الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب الجِزْيَةِ والهُدْنَةِ
1 -
عن عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم أخذها -يعنى الجزية- من مَجُوس هَجَرَ. رواه البخارى، وله طريق فى الموطأ فيها انقطاع.
[المفردات]
الجزية: بكسر الجيم خراج الأرض وما يؤخذ من الذمى والمراد هنا الثانى. قال فى الفتح: والجزية من جزأت الشئ إذا قسمته ثم سهلت الهمزة، وقيل من الجزاء أى لأنها جزاء تركهم ببلاد الإِسلام، أو من الإِجزاء لأنها تكفى من توضع عليه فى عصمة دمه اهـ.
والهدنة: بضم الهاء هى المصالحة والموادعة مع أهل الحرب لمدة معلومة لمصلحة المسلمين.
مجوس: قال فى القاموس: مجوس كصبور رجل صغير
الأذنين وضع دينًا ودعا إليه مُعَرَّبُ (مِنجَ كُوش) رجل مجوسي ج مجوس كيهودى ويهود ومَجَّسَه تمجيسا صيره مجوسيا فتمجس والنحلة المجوسية اهـ.
والمجوس هم الذين يعبدون النار وقد يعبدون الشمس وهم القائلون بأن للعالم آلهين وأصلين هما النور والظلمة وأن الخير من فعل النور وأن الشر
من فعل الظُّلْمة، وأظهر طقوسهم عبادة النار قال التوأم اليشكرى:
كنار مجوس تَستَعرُ استعارا
وقد قيل إن للمجوس شبهة كتاب حيث إن الذى وضع لهم دينهم أخذ من بعض طقوس أهل الكتاب ولذلك أخذت منهم الجزية كأهل الكتاب وهم يستبيحون نكاح أخواتهم وسائر محارمهم، وكان المجوس يسكنون بلاد فارس والبحرين.
هجر: قال فى معجم البلدان: وهجر مدينة وهى قاعدة البحرين ثم قال: وقيل ناحية البحرين كلها هجر وهو الصواب اهـ وقال فى القاموس فى هجر: اسم لجميع أرض البحرين ومنه المثل: كَمُبضِع تمر إلى هجر، وقول عمر رضى اللَّه عنه: عجبت لتاجر هجر، كأنه أراد لكثرة وبائه أو لركوب البحر وكانت قرب المدينة إليها تنسب القلال اهـ والمراد هنا الأول، وهى بلاد معروفة بكثرة النخيل.
وله: ولحديث عبد الرحمن بن عوف هذا.
طريق فى الموطأ: أى سند آخر غير طريق البخارى.
فيها انقطاع: أى فى طريق الموطأ انقطاع فسنده غير متصل.
[البحث]
أخرج البخارى فى (الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) من طريق عمرو يعنى بن دينار قال: كنت جالسا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس
فحدثهما بَجَالة سنة سبعين عام حجَّ مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم، قال: كنت كاتبا لجزء معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرِّقُوا بين كل ذى مَحْرَم من المجوس، ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر اهـ أما الطريق التى فى الموطأ فهى عن جعفر ابن محمد عن أبيه أن عمر قال: لا أدرى ما أصنع بالمجوس فقال عبد الرحمن بن عوف: أشهد لسمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، قال فى الفتح: وهذا منقطع مع ثقة رجاله هذا والأصل فى مشروعية الجزية هو قول اللَّه تبارك وتعالى: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وقد روى البخارى من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال لعامل كسرى: أمرنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا اللَّه وحده أو تؤدوا الجزية.
[ما يفيده الحديث]
1 -
مشروعية الجزية.
2 -
معاملة المجوس عربا وعجما كأهل الكتاب فى قبول الجزية منهم.
2 -
وعن عاصم بن عمر عن أنس وعثمان بن أبى سليمان رضى اللَّه عنهم أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث خالد الوليد بن إلى أكيد إلى أكيدر دومة، فأخذوه فاتوا به، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية. رواه أبو داود.
[المفردات]
عاصم بن عمر: ليس هو عاصم بن عمر بن الخطاب كما توهم الصنعانى فى سبل السلام بل هو أبو عمرو أو أبو عمر عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان بن زيد بن عامر بن سواد بن كعب وهو ظفر بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصارى الظفرى روى عن أبيه وعن جابر بن عبد اللَّه وأنس بن مالك ومحمود بن لبيد وغيرهم وروى عنه ابنه الفضل وبكير ابن عبد اللَّه بن الأشج وزيد بن أسلم وعمارة بن غزية ومحمد بن إسحاق وغيرهم، وقد أمره عمر بن عبد العزيز رحمه الله أن يجلس فى مسجد دمشق فيحدث الناس بالمغازى ومناقب الصحابة ففعل، وكان ثقة كثير الحديث وقد توفى سنة 119 هـ أو 120 هـ أو 127 هـ أو 129 هـ رحمه الله.
عثمان بن أبى سليمان: هو قاضى مكة عثمان بن أبى سليمان محمد بن جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل النوفلى القرشى المكى روى عن عمه نافع بن جبير وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير وعلقمة بن نضلة وأبى سلمة بن
عبد الرحمن وسعيد بن جبير وغيرهم وروى عنه ابن إسحاق وإسماعيل بن أمية وابن جريج وابن عيينة وغيرهم، وقد وثقه أحمد وابن معين وابن سعد وأبو حاتم ويعقوب بن شيبة وابن حبان والعجلى، وقد علق له البخارى وأخرج له مسلم رحمهم الله.
بعث خالد بن الوليد: أى أرسله فى سرية.
أكيدر دومة: هو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن بن أعباء بن الحارث بن معاوية الكندى كان نصرانيا وكان ملكا على دومة الجندل وقد أسلم بعد ذلك. ودومة الجندل مدينة بها نخل وزروع وحصن وتقع شمال شرقى المدينة المنورة، وتبعد عنها بحوالى 900 (كيلو) وكانت عاصمة مقاطعة الجوف بالمملكة العربية السعودية ثم نقلت العاصمة إلى سكاكا التى تبعد عن دومة الجندل بحوالى 40 (كيلو) من الشمال الغربى وتبعد دومة الجندل عن تبوك بحوالى (550) كيلو كما تبعد دومة الجندل عن طريف على الحدود الشمالية للمملكة العربية السعودية بنحو خمسمائة (كيلو).
فأخذوه: أى فأسروه.
فحقن له دمه: أى أنقذه من القتل وصان دمه.
وصالحه على الجزية: أى وفرض عليه الجزية وصار أكيدر من أهل الذمة.
[البحث]
قال أبو داود: حدثنا العباس بن عبد العظيم ثنا سهل بن محمد ثنا يحيى بن أبى زائدة عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن أنس بن مالك وعن عثمان بن أبى سليمان أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث خالد ابن الوليد إلى أكيدر دومة فأخذ فأتوه به فحقن له دمه وصالحه على الجزية اهـ وقوله: وعن عثمان بن أبى سليمان يعنى أن محمد بن إسحاق رواه عن شيخيه عاصم بن عمر وعثمان بن أبى سليمان رحمهم الله إلا أن عاصما أسنده وعثمان أرسله وقد ساقه أبو داود عن محمد بن إسحاق معنعنا وفى الصحيحين من حديث قتادة عن أنس رضى اللَّه عنه قصة إهداء أكيدر دومة جبة من سندس للنبى صلى الله عليه وسلم فقد أخرج البخارى من طريق شيبان عن قتادة عن أنس رضى اللَّه عنه قال: أُهْدِىَ للنبى صلى الله عليه وسلم جبة سندس وكان ينهى عن الحرير، فعجب الناس منها فقال: والذى نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ فى الجنة أحسن من هذا. وقال سعيد عن قتادة عن أنس: إن أكيدر دومة أهدى إلى النبى صلى الله عليه وسلم اهـ وأخرجه مسلم بنحو هذا اللفظ من طريق سعيد عن قتادة عن أنس وأخرجه من طريق عمرو ابن عامر عن قتادة عن أنس أن أكيدر دومة الجندل أهدى لرسول صلى الله عليه وسلم حلة، الحديث: ولم يذكر فيه: وكان ينهى عن الحرير.
3 -
وعن معاذ بن جبل رضى اللَّه عنه قال: بعثنى النبى صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فأمرنى أن آخذ من كل حالم دينارا أو عَدْله مَعافِريا. أخرجه الثلاثة وصححه ابن حبان والحاكم.
[المفردات]
بعثنى: أى وَجَّهنى.
حالم: أى محتلم بالغ يعنى من الذين تؤخذ منهم الجزية من أهل الكتاب.
أو عَدله: أى أو قيمته.
مَعَافريا: هى برود باليمن منسوبة إلى معافر وهى قبيلة باليمن.
[البحث]
هذا طرف من الحديث الثالث من أحاديث كتاب الزكاة وقد تقدم بحثه هناك إلا أنه هنا قال: أخرجه الثلاثة وهناك قال: رواه الخمسة: وقال فى تلخيص الحبير: حديث أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: إنك سترد على قوم أكثرهم أهل كتاب، فأعرض عليهم الإِسلام، فإن امتنعوا فأعرض عليهم الجزية، وخذ من كل حالم دينارا فإن امتنعوا فقاتلهم. وسبق إلى إيراده هكذا الغزالى فى الوسيط وتعقبه ابن الصلاح. قلت: والظاهر أنه ملفق من حديثين الأول فى الصحيحين من حديث ابن عباس بأوله إلى قوله: فادعهم إلى الإسلام، وفيه بعد ذلك زيادة ليست هنا، وأما الجزية فرواه
أحمد وأبو داود والنسائى والترمذى والدارقطنى وابن حبان والحاكم والبيهقى من حديث مسروق عن معاذ أن النبى صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر، ثياب تكون باليمن وقال أبو داود: هو حديث منكر قال: وبلغنى عن أحمد أنه كان ينكره، وذكر البيهقى الاختلاف فيه فبعضهم رواه عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق عن معاذ، وقال بعضهم عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا، وأعله ابن حزم بالانقطاع، وأن مسروقا لم يلق معاذا، وفيه نظر، وقال الترمذى: حديث حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا وأنه أصح اهـ.
4 -
وعن عائذ بن عمرو المزنى رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الإِسلام يَعْلُو ولا يُعْلَى" أخرجه الدارقطنى.
[المفردات]
عائذ بن عمرو المزنى: هو أبو هبيرة عائذ بن عمرو بن هلال المزنى البصرى أحد الصحابة الذين شهدوا مع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان رضى اللَّه عنهم. روى عنه أنه كان من حرصه على كف الأذى عن المسلمين أنه كان لا يخرج من داره ماء إلى الطريق حتى لا يضر أحدا من المسلمين. وقال البغوى: ثنا الزهرانى
ثنا جعفر بن سليمان ثنا أسماء بن عبيد قال: قال عائذ المزنى: لأن أصب طستى فى حجلتى أحب إلىَّ من أن أصب فى طريق المسلمين اهـ وتوفى سنة إحدى وستين رضى اللَّه عنه.
يعلو: أى يرتفع على غيره من الأديان والنحل، وأهله أعز من أهل سائر الأديان.
ولا يُعلَى: أى ولا يرتفع عليه دين ولا نحلة، وأهله المستمسكون به تبع له فى ذلك فلا يجوز أن يرتفع عليهم أحد فى منزلة أو سلوك.
[البحث]
قال الدارقطنى: حدثنا محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم نا أحمد بن الحسين الحذاء نا شباب بن خياط نا حشرج بن عبد اللَّه بن حشرج حدثنى أبى عن جدى عن عائذ بن عمرو المزنى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "الإِسلام يعلو ولا يُعلى" وقد وصف عبد اللَّه بن حشرج وأبوه بأنهما مجهولان، وقد قال البخارى فى كتاب الجنائز: وكان ابن عباس رضى اللَّه عنهما مع أمه من المستضعفين ولم يكن مع أبيه على دين قومه، وقال: الإِسلام يعلو ولا يعلى اهـ قال الحافظ فى الفتح: (قوله وقال: الإِسلام يعلو ولا يُعلى) كذا فى جميع نسخ البخارى لم يعين القائل كنت أظن أنه معطوف على قول ابن عباس فيكون من كلامه ثم لم أجده من كلامه بعد التتبع الكثير، ورأيته موصولا
مرفوعا من حديث غيره، أخرجه الدارقطنى ومحمد بن هارون الرويانى فى مسنده من حديث عائذ بن عمرو المزنى بسند حسن، ورويناه فى فوائد أبى يعلى الخليلى من هذا الوجه، وزاد فى أوله قصة وهى أن عائذ بن عمرو جاء يوم الفتح مع أبى سفيان بن حرب فقال الصحابة: هذا أبو سفيان وعائذ بن عمرو. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "هذا عائذ بن عمرو وأبو سفيان، الإسلام أعز من ذلك، الإسلام يعلو ولا يُعلى" وفى هذه القصة أن للمبدأ به فى الذكر تأثيرا فى الفضل لما يفيده من الاهتمام، وليس فيه حجة على أن الواو ترتب، ثم وجدته من قول ابن عباس كما كنت أظن ذكره ابن حزم فى المحلى، قال: ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: إذا أسلمت اليهودية أو النصرانية تحت اليهودى أو النصرانى يفرق بينهما، الإسلام يعلو ولا يُعلى اهـ هذا وقد قال اللَّه تبارك وتعالى:{فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} وقال عز وجل {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} .
[ما يفيده الحديث]
1 -
لا يحل لمسلم أن يُذِل نفسه للكافر.
2 -
لا يجوز للمسلمة أن تتزوج كافرا.
3 -
يجوز للمسلم أن يتزوج يهودية أو نصرانية.
4 -
أن الولد يتبع خير الأبوين دينا فإذا كان أحد أبويه مسلما
كان معه على كل حال.
5 -
يجب على المسلمين أن يكونوا أحسن أمم الأرض سلوكا وأعلاهم معاملة وأجملهم منظرا ومظهرا وأنقاهم نفسا.
5 -
وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَبْدَءُوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم فى طريق فَاضْطَرُّوهُ إلى أضيقه" رواه مسلم.
[المفردات]
لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام: أى لا تفاتحوهم بالتحية ولا تبتدئوهم بها.
وإذا لقيتم أحدهم فى طريق الخ: أى وإذا تقابلتم مع أحد اليهود أو النصارى فى سِكَّةِ من السكك أو درب من الدروب فلا توسعوا له بل أَلْجِئُوهُ إلى حافته إعْزَازًا للإِسلام وإذلَالًا لأعدائه.
[البحث]
لا نزاع عند أهل العلم فى مشروعية رد السلام على أهل الكتاب من اليهود والنصارى إذا سلموا على المسلمين، وقد روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:"إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السَّامُ عليكم فقل: عليك" كما روى مسلم من حديث أنس رضى اللَّه عنه
أن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قالوا: للنبى صلى الله عليه وسلم: إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم؟ قال: "قولوا وعليكم" وقوله عليه السلام هنا: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام" ظاهر فى عدم مشروعية مبادءتهم بالسلام وفيه لفت انتباه إلى أن ذلك من باب عزة الإسلام وذلة عدوه، وهذا يقتضى من المسلمين أن يبذلوا كل جهدهم لتحقيق أسباب هذه العزة، وأن يُعدُّوا لأعداء اللَّه ما استطاعوا من قوة. كما أن قوله صلى الله عليه وسلم هنا: وإذا لقيتم أحدهم فى طريق فاضطروه إلى أضيقه" هو أيضا من باب عزة الإسلام وذلة عدوه وذلك يؤكد أن الإسلام يعلو ولا يُعلى، ولا نزاع فى جواز السلام على مجلس أو جماعة بهم أخلاط من المسلمين والمشركين، وسلامه حينئذ على أهل الإسلام. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
1 -
عدم مشروعية بدء اليهود والنصارى بالسلام عليهم.
2 -
جواز الرد عليهم إذا سلموا.
3 -
لا يجوز توسعة الطرق لليهود والنصارى.
4 -
الإسلام يعلو ولا يُعلى.
6 -
وعن المسور بن مخرمة ومروان رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج عام الحُدَيْبِية، فذكر الحديث بطوله، وفيه: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللَّه سُهَيْل بن عمرو على وضع الحرب
عشر سنين، يَأْمَنُ فيها الناسُ، ويَكُفُّ بَعْضُهُمْ عن بعض. أخرجه أبو داود، وأصله فى البخارى، وأخرج مسلم بعضه من حديث أنس وفيه: أن من جاء منكم لم نَرُدَّهُ عليكم، ومن جاءكم منا رَدَدْتُموه علينا، فقالوا: أَتَكْتُبُ هذا يا رسول اللَّه؟ قال: "نعم، إنه مَنْ ذَهَبَ منا إليهم فأبعده اللَّه، ومن جاءنا منهم فسيجعل اللَّه له فَرَجًا ومَخْرَجًا".
[المفردات]
مروان: هو أبو عبد الملك مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى الأموى ولد فى السنة الثانية أو الرابعة من الهجرة، وولى إمرة المدينة أيام معاوية وبويع له بالخلافة فى آخر سنة أربع وستين بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية بالجابية. وغلب على الشام ومصر ومات بعد تسعة أشهر من بدء خلافته فى رمضان سنة خمس وستين. قال البخارى: لم ير النبى صلى الله عليه وسلم.
خرج عام الحديبية: أى سافر من المدينة عازما على العمرة سنة صلح الحديبية. وكان خروجه صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين لهلال ذى القعدة فى السنة السادسة من الهجرة. والحديبية: هى بئر سُمِّى المكان بها وقيل شجرة حدباء
صُغِّرت وسمى المكان بها، وقد صارت قرية وهى قريبة من مكة بعضها فى الحرم وبعضها فى الحل.
فذكر الحديث بطوله: أى فأتم حديث قصة صلح الحديبية.
وَضع الحرب: أى ترك القتال.
يأمن فيها الناس: أى يطمئن فيها المسلمون والمشركون.
ويكف بعضهم عن بعض: أى ويمتنع كل واحد منهم عن أذى الآخر.
وأصله فى البخارى: أى وأصل حديث المسور ومروان فى صحيح البخارى.
بعضه من حديث أنس: أى بعض هذا الحديث المروى عن المسور ومروان لكن من طريق أنس بن مالك رضى اللَّه تعالى عنه.
وفيه: أى وفى هذا الحديث.
من جاء منكم لم نرده عليكم: أى من رجع من المسلمين إلى المشركين فى مكة لا يرده المشركون إلى رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم.
ومن جاءكم منا رددتموه علينا: أى ومن جاء مسلما إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من أهل مكة يرده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المشركين.
فقالوا: أى فقال أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
أتكتب هذا يا رسول اللَّه؟ : أى أترضى بهذا النص فى هذه المعاهدة؟ .
فأبعده اللَّه: أى من رجع إلى المشركين فإنه لا خير لنا فى
استرجاعه لأنه عدو فأبعده اللَّه عنا كفانا شره.
ومن جاءنا منهم: أى ومن أسلم من المشركين وجاء إلينا مهاجرا ورددناه على المشركين فإن اللَّه سينجيه من شرهم ويخلصه من أذاهم ويجعل له سعة ويسرا.
[البحث]
تقدم الكلام على أصل هذا الحديث الذى فى البخارى فى بحث الحديث السادس والعشرين من أحاديث باب صفة الحج ودخول مكة وقد سقت الحديث بتمامه هناك وشرحت بعض ألفاظه أما حديث أبى داود الذى ذكره المصنف هنا فلفظه فى سنن أبى داود: حدثنا محمد ابن العلاء ثنا ابن إدريس قال سمعت محمد بن إسحاق عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة وأنه لا إسلال ولا إغلال اهـ وقوله فى هذا الحديث:(وعلى أن بيننا عيبة مكفوفة) قال فى القاموس: وعيبة مكفوفة مُشَرَّجَة مشدودة وفى الحديث: "وإن بينهم عيبة مكفوفة" مَثَّلَ بها الذمة المحفوظة التى لا تُنْكَثُ أو معناه أن الشر يكون مكفوفا بينهم كما تُكَفُّ العيابُ إذا أُشْرِجَتْ على ما فيها من المتاع، كذلك الذُّحُولُ التى كانت بينهم قد اصطلحوا على أن لا ينشروها بل يَتَكَافّونَ عنها كأنهما جعلوها فى وِعَاءٍ وَأَشْرَجُوا عليها اهـ والتشريج الخياطة المتباعدة وشَدُّ الخريطة. والإِسلال فى الأصل السرقة الخفية والمراد بها الخيانة، والإِغلال الخيانة أيضا. أما بعض هذا الحديث الذى أخرجه مسلم من طريق أنس
رضى اللَّه عنه فلفظه: أن قريشا صالحوا النبى صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو فقال النبى صلى الله عليه وسلم لعلى: "اكتب بسم اللَّه الرحمن الرحيم" قال سهيل: أما باسم اللَّه فما ندرى ما بسم اللَّه الرحمن الرحيم؟ ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم فقال: "اكتب من محمد رسول اللَّه" قالوا: لو علمنا أنك رسول اللَّه لَاتَبّعْنَاكَ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:"اكتب من محمد بن عبد اللَّه" فاشترطوا على النبى صلى الله عليه وسلم أنَّ من جاء منكم لم نَرُدُّهُ عليكم، ومن جاءكم منا رَدَدْتُمُوه علينا. فقالوا: يا رسول اللَّه أنكتب هذا؟ قال: "نعم إنه من ذهب منا إليهم فأبعده اللَّه، ومن جاءنا منهم سيجعل اللَّه له فَرَجًا ومَخْرَجًا".
[ما يفيده الحديث]
1 -
جواز عقد الهدنة بين المسلمين والمشركين لمدة معلومة.
2 -
أن الذى يقرر الهدنة هو الإمام أو نائبه.
3 -
يجب على الإنسان أن يتهم رأيه إذا خالف كتاب اللَّه أو سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
4 -
أن كل الخير فى اتباع رسول اللَّه صلوات اللَّه وسلامه ورحمته وبركاته عليه.
5 -
وجوب الحفاظ على نصوص المعاهدة التى تعقد بين المسلمين والمشركين.
7 -
وعن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى اللَّه تعالى عليه وسلم قال: "من قَتَلَ معاهدا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإن ريحها لَيُوجَدُ من مسيرة أربعين عاما" أخرجه البخارى.
[المفردات]
عبد اللَّه بن عمرو: فى نسخ بلوغ المرام عبد اللَّه بن عمر وهو خطأ فإن هذا الحديث فى البخارى من رواية عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضى اللَّه عنهما. قال الحافظ فى الفتح: اتفقت النسخ على أن الحديث من مسند عبد اللَّه بن عمرو بن العاص إلا ما رواه الأصيلى عن الجرجانى عن الفرابرى فقال: عبد اللَّه ابن عمر بضم العين بغير واو وهو تصحيف نبه عليه الجيانى اهـ.
من قتل معاهدا: أى من سفك دم كافر فى مدة عهده وأمانه الذى أعطاه له إمام المسلمين من غير جُرْم أحدثه.
لم يرح رائحة الجنة: أى لم يشم ولم يجد طيب الجنة ونسيمها ولن يقترب منها. ويرح بفتح الياء والراء أصله يراح أى يجد الريح.
وإن ريحها: أى وإن ريح طيب الجنة ونسيمها.
ليوجد من مسيرة أربعين عاما: أى ليدرك ويشم من مسافة يسير فيها الإِنسان أربعين سنة.
[البحث]
أخرج البخارى هذا الحديث فى (الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب) فى (باب إثم من قتل معاهدا بغير جُرْم) من طريق مجاهد عن عبد اللَّه بن عمرو رضى اللَّه عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من قتل معاهدا لم يَرَحْ رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما" وأخرجه فى الديات فى باب إثم من قتل ذميا بغير جُرْم من طريق مجاهد عن عبد اللَّه بن عَمْرو عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من قتل نفسا مُعَاهَدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما".
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن سفك دم المعاهد بغير حق من أكبر الكبائر.
2 -
وجوب صيانة دماء أهل الذمة والمعاهدين.