بالقرآن مخلوق فقال محمد بن يحيى الذهلى: من زعم أن لفظى بالقرآن مخلوق فهذا مبتدع لا يجالس ولا يكلم ومن ذهب بعد مجلسنا هذا إلى محمد بن إسماعيل البخارى فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مذهبه. فانقطع الناس عن البخارى إلا مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة وأخذ مسلم رداءه فوق عمامته، وقام على رءوس الناس، فبعث إلى الذهلى جميع ما كان كتبه عنه على ظهر جمال. وقد ذكر فى التهذيب أن محمد بن نصر المروزى سمع البخارى يقول: من زعم أنى قلت: لفظى بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإنى لم أقله. قال الحاكم أبو عبد اللَّه فى تاريخ نيسابور: قدم البخارى نيسابور سنة خمسين ومائتين فأقام بها مدة يحدث على الدوام، ثم أخرج عن الحسن بن محمد بن جابر أنه قال: سمعت محمد بن يحيى الذهلى يقول: اذهبوا إلى هذا الرجل الصالح العالم، فاسمعوا منه، فذهب الناس، فأقبلوا على السماع منه حتى ظهر الخلل فى

ص: 35

مجلس محمد بن يحيى فتكلم فيه بعد ذلك اهـ. وقد توفى محمد بن يحيى الذهلى سنة. ثمان وخمسين. ومائتين على الصحيح وله ست وثمانون سنة. عفا اللَّه عنا وعنه وغفر لنا وله إنه واسع المغفرة وهو أرحم الراحمين.

وغيرهم: كابن سعد والطبرانى ومالك فى الموطأ.

[البحث]

هذا الحديث فى جميع طرقه يدور على سعد بن إسحاق بن كعب ابن عجرة وفى عامة هذه الطرق يرويه سعد بن إسحاق عن عمته زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك. وقد أخرجه ابن سعد من عدة طرق عن سعد بن إسحاق عن عمته زينب عن الفريعة وقد وصف الحافظ فى التقريب زينب بنت كعب بن عجرة بأنها مقبولة. وقال فى تلخيص الحبير: حديث أن فريعة بنت مالك أخت أبى سعيد الخدرى قتل زوجها فسألت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن ترجع إلى أهلها، وقالت: إن زوجى لم يتركنى فى منزل يملك فأذن لها فى الرجوع. قالت: فانصرفت حتى إذا كنت فى الحجرة أو فى المسجد دعانى فقال: "امكثى فى بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا، مالك فى الموطأ والشافعى عنه عن سعد بن إسحاق عن عمته زينب عن الفريعة ورواه أحمد وأبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وابن حبان والحاكم والطبرانى

ص: 36

كلهم من حديث سعد بن إسحاق به. يزيد بعضهم على بعض فى الحديث. وسياق ابن ماجه مثل ما هنا، وفى أوله ويادة. وأعله عبد الحق تبعا لابن حزم بجهالة حال زينب. وبأن سعد بن إسحاق غير مشهور بالعدالة. وتعقبه ابن القطان بأن سعدا وثقه النسائى وابن حبان. وزينب وثقها الترمذى. قلت: وذكرها ابن فتحون فى الصحابة. وقد روى عن زينب غير سعد ففى مسند أحمد من رواية سليمان بن محمد بن كعب بن عجرة عن عمته زينب وكانت تحت أبى سعيد حديث فى فضل على بن أبى طالب اهـ وقد قال النسائى بعد أن ساق حديث الفريعة هذا: "باب الرخصة للمتوفى عنها زوجها أن تعتد حيث شاءت" أخبرنى محمد بن إسماعيل بن إبراهيم قال حدثنا يزيد قال حدثنا ورقاء عن ابن أبى نجيح قال عطاء عن ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها فى أهلها، فتعتد حيث شاءت. وهو قول اللَّه عز وجل:{غَيْرَ إِخْرَاجٍ} وقال البخارى فى صحيحه: وقال عطاء قال ابن عباس: نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت. وقول اللَّه تعالى:{غَيْرَ إِخْرَاجٍ} وقال عطاء إن شاءت اعتدت عند أهلها وسكنت فى صيتها وإن شاء خرجت، لقول اللَّه {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ} قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى فتعتد حيث شاءت ولا سكنى لها اهـ واللَّه أعلم.

ص: 37

9 -

وعن فاطمة بنت قيس رضى اللَّه عنها قالت: قلت: يا رسول اللَّه إن زوجى طلقنى ثلاثا وأخاف أن يُقْتَحَمَ علىَّ، فأمرها فتحولت. رواه مسلم.

[المفردات]

أن يقتحم علَىَّ: أى أن يهجم علىَّ أحد فى منزلى.

فأمرها فتحولت: أى فأذن لها أن تعتد فى بيت آخر مأمون، وهو بيت عبد اللَّه بن أم مكتوم.

[البحث]

قد ساق المصنف رحمه الله قطعا من حديث فاطمة بنت قيس فى مواضع فأورد قطعة منه فى باب الكفاءة والخيار وفيه: أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لها: "انكحى أسامة" وهو الحديث الثانى من أحاديث باب الكفاءة والخيار. وأورد منه قطعة فى باب العدة والإِحداد وفيه: عن النبى صلى الله عليه وسلم فى المطلقة ثلاثا: "ليس لها سكنى ولا نفقة" وهو الحديث الثالث من أحاديث باب العدة والإِحداد. ثم أورد منه هنا أيضا هذه القطعة. وغرضه من إيراد هذه القطعة جواز أن تتحول المطلقة ثلاثا من مسكنها إلى مسكن آخر مأمون إذا كانت تخاف على نفسها. واللَّه أعلم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

يجوز للمطلقة ثلاثا أن تتحول من مسكنها إلى مسكن

ص: 38

آخر مأمون إذا كانت تخاف على نفسها.

2 -

جواز قبول قول المرأة فى كون المنزل مأمونا أو غير مأمون.

ص: 39

10 -

وعن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنه قال: لا تلبِسُوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها أربعة أشهر وعشرٌ. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم وأعله الدارقطنى بالانقطاع.

[المفردات]

عمرو بن العاص: هو أبو عبد اللَّه عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم بن عمرو بن هُصَيْص بن كعب بن لؤى السهمى القرشى رضى اللَّه عنه أسلم عام الحديبية، وهو الذى افتتحها وقد ذكر ابن سعد فى الطبقات أنه أسلم بأرض الحبشة عند النجاشى. وذكر أن خالد بن الوليد لما خرج مهاجرا من مكة لقى عثمان بن طلحة وقد خرج مهاجرا أيضا ثم لقى عمرو بن العاص كذلك فقدموا المدينة على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى أول يوم من صفر سنة ثمان من الهجرة. وصحب عمرو رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم-

ص: 39

واستعمله على غزوة ذات السلاسل وراء وادى القرى فوطئ بلاد بَلى وبلاد عذرة وبلقين كما بعثه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة إلى سواع صنم هذيل فهدمه. وبعثه أيضا إلى جيفر وعبد ابنى الجلندا وكانا من الأزد بعمان يدعوهما إلى الإسلام فَقُبِضَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وعمرو بعُمَان فخرج منها فقدم المدينة فبعثه أبو بكر الصديق أحد الأمراء إلى الشام فتولى ما تولى من فتحها وشهد اليرموك، وولاه عمر ابن الخطاب فلسطين وما والاها ثم كتب إليه أن يسير إلى مصر فسار إليها فى ثلاثة آلاف وخمسمائة مقاتل ففتحها وولاه عمر بن الخطاب مصر إلى أن مات وقد أبقاه عثمان رضى اللَّه عنه على ولايتها سنين ثم عزله واستعمل عليها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح فقدم عمرو المدينة فأقام بها حتى أثار السبئية الفتنة على عثمان رضى اللَّه عنه فخرج عمرو بن العاص إلى أرض له بالسبع من أرض فلسطين. ولما استشهد عثمان رضى اللَّه عنه صار عمرو إلى معاوية ولم يزل معه حتى استتب له الأمر فولى عمرو بن العاص

ص: 40

مصر فخرج إليها فلم يزل بها واليا وابتنى بها دارا ونزلها إلى أن مات يوم الفطر سنة ثلاث وأربعين فى خلافة معاوية رضى اللَّه عنهما وقيل: إنه توفى سنة إحدى وخمسين. ودفن بسفح جبل المقطم فى المقبرة المعروفة هناك.

لا تلْبِسُوا علينا سنة نبينا: أى لا تخلطوا علينا طريقة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتخفوا منهجه يعنى فى عدة أم الولد.

عدة أم الولد: أى مدة تربص الأمة التى وطئها سيدها فولدت منه.

إذا تُوُفِّىَ عنها سيدُها: أى إذا مات عنها سيدها الذى جاءت منه بولد.

أربعة أشهر وعشر: أى مدة تربصها أربعة أشهر وعشر كعدة الحرة المتوفى عنها زوجها.

[البحث]

قال الدارقطنى: نا أبو على المالكى نا أبو حفص عمرو بن على نا يحيى ابن سعيد نا ثور بن يزيد قال: سمعت رجاء بن حيوة قال: سئل عمرو بن العاص عن عدة أم الولد فقال: لا تلبسوا علينا ديننا. إن تكن أمة فإن عدتها عدة حرة. ورواه سليمان بن موسى عن رجاء ابن حيوة عن قبيصة ابن ذؤيب عن عمرو بن العاص موقوفا أيضا. ورفعه قتادة ومطر الوراق، والموقوف أصح، وقبيصة لم يسمع من عمرو. نا أبو عبيد القاسم بن إسماعيل نا أحمد بن المقدام نا يزيد

ص: 41

ابن زريع نا سعيد عن قتادة ومطر عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب أن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدتها عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا. حدثنا أحمد بن على بن العلاء نا أحمد بن المقدام فذكر مثله سواء. قبيصة لم يسمع من عمرو. والصواب: لا تلبسوا علينا ديننا موقوف. نا إبراهيم بن حماد نا أبو موسى نا عبد الأعلى نا سعيد عن مطر عن رجاء بن حيوة عن قبيصة ابن ذؤيب عن عمرو بن العاص أنه قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا، عدة المتوفى عنها زوجها فى عدة أم الولد. نا عبد الصمد بن على نا يحيى بن معاذ التسترى نا عثمان بن حفص نا سلام بن أبى خيزة وهو سلام بن مكيس عن مطر الوراق عن رجاء بن حيوة عن قبيصة عن عمرو بن العاص مثله. نا محمد بن الحسن بن على اليقطينى نا الحسين ابن عبد اللَّه بن يزيد القطان نا عباس بن الوليد الخلال الدمشقى نا زيد ابن يحيى بن عبيد نا أبو معيد حفص بن غيلان عن سليمان بن موسى أن رجاء بن حيوة حدثه أن قبيصة بن ذؤيب حدثه أن عمرو بن العاص قال: عدة أم الولد إذا توفى عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. وإذا أعتقت فعدتها ثلاث حيض. موقوف وهو الصواب. وهو مرسل لأن قبيصة لم يسمع من عمرو. نا محمد بن أحمد بن الحسن نا إسحاق بن إبراهيم بن أبى حسان نا عبد الرحمن بن إبراهيم نا الوليد نا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى عن رجاء بن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال: إنا لا نتلاعب بديننا،

ص: 42

الحرة حرة، والأمة أمة، يعنى فى أم الولد تكون عليها عدة الحرة. نا محمد بن أحمد نا عبد اللَّه بن أحمد حدثنى أبى نا الوليد بن مسلم نا سعيد بن عبد العزيز بهذا الإسناد عن عمرو بن العاص قال: عدة أم الولد عدة الحرة. قال أبى: هذا الحديث منكر. قال: ونا الوليد نا الأوزاعى وسعيد بن عبد العزيز عن الزهرى عن قبيصة بن ذؤيب عن عمرو بن العاص قال: عدة أم الولد عدة الحرة اهـ وقد قال البيهقى: قال أحمد بن حنبل: هذا حديث منكر وقبيصة لم يسمع من عمرو والصواب موقوف اهـ. وفى متن هذا الحديث أيضا اضطراب شديد. واللَّه أعلم.

ص: 43

11 -

وعن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: إنما الأقراء الأطهار أخرجه مالك وأحمد والنسائى فى قصة بسند صحيح.

[المفردات]

إنما الأقراء الأطهار: أى إن المراد بالأقراء فى قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} الأطهار لا الحيض. والأقراء جمع قرء كما أن القرء يجمع على قروء وبه جاء القرآن الكريم. والعرب يطلقون القرء على الحيض كما يطلقونه على الطهر فهو من أسماء

ص: 43

الأضداد. قال البخارى فى صحيحه: وقال معمر: يقال: أقرأت المرأة إذا دنا حيضها، وأقرأت إذا دنا طهرها اهـ والمراد بمعمر هنا هو أبو عبيدة بن المثنى وقال أبو عمر: لم تختلف العلماء ولا الفقهاء أن القرء لغة يقع على الطهر وعلى الحيض اهـ.

[البحث]

فى بعض نسخ بلوغ المرام: أخرجه مالك فى قصة بسند صحيح. وفى بعضها: أخرجه مالك وأحمد والنسائى فى قصة بسند صحيح، ولفظ الموطأ: مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين أنها انتقلت حفصةَ ابنةَ عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق حين دخلت فى الدم من الحيضة الثالثة. قال ابن شهاب: فَذُكِرَ ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن فقالت: صدق عروة، وقد جادلها فى ذلك ناس، وقالوا: إن اللَّه تبارك وتعالى يقول فى كتابه {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فقالت: صدقتم، ما الأقراء؟ إنما الأقراء الأطهار اهـ وقوله "انتقلت حفصة" أى طلبت منها عائشة رضى اللَّه عنها أن تنتقل ونقلتها. وقوله:"وقد جادلها فى ذلك ناس" أى أنكر ناس على عائشة رضى اللَّه عنها نقلها لحفصة بمجرد دخولها فى دم الحيضة الثالثة، لأنهم يرون أن الأقراء هى الحيض فى قوله تبارك وتعالى {ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فقالت عائشة رضى اللَّه عنها صدقتم فى أن اللَّه تعالى قال:{ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ}

ص: 44

ولكن الأقراء ليست هى الحيض وإنما هى الأطهار. وهذا مصير من عائشة رضى اللَّه عنها إلى أن المراد بالقرء فى الآية هو الطهر، وهو محتمل. وقد قال ابن القيم رحمه الله: إن القرء لم يستعمل فى كلام الشرع إلا فى الحيض ولم يجئ عنه فى موضع واحد استعماله فى الطهر اهـ وقد ساق ابن القيم رحمه الله فى استدلاله لذلك حديث فاطمة بنت أبى حبيش: "دعى الصلاة أيام أقرائك" وقد مال النسائى رحمه الله إلى أن الأقراء هى الحيض فعنون بالأقراء ثم قال: أخبرنا عمرو بن منصور قال: حدثنا عبد اللَّه بن يوسف قال: حدثنا الليث قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن بكير عن عبد اللَّه ابن الأشج عن المنذر بن المغيرة عن عروة بن الزبير أن فاطمة ابنة أبى حبيش حدثته أنها أتت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنما ذلكِ عِرْقٌ، فانظرى إذا أتاك قرؤك فلا تصلى فإذا مر قرؤك فَلْتَطْهُرِى. قال ثم صلى ما بين القرء إلى القرء اهـ وصنيع النسائى هنا يشعر بصحة نسخة البلوغ التى خلت من ذكر النسائى فى هذا الحديث. ولم يشر صاحب "المعجم المفهرس لألفاظ الحديث" إلا لمالك فى الموطأ عند ذكر هذا الحديث. واللَّه تعالى أعلم.

ص: 45

12 -

وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما قال: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان" رواه الدارقطنى وأخرجه مرفوعا وضعفه، وأخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه من حديث عائشة وصححه

ص: 45

الحاكم، وخالفوه فاتفقوا على ضعفه.

[المفردات]

الأمة: أى المملوكة.

تطليقتان: أى يملك عليها زوجها تطليقتين فقط بخلاف الحرة التى يملك عليها زوجها ثلاث تطليقات.

وعدتها حيضتان: أى ومدة تربص الأمة إذا طلقت حيضتان بخلاف الحرة المطلقة فإنها تتربص ثلاث حيض إذا كانت عدتها بالحيض.

رواه الدارقطنى: أى هكذا موقوفا على ابن عمر.

وأخرجه مرفوعا: أى ورواه الدارقطنى مرفوعا مضافا إلى النبى صلى الله عليه وسلم أيضا.

وضعفه: أى وضعف الدارقطنى هذا الحديث المرفوع.

من حديث عائشة: أى من طريق مظاهر بن أسلم.

وخالفوه: أى وأنكر أهل العلم على الحاكم تصحيح هذا الحديث.

فاتفقوا على ضعفه: أى فأجمع أهل العلم على ضعف هذا الحديث.

[البحث]

هذا الحديث رواه الدارقطنى من طريق عمر بن شَبِيب الْمُسْلِى نا عبد اللَّه بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عطية العوفى عن عبد اللَّه بن عمر قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم "طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان" ثم قال الدارقطنى: تفرد به عمر بن شبيب مرفوعا وكان ضعيفا والصحيح عن ابن عمر ما رواه سالم ونافع عنه من قوله.

ص: 46

ثم ساق من طريق ابن شهاب عن سالم ونافع أن ابن عمر كان يقول: طلاق العبد الحرة تطليقتان، وعدتها ثلاثة قروء، وطلاق الحر الأمة تطليقتان، وعدتها عدة الأمة حيضتان. ثم قال الدارقطنى: نا أبو بكر نا أبو الأزهر، نا عبد اللَّه بن نمير نا عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر فى الأمة تكون تحت الحر، تبين بتطليقتين، وتعتد بحيضتين، وإذا كانت الحرة تحت العبد بانت بتطليقتين، وتعتد ثلاث حيض، وكذلك رواه الليث بن سعد وابن جريج وغيرهما عن نافع عن ابن عمر موقوفا، وهذا هو الصواب وحديث عبد اللَّه بن عيسى عن عطية عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم منكر غير ثابت من وجهين: أحدهما أن عطية ضعيف، وسالم ونافع أثبت منه وأصح رواية، والوجه الآخر أن عمر ابن شبيب ضعيف الحديث، لا يحتج بروايته واللَّه أعلم اهـ وقد أخرج أبو داود هذا الحديث من طريق أبى عاصم عن ابن جريج عن مظاهر عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان" ثم قال أبو داود: قال أبو عاصم: حدثنى مظاهر حدثنى القاسم عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم مثله إلا أنه قال: وعدتها حيضتان. قال أبو داود: وهو حديث مجهول اهـ وقد أخرجه الترمذى أيضا من طريق مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال الترمذى: وفى الباب عن عبد اللَّه بن عمر حديث عائشة حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث

ص: 47

مظاهر بن أسلم، ومظاهر لا يعرف له فى العلم غير هذا الحديث. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم اهـ وقد أخرجه ابن ماجه من طريق عمر بن شبيب المسلى عن عبد اللَّه ابن عيسى عن عطية عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان. قال فى الزوائد: إسناد حديث ابن عمر فيه عطية العوفى متفق على تضعيفه وكذلك عمر بن شبيب الكوفى. والحديث قد رواه مالك فى الموطأ موقوفًا على ابن عمر ورواه أصحاب السنن سوى النسائى من طريق عائشة. وقد أخرج ابن ماجه حديث عائشة هذا من طريق مظاهر بن أسلم عن القاسم عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم.

ص: 48

13 -

وعن رُوَيْفع بن ثابت رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره" أخرجه أبو داود والترمذى وصححه ابن حبَّان وحسَّنه البزار.

[المفردات]

رويفع بن ثابت: هو رُوَيْفع -تصغير رافع بكسر الفاء- بن ثابت بن السكن بن عدى بن حارثة الأنصارى من بنى مالك بن النجار وقد سكن مصر وأمَّره معاوية رضى اللَّه عنه على

ص: 48

طرابلس الغرب سنة ست وأربعين فغزا أفريقية وتوفى ببرقة وهو أمير عليها لمسلمة بن مخلد سنة ست وخمسين رضى اللَّه عنه.

لا يحل لامرئ: أى لا يجوز لإِنسان.

أن يَسْقِىَ ماءه زرع غيره: يعنى أن يطأ امرأة وهى حبلى من غيره.

[البحث]

قال أبو داود: حدثنا النفيلى ثنا محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن أبى مرزوق عن حنش الصنعانى عن رويفع بن ثابت الأنصارى قال: قام فينا خطيبا قال: أما إنى لا أقول لكم إلا ما سمعت من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول يوم حنين قال: "لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسقى ماءه زرع غيره" -يعنى إتيان الحبالى- "ولا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبى حتى يستبرئها، ولا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم" وقال الترمذى: حدثنا عمر بن حفص الشيبانى البصرى نا عبد اللَّه بن وهب نا يحيى بن أيوب عن ربيعة بن سليم عن بُسْر بن عبيد اللَّه عن رويفع بن ثابت عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "من كان يؤمن باللَّه واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد غيره" هذا حديث حسن، وقد روى من غير وجه عن رويفع بن ثابت. والعمل على هذا عند

ص: 49

أهل العلم، لا يرون للرجل إذا اشترى جارية وهى حامل أن يطأها حتى تضع اهـ وأبو مرزوق فى سند أبى داود هو التُّجِيبى بضم التاء كسر الجيم مولاهم المصرى نزيل برقة واسمه حبيب بن شهيد على الأشهر قال فى التقريب: ثقة وأشار إلى أنه توفى سنة تسع وخمسين ومائة من الهجرة وهذا الحديث حرى بالتحسين الذى قاله البزار وقد نقل الطيبى اتفاق أهل العلم على تحريم الوطء على المالك فى زمان الاستبراء.

[ما يفيده الحديث]

1 -

يحرم على الرجل أن يطأ امرأة حبلى من غيره.

2 -

يجب استبراء الرحم قبل الوطء.

ص: 50

14 -

وعن عمر رضى اللَّه عنه فى امرأة المفقود: تَتَرَبَّصُ أربع سنين ثمَّ تعتد أربعة أشهر وعشرا. أخرجه مالك والشافعى.

[المفردات]

المفقود: أى الغائب الذى لا يدرى أهو حى أم ميت.

تَتَربَّص: أى تنتظر.

ثمَّ تعتد: أى ثمَّ تعتبره قد مات فتبدأ عدة الوفاة وهى بالنسبة لها تكون أربعة أشهر وعشرا إذ لا يتأتى لمثلها أن تكون حينئذ حاملا.

ص: 50

[البحث]

أخرج مالك فى الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قال: أيما امرأة فقدت زوجها فلم تدر أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين ثم تعتد أربعة أشهر وعشرا، ثم تحل. وقد تقرر عند أهل العلم أن المفقود الذى لا يدرى موضعه ولا يعرف شئ عنه يسأل الحاكم أهله عن وجه مغيبه، ويتحرى عنه، ويعرف وقت انقطاع خبره فإذا لم يُعرفْ له خبر ضرب لزوجته أجل أربع سنين فإن جاء فى المدة أو جاء خبر حياته فهى على الزوجية وإذا لم يُسْمَع له خبر حتى انقضت المدة اعتدت عدة الوفاة، فإن جاء فى العدة فهى على الزوجية، وإن انقضت العدة قبل مجيئه أو مجيئ علم بحياته فقد حلت وجاز لها أن تتزوج. وقد نقل غير واحد من أهل العلم إجماع الصحابة على أن الإِمام يضرب لها أجلا بعد البحث والتحرى وأن ذلك مروى عن عمر وعثمان وعلى ولم يعلم لهم فى عصر الصحابة مخالف. واللَّه أعلم.

ص: 51

15 -

وعن المغيرة بن شعبة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "امرأتة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" أخرجه الدارقطنى بإسناد ضعيف.

[المفردات]

امرأته: أى هى زوجته وعقد الزوجية قائم بينهما.

ص: 51

حتى يأتيها البيان: أى حتى يجيئها الخبر بموته أو يأتيها طلاق منه.

[البحث]

قال الدارقطنى: نا أحمد بن محمد بن زياد نا محمد بن الفضل بن جابر نا صالح بن مالك نا سوار بن مصعب نا محمد بن شرحبيل الهمدانى عن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها الخبر" وفى بعض نسخ الدارقطنى باللفظ الذى ساقه المصنف. وقد قال ابن أبى حاتم فى كتاب العلل: سألت أبى عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر ومحمد بن شرحبيل متروك الحديث، يروى عن المغيرة بن شعبة مناكير وأباطيل اهـ وقد أعله عبد الحق أيضا بمحمد بن شرحبيل وقال: إنه متروك. وقال ابن القطان فى كتابه: وسوار بن مصعب أشهر فى المتروكين منه، ودونه صالح بن مالك، ولا يعرف، ودونه محمد بن الفضل ولا يعرف حاله اهـ.

ص: 52

16 -

وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يَبِيتَنَّ رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم" رواه مسلم.

[المفردات]

لَا يَبِيتَنَّ رجل عند امرأة: أى لا يمكثن عندها بالليل خاليا بها.

ص: 52

إلا أن يكون ناكحا: أى إلا أن يكون زوجا لها.

أو ذا محرم: أى أو إلا أن تكون المرأة من ذوات محارمه وهى التى لا يجوز له الزواج بها ألبتة كالأم والبنت والأخت والعمة والخالة وغيرهن ممن جعلهن اللَّه محرمة على الرجل على التأبيد.

[البحث]

لفظ هذا الحديث عند مسلم: "ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا أو ذا محرم" كما روى البخارى ومسلم من حديث عقبة بن عامر رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول اللَّه أفرأيت الحَمْوَ؟ قال: "الحَمْوُ الموتُ" ثم روى مسلم بسنده عن الليث بن سعد قال: الحمو أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج، ابنُ العم ونحوُه اهـ وإنما خص النهى بالبيتوتة عند الثيب -ولم يذكر البكر- لكون الثيب هى التى يعتاد الناس الدخول عندها بخلاف البكر فإنها متصونة فى العادة مجانبة للرجال، حذرة منهم، فلم يحتج إلى ذكرها، ولأنه إذا نهى عن الدخول على الثيب التى يتساهل الناس فى الدخول عليها فى العادة فالنهى عن الدخول على البكر من باب أولى. والمقصود هو منع خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه سواء كانت بكرا أم ثيبا. كما سيجئ هذا التعميم فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.

ص: 53

[ما يفيده الحديث]

1 -

تحريم الخلوة بالأجنبية وهى التى ليست لك بزوجة ولست من محارمها.

2 -

إباحة خلوة المرأة بمحارمها.

3 -

حرص الإسلام على صيانة المجتمع من أسباب الفساد.

ص: 54

17 -

وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لَا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة إلا مع ذى محرم" رواه البخارى.

[المفردات]

لا يَخْلُوَنَّ رجل بامرأة: أى لا يحل لرجل أجنبى عن المرأة أن يجلس معها فى خلوة عن الناس وأن ينفرد بها فى مكان خال.

إلا مع ذى محرم: أى لكن لا مانع من جلوس المرأة مع الأجنبى إذا كان ذلك بحضور شخص من محارمها معهما، ومحرم المرأة هو من حرم عليه نكاحها على التأبيد سوى أم الموطءة بشبهة والملاعنة فإنهما مُحَرَّمَانِ على التأبيد ولا محرمية بينهما، وكذلك أمهات المؤمنين رضى اللَّه عنهن.

ص: 54

[البحث]

أورد البخارى رحمه الله هذا الحديث فى كتاب النكاح فى باب: لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة عن ابن عباس رضى اللَّه عنهما بلفظ: "لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذى محرم" فقام رجل فقال: يا رسول اللَّه امرأتى خرجت حاجّة واكتتبت فى غزوة كذا وكذا، قال:"ارجع فحج مع امرأتك" وأورده فى أواخر كتاب الحج من حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما بلفظ، قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم: لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم، ولا يدخل عليها رجل إلا ومعها محرم، فقال رجل يا رسول اللَّه إنى أريد أن أخرج فى جيش كذا وكذا، وامرأتى تريد الحج، فقال:"اخرج معها" وقوله فى الحديث: "إلا ومعها محرم" ولم يصرح بذكر الزوج لأنه أولى بل هو معروف متبادر على أنه قد ورد التصريح بالزوج فى حديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه الذى ساقه البخارى فى كتاب الحج بعد حديث ابن عباس وفيه: "أن لا تسافر امرأة مسيرة يومين ليس معها زوجها أو ذو محرم" هذا وقد قال الحافظ فى التلخيص: فى الصحيحين بلفظ: لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية.

2 -

جواز دخول الرجل الأجنبى على المرأة إذا كان معها زوجها أو ذو محرم منها.

ص: 55

3 -

أنه لا فرق بين الثيب والبكر فى منع دخول الأجنبى عليها.

4 -

حرص الإسلام على صيانة البيوت الإِسلامية من جميع أسباب الانهيار الخلقى.

ص: 56

18 -

وعن أبى سعيد رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" أخرجه أبو داود وصححه الحاكم وله شاهد عن ابن عباس فى الدارقطنى.

[المفردات]

فى سبايا أوطاس: أى فى شأن سبايا أوطاس وهن نساء الكفار اللاتى سُبِين فى غزوة أوطاس، والسبايا جمع سَبِىِّ. يقال: سَبى العدوَّ سَبْيًا وسِباءً أسره كاستباه فَهُوَ سَبِىٌّ وهى سَبِىٌّ أيضا.

لا توطأ حامل حتى تضع: أى لا تجامع المسبية الحبلى حتى تلد.

ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة: أى ولا توطأ المسبية التى ليست حبلى حتى يَسْتَبْرِئها سيدها بحيضة واحدة.

وله: أى ولحديث أبى سعيد الخدرى رضى اللَّه عنه.

ص: 56

فى الدارقطنى: أى عند الدارقطنى فى سننه.

[البحث]

قال أبو داود: حدثنا عمرو بن عون أخبرنا شريك عن قيس بن وهب عن أبى الوداك عن أبى سعيد الخدرى ورفعه أنه قال فى سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة. وقال الدارقطنى: حدثنا موسى بن جعفر بن قرين نا حفص بن عمر الرقى نا ابن الأصبهانى نا شريك عن قيس بن وهب ومجالد عن أبى الوداك عن أبى سعيد قال: أصبنا سبايا يوم أوطاس فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا يطأ رجل حاملا حتى تضع حملها، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" وقد أعل ابن القطان فى كتابه هذا الحديث بشريك وقال: إنه مدلس. وقال فى التقريب فى شريك: صدوق يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولى القضاء بالكوفة اهـ وأبو الوداك هو جبر بن نوف الهمدانى البكالى قال فى التقريب: صدوق يهم اهـ وقال فى تلخيص الحبير: حديث: لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض. أحمد وأبو داود والحاكم من حديث أبى سعيد الخدرى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" وإسناده حسن. وروى الدارقطنى من حديث عبد اللَّه بن عمران العابدى عن ابن عيينة عن عمرو بن مسلم الجندى عن عكرمة عن ابن عباس قال: نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن توطأ حامل حتى تضع أو حائل حتى تحيض ثم

ص: 57

نقل عن ابن صاعد أن العابدى تفرد بوصله وأن غيره أرسله اهـ هذا وقد أخرج مسلم فى صحيحه من حديث أبى الدرداء رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أتى بامرأة مُجِحٍّ على باب فسطاط فقال: "لعله يريد أن يُلِمَّ بها؟ " فقالوا: نعم. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قَبْرَهُ. كيف يورث وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ " وقوله فى الحديث: أَتَى بامرأة أى مرَّ عليها فى بعض أسفاره، وقوله "مُجحّ" صفة لامرأة والمجح هى الحامل القريبة من الولادة ويقال فيها: مجحة أيضا. وقوله على باب فسطاط أى على باب خِبَاء ومعنى: لعله يريد أن يلم بها؟ قال بعض أهل العلم فى الكلام حذف تقديره: فسأل عنها فقالوا: أمة فلان أى سبيته فقال: لعله يريد أن يلم بها أى أن يطأها وهى حامل من غيره؟ فقالوا: نعم. وقوله: لقد هممت أن ألعنه الخ هو تشديد فى النهى عن وطء الحامل المسبية قبل أن تلد. وفى هذا الحديث تأكيد تحريم وطء الحامل المسبية قبل أن تلد.

[ما يفيده الحديث]

1 -

تحريم وطء الحامل المسبية قبل أن تلد.

2 -

وجوب استبراء المسبية قبل وطئها.

ص: 58

19 -

وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الولد للفراش وللعاهر الحَجَرُ" متفق عليه من حديثه، ومن حديث عائشة

ص: 58

فى قصة، وعن ابن مسعود عند النسائى، وعن عثمان عند أبى داود.

[المفردات]

الولد للفراش: يعنى إذا كان للرجل زوجة أو أمة يطؤها وجاءت بولد فى وقت يمكن إلحاقه بالزوج أو بالسيد فإن نسب الولد يكون لصاحب الفراش ويجرى بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة، فلو ادعاه زان بالمرأة لا يلحق به، وإنما يلحق بالذى افترش المرأة بطريق مشروع فكانت له فراشا. فمعنى قوله: الولد للفراش أى لمالك الفراش وهو الزوج والسيد، والمرأة تسمى فراشا لأن الرجل يفترشها.

وللعاهر: أى وللزانى.

الحجر: أى الرجم إن كان محصنا. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحجر هنا أن له الخيبة ولا حق له فى الولد، وإنما هو لصاحب الفراش أى لصاحب أم الولد وهو زوجها أو مولاها.

من حديثه: أى من حديث أبى هريرة رضى اللَّه عنه.

ومن حديث عائشة فى قصة: أى وهو متفق عليه أيضا من

ص: 59

حديث عائشة رضى اللَّه عنها ضمن قصة وحكاية جرت بين سعد بن أبى وقاص رضى اللَّه عنه وعبد بن زمعة فى غلام من وليدة زمعة.

وعن ابن مسعود عند النسائى: أى وقد ورد أيضا هذا الحديث عن ابن مسعود رضى اللَّه عنه عند النسائى فى سننه.

وعن عثمان عند أبى داود: أى ورواه أيضا أبو داود من حديث عثمان رضى اللَّه عنه.

[البحث]

حديث عائشة الذى أشار إليه المصنف أخرجه البخارى من طريق مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: كان عتبة بن أبى وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبى وقاص أن ابن وليدة زمعة منى فاقْبِضْه، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبى وقاص وقال: ابنُ أخى قد عهد إلىَّ فيه، فقام عبد ابن زمعة فقال: أخى وابن وليدة أبى، وُلِدَ على فراشه، فتساوقا إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول اللَّه ابن أخى، كان قد عهد إلىَّ فيه، فقال عبد بن زمعة: أخى وابن وليدة أبى، وُلِد على فراشه، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:"هو لك يا عبد بن زمعة" ثم قال النبى صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" ثم قال لسودة

ص: 60

بنت زمعة زوج النبى صلى الله عليه وسلم: "احتجبى منه يا سودة" لِما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقى اللَّه. أما مسلم فقد أخرجه من طريق قتيبة بن سعيد ومحمد بن رُمْح عن الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنها قالت: اختصم سعد بن أبى وقاص وعبد بن زمعة فى غلام، فقال سعد: هذا يا رسول اللَّه ابن أخى عتبة بن أبى وقاص عهد إلىَّ أنه ابنه، انظر إلى شَبَهِهِ. وقال عبد بن زمعة: هذا أخى يا رسول اللَّه وُلِدَ على فراش أبى من وليدته، فنظر رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى شَبَهِهِ، فرأى شَبَهًا بَيِّنًا بعتبة، فقال:"هو لك يا عبدُ الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبى منه يا سودةُ بنتَ زمعة" قالت: فلم ير سودة قط. ولم يذكر محمد بن رمح قوله: "يا عبدُ" أما حديث ابن مسعود عند النسائى فقد قال النسائى: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال حدثنا جرير عن مغيرة عن أبى وائل عن عبد اللَّه عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "الولد للفراش وللعاهر الحجر" قال أبو عبد الرحمن: ولا أحسب هذا عن عبد اللَّه بن مسعود واللَّه تعالى أعلم اهـ أما ما أشار إليه المصنف رحمه الله من حديث عثمان عند أبى داود فقد أخرجه أبو داود فى سننه فى "باب الولد للفراش" من طريق موسى بن إسماعيل ثنا مهدى بن ميمون أبو يحيى ثنا محمد بن عبد اللَّه بن أبى يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه عن رباح قال: زوجنى أهلى أمة لهم رومية فوقعت عليها، فولدت غلاما أسود مثلى،

ص: 61

فسميته عبد اللَّه، ثم وقعت عليها فولدت غلاما أسود مثلى فسميته عبيد اللَّه، ثم طبن لها غلام لأهلى رومى يقال له يوحنة فراطنها بلسانه، فولدت غلاما كأنه وزغة من الوزغات، فقلت لها: ما هذا؟ فقالت: هذا ليوحنة، فرفعنا إلى عثمان أحسبه قال مهدى: قال: فسألهما فاعترفا، فقال لهما: أترضيان أن أقضى بينكما بقضاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قضى أن الولد للفراش، وأحسبه قال: فجلدها وجلده وكانا مملوكين اهـ هذا وإلحاق الولد بالفراش قاعدة شرعية، كما أن أمر سودة رضى اللَّه عنها بالاحتجاب منه فى حديث عائشة من أجل شُبْهَةِ الشَّبَهِ بعتبة، ولا معارضة فى ذلك، لأن للرجل أن يمنع زوجته من التبذل أمام أخيها وإن كان لا شبهة فيه. واللَّه أعلم.

[ما يفيده الحديث]

1 -

أن الولد للفراش.

2 -

أن الزنا لا يثبت به النسب.

3 -

صيانة الأعراض فى الإسلام والاحتياط للمحافظة عليها.

4 -

أن الفَرْعَ إذا دار بين أصلين جاز اعتبار كل واحد منهما فيه وإلحاقه به من وجه.

ص: 62