الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب حَدِّ السَّرِقَةِ
1 -
عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تُقْطَعُ يَدُ السارق إلا فى رُبع دينار فصاعدا" متفق عليه، واللفظ لمسلم، ولفظ البخارى:"تقطع يد السارق فى ربع دينار فصاعدا" وفى رواية لأحمد: "اقْطَعُوا فى ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك".
[المفردات]
حد السرقة: أى العقوبة المقدرة فى السرقة، والسرقة بفتح السين كسر الراء ويجوز إسكانها ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه: هى لغة الأخذ خفية، وشرعا هو أخذ مال محروز قيمته ربع دينار فصاعدا على وجه الخفية وليس للآخذ حق فيه ولا شبهة. قال الحافظ فى الفتح: ويقال لسارق الإِبل الخارب بخاء معجمة، وللسارق فى المكيال مطفف، وللسارق فى الميزان مخسر، فى أشياء أخرى ذكرها ابن خالويه فى كتاب (ليس) قال المازرى ومن تبعه: صان اللَّه الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب، ولسهولة إقامة
البينة على ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ فى الزجر، ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع به حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفى ذلك إشارة إلى الشبهة التى نسبت إلى أبى العلاء المعرى فى قوله:
يَدٌ بِخَمْس مِئِينٍ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ
…
مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فى رُبْعِ دينار
فأجابه القاضى عبد الوهاب المالكى بقوله:
صيانة العضو أغلاها وأرخصها
…
صيانةُ المال فافهم حكمة البارى
وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الأيدى، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة فى الجانبين، وكان فى ذلك صيانة من الطرفين اهـ وفى رواية أخرى لبيت القاضى عبد الوهاب المالكى، وقيل هو لعلم الدين السخاوى:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها
…
ذُلُّ الخيانة فافهم حكمة البارى
ومن قول القاضى عبد الوهاب فى الرد على شبهة أبى العلاء المعرى: لما كانت أمينة كانت ثمينة، ولما خانت هانت.
إلا فى ربع دينار فصاعدا: أى إلا إذا سرق شيئا قيمته ربع دينار فأكثر، فلا تقطع يد من سرق أقل من ربع دينار.
وفى رواية لأحمد: أى من طريق أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة رضى اللَّه تعالى عنها.
فيما هو أدنى من ذلك: أى فيما قيمته أقل من ربع دينار.
[البحث]
أورد البخارى من طريق ابن شهاب عن عمرة عن عائشة: قال النبى صلى الله عليه وسلم: "تقطع اليد فى ربع دينار فصاعدا" ثم رواه من طريق ابن شهاب عن عروة بن الزبير وعمرة عن عائشة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "تُقْطعُ يَدُ السارق فى ربع دينار" ثم أخرجه من طريق محمد بن عبد الرحمن الأنصارى عن عمرة بنت عبد الرحمن حدثته أن عائشة رضى اللَّه عنها حدثتهم عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "يُقْطعُ فى ربع دينار" أما مسلم فقد أورده باللفظ. الذى ذكره المصنف عنه من طريق ابن شهاب عن عروة وعمرة عن عائشة رضى اللَّه عنها وساقه من طريق الزهرى عن عمرة عن عائشة قالت: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقطع السارق فى ربع دينار فصاعدا" وساقه من طريق سليمان بن يسار عن عمرة أنها سمعت عائشة تحدث أنها سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تُقْطعُ الْيَدُ إلا فى ربع دينار فما فوقه" وساقه من طريق أبى بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة أنه سمعت النبى صلى الله عليه وسلم-
يقول: "لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا" هذا وإذا سقط القطع عمن سرق أقل من ربع دينار فإنه لا يسقط عنه التعزير الرادع له عن المعاودة.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن السارق لا تقطع يده إلا إذا كان المال المسروق ربع دينار فصاعدا.
2 -
أن من سرق أقل من ربع دينار لا تقطع يده.
2 -
وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قطع فى مِجَنٍّ ثمنه ثلاثة دراهم" متفق عليه.
[المفردات]
مِجَنٍّ: قال الحافظ فى الفتح: المجن بكسر الميم وفتح الجيم مِفْعَل من الاجتنان وهو الاستتار مما يحاذره المستتر، وكسرت ميمه لأنه آلة فى ذلك. اهـ وقد يكون المجن حَجَفَةً أو ترسا، والحجفة بفتح الحاء والجيم ثم فاء هى الدرقة وقد تكون من خشب أو عظم وتغلف بالجلد أو غيره. والترس مثل الحجفة إلا أنه يطارق فيه بين جلدين قال الحافظ فى الفتح وقيل هما بمعنى واحد اهـ
ثمنه ثلاثة دراهم: أى قيمة المجن كانت ثلاثة دراهم.
[البحث]
لا معارضة بين حديث عائشة رضى اللَّه تعالى عنها: "لا تقطع يد السارق إلا فى ربع دينار فصاعدا" وبين هذا الحديث فإن ربع دينار صرفه ثلاثة دراهم على أساس أن الدينار اثنا عشر درهما، وقد روى البخارى رحمه اللَّه تعالى حديث ابن عمر هذا من عدة طرق بهذا اللفظ فأخرجه من طريق مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر وأخرجه من طريق جويرية عن نافع عن ابن عمر وأخرجه من طريق عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر، وأخرجه من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر رضى اللَّه تعالى عنهما. كما أخرجه مسلم من طريق يحيى بن يحيى عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قطع سارقا فى مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم. ثم قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد وابن رمح عن الليث بن سعد ح وحدثنا زهير بن حرب وابن المثنى قالا: حدثنا يحيى (وهو القطان) ح وحدثنا ابن نمير حدثنا أبى ح وحدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة حدثنا على بن مُسْهِر كلهم عن عبيد اللَّه ح وحدثنى زهير بن حرب حدثنا إسماعيل (يعنى ابن عُلَيَّةَ) ح وحدثنا أبو الربيع وأبو كامل قالا: حدثنا حماد ح وحدثنى محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا سفيان عن أيوب السختيانى وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية ح وحدثنى عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمى أخبرنا أبو نُعَيْم حدثنا سفيان عن أيوب وإسماعيل بن أمية وعبيد اللَّه وموسى بن
عقبة ح وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج أخبرنى إسماعيل بن أمية ح وحدثنى أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن حنظلة بن أبى سفيان الجمحى وعبيد اللَّه بن عمر ومالك بن أنس وأسامة بن زيد الليثى كلهم عن نافع عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم بمثل حديث يحيى عن مالك غير أن بعضهم قال: قيمته، وبعضهم قال: ثمنه ثلاثة دراهم. اهـ هذا ولم يرد حديث فى قوة الحديث الأول والحديث الثانى من أحاديث هذا الباب اللذين يبينان أن قول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وفعله يقرران أن أقل نصاب السرقة الموجب لقطع اليد هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم أقول لم يرد حديث فى قوتهما يقوى على معارضتهما، واللَّه تعالى أعلم.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن أقل نصاب السرقة هو ثلاثة دراهم أو ما قيمته ثلاثة دراهم.
2 -
أن من سرق أقل من ثلاثة دراهم لا تقطع يده.
3 -
وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لعن اللَّه السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده" متفق عليه أيضا.
[المفردات]
لعن اللَّه السارق: أى أبعد اللَّه من يأخذ أموال الناس المحروزة خفية
البيضة: قال البخارى: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد اهـ وبيضة الحديد التى تتخذ جُنَّةً للرأس ويقال لها المِغْفَر لأنها تستر الرأس وهى من ملابس الحرب وقد تكون قيمتها ربع دينار فصاعدا. وقيل المراد: التحذير من سرقة البيضة لأنها وإن كانت لا تساوى شيئا فقد يؤدى ذلك إلى اعتياد السرقة فيسرق مقدار النصاب فتقطع يده.
الحبل: نقل البخارى عن الأعمش أنه قال فى الحبل هنا: والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوى دراهم اهـ وحمله بعضهم على أن المراد التحذير من سرقة القليل التافه لأنه قد يؤدى إلى أن يتعود السرقة حتى يسرق النصاب الذى تقطع فيه يده.
متفق عليه أيضا: أى رواه البخارى ومسلم كالحديث الذى قبله.
[البحث]
هذا الحديث أورده البخارى من طريق عمر بن حفص بن غياث حدثنى أبى حدثنا الأعمش قال: سمعت أبا صالح عن أبى هريرة باللفظ الذى ساقه المصنف وزاد: قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوى دراهم اهـ قال الحافظ فى الفتح: "قوله قال الأعمش" هو موصول بالإسناد المذكور اهـ وأخرج مسلم هذا الحديث من طريق أبى بكر بن أبى شيبة وأبى كريب قالا:
حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة باللفظ الذى ساقه المصنف ثم قال: حدثنا عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم وعلى بن خشرم كلهم عن عيسى بن يونس عن الأعمش بهذا الإسناد مثله غير أنه يقول: إن سرق حبلا وإن سرق بيضة اهـ
[ما يفيده الحديث]
1 -
التحذير من سرقة القليل التافه مخافة أن يجره ذلك إلى السرقة التى تقطع فيها يده.
2 -
أن تشريع الحدود فى الإسلام للوقاية والعلاج.
3 -
أن السرقة من الكبائر.
4 -
وعن عائشة رضى اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " ثم قام، فخطب، فقال:"أيها الناس إنما أهْلَكَ الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريف تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد" الحديث متفق عليه، واللفظ لمسلم وله من وجه آخر عن عائشة قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبىُّ صلى الله عليه وسلم بقطع يدها.
[المفردات]
قال: أتشفع فى حد من حدود اللَّه: أى قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضى اللَّه تعالى عنهما لما كلمه فى
أمر المخزومية التى سرقت ليسقط الحد عنها: أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟
ثم قام، فخطب: أى ثم وقف رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم خطيبا ليحذرهم من الشفاعة فى الحدود وليبين لهم أن تضييع حدود اللَّه سبب لهلاك الأمم وضلالها وأنه يجب إقامتها على الشريف والضعيف على حد سواء.
إنما أهلك الذين قبلكم: أى إنما ضل من كان قبلكم من المنتسبين للشرائع السماوية فحلت بهم عقوبة اللَّه.
أنهم: أى من كان قبلكم.
الشريف: أى العزيز فى قومه الرفيع القوى.
تركوه: أى لم يقيموا عليه الحد ولم يقطعوا يده.
الضعيف: أى الوضيع الذى ليست له مكانة عندهم.
أقاموا عليه الحد: أى نفذوا فيه العقوبة المقدرة شرعا فقطعوا يده.
الحديث: أى أكمل الحديث.
وله من وجه آخر عن عائشة: أى ولمسلم من طريق معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى اللَّه تعالى عنها وكان الوجه الأول من طريق الليث ويونس بن يزيد عن الزهرى عن عروة عن عائشة رضى اللَّه عنها.
امرأة: هى فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد اللَّه ابن عمرو بن مخزوم، وهى بنت أخى أبى سلمة بن عبد الأسد الذى كان زوج أم سلمة قبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-
وقد قتِلَ أبوها يوم بدر كافرا.
تستعير المتاع وتجحده: أى تطلب من بعض الناس أن يعيروها بعض متاعهم ثم إذا طلبوا منها رد العارية جحدتها وأنكرت أن تكون أخذت منهم شيئا، وقد كان هذا المتاع حليا فقد قال الحافظ فى الفتح: وقد بينه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إليه، أن امرأة جاءت امرأة فقالت: إن فلانة تستعيرك حليا الخ الحديث.
[البحث]
أورد البخارى رحمه اللَّه تعالى هذا الحديث فى غزوة الفتح من كتاب المغازى قال: حدثنا محمد بن مقاتل أخبرنا عبد اللَّه أخبرنا يونس عن الزهرى قال أخبرنى عروة بن الزبير: أن امرأة سرقت فى عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى غزوة الفتح فَفَزِعَ قومُها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه، قال عروة: فلما كلمه أسامة فيها تَلَوَّنَ وجه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"أتكلمنى فى حد من حدود اللَّه؟ " قال أسامة: استغفر لى يا رسول اللَّه، فلما كان العشى قام رسول اللَّه خطيبا، فأثنى على اللَّه بما هو أهله ثم قال:"أما بعد فإنما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لَقَطَعتُ يدها"
ثم أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بتلك المرأة فَقُطِعَتْ يَدُهَا. فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بعد ذلك وتزوجت قالت عائشة: فكانت تأتى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. واورده فى كتاب الحدود فى باب إقامة الحد على الشريف والوضيع من طريق أبى الوليد يعنى الطيالسى حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن أسامة كَلَّمَ النبى صلى الله عليه وسلم فى امرأة فقال: "إنما هلك من كانَ قبلكم أنهم كانوا يقيمون الحد على الوضيع ويتركون الشريف، والذى نفسى بيده لو فاطمة فعلت ذلك لقطعت يدها" ثم قال البخارى: باب كراهية الشفاعة فى الحد إذا رُفِعَ إلى السلطان. حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضى اللَّه عنها: أن قريشا أهَمَّتهُم المرأة المخزوميةُ التى سرقت، فقالوا: مَنْ يُكَلِّمُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ومن يَجْتَرِىُّ عليه إلا أسامةُ حبُّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فكلَّمَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فقال:"أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ ثم قام فخطب، فقال: يا أيها الناس إنما ضَلَّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدَّ، وَأيْمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يَدَهَا".
أما مسلم فقد ساقه من طريق قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح عن الليث عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أَن قريشا أهَمَّهُمْ شأنُ
المرأة المخزومية التى سرقت، فقالوا: من يُكَلِّمُ فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يَجْتَرِئُ عليه إلا أسامة حبُّ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه صلى الله عليه وسلم:"أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " ثم قام فاختطب، فقال:"أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيمُ اللَّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" وفى حديث ابن رمح: "إنما هلك الذين من قبلكم" قال مسلم: وحدثنى أبو الطاهر وحرملة بن يحيى (واللفظ لحرملة) قالا: أخبرنا ابن وهب قال: أخبرنى يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال أخبرنى عروة ابن الزبير عن عائشة زوج النبى صلى الله عليه وسلم أن قريشا أهَمَّهُمْ شَأْنُ المرأة التى سرقت فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم فى غزوة الفتح، فقالوا: من يُكَلِّمُ فيها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئُ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فَأُتِىَ بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها أسامة بن زيد، فَتَلَوَّنَ وجهُ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال:"أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ " فقال له أسامة: اسِتغفر لى يا رسول اللَّه، فلما كان العَشىُّ قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فاختطب فأثنى على اللَّه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فإنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإنى والذى نفسى
بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" ثم أمر بتلك المرأة التى سرقت فَقُطعَتْ يَدُهَا، قال يونس: قال ابن شهاب: قال عروة: قالت عائشة فحسنت توبتها بعد وتَزَوَّجَتْ، وكانت تأتينى بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهرى عن عروة عن عائشة قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبىُّ صلى الله عليه وسلم أن تُقْطَعَ يَدُهَا، فأتى أهلها أسامة بن زيد، فكلموه، فكلَّمَ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فيها ثم ذكر نحو حديث الليث ويونس. وحدثنى سلمة بن شبيب حدثنا الحسن بن أعْيَنَ حدثنا معقل عن أبى الزبير عن جابر أن امرأة من بنى مخزوم سرقت، فَأُتِىَ بها النبىُّ صلى الله عليه وسلم فعاذت بأم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم: "واللَّه لو كانت فاطمة لقطعت يدها" فَقُطِعَتْ. اهـ هذا وقد أجمع أهل العلم على أنه لا قطع فى جحد غير العارية، والظاهر أن المخزومية التى سرقت وقطعت هى المخزومية التى كانت تستعير المتاع وتجحده كما أنه يبدو أن المرأة أرادت الاستشفاع بأم سلمة من أجل قرابتها وأن أهلها رغبوا فى الاستشفاع بأسامة رضى اللَّه تعالى عنه قال الحافظ فى الفتح. ووقع عند أبى الشيخ من طريق أشعث عن أبى الزبير عن جابر "أن امرأة من بنى مخزوم سرقت فعاذت بأم سلمة" وكأنها جاءت مع قومها فكلموا أسامة بعد أن استجارت بأم سلمة اهـ واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
1 -
وجوب إقامة حدود اللَّه على الشريف والوضيع دون تمييز.
2 -
لا تجوز الشفاعة فى حد من حدود اللَّه إذا رفعت للسلطان.
5 -
وعن جابر رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "ليس على خَائِنِ ولا مُخْتَلِسٍ ولا مُنْتَهِبٍ قَطعٌ" رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذى وابن حبان.
[المفردات]
ليس على خائن الخ: أى لا تقطع يد من أخذ المال بطريقة من هذه الطرق.
خائن: المراد به هنا هو من يأخذ المال خفية من مالكه مع إظهاره له النصيحة والحفظ.
مُخْتَلِس: أى الذى يختلس المال أى يسلبه على غرة.
مُنْتَهِب: المراد به من يأخذ المال بطريق القهر والغارة.
[البحث]
نقل الحافظ فى الفتح عن القرطبى أنه قال عن هذا الحديث: وهو حديث قوى ثم قال الحافظ: قلت أخرجه الأربعة وصححه أبو عوانة والترمذىِ من طريق ابن جريج عن أبى الزبير عن جابر رفعه، وصرح ابن جريج فى روايته للنسائى بقوله: أخبرنى أبو الزبير، ووهم بعضهم هذه الزيادة فقد صرح أبو داود بأن ابن جريج لم يسمعه من أبى الزبير قال: وبلغنى عن أحمد: إنما سمعه ابن جريج من ياسين
الزيات، ونقل ابن عدى فى الكامل عن أهل المدينة أنهم قالوا: لم يسمع ابن جريج من أبى الزبير، وقال النسائى: رواه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه عن أبى الزبير فلم يقل أحد منهم أخبرنى ولا أحسبه سمعه. قلت: لكن وجد له متابع عن أبى الزبير أخرجه النسائى أيضا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبى الزبير لكن أبو الزبير مدلس أيضا وقد عنعنه عن جابر، لكن أخرجه ابن حبان من وجه آخر عن جابر بمتابعة أبى الزبير فقوى الحديث، وقد أجمعوا على العمل به إلا من شذ اهـ هذا وقد وقع فى صحيح مسلم التصريح بسماع ابن جريج من أبى الزبير فى مواضع شتى حيث يقول ابن جريج أخبرنى أبو الزبير. واللَّه أعلم. هذا وليس معنى سقوط حد القطع عمن ارتكب جريمة بطريق الاختلاس أو الانتهاب أو نحوهما أنه لا عقوبة فى ذلك بل تنقل العقوبة من الحد إلى التعزير بحسب ما يراه الحاكم واللَّه أعلم.
6 -
وعن رافع بن خديج رضى اللَّه عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "لا قَطعَ فى ثَمَرٍ ولا كَثَرٍ" رواه المذكورون وصححه أيضا الترمذى وابن حبان.
[المفردات]
لا قطع فى ثَمَرٍ: أى لا تقطع يد من أخذ من حمل الشجر، ويقال للشجرة ثمرة أيضا.
ولا كَثَر: أى ولا قطع فى من أخذ كَثَرًا والكَثَرُ بفتح الكاف والثاء هو جُمَّار النخل أو طلعها.
رواه المذكورون: أى أحمد والأربعة.
وصححه أيضًا: أى كما صحح الحديث الذى قبله.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: قوله روى أنه صلى الله عليه وسلم قال: لا قطع فى ثمر ولا كثر. مالك وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم والبيهقى من حديث رافع بن خديج، واختلف فى وصله وإرساله، وقال الطحاوى: هذا الحديث تلقت العلماء متنه بالقبول، ورواه أحمد وابن ماجه من حديث أبو هريرة. وفيه سعد بن سعيد المقبرى وهو ضعيف اهـ وقد تقدم فى بحث الحديث الخامس أن سقوط الحد لا يعنى سقوط العقاب مطلقا بل تنتقل العقوبة من الحدِ إلى التعزير بحسب ما يراه الإِمام واللَّه أعلم.
7 -
وعن أبى أمية المخزومى رضى اللَّه عنه قال: أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بِلِصٍّ قد اعترف اعترافا، ولم يوجد معه مَتَاعٌ فقال له رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم "ما إِخَالُكَ سَرَقْتَ؟ " قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا، فأمر به فَقُطِعَ، وجئ به، فقال:"استغفر اللَّه وتُبْ إليه" فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقال:"اللهم تب عليه" ثلاثا. أخرجه أبو داود واللفظ له، وأحمد والنسائى ورجاله ثقات، وأخرجه الحاكم من حديث أبى هريرة فساقه بمعناه وقال فيه:"اذهبوا به فاقطعوه، ثم احْسِمُوه" وأخرجه البزار أيضا وقال: لا بأس بإسناده.
[المفردات]
وعن أبى أمية المخزومى: قال فى تهذيب التهذيب: أبو أمية المخزومى ويقال الأنصارى حجازى، روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه أتى بلص قد اعترف. الحديث. وعنه أبو المنذر مولى أبى. ذر ويقال مولى آل أبى ذر. قلت: لم يختلف على حماد بن سلمة. أنه مخزومى والذى قال، إنه من الأنصار همام بن يحيى واللَّه تعالى أعلم اهـ وقال فى التقريب: أبو أمية المخزومى أو الأنصارى صحابى له حديث اهـ واللَّه تعالى أعلم.
أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بلص قد اعترف اعترافا: أى أُحْضِرَ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سارقٌ قد أقر إقرارا صريحا بالسرقة واللص مثلثة اللام قال فى القاموس: اللَّصُّ فعل الشئ فى ستر وإغلاق الباب وإطْباقُهُ والسارق ويثلث ج لصوصٌ وألصاصٌ وهى لَصَّةٌ ج لَصَّاتٌ ولَصَائِصُ والمصدر اللَّصَصُ واللَّصَاصُ واللَّصُوصِيَّةُ واللُّصُوصِيَّةُ، وأرض مَلَصَّةٌ كثيرتهم اهـ
ولم يوجد معه متاع: أى ولم يُعْثَرْ على الشئ المسروق بحوزته.
ما إِخَالُكَ: أى أما أظنك. وإخال بكسر الهمزة وقد تفتح فى لُغَيَّةٍ والأول أفصح وأكثر استعمالا.
قال بلى: أى قال اللص: قد سرقت.
فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا: أى قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم للص: "ما إخالك سرقت" وكرر ذلك مرتين أو ثلاث مرات.
فأمر به فقطع: أى فأمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بتنفيذ حد السرقة فيه بقطع يده.
وجئ به: أى وأُحضر اللص إلى مجلس رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد تنفيذ الحد فيه.
فقال: "استغفر اللَّه وتب إليه: أى قال رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم للص: اطلب من اللَّه مغفرته وعفوه وستره وارجع إلى مرضاته واندم على ما فعلت.
فقال: أستغفر اللَّه وأتوب إليه: أى قال اللص: أطلب من اللَّه مغفرته وعفوه وستره وأرجع إلى مرضاته وعدم معصيته وأندم على ما فعلتُ.
فقال: "اللهم تب عليه" ثلاثا: أى فدعا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ربه أن يتوب على هذا اللص وأن يغفر له، وكرر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الدعاء ثلاث مرات.
وأخرجه الحاكم من حديث أبى هريرة: أى وأخرج الحاكم قصة هذا اللص لكن ليست من حديث أبى أمية بل من حديث أبى هريرة رضى اللَّه تعالى عنه.
فساقه بمعناه: أى فساق حديث هذا اللص بمعنى حديث أبى أمية لا بلفظه.
وقال فيه: أى وقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى اللفظ الذى ساقه الحاكم من حديث أبى هريرة.
ثم احسموه: أى ثم اكْووا محل القطع حتى لا يسيل دمه.
وأخرجه البزار أيضا: يعنى من طريق أبى هريرة رضى اللَّه عنه.
[البحث]
وثق المصنف هنا رجال حديث أبى أمية المخزومى وقال فى تلخيص الجبير: قال الخطابى فى إسناده مقال، قال: والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة ولم يجب الحكم به اهـ أما حديث أبى هريرة رضى اللَّه تعالى عنه فقد قال البزار: حدثنا أحمد بن أبان القرشى ثنا عبد العزيز ابن محمد الدراوردى عن يزيد بن خصيفة عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ولا أعلمه إلا عن أبى هريرة قال: أُتى النبى صلى الله عليه وسلم بسارق، قالوا: سرق، قال:"ما إخاله سرق" قال: بلى قد فعلت يا رسول اللَّه قال: "اذهبوا به فاقطعوا ثم احسموه، ثم ائتونى به" فَذُهِبَ به، فَقُطِعَ، ثم حُسِمَ، ثم جئ به إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال:"تُبْ إلى اللَّه" قال: تُبْتُ إلى اللَّه، قال:"تاب اللَّه عليك" أو قال: "اللهم تُبْ عليه" قال الهبزار: لا نعلمه عن أبى هريرة إلا بهذا الإِسناد اهـ قال الهيثمى: رواه البزار عن شيخه أحمد بن أبان القرشى وثقه ابن حبان، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أنه لا يقطع مع احتمال الشك فى صحة الإِقرار.
2 -
وجوب إقامة الحد على المقر بالسرقة.
3 -
الاحتراز عند القطع من إفساد بقية العضو.
4 -
ينبغى حسم العضو بعد القطع حتى يتوقف سيلان الدم إما بِالْكَىِّ أو بغيره من الأدوية.
5 -
استحباب تلقين الشخص التوبة بعد إقامة الحد عليه.
6 -
أن إقامة الحد وإن كانت مكفرة لذنب من أقيم عليه لكن يحسن استغفاره وتوبته إلى اللَّه عز وجل والاستغفار له.
8 -
وعن عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يَغْرَمُ السارق إذا أقيم عليه الحد" رواه النسائى وبين أنه منقطع، وقال أبو حاتم هو منكر.
[المفردات]
لا يغرم السارق: أى لا يلزمه أداء ما قطعت يده بسبب سرقته.
إذا أقيم عليه الحد: أى إذا نفذ فيه حد السرقة بقطع يده.
[البحث]
قال النسائى: أخبرنى عمرو بن منصور قال: حدثنا حَسَّان بن عبد اللَّه قال: حدثنا الْمُفَضَّلُ بنُ فَضَالة عن يونس بن يزيد قال: سمعت سعد بن إبراهيم يحدث عن المسور بن إبراهيم عن عبد الرحمن ابن عوف أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يُغَرَّمُ صَاحبُ سَرِقَةٍ إذا أقيم عليه الحد" قال أبو عبد الرحمن: وهذا مرسل، وليس بثابت اهـ.
9 -
وعن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: أنه سئل عن الثمر المعلَّق فقال: "من أصاب بفيه من ذى حاجة غير مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه الغرامة والعقوبة، ومن خرج بشئ منه بعد أن يُؤْوِيَهُ الجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ المِجَنِّ فعليه القطع" أخرجه أبو داود والنسائى صححه الحاكم.
[المفردات]
الثمر المُعَلَّق: أى الثمر الموجود فوق شجره قبل جداده. والثمر بالثاء المفتوحة والميم المفتوحة كما فى أبى داود والنسائى وهو يشمل ثمر النخل والعنب ونحوهما.
أصاب بفيه: أى أخذ من الثمر المعلق وأكل بفمه.
من ذى حاجة: أى وهو محتاج لدفع جوعه بالأكل من الثمر المعلق.
غير مُتَّخِذٍ خُبْنَةً: أى غير حامل لشئ من الثمر معه فى ثيابه أو غيرها والخبنة بضم الخاء وسكون الباء بعدها نون مفتوحة هى معطف الإزار وطرف الثوب ونحوهما مما قد يحمل الإِنسان فيه بعض ما يخفيه، يقال: أَخْبَنَ الرجل إذا خبأ شيئا فى خبنة ثوبه أو سراويله.
فلا شئ عليه: أى فلا عقوبة عليه.
ومن خرج بشئ منه: أى ومن حمل معه شيئا من هذا الثمر ونقله من محله.
بعد أن يُؤويه الجرين: أى بعد أن يُجِدَّه أهله ويضعوه فى الجرين والجرين بفتح الجيم هو موضع تجفيف الثمار وهو للثمار كالبيدر للحنطة.
فبلغ ثمن المجن: أى فوصلت قيمة المأخوذ من الجرين ثمن المجن يعنى الذى قطع فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو ثلاثة دراهم.
فعليه القطع: أى فعليه الحد وهو قطع يده.
[البحث]
هذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائى من طريق قتيبة بن سعيد عن الليث عن ابن عجلان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ولفظ أبى داود: عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع. ولفظ النسائى: عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن الثمر المعلق فقال: ما أصاب من ذى حاجة غير متخذ خبنة فلا شئ عليه، ومن خرج بشئ منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة، ومن سرق شيئا منه بعد أن
يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع، ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة".
[ما يفيده الحديث]
1 -
أنه لا بأس على من مرَّ ببستان وهو محتاج أن يأكل منه بقدر حاجته.
2 -
أنه لا يحل له أن يحمل معه شيئا منه بدون إذن صاحبه.
3 -
أنه إن حمل معه من ثمر البستان شيئا قبل أن يُجِدَّهُ صاحبه ويؤويه الجرين فعليه الغرامة والعقوبة تعزيزا.
4 -
أنه إن حمل معه شيئا منه بعد أن يؤويه الجرين فبلغ نصاب السرقة قطع.
5 -
أنه إن حمل معه شيئا منه بعد أن يؤويه الجرين ولكنه لم يبلغ نصاب السرقة فعليه الغرامة والعقوبة تعزيرا.
6 -
أن من ارتكب من جرائم الحدود شيئا واندفع الحد عنه لشبهة أو لعدم بلوغ النصاب فإنه يعاقب تعزيزا بحسب ما يراه الإِمام.
10 -
وعن صفوان بن أمية رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له لما أمَرَ بقطع الذى سَرَقَ رداءه فشفع فيه: "هلا كان ذلك قبل أن تأتينى به؟ " أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن الجارود والحاكم.
[المفردات]
رداءه: أى ثوبه الذى يلتحف به.
فشفع فيه: أى فطلب من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن لا يقطع يده.
هلا كان ذلك قبل أن تأتينى به: أى هلا تقدمت بالشفاعة قبل رفعه إلينا؟ .
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث أن صوان بن أمية نام فى المسجد فتوسد رداءه، فجاء سارق فأخذه من تحت رأسه، فأخذ صفوان السارق وجاء به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأمر بقطع يده، فقال صفوان: إنى لم أرد هذا وهو عليه صدقة. فقال هلا كان قبل أن تأتينى به. مالك والشافعى واللفظ له وأصحاب السنن والحاكم من طرق منها عن طاوس عن صفوان، ورجحها ابن عبد البر وقال: إن سماع طاوس من صفوان ممكن، لأنه أدرك زمن عثمان، وقال البيهقى: روى عن طاوس عن ابن عباس وليس بصحيح، ورواه مالك عن الزهرى عن عبد اللَّه بن صفوان عن أبيه أنه طاف بالبيت وصلى، ثم لف رداء له من برد فوضعه تحت رأسه فنام، فأتاه لص فاستله من تحت رأسه، فأخذه، فذكر الحديث. وأخرجه ابن ماجه، وله شاهد فى الدارقطنى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وسنده ضعيف اهـ والذى فى الموطأ: مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد اللَّه بن صفوان أن صفوان ابن أمية قيل له: إنه من لم يهاجر هلك. فقدم صفوان بن أمية المدينة فنام فى المسجد، وتوسد رداءه. فجاء سارق فأخذ رداءه، فأخذ صفوان السارق، فجاء به إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-
فقال له النبى صلى الله عليه وسلم "أسرقت رداء هذا؟ " قال: نعم فأمر به رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده. فقال له صفوان: إنى لم أرد هذا يا رسول اللَّه، هو عليه صدقة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: فهلا قبل أن تأتينى به؟ اهـ قال ابن عبد البر: هكذا رواه أصحاب مالك مرسلا اهـ.
هذا وقد قال البخارى فى صحيحه: باب كراهية الشفاعة فى الحد إذا رُفع إلى السلطان وساق قصة المخزومية وقول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لأسامة: أتشفع فى حد من حدود اللَّه؟ اهـ وقال ابن عبد البر: لا أعلم خلافا أن الشفاعة فى ذوى الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان وإن عليه إذا بلغته إقامتها اهـ وقد انعقد الإِجماع على أنه إذا رفع الحد إلى الإمام لم تجز الشفاعة فيه. واللَّه أعلم.
11 -
وعن جابر رضى اللَّه عنه قال: جئ بسارق إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق؟ قال: اقطعوه. فقطع، ثم جئ به الثانية، فقال: اقتلوه، فذكر مثله، ثم جئ به الثالثة فذكر مثله، ثم جئ به الرابعة كذلك، ثم جئ به الخامسة فقال: اقتلوه. أخرجه أبو داود والنسائى واستنكره، وأخرج من حديث الحارث ابن حاطب نحوه. وذكر الشافعى أن القتل فى الخامسة منسوخ.
[المفردات]
إنما سرق: أى إن حده قطع يده لا قتله.
فقطع: أى قطع يده اليمنى.
جئ به الثانية: أى سرق مرة ثانية وأحضر إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم-
فذكر مثله: أى مثل ما ذكر عند مجيئه للمرة الأولى فقطعت رجله يعنى اليسرى.
ثم جئ به الثالثة: أى سرق للمرة الثالثة وأُحْضِرَ إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
فذكر مثله: أى مثل ما ذكر عند مجيئه فيما سبق. فقطع يده يعنى اليسرى.
ثم جئ به الرابعة كذلك: أى ثم سرق للمرة الرابعة فقطع رجله يعنى اليمنى.
ثم جئ به الخامسة: أى ثم سرق للمرة الخامسة.
واستنكره النسائى: أى قال: هو حديث منكر.
الحارث بن حاطب: هو الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جُمح القرشى الجمحى، ولد بأرض الحبشة وروى عن النبى صلى الله عليه وسلم وعنه يوسف بن سعد الجمحى وأبو القاسم حسين بن الحارث الجدلى. استعمله ابن الزبير على مكة سنة ست وستين وذكره ابن حبان فى ثقات التابعين. وقد بقى إلى أيام مروان بن الحكم وكان يلى المساعى له على المدينة رضى اللَّه عنه
نحوه: أى نحو حديث جابر رضى اللَّه تعالى عنه.
[البحث]
هذا الحديث رواه أبو داود والنسائى من طريق محمد بن عبد اللَّه بن عُبيد بن عَقِيلٍ عن جده عن مصعب بن ثابت بن عبد اللَّه بن الزبير
عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه قال: جئ بسارق إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق فقال: اقطعوه، قال: فقطع، ثم جئ به الثانية فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوه قال: فقطع ثم جئ به الثالثة فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوه ثم أتى به الرابعة فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوه، فأتى به الخامسة فقال: اقتلوه أتى. قال جابر: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه فى بئر ورمينا عليه الحجارة وفى لفظ النسائى: قال جابر: فانطلقنا به إلى مِرْبَد النَّعم وحملناه فاستلقى على ظهره ثم كَشَّر بيديه ورجليه، فانصدعت الإِبل ثم حملوا عليه الثانية ففعل مثل ذلك، ثم حملوا عليه الثالثة فرميناه بالحجارة فقتلناه، ثم ألقيناه فى بئر ثم رمينا عليه الحجارة، قال أبو عبد الرحمن: وهذا حديث منكر ومصعب بن ثابت ليس بالقوى فى الحديث واللَّه تعالى أعلم اهـ أما حديث الحارث بن حاطب فقد ساق النسائى من طريق سليمان بن سلم المُصاحِفِىّ البَلْخِىّ قال: حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا حماد قال أنبأنا يوسف عن الحارث ابن حاطب أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أُتى بلص فقال: اقتلوه فقالوا يا رسول اللَّه إنما سرق فقال: اقتلوه قالوا: يا رسول اللَّه إنما سرق قال: اقطعوا يده، قال: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبى بكر رضى اللَّه عنه حتى قطعت قوائمه كلها، ثم سرق أيضا
الخامسة فقال أبو بكر رضى اللَّه عنه كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال: اقتلوه. ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه منهم عبد اللَّه ابن الزبير، وكان يحب الإِمارة فقال: أَمِّرُونِى عليكم، فأمَّرُوه عليهم، فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه اهـ قال فى تلخيص الحبير عن حديث جابر: وفى إسناده مصعب بن ثابت وقد قال النسائى ليس بالقوى وهذا الحديث منكر، ولا أعلم فيه حديثا صحيحا، وفى الباب عن الحارث بن حاطب الجمحى عند النسائى والحاكم، وعن عبد اللَّه بن زيد الجهنى عند أبى نعيم فى الحلية. وقال ابن عبد البر: حديث القتل منكر لا أصل له.
وقد قال الشافعى: هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم قال ابن عبد البر: وهذا يدل على أن ما حكاه أبو مصعب عن عثمان وعمر بن عبد العزيز أنه يقتل لا أصل له اهـ
على أنه ما دام هذا الحديث لا أصل له فلا حاجة إلى القول بأنه منسوخ لأن النسخ فرع ثبوته، وهو لم يثبت أصلا، واللَّه أعلم.