الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب حد الشارب وبيان المسكر
1 -
عن أنس بن مالك رضى اللَّه عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين، قال: وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ثمانين فأمر به عمر، متفق عليه. ولمسلم عن على فى قصة الوليد بن عقبة: جلد النبى صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلى. وفى الحديث: أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها.
[المفردات]
حد الشارب: أى العقوبة المقدرة لمن شرب مسكرا.
وبيان المسكر: أى وإيضاح حقيقة ما يغيب العقل من الأشربة وغيرها.
أتى برجل قد شرب الخمر: أى جئ إلى رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم برجل سكران، قيل هو عبد اللَّه الذى كان يلقب حمارا وقيل هو ابن نعيمان وقيل هو نعيمان واللَّه أعلم.
والخمر هو ما خامر العقل أى غطاه وستر أو خالطه فلم يتركه على حاله وهو المسكر وتسمى
الخمر الإِثم على حد قول الشاعر:
شربت الإِثم حتى حتى ضل عقلى
…
كذاك الإثم يذهب بالعقول
وقد كان بعض العرب يسميها القهوة ومنه قول الأعشى:
وقد غدوت إلى الحانوت يتبعنى
…
شاوٍ مِشَلٌّ شَلُولٌ شُلْشُلٌ شَوِلُ
فى فتية كسيوف الهند قد علموا
…
أن ليس يدفع عن ذى الحيلة الحِيَلُ
نازعتهم قضب الرمان متكئا
…
وقهوة مزة راووقها خضل
والحانوت كما فى القاموس: دكان الخمَّار ويُذَكَّرُ، والخَمَّارُ نفسه اهـ والقهوة الخمر والراووق إناء الخمر، والخضِلُ النَّدِىُّ الذى يُتَرَشَّفُ نداه.
قال الحافظ فى الفتح: قال الراغب فى مفردات القرآن: سمى الخمر لكونه خامرا للعقل أى ساتر له وهو عند بعض الناس اسم لكل مسكر وعند بعضهم للمتخد من العنب خاصة وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر وعند بعضهم لغير المطبوخ فرجح أن كل شئ يستر العقل يسمى خمرا حقيقة. وكذا قال أبو نصر
ابن القشيرى فى تفسيره: سميت الخمر: خمرا لسترها العقل، أو لاختمارها وكذا قال غير واحد من أهل اللغة منهم أبو حنيفة الدينورى، وأبو نصر الجوهرى، ونقل عن ابن الأعرابى قال: سميت الخمر لأنها تركت حتى اختمرت، واختمارها تغير رائحتها، وقيل: سميت بذلك لمخامرتها العقل. ثم قال الحافظ: لكن اختلف أهل اللغة فى سبب تسمية الخمر خمرا فقال أبو بكر بن الأنبارى سميت الخمر خمرا لأنها تخامر العقل أى تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء أى خالطه، وقيل: لأنها تخمر العقل أى تستره، ومنه الحديث الآتى قريبا "خَمِّرُوا آنيتكم" ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها، وهذا أخص من التفسير الأول لأنه لا يلزم من المخالطة التغطية، وقيل: سميت خمرا لأنها تخمر حتى تدرك كما يقال: خمرت العجين فتخمر أى تركته حتى أدرك. ومنه خمرت الرأى أى تركته حتى ظهر
وتحرر، وقيل: سميت خمرا لأنها تغطى حتى تغلى ومنه حديث المختار بن فلفل: قلت لأنس: الخمر من العنب أو من غيرها؟ قال: ما خمرت من ذلك فهو الخمر. أخرجه ابن أبى شيبة بسند صحيح. ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان، قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة فى الخمرة لأنها تركت حتى أدركت وسكنت فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه اهـ.
فجلده بجريدتين: أى فضربه بجريدتين، والجريد هو سعف النخل إذا جرد عنها خوصها أى ورقها، قال فى القاموس والجريدة سَعَفَة طويلة رطبة أو يابسة أو التى تُقَشَّرُ من خوصها اهـ وليس الجريد متعينا فى الضرب بل يجوز أن يكون بالسوط وهو المتخذ من سيور تلوى وتلف.
نحو أربعين: أى مقدار أربعين جلدة بالجريدتين معا.
وفعله أبو بكر: أى وجلد أبو بكر شارب الخمر بجريدتين نحو أربعين جلدة كذلك.
استشار الناس: أى طلب منهم إبداء رأيهم وأخذ مشورتهم واستخرج ما عندهم من العلم فى جلد شارب الخمر.
أخف الحدود ثمانين: أى يجلد شارب الخمر ثمانين جلدة وهى أخف الحدود كأنه قال: اجلده أخف الحدود أو اجعله كأخف الحدود. فقوله "أخف" منصوب بفعل مقدر.
قال الحافظ فى الفتح: ووقع لبعض رواة مسلم "أخفَّ الحدود ثمانين" قال ابن دقيق العيد فيه حذف عامل النصب والتقدير اجعله، وتعقبه الفاكهى فقال: هذا بعيد أو باطل، وكأنه صدر عن غير تأمل لقواعد العربية، ولا لمراد المتكلم إذ لا يجوز: أجود الناس الزيدين على تقدير: اجعلهم لأن مراد عبد الرحمن الإخبار بأخف الحدود لا الأمر بذلك فالذى يظهر أن راوى النصب وهم، واحتمال توهيمه أولى من ارتكاب ما لا يجوز لفظا ولا معنى، ورد عليه تلميذه ابن مرزوق بأن عبد الرحمن مستشار والمستشار مسئول، والمستشير سائل، ولا يبعد أن يكون المستشار آمرا، قال: والمثال الذى مثل به غير مطابق. قلت: بل هو مطابق لما ادعاه أن عبد الرحمن قصد الإخبار فقط، والحق أنه أخبر برأيه مستندا إلى القياس، وأقرب التقادير: أخف الحدود أجده ثمانين، أو أجد أخف الحدود ثمانين
فنصبهما، وأغرب ابن العطار صاحب النووى فى شرح العمدة فنقل عن بعض العلماء أنه ذكره بلفظ: أخف الحدود ثمانون، بالرفع، وأعربه مبتدأ وخبرا. قال: ولا أعلمه منقولا رواية كذا قال، والرواية بذلك ثابتة والأولى فى توجيهها ما أخرجه مسلم أيضا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه "ثم جلد أبو بكر أربعين، فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون فى جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود. قال فجلد عمر ثمانين. فيكون المحذوف من هذه الرواية المختصرة: أرى أن تجعلها وأداة التشبيه اهـ.
فأمر به عمر: أى فنفذ عمر حد الخمر ثمانين وألزم به الحكام.
فى قصة الوليد بن عقبة: أى فى حكاية ما ذكر عن شرب الوليد ابن عقبة الخمر وجلده.
وهو الوليد بن عقبة بن أبى معيط بن أبى عمرو ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى الأموى أخو عثمان بن عفان رضى اللَّه تعالى عنه لأمه، فأمهما أروى بنت كريز وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب بن هاشم عمة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقد أثر
عن عثمان لما ولى الوليد الكوفة قال: ما وليت الوليد لأنه أخى وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وتوأمة أبيه اهـ.
وقد روى الإِمام أحمد فى مسنده من طريق شيخه فياض بن محمد الرقى عن جعفر بن برقان الرقى عن ثابت بن الحجاج الكلابى الرقى عن عبد اللَّه الهمدانى (وهو عبد اللَّه بن مالك بن الحارث) عن الوليد بن عقبة أن الوليد سيق يوم الفتح فى جملة الصبيان إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فمسح رءوسهم، وَبَرَّكَ عليهم إلا هو فقال: إنه كان على رأسى خَلوق فامتنع النبى صلى الله عليه وسلم من مسه. وقد ولاه عثمان رضى اللَّه تعالى عنه الكوفة ولبث فى إمارتها خمس سنوات، ولم يكن لداره باب، وأقام للغرباء فنادق (دورا للضيافة) ينزلونها مجانا. وقد عزله عثمان رضى اللَّه عنه لما اتُّهمَ بشرب الخمر، ولما استشهد عثمان رضى اللَّه عنه اعتزل الوليد الناس وأقام فى قرية له من أعمال الرقة.
ومن العجيب أن بعض الناس يفسر قوله تعالى: {إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} أنها نزلت فى الوليد ابن عقبة، لما أرسله رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مُصَدِّقا فرجع
وأخبر رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم بأنهم خرجوا لحربه فتهيأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لقتالهم، فلما علموا جاءوا إلى النبى صلى اللَّه تعالى عليه وسلم وأخبروه أنهم على ما هم عليه من الإِسلام وأنهم لم يخرجوا لحربه فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية. وللَّه الحمد لم يثبت هذا الخبر من طريق صحيح، وقد توفى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وهو لم يبلغ الحلم. قال القاضى أبو بكر بن العربى رحمه الله فى العواصم من القواصم: فمن يكون فى مثل هذا السن يرسل مصدقا؟
وكل سُنة: أى وعمل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وعمل أبى بكر رضى اللَّه عنه عمل عمر رضى اللَّه عنه قدوة حسنة يُسْتَنُّ بها.
وهذا أحب إلىَّ: أى وجلد الثمانين أحب إلىَّ أو وجلد الأربعين أحب إلىَّ إذ يجوز عود الضمير على فعل عمر كما يجوز عوده على ضرب الوليد.
وفى الحديث: أى وفى حديث قصة جلد الوليد.
شهد عليه: أى شهد على الوليد.
أنه رآه يتقيأ الخمر: أى رأه يقذف الخمر من جوفه من طريق فمه.
[البحث]
قول المصنف رحمه اللَّه تعالى عن حديث أنس رضى اللَّه تعالى عنه "متفق عليه" وهم فإن البخارى لم يخرجه بهذا اللفظ ولا ذكر فى
البخارى لقصة عبد الرحمن بن عوف الواردة فى هذا الحديث فهو مما انفرد به مسلم. ولفظ حديث أنس عند البخارى: أن النبى صلى الله عليه وسلم ضرب فى الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين اهـ أما مسلم رحمه اللَّه تعالى فقد أخرجه من طريق شعبة عن قتادة عن أنس باللفظ الذى ساقه المصنف وقد أخرجه المجد ابن تيمية فى المنتقى باللفظ الذى ساقه المصنف أيضا ثم قال: رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذى وصححه اهـ.
وقد أخرجه مسلم من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس بن مالك أن نبى اللَّه صلى الله عليه وسلم جلد فى الخمر بالجريد والنعال ثم جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمر ودنا الناس من الريف والقرى قال: ما ترون فى جلد الخمر فقال عبد الرحمن ابن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال: فجلد عمر ثمانين وفى لفظ: أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يضرب فى الخمر بالنعال والجريد أربعين اهـ قال الحافظ فى الفتح: وقد نسب صاحب العمدة قصة عبد الرحمن هذه إلى تخرج الصحيحين ولم يخرج البخارى منها شيئا وبذلك جزم عبد الحق فى الجمع ثم المنذرى اهـ وقد أخرج البخارى من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: كنا نؤتى بالشارب على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وإمرة أبى بكر وصدرا من خلافة عمر فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين حتى إذا عَتَوا وفسقوا جلد ثمانين اهـ أما ما أشار إليه المصنف من
حديث على فى قصة الوليد بن عقبة فقد أخرجه مسلم من طريق عبد اللَّه بن فيروز مولى ابن عامر الداناج حدثنا حضين بن المنذر أبو ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم، فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقيأ فقال عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها فقال: يا على قم فاجلده، فقال على قم يا حسن فاجلده فقال الحسن: وَلِّ حَارَّها من تَوَلَّى قارَّها (فكأنه وَجَدَ عليه) فقال: يا عبد اللَّه بن جعفر قم فاجلده، فجلده وعلىٌّ يَعُدُّ حتى بلغ أربعين فقال: أمسك، ثم قال: جلد النبى صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، كلٌّ سُنَّة، وهذا أحب إلى اهـ.
هذا وقد شنع بعض الناس على الوليد رضى اللَّه تعالى عنه واتخذوا من هذا الحديث ذريعة للنَّيل منه رضى اللَّه تعالى عنه مع أنه ليس فى شهادة الشاهدين ذكر لزيادة الوليد فى الصلاة وإنما هو من كلام شاهد المحاكمة الحضين بن المنذر ولم يكن حضين من الشهود ولم يكن فى الكوفة وقت الحادثة. وشهادة حمران كانت قاصرة على شرب الخمر وشهادة الشاهد الآخر الذى لم يسم فى الحديث كانت قاصرة على أنه رأه يتقيأ على أنه قد أثر أن ثلاثة رجال من أهل الكوفة يقال لأحدهم أبو زينب بن عوف الأزدى ويقال للثانى أبو مورع ويقال للثالث جندب بن زهير كان أبناؤهم نقبوا دارا لابن الحيسمان وقتلوه، فشهد شاهدان عليهم بالقتل، فأنفذ فيهم الوليد بن عقبة حكم اللَّه تعالى
وقتلهم قصاصا.
فقدم أبو المورع وأبو زينب إلى المدينة وشهدا على الوليد بشرب الخمر فقال لهما عثمان: كيف رأيتماه؟ قالا: كنا فى غاشيته، فدخلنا عليه وهو يقئ الخمر: فقال عثمان: ما يقئ الخمر إلا شاربها. فجئ بالوليد من الكوفة فحلف لعثمان، وأخبره خبرهم، فقال عثمان: نقيم الحدود ويبوء شاهد الزور بالنار. وقد ذكر ذلك ابن جرير الطبرى فى تاريخه فى حوادث سنة 30 هجرية وقد ذكر بعض أهل العلم أن حمران مولى عثمان كان قد تزوج امرأة مطلقة فى عدتها فنفاه عثمان إلى الكوفة، ووقعت شحناء بينه وبين الوليد رضى اللَّه تعالى عنه وعلى كل حال فالوليد بن عقبة ليس معصوما من شرب الخمر والخطايا، ولا يستطيع أحد أن ينقل أن اللَّه قد أغلق باب التوبة فى وجهه وهو القائل عز وجل:{قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} لكن من حق أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم ورضى اللَّه تعالى عنهم أن يكف عن ذكر السوء عنهم، قال البخارى فى صحيحه: باب ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة. حدثنا يحيى بن بكير حدثنى الليث قال: حدثنى خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب: أن رجلا على عهد النبى صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد اللَّه وكان يلقب حِمَارًا، وكان يضحك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكان النبى صلى الله عليه وسلم قد جلده فى الشراب، فأتى به يوما فأمر به فَجُلِدَ، فقال رجل من القوم:
اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به. فقال النبى صلى الله عليه وسلم:"لا تلعنوه فواللَّه ما علمت. إنه يحب اللَّه ورسوله" وقد جاء فى شرح السنة بلفظ: فواللَّه ما علمت إلا أنه يحب اللَّه ورسوله وقد أشار الحافظ فى الفتح: إلى أنه قد وقع فى رواية أبى ذر عن الكشميهنى مثل ما فى شرح السنة.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أنه يجوز أن يضرب شارب الخمر بجريدتين أربعين ضربة.
2 -
ويجوز ضرب شارب الخمر بسوط واحد ثمانين جلدة.
3 -
أن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أجمعوا فى عهد عمر رضى اللَّه عنه على جلد شارب الخمر ثمانين جلدة.
4 -
أن حد الخمر أخف الحدود كحد القذف.
5 -
أن حد الخمر ثبت بالسنة والإِجماع.
2 -
وعن معاوية رضى اللَّه عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال فى شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثانية فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه" أخرجه أحمد وهذا لفظه والأربعة وذكر الترمذى ما يدل على أنه منسوخ وأخرج ذلك أبو داود صريحا عن الزهرى.
[المفردات]
قال فى شارب الخمر: أى فى شأن عقوبة من يشرب الخمر ويتكرر منه ذلك.
إذا شرب الثانية: أى إذا شرب الخمر مرة أخرى بعد أن أقيم عليه
الحد لما شرب المرة الأولى.
ثم إذا شرب الرابعة: أى ثم إذا شرب الخمر مرة رابعة بعد أن عوقب على شربها ثلاث مرات.
فاضربوا عنقه: أى فاقتلوه.
ما يدل على أنه منسوخ: أى ما يفيد أن قتل شارب الخمر بعد شربه المرة الرابعة منسوخ وأنه لا يقتل لكن كلام الترمذى غير صريح فى ذلك.
صريحا عن الزهرى: أى ونقل أبو داود تصريح الزهرى بأن قتل شارب الخمر إذا شرب للمرة الرابعة قد نسخ.
[البحث]
قال الترمذى باب ما جاء: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه. حدثنا أبو كريب ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن أبى صالح عن معاوية قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: من شرب فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه. وفى الباب عن أبى هريرة والشريد وشرحبيل بن أوس وجرير وأبى الرمداء البلوى وعبد اللَّه بن عمرو ثم قال: وإنما كان هذا فى أول الأمر ثم نسخ بعد هكذا روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه عن النبى صلى الله عليه وسلم: قال: إن من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فى الرابعة فاقتلوه قال: ثم أتى النبى صلى الله عليه وسلم بعد ذلك برجل قد شرب فى الرابعة فضربه ولم يقتله، وكذلك روى الزهرى عن قبيصة بن ذؤيب عن النبى صلى الله عليه وسلم نحو هذا قال: فرفع القتل وكانت رخصة، والعمل على هذا عند
عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا فى ذلك فى القديم والحديث اهـ وقال أبو داود حدثنا أحمد بن عبدة الضبى ثنا سفيان قال الزهرى: أخبرنا عن قبيصة بن ذؤيب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فى الثالثة أو الرابعة فاقتلوه. فأتى برجل قد شرب فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده، ورفع القتل وكانت رخصة. قال سفيان حدث الزهرى بهذا الحديث وعنده منصور بن المعتمر ومخول بن راشد فقال لهما: كونا وافدى أهل العراق بهذا الحديث اهـ قال الحافظ فى الفتح: وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة وولد فى عهد النبى صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله لكنه أعل بما أخرجه الطحاوى من طريق الأوزاعى عن الزهرى قال: بلغنى عن قبيصة، ويعارض ذلك رواية ابن وهب عن يونس عن الزهرى أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا أصح لأن يونس أحفظ لرواية الزهرى من الأوزاعى، والظاهر أن الذى بلغ قبيصة ذلك صحابى فيكون الحديث على شرط الصحيح لأن إبهام الصحابى لا يضر اهـ واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن من تكرر منه شرب الخمر وحد فى كل مرة ولو زاد على أربع مرات فإنه لا يقتل.
3 -
وعن أبى هريرة رضى اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه" متفق عليه.
[المفردات]
إذا ضرب أحدكم: أى إذا أراد أن يضرب أحدكم يعنى إنسانا فى حد أو تعزير أو تأديب أو دفع صائل أو غير ذلك.
فليتق الوجه: أى فليجتنب ضرب وجهه.
[البحث]
أورد مسلم رحمه الله هذا الحديث بعدة ألفاظ فأخرجه من طريق المغيرة (يعنى الحِزَامى) عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه. وأخرجه من طريق سفيان بن عيينة عن أبى الزناد بهذا الإِسناد وقال: "إذا ضرب أحدكم أخاه" وأخرجه من طريق سهيل عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليتق الوجه" وأخرجه من طريق قتادة سمع أبا أيوب يحدث عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إذا قاتل أحدكم أخاه فلا يَلطِمَنَّ الوجهَ" ثم قال مسلم: حدثنا نصر بن على الجهضمى حدثنى أبى حدثنا المثنى ح وحدثنى محمد بن حاتم حدثنا عبد الرحمن بن مهدى عن المثنى بن سعيد عن قتادة عن أبى أيوب عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وفى حديث ابن حاتم: عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن اللَّه خلق آدم على صورته" حدثنا
محمد بن المثنى حدثنى عبد الصمد حدثنا همام حدثنا قتادة عن يحيى ابن مالك المراغى (وهو أبو أيوب) عن أبى هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه اهـ وليس فى البخارى لفظ (أخاه)، وإنما أورده البخارى باللفظ الذى ساقه المصنف. قال بعض أهل العلم: إنما يجتنب الوجه لأنه لطيف لا يتحمل ما يتحمل غيره من أعضاء الجسم سوى المراق والمذاكير، كما أنه يجمع محاسن كثيرة وفيه أكثر الجوارح وأخطرها وقد جاء تعليل النبى عن ضرب الوجه بقوله فى بعض روايات مسلم "فإن اللَّه خلق آدم على صورته" وأكثر أهل العلم يرجع الضمير إلى المضروب، وبعض أهل العلم يرجع الضمير إلى آدم أى اجتنبوا ضرب الوجه إكراما لآدم لمشابهته لصورة المضروب ومراعاة لحق الأبوة.
[ما يفيده الحديث]
1 -
ينبغى اجتناب وجه الإِنسان عند ضربه فى حد أو تعزير أو غيرهما.
2 -
أنه ينبغى مراعاة الإِحسان للناس حتى عند إقامة الحدود عليهم أو تعزيرهم.
4 -
وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "لا تقام الحدود فى المساجد" رواه الترمذى والحاكم.
[المفردات]
لا تقام الحدود فى المساجد: أى لا تنفذ الحدود فى بيوت اللَّه.
[البحث]
قال الحافظ فى تلخيص الحبير: حديث ابن عباس: لا تقام الحدود فى المساجد. الترمذى وابن ماجه من حديث ابن عباس وفيه إسماعيل بن مسلم المكى، وهو ضعيف ورواه أبو داود والحاكم وابن السكن وأحمد بن حنبل والدارقطنى والبيهقى من حديث حكيم بن حزام ولا بأس بإسناده، ورواه البزار من حديث جبير بن مطعم وفيه الواقدى، ورواه ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: رأى أن يجلد الحد فى المسجد. وفيه ابن لهيعة اهـ. على أنه من المقرر فى الشريعة صيانة. المساجد عما يشوش على المصلين أو يتسبب فى تقذيرها. واللَّه أعلم.
5 -
وعن أنس رضى اللَّه عنه قال: لقد أنزل اللَّه تحريم الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر" أخرجه مسلم.
[المفردات]
لقد أنزل اللَّه تحريم الخمر: يعنى فى قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ
الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}.
وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر: أى وليس فى المدينة المنورة شراب مسكر إلا المصنوع من التمر يعنى من ثمر النخل ويقال له: الفضيخ إذا كان من بسر خالص فإن كان معه تمر فهو الخليط.
[البحث]
أخرج مسلم حديث أنس بعدة ألفاظ منها: كنت ساقى القوم يوم حُرِّمت الخمر فى بيت أبى طلحة وما شرابهم إلا الفضيخ: البسر والتمر" وفى لفظ من طريق سليمان التيمى عن أنس قال: إنى لقائم على الحى على عمومتى أسقيهم من فضيخ لهم وأنا أصغرهم سنا فجاء رجل فقال: إنها قد حرمت الخمر، فقالوا: اكفئها يا أنس فكفأتها. قال: قلت لأنس: ما هو؟ قال: بُسر ورطب. وفى لفظ من طريق قتادة عن أنس بن مالك قال: كنت أسقى أبا طلحة وأبا دجانة ومعاذ بن جبل فى رهط من الأنصار فدخل علينا داخل فقال: حدث خبر، نزل تحريم الخمر فأكفأناها يومئذ وإنها لخليط البسر والتمر قال قتادة: وقال أنس: لقد حرمت الخمر وكانت عامة خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر. ثم أخرجه باللفظ الذى ساقه المصنف. وسيأتى فى الحديث الذى يلى هذا الحديث ما يفيد أن
الخمر كانت تصنع عندهم من خمسة أشياء من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير. وأن الخمر ما خامر العقل. وحديث أنس رضى اللَّه تعالى عنه يشعر بأن أكثر خمورهم كانت تصنع من التمر، وليس مراده نفى وجود خمر مصنوع من نوع آخر، لأن نفيه إنما هو على حد علمه، فإذا ثبت وجود خمر مصنوع من نوع آخر فالمثبت مقدم على النافى. واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب.
2 -
أن المتخذ من البسر والتمر يسمى خمرا أيضا.
6 -
وعن عمر رضى اللَّه عنه قال: نزل تحريم الخمر، وهى من خمسةٍ من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. متفق عليه.
[المفردات]
وهى من خمسة: أى وهى تصنع من خمسة أشياء.
والخمر ما خامر العقل: أى والخمر تطلق على كل ما خالط العقل وغطاه من المشروبات ونحوها.
[البحث]
هذا الحديث قاعدة من القواعد الشرعية التى تقرر أن كل ما غطى
العقل وخمره وأزال إدراكه من مشروب أو مأكول أو غيره يسمى خمرا ولا يحل تعاطيه، ويحد من تناوله باختياره من المكلفين وهو يفيد أن الحصر فى حديث أنس الذى قبله ليس على إطلاقه وأن المراد من حديث أنس هو الأعم الأغلب فى الاستعمال آنذاك: قال الحافظ فى الفتح: (قوله نزل تحريم الخمر وهى من خمسة) الجملة حالية أى نزل تحريم الخمر فى حال كونها تصنع من خمسة، ويجوز أن تكون استئنافية أو معطوفة على ما قبلها والمراد أن الخمر تصنع من هذه الأشياء لأن ذلك يختص بوقت نزولها، والأول أظهر لأنه وقع فى رواية مسلم بلفظ: ألا وأن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهى من خمسة أشياء اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب.
2 -
أن الخمر قد تتخذ من التمر والعسل والحنطة والشعير كما تتخذ من العنب.
3 -
أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل فيعم المشروبات والمأكولات التى تسكر.
7 -
وعن ابن عمر رضى اللَّه عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام" أخرجه مسلم.
[المفردات]
كل مسكر خمر: أى كل ما غطى العقل وأزال الإِدراك والتمييز من مشروب أو مأكول يسمى خمرا وينطبق عليه حكم الخمر.
وكل مسكر حرام: أى وكل ما ثبت إسكاره ثبت تحريمه.
[البحث]
حديث ابن عمر رضى اللَّه تعالى عنهما هذا يفيد ما أفاده الحديث الذى قبله من أن الخمر اسم لكل ما خامر العقل وأسكر وقد أخرج البخارى من طريق سفيان عن أبى الجويرية قال: سألت ابن عباس عن الباذق فقال: سبق محمد صلى الله عليه وسلم الباذق، فما أسكر فهو حرام. قال: الشراب الحلال الطيب، قال ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث. اهـ والباذق خمر تتخذ من العسل، وقيل هو الطلاء وقال فى القاموس: الباذق بكسر الذال فتحها ما طبخ من عصير العنب أدنى طبخة فصار شديدا اهـ وقال الحافظ فى الفتح: وقال ابن التين: هو فارسى معرب: وقال الجواليقى: أصله باذه وهو الطلاء وهو أن يطبخ العصير حتى يصير مثل طلاء الإِبل اهـ والطلاء بكسر المهملة هو الدبس شبه بطلاء الإِبل وهو القطران الذى يدهن به، واللَّه أعلم.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن كل مسكر خمر.
2 -
وأن كل مسكر حرام.
3 -
وأن الخمر ليست خاصة بالمتخذ من عصير العنب.
8 -
وعن جابر رضى اللَّه عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام" أخرجه أحمد والأربعة صححه ابن حبان.
[المفردات]
ما أسكر كثيره فقليله حرام: أى كل شئ يسكر الشخص إذا تناول منه الشئ الكثير ولا يسكره إذا تناول منه الشئ القليل فإنَّ تَنَاوُلَ القليل منه محرم وإن لم يسكر ما دام الكثير منه يسكر.
[البحث]
قال فى تلخيص الحبير: حديث جابر: ما أسكر كثيره فالفرق منه حرام. ابن ماجه من حديث سلمة بن دينار عن ابن عمر وفى إسناده ضعف وانقطاع، ورواه أبو داود والترمذى وابن ماجه أيضا من حديث جابر لكن لفظه: ما أسكر كثيره فقليله حرام. حسنه الترمذى ورجاله ثقات. ورواه النسائى والبزار وابن حبان من طريق عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نهى عن قليل ما أسكر كثيره، وفى الباب عن على وعائشة وخوات بن جبير وسعد وعبد اللَّه بن عمرو وابن عمر وزيد بن ثابت اهـ.
وقد قال الترمذى بعد أن أخرج حديث جابر: وفى الباب عن سعد
وعائشة وعبد اللَّه بن عمرو وابن عمر وخوات بن جبير. هذا حديث حسن غريب من حديث جابر اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
أن ما أسكر كثيره فقليله حرام وإن لم يسكر.
2 -
وجوب سد ذرائع المسكرات والابتعاد عن سائر وسائلها.
9 -
وعن ابن عباس رضى اللَّه عنهما قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُنْبَذُ له الزَّبيب فى السقاء فيشربه يَوْمَهُ والغَدَ وبعد الغد، فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شئ أهراقه. أخرجه مسلم.
[المفردات]
ينبذ له: أى يُطْرَحُ من أجْلِ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ويُنقَعُ.
الزبيب: هو الجاف الذاوى من العنب.
فى السقاء: قال فى القاموس: والسِّقَاء كَكِساء جلد السخلة إذا أجذع يكون للماء واللبن ج أسقية وأسقيات وأساق اهـ.
يومه: أى فى اليوم الذى انتبذ فيه.
والغد: أى واليوم الثانى من انتباذه.
وبعد الغد: أى وفى اليوم الثالث من انتباذه.
فإذا كان مساء الثالثة شربه وسقاه: أى فإذا كان آخر اليوم الثالث من انتباذه يشرب منه ويسقى منه غيره.
فإن فضل منه شئ أهراقه: أى فإن بقى منه شئ لم يشرب مساء الثالثة صبه على الأرض وامتنع من شربه أو سقيه. يقال: هَرَاقَهُ وَأهْرَقَهُ وَأَهْرَاقَهُ وأراقه أى صبه.
[البحث]
حديث ابن عباس رضى اللَّه عنهما هذا أخرجه مسلم بعدة روايات من عدة طرق فأخرجه باللفظ الذى ساقه المصنف من طريق إسحاق بن إبراهيم أخبرنا جرير عن الأعمش عن يحيى بن أبى عمر عن ابن عباس وأخرجه من طريق عبيد اللَّه بن معاذ العنبرى عن أبيه عن شعبة عن يحيى بن عبيد أبى عمر البَهرانى قال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينتبذ له أول الليل فيشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التى تجئ والغد والليلة الأخرى والغد إلى العصر فإن بقى شئ سقاه الخادم أو أمَرَ به فَصُبَّ. ثم قال مسلم حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن يحيى البهراني قال: ذكروا النبيذ عند ابن عباس فقال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ينتبذ له فى سقاء قال شعبة من ليلة الاثنين فيشربه يوم الاثنين والثلاثاء إلى العصر فإن فضل منه شئ سقاه الخادم أو صبه، وحدثنا أبو بكر ابن أبى شيبة وأبو كريب وإسحاق بن إبراهيم (واللفظ لأبى بكر وأبى كريب) قال إسحاق: أخبرنا وقال الآخرين: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش
عن أبى عمر عن ابن عباس قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يُنقَعُ له الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق. وقوله فى رواية عبد اللَّه بن معاذ العنبرى (سقاه الخادم أو أمر به فصب) وقوله فى رواية محمد بن بشار (سقاه الخادم أو صبه) وقوله فى رواية أبى بكر وأبى كريب (ثم يأمر به فيسقي أو يهراق)"أو" فيه للتنويع أى إذا وجد له من يشربه سقاه. فإن لم يجد من يشربه صبه لأنه يبدأ فساده بعد ذلك. وليس المراد استواء حالة النبيذ عندما يعطيه الخادم أو يصبه. بل ليس المراد أيضا اختصاص الخادم بشربه آنذاك بدليل رواية أبى بكر وأبى كريب "ثم يأمر به فيسقى أو يهراق" فهى أعم وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة الصريحة فى أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بتكريم الخادم وإطعامه مما يطعم مخدومه. ولا نزاع عند أهل العلم فى أن نقع الزبيب فى الماء أو نقع التمر فى الماء مباح ما دام لم يتغير ولم يتطرق إليه الفساد ويسمى وهو بهذه الحالة نبيذا. كما أنه إن تغير وفسد يسمى نبيذا كذلك وهو حرام حينئذ قال النووى: فى هذه الأحاديث دلالة على جواز الانتباذ وجواز شرب النبيذ ما دام حلوا، لم يتغير ولم يغل وهذا جائز بإجماع الأمة اهـ.
[ما يفيده الحديث]
1 -
جواز طرح الزبيب أو التمر مع الماء فى السقاء وشربه ما دام حلوا.
2 -
لا يجوز أن يشرب من مثل هذا النبيذ أكثر من ثلاثة أيام.
10 -
وعن أم سلمة رضى اللَّه عنها عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: "إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّمَ عليكم" أخرجه البيهقى وصححه ابن حبان.
[المفردات]
شفاع: أى دواء مرضكم وعلاج سَقَامكم.
فيما حرَّم عليكم: أى فيما نهاكم عن تناوله من الأشربة أو الأطعمة أو غيرها.
[البحث]
لعل إيراد المصنف لهذا الحديث هنا فى باب حد شارب الخمر وبيان المسكر للتنبيه على أنه لا يحل لأحد أن يتعاطاها بدعوى التداوى وأن مثل هذه الدعوى لا تكون عذرا يدرأ الحد عنه وقد علق البخارى رحمه الله عن ابن مسعود رضى اللَّه تعالى عنه أنه قال: إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم. قال الحافظ فى الفتح: قد رويت الأثر المذكور فى فوائد على بن حرب الطائى عن سفيان بن عيينة عن منصور عن أبى وائل قال: اشتكى رجل منا يقال له خيثم بن العداء داء ببطنه يقال له الصفر فنعت له السكر فأرسل إلى ابن مسعود يسأله فذكره. وأخرجه ابن أبى شيبة عن جرير عن منصور وسنده صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد فى كتاب الأشربة والطبرانى فى الكبير من طريق أبى وائل نحوه، وروينا فى نسخة داود بن نصير الطائى بسند صحيح عن مسروق قال: قال عبد اللَّه هو ابن مسعود: لا تسقوا أولادكم الخمر فإنهم ولدوا على الفطرة، وإن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّم عليكم
وأخرجه ابن أبى شيبة من وجه آخر عن ابن مسعود كذلك. ثم قال الحافظ: وأخرج إبراهيم الحربى فى غريب الخديث من هذا الوجه قال: أتينا عبد اللَّه فى مجدرين أو محصبين نعت لهم السكر فذكر مثله ولجواب ابن مسعود شاهد آخر أخرجه أبو يعلى وصححه ابن حبان من حديث أم سلمة قالت: اشتكت بنت لى فنبذت لها فى كوز فدخل النبى صلى الله عليه وسلم وهو يغلى، فقال:"ما هذا؟ " فأخبرته فقال: "إن اللَّه لم يجعل شفاءكم فيما حرَّمَ عليكم" اهـ وسيأتى مزيد بحث لهذا فى الحديث الذى يلى هذا الحديث إن شاء اللَّه تعالى.
11 -
وعن وائل الحضرمى أن طارق بن سُوَيْد رضى اللَّه عنه سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الخمر يصنعها للدواء فقال: "إنها ليست بدواء ولكنها داء" أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما.
[المفردات]
وائل الحضرمى: هو وائل بن حجر رضى اللَّه تعالى عنه.
طارق بن سويد: قال فى تهذيب التهذيب: طارق بن سويد ويقال: سويد بن طارق الحضرمى ويقال الجعفى. له صحبة، حديثه عند أهل الكوفة. روى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى الأشربة روى حديثه سماك بن حرب واختلف عليه فيه فقال شعبة عنه عن علقمة
ابن وائل عن أبيه قال: ذكر طارق بن سويد أو سويد بن طارق. وقال حماد بن سلمة عن علقمة عن طارق ولم يشك ولم يذكر أباه. قلت: قال أبو حاتم الرازى: سويد بن طارق أشبه. وقال البخارى: فى اسمه نظر، وقال البغوى: الصحيح عندى طارق بن سويد وكذا قال أبو على ابن السكن وقال ابن مندة: سويد بن طارق وهم اهـ وقد رمز فى التقريب وتهذيب التهذيب إلى أنه أخرج حديثه أبو داود وابن ماجه ولم يشر إلى تخريج مسلم له.
عن الخمر يصنعها للدواء: أى عن حكم صناعة الخمر للعلاج فقط.
فقال: أى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم.
إنها ليست بدواء: أى إن الخمر لا تكون علاجا وشفاء.
ولكنها داء: أى ولكن الخمر مرض.
وغيرهما: كأحمد وابن ماجه وابن حبان.
[البحث]
قال مسلم فى صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار (واللفظ لابن المثنى) قالا: حدثنا محمد بن جعفر حدثتا شعبة عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه وائل الحضرمى أن طارق بن سويد الجعفى سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها
للدواء فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء". وقد أثبتت التحاليل "الكيمائية" للمسكرات خطورة ما تحتويه من مواد تهدم خلايا المخ وتصيبه بالشلل وتفتك بالجهاز (العصبى) للإِنسان، مع التأثير السام المباشر على عضلة القلب، وانخفاض قدرة الكبد على "أكسدة" الأحماض الدهنية، ويصاب من يشرب الخمر غالبا بتصلب الشرايين و"الجلطات" و"الذبحات" الصدرية، كما تسبب الخمر تهيجا للأغشية الخاطية للجهاز الهضمى مما يؤدى إلى الاحتقان والقرحات وقد يؤدى إلى السرطان ولاسيما سرطان المرئ والبلعوم، ولذلك جعل اللَّه عز وجل من أخص صفات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فى الكتب السماوية السابقة أنه يُحِلُّ الطيبات ويحرم الخبائث حيث قال تبارك وتعالى:{الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} وقد روى الإِمام أحمد فى مسنده وأبو داود فى سننه بإسناد صحيح عن أم سلمة رضى اللَّه تعالى عنها قالت: "نهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر" والمفتر هو المخدر، ومن الملاحظ أن الشريعة الإِسلامية وضعت للمسكر حدا، ولما يُفَتِّرُ تعزيرا، وهذا من أبرز الآيات البينات على دقة الشريعة الإِسلامية وشمولها وكما لها وصلاحها لكل زمان ومكان وجيل وقبيل، إذ أن الحدود لا يجوز لأحد أن يزيد عليها أو ينقص منها بخلاف التعزير فإنه قد يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، إذ أن موجب الحد وهو الإِسكار لا يحتاج فى
معرفته إلى كبير دراسة أو كثير عناء بخلاف ما يوجب التعزير من المخدرات فإنها تحتاج إلى بذل مجهود كبير نظرا لدقة آثارها واختلاف تأثيرها، وقد يكون تأثير الخدرات أخطر على الفرد والمجتمع من تأثير المسكرات، فكان مشروعية التعزير فيها حتى تقدر العقوبة فيها بقدر أوضارها التى قد تستوجب قتل أصحابها أحيانا، ومما ينبغى التنبيه عليه هنا أن علماء الإِسلام هم أسبق الباحثين فى العالم إلى كشف أضرار المخدرات حتى أوصلها بعضهم إلى مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية، كما جاء فى كثير من دوائر المعارف العالمية والإِسلامية. فلله الحمد والمنة.
[ما يفيده الحديث]
1 -
لا يجوز التداوى بالخمر.
2 -
لا يجوز التداوى بشئ من المحرمات.