المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

5990 - (الفقه يمان والحكمة يمانية) أي منسوبة إلى اليمن - فيض القدير - جـ ٤

[عبد الرؤوف المناوي]

الفصل: 5990 - (الفقه يمان والحكمة يمانية) أي منسوبة إلى اليمن

5990 -

(الفقه يمان والحكمة يمانية) أي منسوبة إلى اليمن والألف فيه معوضة عن ياء النسبة على غير قياس قيل معنى يمان أنه مكي وقد سبق تقريره قال الديلمي: والرواية المشهورة الإيمان يمان

(ابن منيع) في معجمه (عن أبي مسعود) البدري ورواه عنه الديلمي أيضا

ص: 465

5992 -

(الفلق) بفتحتين (سجن في جهنم يحبس فيه الجبارون والمتكبرون وإن جهنم لتتعوذ بالله منه) وهذا قاله تفسيرا لقوله تعالى {قل أعوذ برب الفلق}

(ابن مردويه) في التفسير (عن ابن عمرو) بن العاص قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل {قل أعوذ برب الفلق} والمعوذتين فذكره

ص: 465

5991 -

(الفلق جب) أي بئر (في جهنم مغطى) في رواية ابن أبي حاتم في قعر جهنم عليه غطاء إذا كشف عنه خرجت منه نار تصيح منه جهنم من شدة حر ما يخرج منه

(ابن جرير) في التفسير (عن أبي هريرة) ورواه الديلمي عن عمر بن الخطاب

ص: 465

‌حرف القاف

ص: 465

5993 -

(قابلوا للنعال) أي اعملوا لها قبالين قال الزمخشري: يقال نعل مقبلة ومقابلة وهي التي جعل لها قبالان وقد أقبلتها وقابلتها ومنه هذا الخبر ونعل مقبولة إذا شددت قبالها وقد قبلتها عن أبي زيد إلى هنا كلامه وقيل المراد أن يضع إحدى نعليه على الأخرى في المسجد

(ابن سعد) في الطبقات (والبغوي) في المعجم (والباوردي) في جزئه (طب وأبو نعيم) كلاهما من حديث عبد الله بن مسلم بن هرمز عن يحيى بن عبيد عن عطاء (عن) أبيه عن جده (إبراهيم الطائفي الثقفي) قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى يكلم الناس يقول لهم قابلوا إلخ قال الهيثمي: وعبد الله بن هرمز ضعيف قال ابن عبد البر: (وماله) أي لإبراهيم هذا (غيره) ونقل الذهبي عن ابن عبد البر أنه قال: لا يصح ذكره في الصحابة لأن حديثه مرسل فهو تابعي قال ابن حجر: لفظ ابن عبد البر إسناد حديثه ليس بالقائم ولا يصح صحبته عندي وحديثه مرسل انتهى فإن عنى بالإرسال انقطاعا بين أحد رواته فذاك وإلا فقد صرح بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي إن ثبت إسناد حديثه لكن مداره على عبد الله بن مسلم بن هرمز وهو ضعيف وشيخه مجهول وفي سياقه خلف أيضا

ص: 465

⦗ص: 466⦘

5994 - (قاتل) وفي رواية لعن (الله اليهود) عاداهم أو لعنهم أو أهلكهم فأخرج في صورة المغالبة أو عبر عنه بما هو سبب عنه فإنهم بما اخترعوا من الحيلة انتصبوا لمحاربة الله تعالى ومقاتلته ومن قابله قتله ذكره الطيبي كالقاضي (إن الله عز وجل لما حرم عليهم الشحوم) أي أكلها في زعمهم إذ لو حرم عليهم بيعها لم يكن لهم حيلة في إذابتها المذكورة بقوله (جملوها) بجيم أذابوها قائلين: الله حرم علينا الشحم وهذا ودك (ثم باعوها) مذابة (فأكلوا أثمانها) والمنهي عنه الإذابة للبيع للاستصباح فإنه جائز فالدعاء عليهم مرتب على المجموع لا على الجمع وفي رواية باعوه فأكلوا ثمنه قال الطيبي كالكرماني: الضمير راجع إلى الشحوم على تأويل المذكور أو إلى الشحم الذي في ضمن الشحوم وفيه تحريم بيع الخمر واستعمال القياس وإبطال الحيل بفعل المحرم <تنبيه> قال عياض: أكثر اعتراض ملاعين اليهود والزنادقة على هذا الحديث بأن موطوءة الأب بالملك لولده بيعها دون وطئها وهو ساقط لأن قضية موطوءة الأب لم يحرم على الابن منها إلا وطؤها فقط فتدخل منتفعاتها حلال لغيره وشحم الميتة المقصود منه الأكل وهو حرام من كل وجه وحرمته عامة على كل اليهود فافترقا

(حم ق 4 عن جابر) بن عبد الله (ق عن أبي هريرة حم ق ن هـ عن عمر) بن الخطاب وسببه كما في أبي داود عن ابن عباس كان النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا خلف المقام فرفع رأسه إلى السماء فنظر ساعة ثم ضحك ثم ذكره

ص: 466

5995 -

(قاتل الله اليهود) أي أبعدهم عن رحمته لأنهم (اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) أي اتخذوها جهة قبلتهم مع اعتقادهم الباطل وأن اتخاذها مساجد لازم لاتخاذ المساجد عليها كعكسه وهذا بين به سبب لعنهم لما فيه من المغالاة في التعظيم وخص هنا اليهود لابتدائهم هذا الاتخاذ فهم أظلم وضم إليهم في رواية للبخاري النصارى وهم وإن لم يكن لهم إلا نبي واحد ولا قبر له لأن المراد النبي وكبار أتباعه كالحواريين أو يقال الضمير يعود لليهود فقط لتلك الرواية أو على الكل ويراد بأنبيائهم من أمروا بالإيمان بهم وإن كانوا من الأنبياء السابقين كنوح وإبراهيم قال القاضي: لما كانت اليهود يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لشأنهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها فاتخذوها أوثانا لعنهم الله ومنع المسلمين عن مثل ذلك ونهاهم عنه أما من اتخذ مسجدا بجوار صالح أو صلى في مقبرته وقصد به الاستظهار بروحه أو وصول أثر من آثار عبادته إليه لا التعظيم له والتوجه نحوه فلا حرج عليه ألا ترى أن مدفن إسماعيل في المسجد الحرام عند الحطيم؟ ثم إن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلي لصلاته والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالمنبوشة لما فيها من النجاسة انتهى لكن في خبر الشيخين كراهة بناء المسجد على القبور مطلقا والمراد قبور المسلمين خشية أن يعبد فيها المقبور لقرينة خبر اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد وظاهره أنها كراهة تحريم لكن المشهور عند الشافعية أنها كراهة تنزيه فيحمل ما تقرر عن القاضي على ما إذا لم يخف ذلك انتهى قال الشافعية وفيه أن لا يصلى على قبر نبي قيل وفي المطابقة بين الدليل والمدعي نظر إلا أن يقال إذا حرمت الصلاة إليه فعليه كذلك

(ق د عن أبي هريرة) وفي الباب جابر وابن عمر وغيرهما

ص: 466

5996 -

(قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون) قاله لما دخل الكعبة ورأى فيها تصاوير فمحاها وأصل اتخاذ الصور أن الأوائل فعلوها على شكل أسلافهم ليأنسوا برؤية صورهم ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ثم خلق من بعدهم خلق جهلوا مرادهم ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدونها فعبدوها فحذر المصطفى صلى الله عليه

⦗ص: 467⦘

وسلم عن مثل ذلك وتوعد عليه سببا للذريعة المؤدية إلى ذلك وفيه دليل على تحريم التصوير وقول بعضهم إنما يحرم في ذلك الزمان لقرب عهدهم بالأوثان أطنب القشيري في رده

(الطيالسي) أبو داود (والضياء) المقدسي (عن أسامة) بن زيد ورواه عنه الديلمي

ص: 466

5997 -

(قاتل دون مالك حتى تحوز مالك أو تقتل فتكون من شهداء الآخرة) أي يجوز لك ذلك فإن فعلت فقتلت كنت شهيدا في حكم الآخرة لا الدنيا

(حم طب عن مخارق) مخارق في الصحابة بجلي وشيباني وهلالي فلو ميزه لكان أولى رمز المصنف لحسنه

ص: 467

5998 -

(قاتل عمار وسالبه في النار) قتلته طائفة معاوية في وقعة صفين ضربته عادية المزنى برمح فسقط فجاء آخر فاحتز رأسه فاختصما إلى عمرو بن العاص ومعاوية كل يقول: أنا قتلته فقال عمرو: إنكما في النار <فائدة> قال ابن حجر: حديث تقتل عمارا الفئة الباغية رواه جمع من الصحابة منهم قتادة وأم سلمة وأبو هريرة وابن عمر وعثمان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأمية وأبو اليسر وعمار نفسه وغالب طرقه كلها صحيحة أو حسنة وفيه علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعلي وعمار ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه

(طب عن عمرو بن العاص وعن ابنه) عبد الله ورواه عنه أحمد أيضا قال الهيثمي بعد ما عزاه لهما: ورجال أحمد ثقات فاقتضى أن رجال الطبراني ليسوا كذلك فعكس المصنف ولم يكتف بذلك حتى رمز لصحته

ص: 467

5999 -

(قارئ سورة الكهف تدعى) أي تسمى (في التوراة الحائلة) لأنها (تحول بين قارئها وبين النار) نار جهنم فتمنعه من دخولها وتخلصه من الزبانية بإذن ربها ويؤخذ من تعبيره بقارئ أن المراد المواظب على قراءتها في كل يوم أو في كل ليلة لا من قرأها أحيانا ثم يترك ويحتمل أن المراد في ليلة الجمعة ويومها لاستحباب قراءتها فيهما

(هب فر عن ابن عباس) ظاهر صنيع المصنف أن مخرجه البيهقي خرجه وسكت عليه والأمر بخلافه وهو تلبيس فاحش بل عقبه بإعلاله فقال ما نصه: تفرد به محمد بن عبد الرحمن الجدعاني هكذا وهو منكر اه والجدعاني ضعفه أبو حاتم وغيره وفيه أيضا سليمان بن مرقاع أورده الذهبي في الضعفاء والمتروكين وقال العقيلي: منكر الحديث وإسماعيل بن أبي أويس قال النسائي: ضعيف وقال الذهبي: صدوق صاحب مناكير وهذا الحديث والحديثان بعده سندها واحد وطريقها متحد

ص: 467

6000 -

(قارئ اقتربت) أي سورتها (تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها) أي حافظها عن ظهر قلب أو قارئها في المصحف (يوم تسود الوجوه) وهو يوم القيامة

(هب فر عن ابن عباس) فيه ما في الذي قبله

ص: 467

6001 -

(قارئ الحديد وإذا وقعت) الواقعة (والرحمن) أي وسورة الرحمن (يدعى في ملكوت السماوات والأرض ساكن

⦗ص: 468⦘

الفردوس) أي جنة الفردوس أي أنه محكوم له بأنه سيسكنها مفروغ من ذلك مقطوع به عندهم

(هب فر عن فاطمة) الزهراء ثم قال البيهقي: تفرد بهما محمد بن عبد الرحمن عن سليمان وكلاهما منكر

ص: 467

6002 -

(قارئ ألهاكم التكاثر) أي سورتها بكمالها (يدعى في الملكوت مؤدي الشكر) لله سبحانه

(فر عن أسماء بنت عميس) وفيه إسماعيل بن أبي أويس قال الذهبي في الذيل: صدقوه لأنه صدوق صاحب مناكير وقال النسائي: ضعيف

ص: 468

6003 -

(قاربوا) أي اقصدوا أقرب الأمور فيما تعبدتم به ولا تغلوا فيه ولا تقصروا وقيل هو من قولهم قاربت الرجل لاطفته بكلام حسن لطيف (وسددوا) اقصدوا السداد في كل أمر (ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة ينكبها أو الشوكة يشاكها) قال الغزالي: ولذلك سأل زيد بن ثابت ربه أن لا يزال محموما فلم يزل محموما ولم تفارقه الحمى حتى مات وكان في الأنصار من يتمنى العمى وقال عيسى عليه السلام: لا يكون عالما من لم يفرح بدخول المصائب والأمراض عليه لما يرجوه من ذلك من كفارة خطاياه

(حم م ت عن أبي هريرة) قال: لما نزلت {من يعمل سوءا يجز به} بلغت من المسلمين مبلغا شديدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره

ص: 468

6004 -

(قاضيان في النار وقاض في الجنة قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة وقاض عرف الحق فجار متعمدا أو قضى بغير علم فهما في النار) تمامه عند مخرجه الحاكم قالوا: فما ذنب هذا الذي يجهل قال: ذنبه أن لا يكون قاضيا حتى يعلم قال الذهبي: فكل من قضى بغير علم ولا بينة من الله ورسوله على ما يقضي به فهو داخل في هذا الوعيد المفيد أن ذلك كبيرة

(ك) في الأحكام (عن بريدة) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم وتعقبه الذهبي في التلخيص بأن ابن بكير الغنوي أحد رجاله منكر الحديث وقال في الكبائر: إسناده قوي

ص: 468

6005 -

(قاطع السدر يصوب الله رأسه في النار) قال البيهقي: المراد قاطع سدر في خلاة يستظل بها ابن السبيل وغيره بغير حق وههنا توجيهات ركيكة فاحذرها

(هق) من حديث بهز بن حكيم (عن معاوية بن حيدة)

ص: 468

6006 -

(قال الله تبارك وتعالى أي تنزه عن كل ما لا يليق بكماله الأقدس (يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات) أي عن صلاتها (من أول النهار أكفك آخره) أي شر ما يحدثه في آخر ذلك اليوم من المحن والبلايا فأمره تعالى بفعل شيء أو تركه إنما هو لمصلحة تعود على العبد وأما هو فلا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية قالوا: هذا الحديث كلام قدسي والفرق بينه وبين القرآن أن القرآن هو اللفظ المنزل به جبريل للإعجاز عن الإتيان بسورة من مثله والحديث القدسي إخبار الله تعالى نبيه عليه الصلاة والسلام معناه بإلهام أو بالمنام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك المعنى بعبارة نفسه وجميع الأحاديث لم يضفها إلى الله ولم يروها عنه كما أضاف وروى الحديث القدسي قال الطيبي: وفضل القرآن على الحديث القدسي أن القدسي نص إلهي في الدرجة الثانية وإن كان من غير واسطة ملك غالبا لأن المنظور فيه المعنى

⦗ص: 469⦘

دون اللفظ وفي القرآن اللفظ والمعنى منظوران فعلم من هذا مرتبة بقية الأحاديث اه. وقال الحافظ ابن حجر: هذا من الأحاديث الإلهية وهي تحتمل أن يكون المصطفى صلى الله عليه وسلم أخذها عن الله تعالى بلا واسطة أو بواسطة

(حم د عن نعيم بن همام طب عن النواس) بن سمعان

ص: 468

6007 -

(قال الله تعالى يا ابن آدم صل) في رواية اركع (أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره) قال ابن تيمية: هذه الأربعة عندي هي الفجر وسننها وبه رد تلميذه ابن القيم على من استدل بها على سنة الضحى. قال بعضهم: يؤيد أنها الضحى ما في العيلانيات مرفوعا ما من عبد صلى الضحى ثم لم يتركها إلا عرجت إلى الله تعالى وقالت يا رب إن فلانا حفظني فاحفظه وإن تركها قالت يا رب إن فلانا ضيعني فضيعه

(حم عن أبي مرة الطائفي) قال في التقريب كأصله: شيخ لمكحول يقال له صحبة قيل الصواب أنه كثير بن مرة المتقدم قال الهيثمي: رجاله رجال صحيح (ت عن أبي الدرداء) قال في الميزان: حسن قوي الإسناد ورواه أيضا أبو داود والنسائي وفيه إسماعيل بن عياش

ص: 469

6008 -

(قال الله تعالى إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري) لكن وسعهم حلمه فأخرهم {ليوم تشخص فيه الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء} أي متخوفة لا تعي شيئا فيقال لهم {يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان} <تنبيه> قال الغزالي: المنعم هو الله والوسائط مسخرون من جهته فهو المشكور وتمام هذه المعرفة في الشك في الأفعال فمن أنعم عليه ملك بشيء فرأى لوزيره أو وكيله دخلا في إيصاله إليه فهو إشراك به في النعمة فلا يرى النعمة من الملك من كل وجه بل منه بوجه ومن غيره بوجه فلا يكون موحدا في حق الملك وكمال شكره أن لا يرى الواسطة مسخرة تحت قدرة الملك ويعلم أن الوكيل والخازن مضطران من جهته في الإيصال فيكون نظره إلى الموصل كنظره إلى قلم الموقع وكاغده فلا يؤثره ذلك شركا في توحيده من إضافته النعمة للملك فكذلك من عرف الله وعرف أفعاله على أن الشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره كالقلم في يد الكاتب والله هو المسلط على الفعل شاءت أم أبت

(الحكيم) الترمذي (هب) وكذا الحاكم (عن أبي الدرداء) لكن الحكيم لم يذكر له سندا فكان اللائق عدم عزوه إليه ثم إن فيه عند مخرجه البيهقي كالحاكم مهنى بن يحيى مجهول وبقية بن الوليد أورده الذهبي في الضعفاء وقال: يروي عن الكذابين ويدلسهم وشريح بن عبيد ثقة لكنه مرسل

ص: 469

6009 -

(قال الله تعالى من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليلتمس ربا سواي) قال الغزالي: كأنه يقول هذا لا يرضانا ربا حتى سخط فليتخذ ربا آخر يرضاه وهذا غاية الوعيد والتهديد لمن عقل ولمن صدق ولقد صدق من قال إذ سئل: ما العبودية والربوبية فقال: الرب يقضي والعبد يصبر وليس في السخط إلا الهم والضجر في الحال والوزر والعقوبة في المآل بلا فائدة إذ القضاء نافذ فلا ينصرف بالهلع والجزع كما قيل:

ما قد قضى يا نفس فاصطبري له. . . ولك الأمان من الذي لم يقدر

⦗ص: 470⦘

وتيقني أن المقدر كائن. . . حتم عليك صبرت أو لم تصبري

فمن ترك التسليم للقضاء فقد جمع على نفسه ذهاب ما أصيب به وذهاب ثواب الصابرين فهو خسران مبين ومن رضي بمكروه القضاء تلذذ بالبلاء ونال ثواب الصابرين ومن علم من نفسه العجز فليستعذ بالله من حمله ما لا يطيق وليقل كما علمه {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} ويسأل المعافاة ويستعين بالله على قضائه {فنعم المولى ونعم النصير} فإن قيل الشر والمعصية بقضاء الله فكيف يرضى به العبد قلنا الرضى إنما يلزم بالقضاء وقضاء الشر ليس بشر بل الشر المقضي قالوا والمقضيات أربعة نعمة وشدة وخير وشر فالنعمة يجب الرضى فيها بالقاضي والقضاء والمقضي ويجب الشكر عليها والشدة يجب الصبر عليها والخير يجب الرضى فيه بالقاضي والمقضي ويجب عليه ذكر المنة من حيث أنه وفقه له والشر يجب فيه الرضا بالقاضي والقضاء والمقضي من حيث إنه مقضي لا من حيث إنه شر <تنبيه> قال في شرح العوارف: أول ما كتب الله في اللوح المحفوظ إلى أنا الله لا إله إلا أنا من لم يرض بقضائي ولم يشكر نعمائي ولم يصبر على بلائي فليطلب ربا سواي

(طب) وكذا الديلمي (عن أبي هند الداري) نسبة إلى الدار بن هانئ واسمه يزيد بن عبد الله بن رزين صحابي سكن فلسطين ومات ببيت جبرين وهو أخو تميم الداري لأمه قال الحافظ العراقي: إسناده ضعيف جدا وبينه تلميذه الهيثمي فقال: فيه سعيد بن زياد قال الذهبي: متروك وأورده في اللسان في ترجمة سعيد من حديثه عن هند وقال الأزدي: متروك وساق ابن حبان له هذا وقال: لا أدري البينة منه أو من أبيه أو من جده

ص: 469

6010 -

(قال الله تعالى من لم يرض بقضائي وقدري فليلتمس ربا غيري) أي ولا رب إلا الله فعلى العبد الرضى بقضائه وإحسان الظن به وشكره عليه فإن حكمته واسعة وهو بمصالح العباد أعلم وغدا يشكره العباد على البلايا إذا رأوا ثواب البلاء كما يشكر الصبي بعد البلوغ مؤدبه على ضربه وتأديبه والبلاء تأديب من الله وعنايته لعباده أتم وأوفر من عناية الآباء بأبنائهم روي أن بعض الأنبياء شكى إلى ربه الجوع والقمل عشر سنين فأوحى إليه كم تشكو؟ هكذا كان بدؤك عندي قبل أن أخلق السماوات والأرض هكذا قضيت عليك قبل أن أخلق الدنيا أفتريد أن أغير خلق الدنيا لأجلك أم أبدل ما قدرت عليك فيكون ما تحب فوق ما أحب؟ وعزتي وجلالي لئن تلجلج في صدرك هذا مرة أخرى لأمحونك من ديوان الأنبياء

(هب عن أنس)

ص: 470

6011 -

(قال الله تعالى الصيام جنة يستجن بها العبد من النار وهولي وأنا أجزي به) صاحبه بأن أضاعف له الجزاء بلا حساب لأن فيه الإعراض عن لذات الدنيا والنفس وحظوظها ومن أعرض عنها ابتغاء وجه الله لم يجعل بينه وبينه حجاب واعلم أن الصوم من أخص أوصاف الربوبية إذ لا يتصف به على الكمال إلا الله فإنه يطعم ولا يطعم فإضافته إلى نفسه بقوله وأنا أجزي به لكونه لا يتصف به أحد على الحقيقة إلا هو لأنه الغني عن الأكل أبد الآبدين ومن سواه لا بد له منه حتى الملائكة فإن طعامهم التسبيح والأذكار وشرابهم المحبة الخالصة والمعارف والعلوم الصافية من الأكدار ومن عداهم طعامهم وشرابهم ما يليق بهم في دار الدنيا وكل دار وقد دعا الباري إلى الاتصاف بأوصافه وتعبدهم بها بعد الطاقة والصوم من أخصها وأصعب الأشياء على النفوس لكونه خلاف ما جبلوا عليه لما أن وجودهم لا يقوم إلا بمادة بخلاف الغنى عن كل شيء

(حم هب عن جابر) بن عبد الله قال الهيثمي: إسناد أحمد حسن

ص: 470

⦗ص: 471⦘

6012 - (قال الله تعالى كل عمل ابن آدم له) أي كل عمل له فإن له فيه حظا ودخلا لإطلاع الناس عليه فهو يتعجل به ثوابا منهم (إلا الصيام فإنه) خالص (لي) لا يطلع عليه غيري أو لا يعلم ثوابه المترتب عليه أو وصف من أوصافي لأنه يرجع إلى صفته الصمدية لأن الصائم لا يأكل ولا يشرب فتخلق باسمه الصمد أو معناه أن الأعمال يقتص منها يوم القيامة في المظالم إلا الصوم فإنه لله ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذ منه شيئا واختاره ابن العربي وقيل لم يعبد به غير الله فلم تعظم الكفار في عصر قط آلهتهم بالصوم وإن عظموها بالسجود وغيره واستحسنه ابن الأثير وللطالقاني في ذلك جزء مفرد جمع فيه نحو خمسين قولا (وأنا أجزي به) صاحبه جزاءا كثيرا وأتولى الجزاء عليه بنفسي فلا أكله إلى ملك مقرب ولا غيره لأنه سر بيني وبين عبدي لا يطلع عليه غيري كصلاة بغير طهر أو ثوب نجس أو نحو ذلك مما لا يعلمه إلا الله (والصيام جنة) أي ترس يدفع المعاصي أو النار عن الصائم كما يدفع الترس السهم (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث) بضم الفاء وكسرها لا يتكلم بقبيح (ولا يصخب) بسين أو بصاد مهملة لا يصيح وفي رواية لمسلم بدل يصخب يجهل وصحف من رواه ولا يسخر بالراء من السخرية (وإن سابه أحد) أي شاتمه يعني تعرض لشتمه (أو قاتله) أي أراد مقاتلته أو نازعه ودافعه (فليقل) بقلبه أو لسانه أو بهما وهو أولى (إني امرؤ صائم) ليكف نفسه عن مقاتلة خصمه (والذي نفس محمد بيده) أي بتقديره وتصريفه (لخلوف) بضم الخاء وخطأوا من فتحها تغير رائحة (فم الصائم) فيه رد على من قال لا تثبت الميم عند الإضافة إلا في الضرورة (أطيب عند الله من ريح المسك) أي عندكم فضل ما يستكره من الصائم على أطيب ما يستلذ من جنسه ليقاس عليه ما فوقه من آثار الصوم ولا يتوهم أن الله يستطيب الروائح ويستلذ ما فإنه محال عليه تعالى وإنما معنى هذه الأطيبية راجع إلى أنه تعالى يثيب على خلوف فمه ثوابا أكثر مما يثيب على استعمال المسك حيث ندب الشرع إلى استعماله في الجمع والأعياد وغيرها ويحتمل أن يكون في حق الملائكة فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك وقيل يجازيه الله في الآخرة بأن يجعل نكهته أطيب من المسك كما في دم الشهيد أو هو مجاز واستعارة لتقريبه من الله (وللصائم فرحتان يفرحهما) أي يفرح بهما (إذا أفطر فرح بفطره) أي بإتمام صومه وسلامته من المفسدات لخروجه عن عهدة المأمور أو بالأكل والشرب بعد الجوع أو بما يعتقده من وجود الثواب أو بما ورد في خبر إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد (وإذا لقي ربه فرح بصومه) أي بنيل الثواب وإعظام المنزلة أو بالنظر إلى وجه ربه والأخير فرح الخواص

(ق ن) في الصوم (عن أبي هريرة) بألفاظ متقاربة

ص: 471

6013 -

(قال الله تعالى ثلاثة أنا خصمهم) زاد ابن خزيمة ومن كنت خصمه خصمته (يوم القيامة) والخصم مصدر خصمته أخصمه نعت به للمبالغة كعدل وصوم (رجل أعطى بي ثم غدر) بحذف المفعول أي أعطى يمينه بي أي عاهد عهدا وحلف عليه ثم نقضه (ورجل باع حرا فأكل ثمنه) خص الأكل لأنه أعظم مقصود (ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه) ما استأجر لأجله من العمل (ولم يعطه أجره) لأنه استوفى منفعته بغير عوض واستخدمه بغير أجرة فكأنه استعبده.

⦗ص: 472⦘

(حم خ عن أبي هريرة) ورواه عنه أبو يعلى وغيره

ص: 471

6014 -

(قال الله تعالى شتمني) بلفظ الماضي وروي بلفظ المضارع المفتوح الأول وكسر التاء والشتم الوصف بما يقتضي النقص (ابن آدم) أي بعض بني آدم وهم من أنكر البعث ومن ادعى أن له ندا (وما ينبغي له أن يشتمني) أي لا يجوز له أن يصفني بما يقتضي النقص (وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني) أي ليس له ذلك من حق مقام العبودية مع الربوبية (أما شتمه إياي فقوله إن لي ولدا) لاستلزامه الإمكان المتداعي للحدوث وذلك غاية النقص في حق البارئ لأن الشتم توصيف الشيء بما هو نقص وإزراء وإثبات الولد له كذلك لأنه قول بمماثلة الولد له في تمام حقيقته وهي مستلزمة للإمكان المتداعي للحدوث ولأن الحكمة في التوالد استبقاء النوع فلو كان متخذا ولدا كان مستخلفا خلفا يقوم بأمره بعد عصره {تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا} (وأنا الله الأحد) حال من ضمير فقوله أو من محذوف أي فقوله لي (الصمد) أي الذي يصمد إليه في الحوائج (لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد) ومن هو كذلك فكيف ينسب إليه وهو واجب الوجود لذاته قديما وكل مولود محدثا انتفت عنه الوالدية (وأما تكذيبه إياي فقوله ليس يعيدني كما بدأني) وهذا قول منكري البعث من عبدة الأوثان (وليس أول الخلق) أي أول المخلوق أو أول خلق الشيء (بأهون علي من إعادته) الضمير للمخلوق أو للشيء قال القاضي: إشارة إلى برهان تحقق المعاد وإمكان الإعادة وهو أن ما يتوقف عليه تحقق البدن من مواده وأجزائه وصورته لو لم يكن وجوده ممكنا لما وجد أولا وقد وجد وإذا أمكن لم تمتنع لذاته وجوده ثانيا وإلا لزم انقلاب الممكن لذاته ممتنعا لذاته وهو محال وتنبيه على تمثيل يرشد العامي وهو ما يرى في الشاهد أن من عمد إلى اختراع صنعة لم يرى مثلها صعب عليه ذلك وتعب وافتقر إلى مكابدة أفعال ومعاونة أعوان ومرور أزمان ومع ذلك كثيرا لا يتم له الأمر ومن أراد إصلاح منكسر وإعادة منهدم هان عليه فيا معشر الغواة أتحيلون إعادة أبدانكم وإنكم معترفون بجواز ما هو أصعب منها بالنسبة لقدركم وأما بالنسبة لله فيستوي عنده نكوس بعوض طيار وتحليق فلك دوار {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} قال: والشتم توصيف الشيء بما هو إزراء ونقص فإثبات الولد المماثل له في تمام حقيقته وهي مستلزمة للإمكان المتداعي إلى الحدوث لأن الخدمة في التوالد استحفاظ النوع إذ لو كانت العناية الأزلية مقتضية لبقاء أشخاص الحيوان استغنى عن التناسل استغناء الأفلاك والكواكب عنه فلو كان البارئ متخذا ولدا لكان مستخلفا خلفا يقوم بأمره بعد عصره تعالى عن ذلك علوا كبيرا اه. وقال الطيبي: هذه أوصاف مشعرة بغلبة الحكم أما قوله الأحد فإنه بني لنفي ما يذكر معه من العدد فلو فرض له ولد يكون مثله فلا يكون أحدا ولذلك قال في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم} لأنه لو كان له ولد كان مثله نبيا لم يكن خاتم النبيين وهذا معنى الاستدراك في قوله {ولكن رسول الله} إلخ والصمد هو الذي يصمد إليه في الحوائج فلو كان له ولد لشركه فيه فيلزم فساد السماوات والأرض وقوله كفوا أي صاحبة ولا ينبغي له إذ لو فرض له ذلك لزم منه الاحتياج إلى قضاء الشهوة وكل ذلك وصف له بما فيه نقص وإزراء وهذا معنى الشتم فالأحد ذاتي والصمد إضافي والثالث سلبي فإن قيل أي الأمرين أعظم قلنا كلاهما عظيم لكن التكذيب أعظم لأن المكنونات لم تكون إلا للجزاء فمن أنكر الجزاء لزمه العبث في التكوين وإعدام السماوات والأرض فتنتفي جميع

⦗ص: 473⦘

الصفات الكمالية التي أثبتها الشرع فيلزم منه التعطيل على أن الصفات الثبوتية إذا انتفت يلزم منه انتفاء الذات وكذا السلبية وذكر الله تكذيب ابن آدم وشتمه وعظمهما ولعمري أن أقل الخلق وأدناه إذا نسب ذلك إليه استنكف وامتلأ غضبا وكاد يستأصل قائله فسبحانه ما أحلمه وما أرحمه {وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب}

(حم خ ك عن أبي هريرة)

ص: 472

6015 -

(قال الله تعالى كذبني ابن آدم) عموم يراد به الخصوص والإشارة إلى الكفار الذين يقولون هذه المقالات (ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك) هذا من قبيل ترتب الحكم على الوصف المناسب المشعر بالعلية لأن قوله لم يكن له ذلك نفي للكينونة التي هي بمعنى الانتفاء فيجب حمل لفظ ابن آدم على الوصف الذي علل الحكم به بحسب التلميح وإلا لم يكن لتخصيص ابن آدم دون البشر والناس فائدة ذكره الطيبي قال: والتكذيب أعظم الأمرين (فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان وأما شتمه إياي فقوله لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا) إنما سماه شتما لما فيه من التنقيص لأن الولد إنما يكون عن والدة تحمله ثم تضعه ويستلزم ذلك سبق النكاح والناكح يستدعي باعثا له على ذلك والله منزه عن كل ذلك قال الطيبي: ومما في التكذيب والشتم من الفظاعة والهول أن المكذب منكر للحشر يجعل الله كاذبا والقرآن المجيد الذي هو مشحون بإثباته مفترى ويجعل حكمة الله في خلقه السماء والأرض عبثا والشاتم يحاول إزالة المخلوقات بأسرها ويزاول تخريب السماوات من أصلها {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا} ثم تأمل في مفردات التركيب لفظة لفظة فإن قوله لم يكن له ذلك من باب تركيب الحكم على الوصف المناسب المشعر بالعلية لأن قوله لم يكن له ذلك نفي للكينونة التي هي بمعنى الانتفاء كقوله تعالى {ما كان لكم أن تنبتوا شجرها} أراد أن تأتي ذلك محال من غيره ومنه {وما كان لنبي أن يغل} معناه ما صح له ذلك يعني أن النبوة تنافي الغلول فيجب أن يحمل لفظ ابن آدم على الوصف الذي يعلل الحكم به وإلا لما كان لتخصيص ابن آدم دون الناس والبشر فائدة وذلك لوجوه الأول له تلميح إلى قوله {ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} من من الله عليهم بها المعنى أنا أنعمنا عليكم يإيجادكم من العدم وصورناكم في أحسن تقويم ثم أكرمناكم بأن أمرنا الملائكة المقربين بالسجود لأبيكم لتعرفوا قدر الإنعام فتشكروا فقلبتم الأمر فكفرتم ونسبتم المنعم إلى الكذب وإليه الإشارة بقوله تعالى {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} أي شكر رزقكم. الثاني تلميح إلى قوله {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين} المعنى ألم تر أيها المكذب إلى أنا خلقناك من ماء مهين خرج من ذكر أبيك واستقر في رحم أمك فصرت تخاصمني بترهاتك فيما أخبرت به من الحشر والنشر بالبرهان فأنت خصيم لي بين الخصومة. الثالث أنه تلميح إلى قوله {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} المعنى أوليس الذي خلق هذه الأجرام العظام بقادر على أن يخلق مثل هذا الجرم الصغير الذي خلق من تراب ومن نطفة

(خ) في تفسير سورة البقرة (عن ابن عباس)

ص: 473

6016 -

(قال الله تعالى أعددت لعبادي الصالحين) أي القائمين بما وجب عليهم من حق الحق والخلق (ما لا عين رأت)

⦗ص: 474⦘

أي ما لا رأت العيون كلها لا عين واحدة فإن العين في سياق النفي تفيد الاستغراق ومثله قوله (ولا أذن سمعت) بتنوين عين وأذن وروي بفتحها (ولا خطر على قلب بشر) معناه أنه تعالى ادخر في الجنة من النعيم والخيرات واللذات ما لم يطلع عليه أحد من الخلق بطريق من الطرق فذكر الرؤية والسمع لأن أكثر المحسوسات تدرك بهما والإدراك ببقية الحواس أقل ولا يكون غالبا إلا بعد تقدم رؤية أو سماع ثم زاد أنه لم يجعل لأحد طريقا إلى توهمها بذكر وخطور على قلب فقد جلت عن أن يدركها فكر وخاطر واستشكاله بأن جبريل رآها في عدة أخبار وأجيب بأنه تعالى خلق ذلك فيها بعد رؤيتها وبأن المراد عين البشر وآذانهم وبأن ذلك يتجدد لهم في الجنة كل وقت وبأن جبريل إنما ينظر ما أعد لعامتهم ولهذا قال بعض العارفين: المراد هنا التجليات الإلهية التي يتفضل بها الحق في الآخرة على خواصه لأنها نعم خالقيات وأما النعم الخلقيات التي أخبر بها النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم في جنة النعيم فقد رأتها الأعين وسمعتها الآذان وخطرت على قلوب البشر وإلا لما أخبرها أحد وأما التجليات الإلهية التي يتفضل بها الحق في الآخرة على خواصه فما رأتها عين ولا سمعت حقيقتها أذن ولا خطرت على قلب بشر إذ كل ما يخطر بالبال أو يمر بالخيال فالله بخلافه بكل حال وظاهر كلام المصنف أن هذا هو الحديث بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته في صحيح مسلم ثم قرأ {فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين} لا تعلم النفوس كلهن ولا نفس واحدة منهن لا ملك مقرب ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب ادخر لأولئك وأخفي عن الخلق وفي رواية لمسلم عقيب قوله ولا خطر على قلب بشر ما نصه ذخر آبله ما أطلعكم الله عليه ثم قرأ {فلا تعلم نفس} الآية اه وزعم بعضهم أن قراءة الآية من قول أبي هريرة لا المرفوع وسياق مسلم يرده <تنبيه> في قوله أعددت دليل على أن الجنة مخلوقة الآن وقول الطيبي تخصيص البشر لأنهم الذين ينتفعون بما أعد لهم ويهتمون بشأنه بخلاف الملائكة عورض بما زاده ابن مسعود في حديثه الذي رواه ابن أبي حاتم ولا يعلمه ملك مقرب ولا نبي مرسل

(حم ق ت هـ عن أبي هريرة) وفي الباب أنس وغيره

ص: 473

6017 -

(قال الله تعالى إذا هم عبدي بحسنة) أي أرادها مصمما عليها عازما على فعلها (ولم يعملها) لأمر عاقه عنها (كتبت له حسنة) أي كتبت الحسنة التي هم بها ولم يعملها كتابة واحدة لأن الهم سببها وسبب الخير خير فوقع حسنة موقع المصدر (فإن عملها كتبتها له عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه) أي إن تركها خوفا منه تعالى ومراقبة له بدليل زيادة مسلم إنما تركها من جرائي أي من أجلي وإن تركها لأمر آخر صده عنها فلا (فإن عملها كتبتها سيئة واحدة) أي كتبت له السيئة كتابة واحدة عملا بالفضل في جانبي الخير والشر ولم يقل له مؤكدا لها لعدم الاعتناء بها المفاد من الحصر في قوله {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها}

(ق ت عن أبي هريرة)

ص: 474

6018 -

(قال الله تعالى إذا أحب عبدي لقائي) أي الموت وقال ابن الأثير: المصير إلى الآخرة وطلب ما عند الله وليس المراد الموت لأن كلا يكرهه فمن ترك الدنيا وأبغضها أحب لقاء الله ومن آثرها كره لقاءه (أحببت لقاء) أي أردت له الخير ومن أحب لقاء الله أحب التخلص إليه من الدار ذات الشوائب كما قال علي كرم الله وجهه لا أبالي سقطت على الموت أو سقط الموت علي (وإذا كره لقائي كرهت لقاءه) قال الزمخشري: مثل حاله بحال عبد قدم على سيده

⦗ص: 475⦘

بعد عهد طويل وقد اطلع مولاه على ما كان يأتي ويذر فإما أن يلقاه ببشر وترحيب لما رضي من أفعاله أو بضد ذلك لما سخط منها اه وقيل لأبي حازم: مالنا نكره الموت قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم الانتقال من العمران إلى الخراب ولما احتضر بشر فرح فقيل له: أتفرح بالموت قال: تجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه؟ <تنبيه> قال ابن عربي: من نعت محب الله أنه موصوف بأنه مقتول تالف سائر إليه بأسمائه طيار دائم السهر كامن الغم راغب في الخروج من الدنيا إلى لقاء محبوبه متبرم بصحبة ما يحول بينه وبينه كثير التأوه يستريح إلى كلام محبوبه خائف من ترك الحرمة في إقامة الخدمة يعانق طاعة محبوبه ويجانب مخالفته خارج عن نفسه بالكلية لا يطلب الدية في قتله يصبر على الضراء هائم القلب متداخل الصفات ما له نفس معه ملتذ في دهش لا يقبل حبه الزيادة بإحسان المحبوب ولا النقص بجفائه الناس حظه مخلوع النعوت مجهول الأسماء لا يفرق بين الوصل والهجر مصطلم مجهود مهتوك الستر سره علانية فضحه لا يعلم الكتمان

(مالك) في الموطأ (ن خ عن أبي هريرة)

ص: 474

6019 -

(قال الله تعالى قسمت الصلاة) أي قراءتها بدليل تفسيره بها قاله المنذري يعني الفاتحة سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها كقوله الحج عرفة وقيل من أسماء الفاتحة الصلاة فهي المعينة في الحديث (بيني وبين عبدي) وقدم تعالى نفسه في البينية فقال أولا بيني لأنه الواجب الوجود لنفسه وإنما استفاد العبد الوجود منه (نصفين) باعتبار المعنى لا اللفظ لأن نصف الدعاء من قوله {وإياك نستعين} يزيد على نصف الثناء أو المراد قسمين والنصف قد يراد به أحد قسمي الشيء أي نصف عباده إلى {مالك يوم الدين} وهو حق الرب ونصف مناله إلى آخرها وهو حق العبد ولا ضمير في زيادة كلمات أحد القسمين على الآخر لأن كل شيء تحته نوعان أحدهما نصف له وإن لم يتحسد عددهما (ولعبدي ما سأل) أي له السؤال ومني الإعطاء ف {الحمد لله رب العالمين} آية {الرحمن الرحيم} آية ثانية {مالك يوم الدين} ثالثة {إياك نعبد وإياك نستعين} رابعة {اهدنا الصراط المستقيم} خامسة {صراط الذين أنعمت عليهم} سادسة {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} سابعة فثلاث آيات لله تعالى وثلاث للعبد وواحدة بين العبد ومولاه فالتي لله هي الثلاث الأول وحينئذ (فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين) تمسك به من لا يرى البسملة منها لكونه لم يذكرها وأجيب بأن التنصيف يرجع إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة (قال الله تعالى حمدني عبدي) أي مجدني وأثنى علي بما أنا أهله قال ابن عربي: ومن هو العبد حتى يقول الله سبحانه وتعالى يقول العبد كذا فيقول الله كذا لولا العناية الإلهية والتفضل الرباني لما وقع الاشتراك في المناجاة بقوله قال لي وقلت (فإذا قال الرحمن الرحيم) أي الموصوف بكمال الإنعام (قال الله أثنى علي عبدي) لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية (فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي) عظمني (فإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل) فالذي للعبد منها {إياك نعبد} أي والذي لله {إياك نستعين} (فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي) أي خاص به (ولعبدي ما سأل) قال الطيبي: السورة في هذا التقدير أثلاث وقال في الثلث الأول حمدني وأثنى علي فأضافهما إلى نفسه وقال في الثلث الآخر هذا لعبدي ولعبدي ما سأل فخصه بالعبد وفي

⦗ص: 476⦘

الوسط جمع بينهما وقال هذا بيني وبين عبدي قال العارف البوبي: وإذا حققت وجدت الآيات كلها لله تعالى فإنك إنما عبدته بإرادته ومعونته إذ العبد لا حول له ولا قوة ولا إرادة إلا بحوله تعالى وإرادته. وقال البخاري في خلق الأعمال: قد بين بهذا الحديث أن القراءة غير المقروء فالقراءة هي التلاوة والتلاوة غير المتلو فبين أن سؤال العبد غير ما يعطيه الله وأن قول الغير غير كلام الرب هذا من العبد الدعاء والتضرع ومن الله الأمر والإجابة فالقرآن كلام الرب والقراءة فعل العبد اه وقال ابن عربي: فيه أن القراءة في الصلاة لا تجزى إلا بأم القرآن لأنه تعالى بين أنه لا يناجى إلا بكلامه وبالجامع من كلامه والأم هي الجامعة فالحديث القدسي مفسر لما تيسر من القرآن <تنبيه> قال بعض العارفين: من كان في صلاته يشهد الغير معرى عن شهود الحق فيه فليس بمصل فلا يكون مناجيا والحق لا يناجى في الصلاة بالألفاظ بل بالحضور فالقائل الحمد لله بغير حضور مع الله لسانه لا عينه فيقول الله عند ذلك حمدني لسان عبدي لا عبدي فإن حضر قال حمدني عبدي المفروض عليه مناجاتي فالعبد إذا حضر تضمن اللسان وسائر الجوارح وإذا لم يحضر لم تقم عنه جارحة من جوارحه ولا من غير نفسها اه قال القاضي: وهذا الحديث يدل على فضل الفاتحة لا وجوبها إلا أن يقال قسمت الصلاة من حيث إنها عامة شاملة لأفراد الصلاة كلها في معنى قولنا كل صلاة مقسومة على هذا الوجه ويلزمه أن كل ما لا يكون مقسوما هكذا لا يكون صلاة والخالي عن الفاتحة لا يكون مقسوما على هذا الوجه فلا يكون صلاة

(حم م عن أبي هريرة) وسبب هذا كما في مسلم أن أبا هريرة حدث عن المصطفى صلى الله عليه وسلم من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج غير تمام فقيل له إنما نكون وراء الإمام فقال اقرأها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قال الله قسمت إلخ قال ابن حجر: وليس هو على شرط البخاري فلذلك لم يخرجه لكنه أشار إليه فيه

ص: 475

6020 -

(قال الله تعالى يا عبادي) جمع عبد وهو لغة الإنسان والمراد هنا بدلالة قوله الآتي إنسكم وجنكم الثقلان خاصة لاختصاص التكليف وتعاقب الفجور والتقوى ولذلك فصل المخاطبين بالإنس والجن فيما يأتي ذكره القاضي قال: وقد يكون عاما شاملا لذوي العلم كلهم من الملائكة والثقلين ويكون ذكر الملائكة مطويا مندرجا في قوله وجنكم لشمول الاجتنان لهم وتوجه هذا الخطاب نحوهم لا يتوقف على صدور الفجور منهم ولا على إمكانه لأنه كلام صادر على سبيل الفرض والتقدير واعترضه الطيبي بأنه يمكن أن يكون الخطاب عاما ولا تدخل الملائكة في الجن لأن الإضافة في جنكم تقتضي المغايرة فلا يكون تفصيلا بل إخراج لغير القبيلتين الذين يصح اتصافهما بالتقوى والفجور (إني حرمت) أي منعت (الظلم على نفسي) أي تقدست وتعاليت عنه لأنه مجاوزة والتصرف في ملك الغير وكلاهما في حقي كالمحرم فهو استعارة مصرحة تبعية شبه تنزهه عنه بتحرز المكلف عما نهى عنه شرعا في الامتناع عنه ثم استعمل في جانب ما كان مستعملا في جانب المشبه به مبالغة ويحتمل كونه مشاكلة لقوله تعالى: وجعلته بينكم محرما ذكره الطيبي. قال العارف ابن عربي: من لم يخرج شيئا في الحقيقة عن ملكه فلا يتصف بالظلم فيما يجريه حكمه في ملكه ثم إنه قدم ذلك تمهيدا وتوطئة لقوله (وجعلته محرما بينكم) أي حكمت بتحريمه عليكم وهذا وما قبله توطئة لقوله (فلا تظالموا) بشد الظاء وتخفف. أصله تتظالموا أي لا يظلم بعضكم بعضا فإنه لا بد من اقتصاصه تعالى للمظلوم من ظالمه ولما قرر حرمة الظلم على النفس وعباده أتبعه بذكر إحسانه إليهم وغناه عنهم وفقرهم إليه فقال (يا عبادي) كرر النداء تنبيها على فخامة الأمور ونسبة الضلال إلى الكل بحسب مراتبهم (كلكم ضال) أي غافل عن الشرائع قبل إرسال الرسل {ووجدك ضالا فهدى} {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} أو ضال عن الحق لو ترك وما

⦗ص: 477⦘

يدعو له الطبع من الراحة وإعمال النظر المؤدي إلى المعرفة وامتثال الأمر وتجنب النهي (إلا من هديته) وفقته للإيمان أو للخروج عن مقتضى طبعه ولا يناقضه خبر كل مولود يولد على الفطرة لأن ذلك ضلال طار على الفطرة الأولى (فاستهدوني) سلوني الهداية بمعنى الدلالة على طريق الخير والإيصال إليها (أهدكم) أنصب لكم أدلة واضحة على ذلك أو أوصل من شئت إيصاله في سابق علمي الأزلي {من يهدي الله فهو المهتدي} وحكمة الطلب إظهار الافتقار والإذعان والاعتراف بمقام الربوبية ورتبة العبودية. قال الراغب: الضلال العدول عن الطريق المستقيم ويضاده الهداية ويقال الضلال لكل عدول عن المنهج عمدا أو سهوا قليلا أو كثيرا فإن الطريق المستقيم الذي هو المرتقى صعب جدا ونحن وإن كنا مصيبين من وجه لكنا ضالين من وجوه كثيرة فإن الاستقامة والصواب يجري مجرى المقرطس من المرمى وما عداه من الجوانب كلها ضلال وإليه أشار المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: استقيموا ولن تحصوا فإذا كان كذلك صح أن يستعمل لفظ الضلال فيمن يكون له حظا ما ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء وإلى الكفار وإن كان بين الضالين بون بعيد. قال في حق المصطفى صلى الله عليه وسلم {ووجدك ضالا فهدى} أي غير مهتد لما سبق لك من النبوة وقال موسى {وأنا من الضالين} تنبيها على أن ذلك منه سهو اه ولما فرغ من الامتنان بأمور الدين شرع في الامتنان بأمور الدنيا وبدأ بما هو أصل فيها ومكمل لمنافعها من الشبع واللبس إذ لا يستغنى عنهما ومن ثم وصف الجنة بقوله {إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى} فقال (ياعبادي كلكم جائع إلا من أطعمته) لأن الخلق ملكه ولا ملك لهم بالحقيقة وخزائن الرزق بيده فمن لا يطعمه بفضله بقي جائعا بعدله وأما {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فهو التزام تفضلا لا وجوبا (فاستطعموني) اطلبوا مني الطعام لأنه في يده تعالى وما في يد العبد ليس بحوله وقوته فلا يد له بالحقيقة بل اليد لرب الخليقة (أطعمكم) أيسر لكم أسباب تحصيله {إن الله هو الرزاق} وهذا تأديب للفقراء فكأنه قال: لا تطلبوا الطعمة من غيري فإن الذين استطعمتموهم أنا الذي أطعمهم. قال الطيبي: إن قلت ما معنى الاستثناء في قوله إلا من أطعمته وإلا من كسوته وليس أحد من الناس محروما عنهما؟ قلت لما كان الإطعام والكسوة معبرين عن النفع التام والبسط في الرزق وعدمهما عن التقتير والتضييق كما قال تعالى {الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} سهل التقصي عن الجواب فظهر منه أنه ليس المراد من إثبات الجوع والعري في المستثنى منه نفي الشبع والكسوة بالكلية وليس في المستثنى إثبات الشبع والكسوة مطلقا بل المراد بسطهما وتكثيرهما (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم) واسألوا الله من فضله فإنه لا حول ولا قوة إلا به ولا استمساك إلا بسببه قال عيسى: ابن آدم أنت أسوأ بربك ظنا حين كنت أكمل عقلا لأنك تركت الحرص حين كنت جنينا محمولا ورضيعا مكفولا ثم أدرعته عاقلا قد أصبت رشدك وبلغت أشدك (يا عبادي إنكم تخطئون) بضم أوله وكسر ثالثه أي تفعلون الخطيئة عمدا وبفتح أوله وثالثه من خطأ يخطىء إذا فعل عن قصد (بالليل والنهار) هذا من قبيل المقابلة لاستحالة وقوع الخطأ من كل منهم ليلا ونهارا (وأنا أغفر الذنوب جميعا) غير الشرك وما لا يشاء مغفرته {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وأكد بأل الاستغراقية وجميعا المفيد كل منهما للعموم ليقوى الرجاء ولا يقنط أحد (فاستغفروني أغفر لكم){وإني لغفار لمن تاب} ووطأ بعد الفاء بما قبلها إيذانا بأن غير المعصوم لا ينفك غالبا عن المعصية وفي هذه الجمل توبيخ يستحي منه كل مؤمن لأنه إذا لمح أنه

⦗ص: 478⦘

خلق الليل ليطاع فيه سرا استحياء أن ينفق أوقاته في ذلك إلا فيه كما أنه استحى بطبعه من صرف شيء من النهار حيث يراه الخلق للمعصية (يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني) بحذف نون الإعراب جوابا عن النفي أي لن تبلغوا لعجزكم إلى مضرتي ولا يستقيم ولا يصح أن تضروني حتى أتضرر منكم (ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني) أي لا يتعلق بي ضرر ولا نفع فتضروني أو تنفعوني لأنه تعالى غني مطلق والعبد فقير مطلق والفقير المطلق لا يملك للغني المطلق ضرا ولا نفعا فما اقتضاه ظاهر الخبر أن لضره أو نفعه غاية لكي لا يبلغها العبد غير المراد (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم) أي على تقوى أتقى قلب رجل أو على أتقى أحوال قلب رجل واحد منكم ذكره القاضي قال الطيبي: ولا بد منه ليستقيم أن يقع أتقى خبرا لكان ثم إنه لم يرد أن كلهم بمنزلة رجل واحد هو أتقى من الناس بل كل واحد من الجمع بمنزلته لأن هذا أبلغ كقولك ركبوا فرسهم وعليه قوله تعالى {ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم} في وجه ثم إضافة أفعل إلى نكرة مفردة يدل على أنك لو تقصيت قلب رجل رجل بل كل الخلائق لم تجد أتقى قلبا من هذا الرجل اه. (ما زاد ذلك في ملكي شيئا) نكره للتحقير (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا) لأنه مرتبط بقدرته وإرادته وهما باقيتان ذاتيتان لا انقطاع لهما فكذا ما ارتبط بهما وعائد التقوى والفجور على فاعلهما قال الطيبي: قوله شيئا يجوز كونه مفعولا إن قلنا أن نقص متعد ومفعولا مطلقا إن قلنا إنه لازم أي نقص نقصانا قليلا والتنكير فيه للتحقير (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد) أي في أرض واحدة ومقام واحد (فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي) لأن أمري بين الكاف والنون قال القاضي: قيد السؤال بالاجتماع في مقام واحد لأن تزاحم السؤال مما يذهل المسؤول ويبهته ويعسر عليه إنجاح مآربهم والإسعاف بمطالبهم (إلا كما ينقص المخيط) بكسر فسكون ففتح الإبرة (إذا أدخل البحر) لأن النقص إنما يدخل المحدود الفاني والله سبحانه واسع الفضل عظيم النوال لا ينقص العطاء خزائنه فخاطب العباد من حيث يعقلون وضرب لهم المثل بما هو غاية القلة ونهاية ما يشاهدونه فإن البحر من أعظم المرئيات والإبرة صغيرة صقيلة لا يعلق بها شيء وإن فرض لكنه لا يظهر حسا ولا يعتد به عقلا فلذا شبه بها (يا عبادي إنما هي أعمالكم) أي هي جزاء أعمالكم (أحصيها) أضبطها وأحفظها (لكم) أي بعلمي وملائكتي الحفظة (ثم أوفيكم إياها) أي أعطيكم جزاءها وافيا تاما إن خيرا فخير وإن شرا فشر والتوفية إعطاء الحق على التمام ذكره القاضي وقال المظهر: أعمالكم تفسير لضمير المؤنث في قوله إنما هي يعني إنما تحصى أعمالكم أي تعد وتكتب أعمالكم من الخير والشر توفية لجزاء عمل أحدكم على التمام وقال الطيبي: ويمكن أن يرجع إلى ما يفهم من قوله أتقى قلب رجل وأفجر قلب رجل وهما الأعمال الصالحة والطالحة ويشهد لفظ إنما لاستدعائها الحصر أي ليس نفعها وضرها راجعا إلي بل أحصيها لكم لأجازيكم بها فمن وجد خيرا فليشكر الله لأنه هو هادي الضلال موفقهم للخير ومن وجد شرا فليلم نفسه لأنه باق على ضلالته الذي أشار إليه بقوله كلكم ضال اه. والتوفية إعطاء الحق على التمام قال ابن عربي: ولهذا يعود التنزيه على المنزه فمن كان علمه التنزيه عاد عليه تنزيهه فكان محاه منزها

⦗ص: 479⦘

عن أن يقوم به اعتقاد ما لا ينبغي أن يكون الحق عليه ومن هنا قال من قال سبحاني تعظيما لجلال الله إلى هنا كلامه (فمن وجد خيرا) ثوابا ونعيما بأن وفق لأسبابهما أو حياة طيبة هنيئة (فليحمد الله) على توفيقه للطاعات التي يترتب عليها ذلك الخير والثواب فضلا منه ورحمة (ومن وجد غير ذلك) أي شرا ولم يذكره بلفظه تعليما لخلقه كيفية أدب النطق بالكناية عما يؤذي أو يستهجن أو يستحى منه أو إشارة إلى أنه إذا اجتنب لفظه فكيف فعله (فلا يلوم إلا نفسه) فإنها آثرت شهواتها على رضى رزاقها فكفرت لأنعمه ولم تذعن لأحكامه وحكمه فاستحقت أن يقابلها بمظهر عدله وأن يحرمها مزايا جوده وفضله قال ابن عطاء الله: لا تطالب ربك بتأخر مطلبك ولكن طالب نفسك بتأخر أدبك وفي الحديث إيماء إلى ذم ابن آدم وقلة إنصافه فإنه يحسب طاعته من عمله لنفسه ولا يسندها إلى التوفيق ويتبرأ من معاصيه ويسندها إلى الأقدار فإن كان لا تصرف له كما يزعم فهلا كان في الأمرين وإلا فلم نفاه عن أحدهما وختم بهذه إيذانا بأن عدم الاستقلال بنحو الإطعام والستر لا ينافي التكليف بالفعل والترك لأنا وإن لم نستقل نحس بوجدان الفرق بين حركة الاختيار والاضطرار وهذا الحديث لجلالته وعظم فوائده كان راويه عن أبي ذر أبو إدريس إذا حدث به جثا على ركبتيه تعظيما له

<تنبيه> قال القونوي: الحق سبحانه جواد مطلق فياض على الدوام سابغ الإنعام دون بخل ولا التماس عوض ولا تخصيص طائفة بعينها تخصيصا يوهم منعا وتحجيرا على آخرين والخلائق كلهم يقبلون من عطاياه الذاتية والأسمائية بقدر استعداداتهم الكلية الغير المجعولة التي بها قبلوا منه الوجود أو لا حال ارتسامهم في علمه تقدس ويقبلون من عطائه باستعداداتهم التفصيلية الوجودية المجعولة بحسب طهارتهم الظاهرة والباطنة الوجودية وإنما قلنا الوجودية لأن الطهارة المختصة بالاستعداد الكلي الموجب قبول الوجود من الحق القبول التمام عبارة عن سلامة حقيقة القابل من أكثر أحكام الإمكان وقوة مناسبة تلك الحقيقة للحضرة الوحدانية الإلهية التي منها ينبسط على جميع القوابل الممكنة وهي الطهارة الأصلية وكما أن قلة الوسائط وأحكام الكثرة الإمكانية توجب الطهارة وثبوت المناسبة مع الحضرة الوحدانية الإلهية فيستلزم قبول العطايا الإلهية على وجه تام فكذلك كثرة الأحكام الإمكانية وقوتها وخواص إمكانات الوسائط التي هي النجاسات المعنوية يوجب نقص القبول وتغيير الفيض المقدس فإذا وضح هذا فنقول وفور الحظوظ من عطاياه سبحانه الذاتية والأسمائية ونقصانها راجع إلى كمال استعدادات القوابل ونقصها وكمال استعداد كل قابل ونقصه هو المعبر عنه بالطهارة والنجاسة عند أهل الطريق وذلك هو المشار إليه بقوله في هذا الحديث فمن وجد خيرا فليحمد الله إلخ ويؤيده {ما أصابك من حسنة فمن الله} الآية

(م) في الأدب (عن أبي ذر) وأخرجه عنه أيضا أحمد والترمذي وابن ماجه ورواته دمشقيون قال أحمد: ليس لأهل الشام حديث أشرف منه

ص: 476

6021 -

(قال تعالى إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا فحمدني وصبر على ما ابتليته فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا ويقول الرب للحفظة إني أنا قيدت عبدي وابتليته فأجروا له ما كنتم تجرون له قبل ذلك من الأجر وهو صحيح) قال الغزالي: إنما نال العبد هذه المرتبة لأن كل مؤمن يقدر على الصبر على المحارم وأما الصبر على البلاء فلا يقدر عليه إلا ببضاعة الصديقين فإن ذلك شديد على النفس فلما قاسى مرارة الصبر جوزي بها الجزاء الأوفى اه. وفيه ترغيب في الصبر وتحذير من الشكوى لكن ليس من الشكوى قول المريض إني وجع أو وارأساه

⦗ص: 480⦘

إذا اشتد به الوجع ونحو ذلك وقد ترجم البخاري باب ما رخص للمريض أن يقول إني وجع قال الطبري: وقد اختلف في ذلك والتحقيق أن الألم لا يقدر أحد على دفعه والنفوس مجبولة على وجدان ذلك فلا يستطاع تغييرها عما جبلت وإنما كلف العبد أن لا يقع منه حال المرض أو المصيبة ما له سبيل إلى تركه كالمبالغة في التأوه ومزيد الجزع والضجر وأما مجرد الشكوى فلا

(حم ع طب حل عن شداد بن أويس) قال الهيثمي: خرجه الكل من رواية إسماعيل بن عياش عن راشد الصنعاني وهو ضعيف عن غير الشاميين اه. ولم يبال المصنف بذلك فرمز لحسنه

ص: 479

6022 -

(قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما ذكرتني شكرتني وإذا ما نسيتني كفرتني) أي كفرت إنعامي عليك وإفضالي لديك وما الثانية مزيدة للتأكيد قيل مكتوب في التوراة عبدي اذكرني إذا غضبت أذكرك إذا غضبت فإذا ظلمت فاصبر فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك وحرك يدك أفتح لك باب الرزق

(طس عن أبي هريرة) قال الهيثمي: فيه أبو بكر الهمداني وهو ضعيف انتهى. وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: لا يصح

ص: 480

6023 -

(قال الله تعالى أنفق) على عباد الله وهو بفتح فسكون فكسر أمر بالاتفاق (أنفق عليك) بضم فسكون جواب الأمر أي أعطيك خلفه بل أكثر منه أضعافا مضاعفة {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} قال الطيبي: هذا مشاكلة لأن إنفاق الله لا ينقص من خزائنه شيئا وهذا ظاهر لأنه إذا أنفق ظهر بصورة الفقر والعبودية والسخاء فاستحق نظر الحق إليه من جهة فقره الذي لا بد من جبره ومن جهة مقابلة وصفه بوصف ربه وظهور معاني أسمائه فكأنه قال لعبده عند إنفاقه أتتسخى علي وأنا خلقت السخاء؟ وقد امتثل المصطفى صلى الله عليه وسلم أمر ربه فكان أكثر الناس إنفاقا وأتمهم جودا

(حم ق عن أبي هريرة)

ص: 480

6024 -

(قال الله تعالى يؤذيني ابن آدم) أي يقول في حقي ما أكرهه وزعم أن المراد يخاطبني بما يؤذي من يمكن في حقه التأذي تكلف قال الطيبي: والإيذاء إيصال مكروه إلى الغير وإن لم يؤثر فيه وإيذاؤه تعالى عبارة عن فعل ما لا يرضاه (يسب الدهر) يروى بحرف الجر وبياء المضارع والدهر اسم لمدة العالم من مبدأ تكوينه إلى انقراضه ويعبر به عن مدة طويلة (وأنا الدهر) أي مقلبه ومدبره فأقيم المضاف مقام المضاف إليه أو بتأويل الدهر على أن يكون مصدرا أي المصرف المدبر لما يحدث ولهذا عقبه بقوله (بيدي الأمر أقلب الليل والنهار) أي أجددهما وأبليهما وأذهب بالملوك كما في رواية أحمد والمعنى أنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من الحوادث فإذا سب الآدمي الدهر يعتقد أنه فاعل ذلك فقد سبني ذكره الراغب. وقال القاضي: من عادة الناس إسناد الحوادث والنوازل إلى الأيام والأعوام وسبها لا من حيث إنها أيام وأعوام بل من حيث إنها أسباب تلك النوائب موصلتها إليهم على زعمهم فهم في الحقيقة ذموا فاعلها وعبروا عنه بالدهر في سبهم وهو بمعنى قوله أنا الدهر لا أن حقيقته حقيقة الدهر ولإزاحة هذا الوهم الزائغ أردفه بقوله (أقلب الليل والنهار) فإن مقلب الشيء ومغيره لا يكون نفسه وقيل فيه إضمار والتقدير وأنا مقلب الدهر والمتصرف فيه والمعنى أن الزمان يذعن لأمري لا اختيار له فمن ذمه على ما يظهر فيه صادرا عني فقد ذمني فأنا الضار والنافع والدهر ظرف لا أثر له ويعضده نصب الدهر على أنه ظرف متعلق بأقلب والجملة خبر المبتدأ

⦗ص: 481⦘

انتهى كلامه قال المنذري: الجمهور على ضم الراء إلى هنا كلام المنذري

(حم ق د عن أبي هريرة) ورواه عنه أيضا النسائي في التفسير وكأن المصنف أغفله سهوا

ص: 480

6025 -

(قال الله تعالى يؤذيني ابن آدم) بأن بنسب إلي ما لا يليق بجلالي (يقول يا خيبة الدهر) بفتح الخاء المعجمة أي يقول ذلك إذا أصابه مكروه (فلا يقولن أحدكم يا خيبة الدهر فإني أنا الدهر أقلب ليله ونهاره فإذا شئت قبضتهما) فإذا سب ابن آدم الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه إلي لأني فاعلها وإنما الدهر زمان جعلته ظرفا لمواقع الأمور

(م عن أبي هريرة)

ص: 481

6026 -

(قال الله تعالى سبقت) وفي رواية البخاري غلبت (رحمتي) أي غلبت آثار رحمتي على آثار (غضبي) والمراد بيان سعة الرحمة وشمولها ووصولها للخلائق قبل الغضب لكونها مقتضى ذاته دونه وإلا فهما من صفاته راجعتان لإرادته الثواب والعقاب لا توصف إحداهما بالسبق والغلبة على الأخرى فهو إشارة إلى مزيد العناية بعبيده والإنعام عليهم بغايات الفضل ونهاية الرفق والمسامحة وإلى أن مقام الفضل أوسع من مقام العدل والمراد من الغضب لازمه وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب لأن السبق والغلبة باعتبار التعلق أي تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب لأن الرحمة مقتضى ذانه الأقدس والغضب يتوقف على سابقة عمل من العبد الحادث وقال الدماميني: الغضب إرادة العقاب والرحمة إرادة الثواب والصفات لا توصف بغلبة ولا يسبق بعضها بعضا لكن ورد هذا على الاستعارة ولا مانع من جعل الرحمة والغضب من صفات الفعل لا الذات فالرحمة هي الثواب والإحسان والغضب الانتقام والعذاب فتكون الغلبة على بابها <تنبيه> قال ابن عربي: لما نفخ الروح في آدم عطس فقال الحمد لله فقال الله يرحمك الله يا آدم فسبقت رحمته غضبه ولذا قدم الرحمة في الفاتحة وأخر ذكر الغضب فسبقت الرحمة الغضب في أول افتتاح الوجود فسبقت الرحمة إلى آدم قبل العقوبة على أكل الشجرة ثم رحم بعد ذلك فجاءت رحمتان بينهما غضب فتطلب الرحمتان الامتزاج لأنهما مثلان فانضمت هذه إلى هذه فانعدم الغضب بينهما كما قال بعضهم في يسرين بينهما عسر:

إذا ضاق عليك الأمر. . . ففكر في ألم نشرح

فعسر بين يسرين. . . إذا ذكرته فافرح

(تتمة) قال ابن المنكدر: إني لأستحي من الله أن أرى رحمته تعجز عن أحد من العصاة ولولا النص ورد في المشركين ما أخرجتهم لقوله تعالى {ورحمتي وسعت كل شيء} وقال بعض العارفين: حضرة الحق تعالى مطلقة يفعل فيها ما يريد وما مع أحد من المؤمنين أمان بعدم مؤاخذته على ذنوبه وإنما يتعلق الناس بنحو قوله تعالى: سبقت رحمتي غضبي

(م عن أبي هريرة) ورواه عنه أبو يعلى والديلمي

ص: 481

6027 -

(قال الله تعالى ومن أظلم ممن ذهب) أي قصد (يخلق خلقا كخلقي) أي ولا أحد أظلم ممن قصد أن يصنع كخلقي وهذا التشبيه لا عموم له يعني كخلقي من بعض الوجوه في فعل الصورة لا من كل وجه واستشكل التعبير بأظلم بأن الكافر أظلم وأجيب بأنه إذا صور الصنم للعبادة كان كافرا فهو هو ويزيد عذابه على سائر الكفار بقبح كفره (فليخلقوا ذرة)

⦗ص: 482⦘

بفتح المعجمة وشد الراء نملة صغيرة (أو ليخلقوا حبة) بفتح الحاء أي حبة بر بقرينة ذكر الشعير أو هي أعم (أو ليخلقوا شعيرة) والمراد تعجيزهم تارة بتكليفهم خلق حيوان وهو أشد وأخرى بتكليفهم خلق جماد وهو أهون ومع ذلك لا قدرة لهم عليه وأخذ منه مجاهد حرمة تصوير ما لا روح فيه حيث ذكر الشعيرة وهي جماد وخالفه الجمهور استدلالا بقوله في حديث آخر أحيوا ما خلقتم وفيه نوع من الترقي في الخساسة ونوع من التنزل والإلزام وحكي أنه وقع السؤال عن حكمة الترقي من الذرة إلى الحبة إلى الشعيرة فأجاب التقي الشمني بديهة بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعوبة والأمر بمعنى التعجيز فناسب الترقي من الأعلى للأدنى فاستحسنه الحافظ ابن حجر وزاد في إكرام الشيخ وإشهار فضيلته

(حم ق) في اللباس (عن أبي هريرة) قال: دخلت دارا بالمدينة أي لمروان بن الحكم فإذا أعلاها مصور بصور فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره

ص: 481

6028 -

(قال الله تعالى لا يأتي ابن آدم) بالنصب مفعول مقدم وفاعله (النذر) بفتح النون وحكاية عياض ضمها غلط أو خلل من ناسخ (بشيء لم أكن قد قدرته) يعني النذر لا يأتي بشيء غير مقدر (ولكن يلقيه النذر إلى القدر) بالقاف في يلقيه والقدر بفتح القاف ودال مهملة أي إن صح أن القدر هو الذي يلقي ذلك المطلوب ويوجده لا النذر فإنه لا دخل له في ذلك وفي رواية يلقيه بالفاء (وقد قدرته له) أي النذر لا يصنع شيئا وإنما يلقيه إلى القدر فإن كان قدر وقع وإلا فلا (أستخرج به من البخيل) قال النووي: معناه أنه لا يأتي بهذه القربة تطوعا مبتدأ بل في مقابلة بنحو شفاء مريض مما علق النذر عليه وقال الزين العراقي: يحتمل أن يريد النذر المالي لأن البخل إنما يستعمل غالبا في البخل بالمال وأن يريد كل عبادة كما في خبر أبخل الناس من بخل بالسلام (فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل) يعني أن العبد يؤتي على تحصيل مطلوبه ما لم يكن أتاه من قبل تحصيل مطلوبه ففيه إشارة إلى ذم ذلك قال الخطابي: وفي قوله أستخرج إشارة لوجوب الوفاء

(حم خ ن عن أبي هريرة)

ص: 482

6029 -

(قال الله تعالى إذا تقرب إلي العبد) أي طلب قربة مني بالطاعة (شبرا) أي مقدارا قليلا (تقربت إليه ذراعا) أي أوصلت رحمتي إليه قدرا أزيد منه وكلما زاد العبد قربا زاده الله رحمة (وإذا تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا) معروف وهو قدر مد اليدين (وإذا أتى إلي مشيا أتيته هرولة) وهو الإسراع في المشي أي أوصل إليه رحمتي بسرعة قال النووي: معناه من تقرب إلي بطاعتي تقربت إليه برحمتي وإن زاد زدت فإن أتاني يمشي وأسرع في طاعتي أتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم أحوجه إلى المشي الكثير في الوصول إلى المقصود وقال في المطامح: الذراع والباع والشبر والهرولة ونحوها مقامات وأحوال مختلفة في الإجابة بحسب اختلاف درجات الخلق عند الحق سبحانه وقال القاضي: العبد لا يزال يتقرب إلى الله تعالى بأنواع الطاعات وأصناف الرياضات ويترقى من مقام إلى آخر أعلى منه حتى يحبه فيجعله مستغرقا بملاحظة جناب قدسه بحيث ما لاحظ شيئا إلا لاحظ ربه فما التفت إلى حاس ومحسوس وصانع ومصنوع وفاعل ومفعول إلا رأى الله وهو آخر درجات السالكين وأول درجات الواصلين

(خ عن أنس) بن مالك (وعن أبي هريرة هب

⦗ص: 483⦘

عن سلمان) الفارسي

ص: 482

6030 -

(قال الله تعالى لا ينبغي لعبد) لي من الأنبياء (أن يقول أنا خير) في رواية أنا أفضل (من يونس بن متى) أي من حيث النبوة فإن الأنبياء فيها سواء وإنما التفاوت في الدرجات ونحوها أو المراد لا ينبغي لعبد بلغ كمال النفس والصبر على الأذى أن يرجح نفسه على يونس لأجل ما حكيت عنه من قلة صبره على أذى قومه لأن تلك أقدار وأمور عارضة لم تخطئه خردلة ومتى بفتح الميم وشد المثناة مقصور اسم أمه ولم يشتهر بها نبي سواه وقول ابن الأثير وعيسى غير مرضي إذ الشهرة بإحلال أبوين لمن له أبوان

(م عن أبي هريرة)

ص: 483

6031 -

(قال الله تعالى أنا أغنى الشركاء عن الشرك) قال الطيبي: اسم التفضيل هنا لمجرد الزيادة والإضافة للبيان أو على زعم القوم (من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) قال القاضي: المراد بالشركة هنا العمل والواو عاطفة بمعنى مع والضميران لمن أي أجعله وعمله مردودا من حضرتي والرياء دليل على السفه ورداءة الرأي وسوء الحظ ولقد صدق القائل:

يا مبتغي الحمد والثواب. . . في عمل تبتغي محالا

قد خيب الله ذا رياء. . . وأبطل السعي والكلالا

من كان يرجو لقاء ربه. . . أخلص من أجله الفعالا

الخلد والنار في يديه. . . فرائه يعطك النوالا

(م هـ عن أبي هريرة) ولم يخرجه البخاري قال المنذري: وإسناد ابن ماجه رواته ثقات

ص: 483

6032 -

(قال الله تعالى أنا الرحمن أنا خلقت الرحم وشققت لها اسما من اسمي) لأن أصل الرحمة عطف يقتضي الإحسان وهي في حقه تعالى نفس الإحسان أو إرادته فلما كان هو المنفرد بالإحسان التام والإفضال العام وركز في طبع البشر الرقة الحادثة الناشئ عنها الإحسان إلى من يرحم صح اشتقاق أحدهما من الآخر قال ابن العربي: وهذا الحديث يقتضي رعاية الاتفاق في الأسماء وأن ذلك النوع من الإخاء وقد قالوا في المثل: اتفاق الكنى إخاء ثان فإنه تعالى راعى في الرحم اتفاق اسمها مع اسمه في وجه انتظام الحروف الأصلية إذ النون زائدة والرحم مخلوقة محدثة وهو تعالى خالق غير محدث وفيه تنبيه على وهم الملحدة في قولهم هذا نسب بين الله وبين الرحم تعالى الله عما يقولون إذ جعلوا بينه وبين الرحم والنسب وإنما قالها على سبيل التشريف كما أنه جعل العبد قادرا عالما إلى آخر الصفات ولم يكن ذلك نسبا ولا تشبيها (فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته) أي من راعى حقوقها راعيت حقه ووفيت ثوابه ومن قصر لها قصرت به في ثوابه ومنزلته (ومن بتها بتته) أي قطعته لأن البت القطع فعطفه على ما قبلها تأكيد والمراد بالرحم التي يجب مواصلتها كل قريب ولو غير محرم كما مر غير مرة

(حم خ د) في الزكاة (ت) في البر (ك) في البر والصلة (عن عبد الرحمن بن عوف) قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي (ك عن أبي هريرة) قال المنذري: في تصحيح الترمذي نظر فإن أبا سلمة لم يسمع من أبيه وبينه تلميذه الهيثمي

ص: 483

⦗ص: 484⦘

6033 - (قال الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) أي أنه خاص صفتي فلا يليق إلا بي فالمنازع فيه منازع في صفة من صفاتي فإذا كان الكبر على عباده لا يليق إلا به فمن تكبر على عباده فقد جني عليه ذكره الغزالي. قال الكلاباذي: الرداء عبارة عن الجمال والبهاء والإزار عبارة عن الجلال والستر والحجاب فكأنه قال لا تليق الكبرياء إلا بي لأن من دوني صفات الحدوث لازمة له وسمة العجز ظاهرة عليه والإزار عبارة عن الامتناع عن الإدراك والإحاطة به علما وكيفية لذاته وصفاته فكأنه قال حجبت خلقي عن إدراك ذاتي وكيفية صفاتي بالجلال والعظمة (فمن نازعني واحدا منهما) أي جاذبني إياه (قذفته) أي رميته وفي رواية أدخلته (في النار) لتشوفه إلى ما لا يليق إلا بالقادر القهار القوي الجبار الغني العلي سبحانه {ليس كمثله شيء} قال في الحكم: كن بأوصاف ربوبيته متعلقا بأوصاف عبوديتك متحققا منعك أن تدعي ما ليس لك مما للمخلوقين أفيبيح لك أن تدعي وصفه وهو رب العالمين؟ وقد أفاد هذا الوعيد أن التكبر والتعاظم من الكبائر

(حم د هـ عن أبي هريرة هـ عن ابن عباس) تبع في عزوه لأبي داود الأشبيلي. قال في المنار: ولا أعرفه عند أبي داود وهو عند مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد بقريب من هذا اللفظ وهو قوله رداءه

ص: 484

6034 -

(قال الله تعالى: الكبرياء ردائي فمن نازعني ردائي قصمته) أي أذللته وأهنته أو قربت هلاكه. قال الزمخشري: هذا وارد عن غضب شديد ومناد على سخط عظيم لأن القصم أفظع الكسر وهو الكسر الذي بين تلازم الأجزاء بخلاف الكسر وقال القاضي: والكبرياء الكبر وهو الترفع على الغير بأن يرى لنفسه عليه شرفا والعظمة كون الشيء في نفسه كاملا شريفا مستغنيا فالأول أرفع من الثاني إذ هو غاية العظمة فلذا مثله في الرداء وقيل الكبرياء الترفع عن الانقياد وذلك لا يستحقه إلا الحق فكبرياء ألوهيته التي هي عبارة عن استغنائه عما سواه وعظمة وجوبه الذاتي الذي هو عبارة عن استقلاله واستغنائه ومثلهما بالرداء والإزار إدناء للمتوهم من المشاهد وإبرازا للمعقول في صورة المحسوس فلما لا يشارك الرجل في ردائه وإزاره لا يشارك الباري في هذين فإنه الكامل المنعم المنفرد بالبقاء وما سواه ناقص محتاج على صدد الفناء {كل شيء هالك إلا وجهه} وكل مخلوق استعظم نفسه واستعلى على الناس فهو مزور ينازع رب العزة في حقه مستوجب لأقبح نقمه وأفظع عذابه أعاذنا الله منه ومن موجبه

(ك عن أبي هريرة)

ص: 484

6035 -

(قال الله تعالى: الكبرياء ردائي والعز إزاري من نازعني في شيء منهما عذبته) أي عاقبته وأصله الضرب ثم استعمل في كل عقوبة وقال حجة الإسلام: معناه أن العظمة والكبرياء من الصفات التي تختص بي ولا تنبغي لأحد غيري كما أن رداء الإنسان وإزاره يختص به لا يشارك فيه وفيه تحذير شديد من الكبر ومن آفاته حرمان الحق وعمى القلب عن معرفة آيات الله وفهم أحكامه والمقت والبغض من الله وأن خصلة تثمر لك المقت من الله والخزي في الدنيا والنار في الآخرة وتقدح في الدين لحري أن تتباعد عنها وقال ابن عربي: عجبا للمتكبر وهو يعلم عجزه وذلته وفقره لجميع الموجودات وأن قرصة النملة والبرغوث تؤلمه والمرحاض يطلبه لدفع ألم البول والحزاة عنه ويفتقر إلى كسرة خبز يدفع بها ألم الجوع عن نفسه فمن صفته هذه كل يوم وليلة كيف يصح أن يدخل قلبه كبرياء ما ذاك إلا للطبع الإلهي على قلبه

(سمويه عن أبي سعيد) الخدري (وأبي هريرة) ورواه بنحوه أبو داود وابن ماجه أيضا

ص: 484

⦗ص: 485⦘

6036 - (قال الله تعالى: أحب عبادي) أي الصوام (إلي أعجلهم فطرا) أي أكثرهم تعجيلا للإفطار إذا تيقن الغروب لما فيه من الانقياد لأمر الشارع وسرعة ائتماره بأمره بمسارعة فطره ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة تمكن من أدائها بتوفر خشوع وحضور قلب أو المراد أحب عبادي إلي من يخالف المبتدعة الزاعمين أن تأخير الفطر لاشتباك النجوم أفضل إذ المراد جميع هذه الأمة الذين يتدينون بتأخير الفطر أي هي أحب إلي ممن قبلهم من الأمم والفضل للمتقدم وفيه إشارة إلى تحريم الوصال علينا لاقتضاء الخبر كراهة تأخير الفطر فكيف بتركه

(حم ت حب عن أبي هريرة) قال الترمذي: حسن غريب اه. وفيه مسلم بن علي الخشني قال في الميزان: شامي واه وقال البخاري: منكر الحديث والنسائي: متروك وابن عدي: حديثه غير محفوظ ثم ساق له هذا الخبر

ص: 485

6037 -

(قال الله تعالى: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء) يعني أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذ مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم لغبطوهم وقال البيضاوي: كل ما يتحلى به الإنسان ويتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله تعالى منزلة لا يشاركه فيها من لم يتصف بها وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدرا وأعز ذخرا فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون مثل ذلك مضموما إلى ما له من المراتب الرفيعة الشريفة فذلك معنى قوله يغبطهم النبيون لأن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق وإظهار الحق وإعلاء الدين وإرشاد العامة وتكميل الخاصة إلى غير ذلك من كليات تشغلهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات والقيام بحقوقهم والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة لكنهم إذا رأوا يوم القيامة منازلهم وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله ودوا لو كانوا ضامين خصالهم إلى خصالهم فيكونوا جامعين بين الحسنيين فائزين بالمرتبتين هذا من أولى ما قيل في التأويل وأما قول السبكي هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب وأما أولئك فلا بد من سؤالهم عن التبليغ فيغبطون السالم من ذلك التعب لراحته ولا يلزم أن يكون حالة الراحة أفضل تعقبه ابن شهبة بأن المتحابين في مقام الولاية وهي أول درجة النبي قبل النبوة ولا يمكن أن يحصل للولي خصلة ليست للنبي قال: والجواب المرضي عندي أنهم لا يغبطونهم على منابر النور والراحة بل على المحبة فإن المحبة في الله محبة لله وهو مقام يتنافس به فالغبطة على محبة الله لا على مواهبه انتهى

(ت عن معاذ) ابن جبل ورواه الطبراني عن العرباض باللفظ المزبور قال الهيثمي: وإسنادهما جيد ومن ثم رمز المصنف لحسنه

ص: 485

6038 -

(قال الله تعالى وجبت) وفي رواية حقت (محبتي للمتحابين في والمتجالسين في) أي يتجالسون في محبتي بذكري وكان الجنيد أبدا مشغولا في خلوته فإذا دخل إخوانه خرج وقعد معهم ويقول لو أعلم شيئا أفضل من مجالستكم ما خرجت إليكم وذلك لأن لمجالسة الخواص أثرا في صفاء الحضور ونشر العلوم ما ليس لغيرهم (والمتباذلين في) أي بذل كل واحد منهم لصاحبه نفسه وماله في مهماته في جميع حالاته كما فعل الصديق رضي الله عنه ببذل نفسه ليلة الغار وماله حتى تخلل بعباءة لا لغرض من الدنيا ولا لدار القرار (والمتزاورين في) زاد الطبراني في روايته والمتصادقين في وذلك لأن قلوبهم لهت عن كل شيء سواه فتعلقت بتوحيده فألف بينهم بروحه وروح الجلال أعظم شأنا أن يوصف فإذا وجدت قلوبهم نسيم روح الجلال كادت تطير من أماكنها شوقا إليه وهم محبوسون بهذا الهيكل فصاروا في

⦗ص: 486⦘

اللقاء يهش بعضهم لبعض ائتلافا وتلذذا وشوقا لمحبوبهم الأعظم فمن ثم وجب لهم الحب ففازوا بكمال القرب قال ابن عربي: قد أعطاني الله من محبته الحظ الأوفر والله إني لأجد من الحب ما لو وضع على السماء لانفطرت وعلى النجوم لانكدرت وعلى الجبال لسيرت والحب على قدر التجلي والتجلي على قدر المعرفة لكن محبة العارف لا أثر لها في الشاهد

(حم طب ك عن معاذ) بن جبل قال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبي وقال في الرياض: حديث صحيح وقال المنذري: إسناده صحيح وقال الهيثمي: رجال أحمد والطبراني وثقوا

ص: 485

6039 -

(قال الله تعالى أحب ما تعبدني) بمثناة فوقية أوله بضبط المصنف (به عبدي إلي) بالتشديد بضبطه (النصح لي) والنصح له وصفه بما هو أهله عقدا أو قولا والقيام بتعظيمه ظاهرا وباطنا والرغبة في محابه وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه وقال الحكيم: النصح لله أن لا يخلط بالعبودية شأن الأحرار وأفعالهم فيكون في سره وعلنه قد آثر أمر الله على هواه وحق الله على شهواته فإن خلط فيه ما ليس منه كانت العبودية مغشوشة والغش ضد النصح

(حم عن أبي أمامة) رمز المصنف لحسنه وليس كما قال فقد قال زين الحفاظ في شرح الترمذي بعدما عزاه لأحمد: إسناده ضعيف اه. وأعله الهيثمي بأن فيه عبد الله بن زحر عن علي بن زيد وكلاهما ضعيف

ص: 486

6040 -

(قال الله تعالى أيما عبد من عبادي يخرج مجاهدا في سبيلي ابتغاء مرضاتي ضمنت له أن أرجعه) إلى وطنه (إن أرجعته) إليه (بما) أي الذي (أصاب من أجر أو غنيمة وإن قبضته) أي توفيته (أن أغفر له وأرحمه وأدخله الجنة) لجوده بنفسه وبذله إياها في رضى الذي خلقه

(حم ن عن ابن عمر) بن الخطاب رمز المصنف لصحته

ص: 486

6041 -

(قال الله تعالى) يا محمد (افترضت على أمتك خمس صلوات) في اليوم والليلة (وعهدت عندي عهدا أنه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة) أي مع السابقين الأولين (ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي) أخبر عباده أن تقربهم إليه بالعبادة فمن تقرب إليه بالطاعة تقرب الله منه بالتوفيق والاستطاعة <تنبيه> قال بعض الكاملين: رضاء الله تعالى في فرائضه والتقصير في الفرائض هو الذي أهلك النفوس ونكس الرؤوس فلو أتى بالفرائض على حسب الأمر لكان فيها رضى الله وغاية الدرجات

(هـ عن أبي قتادة) رمز المصنف لحسنه ورواه عنه أيضا أبو نعيم والديلمي

ص: 486

6042 -

(قال الله تعالى إذا بلغ عبدي) أي المؤمن إذ أكثر الأمور الآنية إنما تتأتى فيه (أربعين سنة) وهو أحسن العمر واستكمال الشباب واستجماع القوة (عافيته من البلايا الثلاث من الجنون والبرص والجذام) لأنه عاش في الإسلام عمرا تاما ليس بعده إلا الإدبار فثبت له من الحرمة ما يدفع به عنه هذه الآفات التي هي من الداء العضال (وإذا بلغ خمسين سنة حاسبته

⦗ص: 487⦘

حسابا يسيرا) لأن الخمسين نصف أرذل العمر الذي يرتفع ببلوغه الحساب جملة فببلوغ النصف الأول يخفف حسابه وخفة الحساب في الدنيا ألا ينزع منه البركة ولا يحرمه الطاعة ولا يخذله (وإذا بلغ ستين سنة) وهو عمر التذكر والتوفيق الذي قال الله تعالى فيه {أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر} (حببت إليه الإنابة) أي الرجوع إليه لكونه مظنة انتهاء العمر غالبا (وإذا بلغ سبعين سنة أحبته الملائكة) لأنه شهر حبه فيهم كما يقال هذا عبد قد كان في عبودية مولاه حفيا لم يأبق منه ولم يول عنه حتى شاخ في الإسلام وذهبت فيه قوته (وإذا بلغ ثمانين سنة) وهو الخرف (كتبت حسناته وألقيت سيئاته) لأن تعميره في الإسلام ضعف الأربعين أوجب له هذه الحرمة (وإذا بلغ تسعين سنة) وهو الفناء وقد ذهب أكثر العقل وهو منتهى أعمار هذه الأمة غالبا (قالت الملائكة أسير الله في أرضه) لأنه عجز وهو في ربقة الإسلام كأسير في وثاق لا يستطيع براحا (فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ويشفع في أهله) تمامه عند مخرجه الحكيم فإذا بلغ أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا كتب له ما كان يعمل في صحته من الخير وإن كان عمل سيئة لم تكتب اه وحذف المصنف له غير جيد ثم قال الحكيم: هذا من جيد الحديث وقد أتت روايات أخر وليس فيها حكاية عن الله وهذا حديث يخبر عن حرمة الإسلام وما يوجب الله لمن قطع عمره مسلما من الإكرام ومثال هذا موجود في خلقه ترى الرجل يشتري عبدا فإذا أتت عليه ستون سنة فيقول قد طالت صحبة هذا وعتق عندنا فترفع عنه بعض العبودية وتخفف عنه في ضريبته فإذا زادت مدة صحبته زيد رفقا وعطفا والعبد لا يخلو من تخليط وإساءة فمولاه لطول صحبته لا يمنعه رفقه ورفده ولا يتعبه فإذا شاخ أعتقه

(الحكيم) الترمذي (عن عثمان) بن عفان وفيه مجهول وضعيف

ص: 486

6043 -

(قال الله تعالى إذا وجهت إلى عبد من عبيدي مصيبة) أي شدة وبلاء (في بدنه أو في ولده أو في ماله فاستقبله بصبر جميل استحييت يوم القيامة أن أنصب له ميزانا أو أنشر له ديوانا) أي أترك النصب والنشر ترك من يستحي أن يفعلهما لما مر أنه سبحانه إذا وصف بالاستحياء فالمراد به الشيء اللازم لانقباض النفس كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لعينهما واشترط جمال الصبر في صبره وهو الرضى لأن الصبر ثلاثة صبر الموحدين وصبر المقصرين وصبر المقربين فصبر الموحدين أن لا يسخطوا على ربهم بل صبروا على إيمانهم به وأعملوا جوارحهم في المعاصي وهو صبر ممزوج بالجزع فهو صبر الظالمين لأنفسهم وصبر المقصرين صبر بالقلب والجوارح فرضوا بقلبهم وحفظوا جوارحهم عن العصيان وفي النفس كره فلم يملكوا أكثر من هذا لحياة نفوسهم بالشهوات وصبر المقربين هو الرضى مع غلبة حلاوة التسليم وموت الشهوة فإذا صار العبد إلى هذه الدرجة لا يحاسب ولا يشاحح ويجاد عليه كما جاد بنفسه التي لا شيء عنده أعظم منها فألقاها بين يديه

<تنبيه> قال القرطبي: فيه أن الميزان حق ولا يكون في حق كل أحد فمن لا حساب عليه لا يوزن عليه والمجرمون يعرفون بسيماهم وإنما يكون لمن بقي من أهل المحشر ممن خلط عملا صالحا وآخر سيئا من المؤمنين وقد يكون من الكفار وذكر حجة الإسلام أن الذين لا يحاسبون لا يرفع لهم ميزان ولا يأخذون صحفا وإنما هي براءات مكتوبة

(الحكيم) في النوادر (عن أنس) ورواه عنه ابن عدي باللفظ المزبور قال الحافظ العراقي: وسنده ضعيف

ص: 487

⦗ص: 488⦘

6044 - (قال الله تعالى حقت محبتي للمتحابين في وحقت محبتي للمتواصلين في وحقت محبتي للمتناصحين في وحقت محبتي للمتزاورين في وحقت محبتي للمتباذلين في) قال العلائي: معنى التباذل أن يبذل كل منهما ماله لأخيه متى احتاجه لا لغرض دنيوي قال بعضهم: هدية النظير للنظير الغالب فيها التودد والتقرب ومن المتدينين من يقصد بها التباذل كما حكى أن بعض الصوفية زار شيخه فأعطاه الشيخ ثوبا من ثيابه فلما ولى استدعاه الشيخ وقال هل معك شيء تدفعه لي فدفع إليه سجادته فقال أعلم أن هذه مباذلة لا مبادلة لعلنا أن ندخل في هذا الخبر وساقه (المتحابون في) يكونون يوم القيامة (على منابر) جمع منبر (من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء) فقد عرفت مما مر بك من التقرير آنفا في مثله أنه ليس المراد أن الأنبياء ومن معهم يغبطون المتحابين حقيقة بل القصد بيان فضلهم وعلو قدرهم عند ربهم على آكد وجه وأبلغه

(حم طب ك عن عبادة) بن الصامت قال الهيثمي: رجال أحمد والطبراني موثقون

ص: 488

6045 -

(قال الله تعالى إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه) بالتثنية أي محبوبتيه أي بفقدهما وفسره الراوي أو المصنف بقوله (يريد عينيه) سماهما بذلك لأن العالم عالمان عالم الغيب وعالم الشهادة وكل منهما محبوب ومدرك الأول البصيرة ومدرك الثاني البصر واشتق الحبيب من حبة القلب وهي سويداؤه نظير سواد العين قال أبو الطيب:

يود أن سواد الليل دام له. . . يزيد فيه سواد القلب والبصر

ولأن السرور يكنى عنه بقرة العين لما يشاهد المحبوب ويكنى عن الحزن بسخونتها للمفارقة عنه (ثم صبر) زاد الترمذي واحتسب بأن يستحضر ما وعد به الصابرون ويعمل به (عوضته منهما الجنة) أي دخولها لأن فاقدهما حبيس فالدنيا سجنه حتى يدخل الجنة فيا له من عوض ما أعظمه والالتذاذ بالبصر يفنى بفناء الدنيا والالتذاذ بالجنة باق ببقائها قال الطيبي: وثم للتراخي في الرتبة لأن ابتلاء الله العبد نعمة وصبره عليه مقتض لتضاعف تلك النعمة لقوله {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} ولما أصيب ابن عباس ببصره أنشد:

إن يذهب الله من عيني نورهما. . . ففي لساني وقلبي للهدى نور

عقلي ذكي وقولي غير ذي خطل. . . وفي فمي صارم كالسيف مأثور

(حم خ) في كتاب المرض (عن أنس) بن مالك

ص: 488

6046 -

(قال الله تعالى إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين لم أرض له بهما ثوابا دون الجنة إذا هو حمدني عليهما) وفي رواية حبيبتيه سماهما بذلك لما فيهما من جلب المسار ودفع المضار وتوقي الأخطار وقيل سماهما كريمتين لكثرة منافعهما دينا ودنيا ولأنهما أحب أعضاء الإنسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوت رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به أو شر فيجتنبه وإذا كان ثوابه الجنة فمن له عمل صالح آخر يزداد له في الدرجات قال داود:

⦗ص: 489⦘

يا رب ما جزاء الحزين يصبر على المصائب ابتغاء مرضاتك قال: جزاءه أن ألبسه لباس الإيمان فلا أنزعه عنه أبدا وقال حجة الإسلام في كشف علم الآخرة: في الحديث الصحيح إن أول من يعطيهم الله أجورهم الذين ذهبت أبصارهم ينادي يوم القيامة بالمكفوفين فيقال لهم أنتم أحرى أي أحق من ينظر إلينا ثم يستحي الله تعالى منهم ويقولون لهم اذهبوا إلى ذات اليمين ويعقد لهم راية تجعل بيد شعيب عليه السلام فيصير إمامهم ومعهم من ملائكة النور ما لا يحصى عددهم إلا الله يزفونهم كما تزف العروس فيمر بهم على الصراط كالبرق الخاطف هذا فيمين صفته الصبر والحلم كابن عباس ومن ضاهاه من الأمة

(طب حل عن عرباض) بن سارية قال الهيثمي: فيه أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف

ص: 488

6047 -

(قال الله تعالى إني أنا الله) أي أنا المعروف المشهور بالوحدانية أو المعبود بحق فهو من قبيل أنا أبو النجم (لا إله إلا أنا) حال مؤكدة لمضمون هذه الجملة (من أقر لي بالتوحيد دخل حصني ومن دخل حصني آمن من عذابي) لأنه أثبت عقد المعرفة بالاله قلبا وباللسان نطقا أنه إلهه فدخل في حصن كثيف فاستوجب الأمن قال الإمام الرازي: لا إله إلا الله محمد رسول الله أربعة وعشرون حرفا وساعات الليل والنهار كذلك فكأنه قيل كل ذنب أذنب من صغيرة وكبيرة سر وجهر خطأ وعمد قول وفعل في هذه الساعات مغفورة بهذه الحروف والكلمات والشهادتان سبع كلمات وللعبد سبعة أعضاء وللنار سبعة أبواب فكل كلمة من السبع تغلق بابا من الأبواب السبعة على عضو من الأعضاء السبعة وقال الإمام الرازي أيضا: جعل الله العذاب عذابين أحدهما السيف من يد المسلمين والثاني عذاب الآخرة فالسيف في غلاف يرى والنار في غلاف لا يرى فقال لرسوله من أخرج لسانه من الغلاف المرئي وهو الفم فقال لا إله إلا الله أدخلنا السيف في الغمد الذي يرى وصار محسنا ومن أخرج لسان القلب من الغلاف الذي لا يرى وهو السر فقال لا إله إلا الله أدخلنا سيف عذاب الآخرة في غمد الرحمة وأدخلنا القائل في حصنها حتى يكون واحدا بواحد ولا ظلم ولا جور <فائدة> في تاريخ نيسابور للحاكم أن عليا الرضى بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين لما دخل نيسابور كان في قبة مستورة على بغلة شهباء وقد شق بها السوق فعرض له الإمامان الحافظان أبو زرعة الرازي وابن أسلم الطوسي ومعهما من أهل العلم والحديث من لا يحصى فقالا أيها السيد الجليل ابن السادة الأئمة بحق آبائك الأطهرين وأسلافك الأكرمين إلا ما أريتنا وجهك الميمون ورويت لنا حديثا عن آبائك عن جدك نذكرك به؟ فاستوقف غلمانه وأمر بكشف المظلة وأقر عيون الخلائق برؤية طلعته فكانت له ذؤابتان متدليتان على عاتقه والناس قيام على طبقاتهم ينظرون ما بين باك وصاخ ومتمرغ في التراب ومقبل لحافر بغلته وعلا الضجيج فصاحت الأئمة الأعلام: معاشر الناس انصتوا واسمعوا ما ينفعكم ولا تؤذونا بصراخكم وكان المستملي أبو زرعة والطوسي فقال الرضى حدثنا أبي موسى الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه شهيد كريلاء عن أبيه على المرتضى قال حدثني حبيبي وقرة عيني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حدثني جبريل عليه السلام قال حدثني رب العزة سبحانه يقول كلمة لا إله إلا الله حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي ثم أرخى الستر على القبة وسار فعد أهل المحابر والدواين الذين كانوا يكتبون فأنافوا على عشرين ألفا. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري: اتصل هذا الحديث بهذا السند ببعض أمراء السبامانية فكتبه بالذهب وأوصى أن يدفن معه في قبره فرؤي في النوم بعد موته فقيل ما فعل الله بك قال غفر لي بتلفظي بلا إله إلا الله وتصديقي بأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الجمال الزرندي في معراج الوصول أن الحافظ أبا نعيم روى هذا الحديث بسنده عن أهل البيت إلى علي سيد الأولياء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء حدثني جبريل عليه السلام سيد الملائكة

⦗ص: 490⦘

قال قال الله تعالى {إني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني} فمن جاء منكم بشهادة أن لا إله إلا الله بالإخلاص دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي

(الشيرازي) في الألقاب (عن علي) أمير المؤمنين ونحوه خبر الحاكم في تاريخه وأبو نعيم عن علي أيضا لا إله إلا الله حصني إلخ قال الحافظ العراقي: إسناده ضعيف وقول الديلمي: حديث ثابت مردود

ص: 489

6048 -

(قال الله تعالى يا ابن آدم) إنك (مهما عبدتني) كذا بخط المصنف وفي نسخ دعوتني بمغفرة ذنوبك كما يدل عليه السياق الآتي (و) الحال أنك (رجوتني) بأن ظننت تفضلي عليك بإجابة دعائك وقوله إذ الرجاء تأميل الخير وقرب وقوعه (ولم تشرك بي شيئا غفرت لك) ذنوبك أي سترتها عليك بعدم العقاب في الآخرة (على ما كان منك) من المعاصي وإن تكررت وتكثرت (وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوبا استقبلتك بملئهن من المغفرة وأغفر لك ولا أبالي) ولا أكترث بذنوبك ولا أستكثرها وإن كثرت فلا يتعاظمه شيء ولأنه لا حجر عليه تعالى فيما يفعله أو معنى لا أبالي لا أشغل بالي به قالوا: لا يوجد في الأحاديث أرجى من هذا قال المظهر: ولا يجوز لأحد أن يغتر به ويقول أكثر من الخطيئة ليكثر الله مغفرتي وإنما قاله لئلا ييأس المذنبون من رحمته ولله مغفرة وعقوبة لكن مغفرته أكثر لكن لا يعلم أحد أنه من المغفورين أو من المعاقبين فينبغي التردد بين الخوف والرجاء وقال الطيبي: هذا عام خص بحسب الأحوال والأزمان فإن جانب الخوف ينبغي رجحانه ابتداء والرجاء انتهاء أو مطلق محمول على المقيد بالمشيئة في {ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} أو بالعمل الصالح مع الإيمان

(طب عن أبي الدرداء) رمز المصنف لحسنه قال الهيثمي: رواه الطبراني في الثلاثة وفيه إبراهيم بن إسحاق الضبي وقيس بن الربيع وفيهما خلاف وبقية رجاله رجال الصحيح

ص: 490

6049 -

(قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء) أي أنا قادر على أن أعمل به ما ظن أني أعامله أو أنا عند علمه وإيمانه بما وعدت من قبول حسناته والعفو عن زلاته وإجابة دعواته عاجلا وآجلا أو المراد أنا عند أمله ورجائه قال في المطامح: هذا أصل عظيم في حسن الرجاء في الله وجميل الظن به وليس لنا وسيلة إليه إلا ذلك قالوا: والأفضل للمريض أن يكون رجاؤه أغلب قال القرطبي: وقد كانوا يستحبون تلقين المحتضر محاسن عمله ليحسن ظنه بربه وقال البناني: كان شاب دهق فلما نزل به الموت أكبت أمه عليه تقول يا بني كنت أحذرك مصرعك هذا قال يا أماه لي رب كثير المعروف وإني لأرجو اليوم أن لا يعدمني معروفه

<تنبيه> قال ابن أبي جمرة: المراد بالظن هنا العلم لقوله {وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه} وفي المفهم معنى ظن عبدي بي ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكا بصادق وعده قال في الحكم: لا يعظم الذنب عند الحاكم عظمة تقنطك من حسن الظن بالله فإن من عرف ربه استصغر في جنب كرمه ذنبه لا صغيرة إذا قابلك عدله ولا كبيرة إذا واجهك فضله (مهمة) قال العارف الشاذلي: قرأت ليلة {قل أعوذ برب الناس} فقيل لي شر الوسواس وسواس يدخل بينك وبين حبيبك يذكرك أفعالك السيئة وينسيك ألطافه الحسنة ويقلل عندك ذات اليمين ويكثر عندك ذات الشمال ليعدل بك عن حسن الظن بالله وكرمه إلى سوء الظن بالله ورسوله فأحذرك هذا الباب فقد أخذ منه خلق كثير من العباد والزهاد وأهل الطاعة والسداد

(طب ك) في التوبة (عن وائلة) بن الأسقع قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رجاله ثقات وهذا في الصحيحين بدون قوله ما شاء

ص: 490

⦗ص: 491⦘

6050 - (قال الله تعالى يا ابن آدم قم إلي أمش إليك وامش إلي أهرول إليك) قال بعض العارفين: هذا وأشباهه إن خطر ببالك أو تصور في خيالك أن ذلك قرب مسافة أو مشي جارحة فأنت هالك فإنه سبحانه بخلاف ذلك وإنما معناه أنك إذا تقربت إليه بالخدمة تقرب منك بالرحمة أنت تتقرب منه بالسجود وهو يتقرب منك بالجود

(حم) من حديث شريح بن الحارث (عن رجل) من الصحابة قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شريح وهو ثقة

ص: 491

6051 -

(قال الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي إن ظن) بي (خيرا فله) مقتضى ظنه (وإن ظن) بي (شرا) أي أني أفعل به شرا (فله) ما ظنه فالمعاملة تدور مع الظن فإذا أحسن ظنه بربه وفى له بما أمل وظن والتطير سوء الظن بالله وهروب عن قضائه فالعقوبة إليه سريعة والمقت له كائن ألا ترى إلى العصابة التي فرت من الطاعون كيف أماتهم؟ قال الحكيم الترمذي: الظن ما تردد في الصدر وإنما يحدث من الوهم والظن هاجسة النفس وللنفس إحساس بالأشياء فإذا عرض أمر دبر لها الحس شأن الأمر العارض فما خرج لها من التدبير فهو هواجس النفس فالمؤمن نور التوحيد في قلبه فإذا هجست نفسه لعارض أضاء النور فاستقرت النفس فاطمن القلب فحسن ظنه لأن ذلك النور يريه من علائم التوحيد وشواهده ما تسكن النفس إليه وتعلمه أن الله كافيه وحسبه في كل أموره وأنه كريم رحيم عطوف به فهذا حسن الظن بالله وأما إذا غلب شره النفس وشهواتها فيفور دخان شهواتها كدخان الحريق فيظلم القلب وتغلب الظلمة على الضوء فتحيى النفس بهواجسها وأفكارها وتضطرب ويتزعزع القلب عن مستقره وتفقد الطمأنينة وتعمى عين الفؤاد لكثرة الظلمة والدخان فذلك سوء الظن بالله فإذا أراد الله بعبد خيرا أعطاه حسن الظن بأن يزيده نورا يقذفه في قلبه ليقشع ظلمة الصدر كسحاب ينقشع عن ضوء القمر ومن لم يمنح ذلك فصدره مظلم لما أتت به النفس من داخل شهواتها والعبد ملوم على تقوية الشهوات من استعمالها فإذا استعملها فقد قواها ككانون: كلما ألقيت فيه حطبا ازداد لظما ودخانا

(حم عن أبي هريرة) قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وفيه كلام معروف

ص: 491

6052 -

(قال الله تعالى لعيسى) ابن مريم (يا عيسى إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا الله وشكروا له وإن أصابهم ما يكرهون صبروا واحتسبوا ولا حلم) لهم باللام (ولا علم قال يارب كيف يكون هذا لهم ولا حلم ولا علم قال أعطيهم من حلمي وعلمي) قال الطيبي: قوله ولا حلم ولا علم تأكيد لمفهوم صبروا واحتسبوا لأن معنى الاحتساب أن يبعثه على العمل الصالح الإخلاص وابتغاء مرضاة الرب لا الحلم ولا العلم فحينئذ يتوجه عليه أنه كيف يصبر ويحتسب من لا علم له ولا حلم فيقال إذا أعطاه من حلمه يتحلم ويتعلم بحلم الله وعلمه وفي موضع يتعلم موضع العقل إشارة إلى عدم جواز نسبة العقل وهو القوة المتهيئة لقبول العلم إلى الله تعالى عن صفات المخلوقين وقال الحكيم: هذه أمة مختصة بالوسائل من بين الأمم محبوة بالكرامات مقربة بالهدايات محفوظة من الولايات تولى الله هدايتهم وتأديبهم يسمون في التوراة صفوة الرحمن وفي الإنجيل حلماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء وفي القرآن {أمة وسطا} و {خير أمة أخرجت للناس} وقوله صبروا واحتسبوا: الاحتساب أن يرى ذلك الشيء الذي أخذه لله وإن كان صبره باسمه

⦗ص: 492⦘

فالأصل لله وقوله صبروا أي ثبتوا فلم يزل أحدهم عن مقامه بزوال ذلك الشيء عنه فإن المؤمن يقول: إنا لله وها أنا بين يديه في طاعته ونعمه علي سابغة فإذا امتحنه فأزال عنه نعمه زال عن مقامه ذلك طلبا لتلك النعمة التي زالت فليس هذا إثبات وقوله ولا حلم ولا علم كأنه يخبر أنه تعالى قدر حلما وعلما لخلقه يتحالمون به بينهم ويعلمون فبذلك الحلم والعلم يتخلقون وفي حديث إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وكانت هذه الأمة آخر الأمم فرق ذلك فيهم ودق فلو تركهم على رقة تلك الأخلاق ورقة تلك الحلوم وقلة العلم لم ينالوا من الخير إلا قليلا ولم يزل الناس ينقصون من الخلق والرزق والعمر من زمن نوح فكان أحدهم يعمر ألف سنة وطوله ستون ذراعا والرمانة يقعد في قشرتها عشرة رجال فلم تزل تنقص إلى الآن فانظر كم بين الخلقين والعمرين والرزقين؟ فكذا الخلقين لم يبق لنا من الحلم والعلم إلا قليلا ما نفسد أكثر مما نصلح فإن صبروا واحتسبوا أعطاهم وقوله أعطيتهم من حلمي وعلمي فالعلم النور يقذف في قلوبهم فينشرح الصدر فيتسع بذلك علمه والحلم اتساع القلب فكلما دخلته فكرة انهضم كما ينهضم الطعام في المعدة فاتسع القلب وصلحت فيه الأمور وقال ابن عربي: هذه الأمة في أول دورة الميزان ومدتها ستة آلاف سنة روحانية محققة ولهذا ظهر فيها من العلوم الإلهية ما لم يظهر في غيرها من الأمم فإن الدورة التي انقضت كانت ترابية فغاية علمهم بالطبائع والإلهيون فهم غرباء قليلون جدا لا يكاد يظهر لهم أثر ثم إن المتأله منهم ممتزج بالطبيعة ولا بد والمتأله منا صرف خالص لا سبيل لحكم الطبع عليه

(حم طب ك هب) وكذا الحكيم (عن أبي الدرداء) قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير الحسن بن سوار وأبو حليس يزيد بن ميسرة وهما ثقتان

ص: 491

6053 -

(قال الله تعالى: يا ابن آدم اثنتان لم يكن لك واحدة منهما جعلت لك نصيبا من مالك حين أخذت بكظمك) بالتحريك أي عند خروج نفسك وانقطاع نفسك (لأطهرك به) من أدناسك (وأزكيك وصلاة عبادي عليك بعد انقضاء أجلك) قال الفاكهاني: من خصائص هذه الأمة الصلاة على الميت والإيصاء بالثلث

(هـ عن ابن عمر) بن الخطاب

ص: 492

6054 -

(قال الله تعالى: من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له) قال المظهر: فيه أن الاعتراف بذلك سبب للغفران وهو نظير أنا عند ظن عبدي بي وقد عير الله قوما فقال {وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم} {وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا} قال الطيبي: وقوله من علم إلخ تعريض للوعيد به وبمن قال إن الله لا يغفر الذنوب بغير توبة ويشهد للتعريض قوله (ولا أبالي) أي لا أحتفل (ما لم يشرك بي شيئا) وفيه رد على المعتزلة القائلين بالحسن والقبح العقليين وروي أن حماد بن سلمة عاد سفيان فقال سفيان: أترى يغفر الله لمثلي؟ قال: والله لو خيرت بين محاسبة الله إياي ومحاسبة أبوي ما اخترت إلا محاسبة الله لأنه أرحم بي منهما. قالوا: وهذا أرجى حديث في السنة ولا يغتر به فإنه تعالى كما أنه عظيم الثواب شديد العقاب فعقابه عظيم كما أن عفوه واسع جسيم يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء

(طب ك) في التوبة (عن ابن عباس) قال الحاكم: صحيح فرده الذهبي بأن جعفر بن عمر العدني أحد رجاله واه فالصحة من أين؟

ص: 492

6055 -

(قال الله تعال: ابن آدم اذكرني بعد الفجر وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما) قال ابن رجب: يشير إلى أن

⦗ص: 493⦘

الأعمال بالخواتم فإذا كان البداءة والختام بخير شمل الخير ورجاء المغفرة حكم الجميع

(حل عن أبي هريرة) ورواه ابن المبارك في الزهد عن الحسن مرسلا

ص: 492

6056 -

(قال الله تعالى إن المؤمن مني بعرض كل خير إني أنزع نفسه من جنبيه وهو يحمدني) قال بعض الصحابة: مررت على سالم مولى أبي حذيفة في القتلى وبه رمق فقلت: أسقيك فقال جرني قليلا إلى العدو واجعل الماء في الترس فإني صائم فإن عشت إلى الليل شربته وقال الإمام الرازي: حكمة سؤال الملكين أن الملائكة لما طعنت في بني آدم بعث الله إليه ملكين يسألانه عن ربه ودينه فيقول ربي الله وديني الإسلام فيقول الله انظروا إليه أخذت روحه وماله وزوجته: فماله لعدوه وزوجته تحت غيره ومع ذلك هو مقر بتوحيدي وتنزيهي لتعلموا أني أعلم ما لا تعلمون

(الحكيم) الترمذي (عن ابن عباس وعن أبي هريرة) ورواه أحمد بنحوه

ص: 493

6057 -

(قال الله تعالى أنا أكرم وأعظم عفوا من أن أستر على عبد مسلم في الدنيا ثم أفضحه بعد أن سترته ولا أزال أغفر لعبدي ما استغفرني) أي في مدة دوام استغفاره لي وإن تاب ثم عاود الذنب ثم تاب وهكذا إلى ما لا يحصى

(الحكيم) في النوادر (عن الحسن) البصري (مرسلا عق عنه) أي الحسن (عن أنس) وفيه أيوب بن ذكوان قال في الميزان: عن البخاري: منكر الحديث وعن الأزدي: متروك الحديث وعن ابن عدي: ما يرويه لا يتابع عليه وفي اللسان: ذكر العقيلي هذا الحديث فيما أنكر عليه ثم قال: وروي من غير هذا الوجه بمعنى هذا اللفظ بإسناد أصلح منه

ص: 493

6058 -

(قال الله تعالى حقت محبتي على المتحابين) أي في الله (أظلهم في ظل العرش يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظلي) لأنهما لما تحابا في الله وتواصلا بروح الله وتآلفا بمحبته فكان ذلك منهما احتياشا إلى الله فآواهما إلى ظله

(ابن أبي الدنيا) أبو بكر القرشي (في كتاب الإخوان عن عبادة بن الصامت) ظاهر صنيع المصنف أنه لم يره مخرجا لأحد من المشاهير وهو ذهول فقد خرجه أحمد والطبراني باللفظ المزبور قال الهيثمي: ورجاله وثقوا اه. فعدول المصنف لابن أبي الدنيا واقتصاره عليه غير جيد

ص: 493

6059 -

(قال الله تعالى لا يذكرني عبد في نفسه إلا ذكرته في ملأ) بفتح الميم واللام مهموز أي جماعة قال ابن حجر: يستفاد منه أن الذكر الخفي أفضل من الجهري والتقدير إن ذكرني في نفسه ذكرته بثواب لا أطلع عليه أحدا وإن ذكرني جهرا ذكرته بثواب أطلع عليه الملأ الأعلى قال ابن بطال: هذا نص في أن الملائكة أفضل من الآدميين وهو مذهب جمهور أهل العلم وعليه شواهد من القرآن نحو {إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} والخالد

⦗ص: 494⦘

أفضل من الفاني فالملائكة أفضل وتعقبه جمهور أهل السنة بما هو معروف <تنبيه> قال بعض العارفين: الله تعالى له الأخلاق السنية وهي الأسماء الإلهية فمن ذكر الحق كان جليسه ومن كان جليسه فهو أنيسه فلا بد أن ينال من مكارم خلقه على قدر زمان مجالسته ومن جلس إلى قوم يذكرون الله أدخله معهم في رحمته وكرامته فإنهم القوم لا يشقى جليسهم فكيف يشقى من كان الحق جليسه (من ملائكتي ولا يذكرني في ملأ) أي جماعة من خواص خلقي المقبلين على ذكري داعيا لهم إلي أو ناشرا بينهم ثنائي أو دالا لهم على حقيقة ذكري أو مراقبتي أو شاغلا لهم بذكري (إلا ذكرته في الرفيق الأعلى) ظاهر هذا أن ذكر اللسان علانية أفضل من الذكر الخفي والذكر القلبي قال وهب: رأيت في بعض الكتب الإلهية أن الله يقول يا ابن آدم ما قمت لي بما يجب لي عليك أذكرك وتنساني وأدعوك وتفر مني خيري إليك نازل وشرك إلي صاعد

(طب عن معاذ بن أنس) بن مالك قال الهيثمي: إسناده حسن

ص: 493

6060 -

(قال الله تعالى عبدي) بحذف حرف النداء (إذا ذكرتني خاليا) عن الخلائق أو عن الالتفات لغيري وإن كنت معهم (ذكرتك خاليا) أي إن ذكرتني بالتنزيه والتقديس سرا ذكرتك بالثواب والرحمة سرا وقال ابن أبي جمرة: يحتمل كونه كقوله تعالى {اذكروني أذكركم} معناه اذكروني بالتعظيم أذكركم بالإنعام وقال تعالى {ولذكر الله أكبر} أي أكبر العبادات فمن ذكره وهو خائف أمنه أو مستوحش آنسه {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (وإن ذكرتني في ملأ ذكرتك في ملأ خير منهم وأكبر) وفي رواية بدله خير من الذين ذكرتني فيهم وهذا تنويه عظيم بشرف الذكر قال بعض العارفين: الذاكر ربه حياته متصلة دائمة لا تنقطع بالموت فهو حي وإن مات بحياة هي خير وأتم من حياة المقتول في سبيل الله ومن لا يذكر الله ميت وإن كان في الدنيا بين الأحياء فإنه حي بالحياة الحيوانية وجميع العالم حي بحياة الذكر فمثل الذاكر وغيره مثل الحي والميت وإنما كان الذاكر أفضل من الشهيد الغير الذاكر لقوله في الخبر المار ألا أخبركم بأفضل إلخ

(هب عن ابن عباس) ورواه عنه البزار قال الهيثمي: ورجاله رجال الصحيح غير بشر بن معاذ العقدي وهو ثقة

ص: 494

6061 -

(قال الله تعالى إذا ابتليت عبدي المؤمن) أي اختبرته وامتحنته (فلم يشكني) أي لم يخبر بما عنده من الألم (إلى عواده) أي زواره في مرضه وكل من أتاك مرة بعد أخرى فهو عائد لكنه اشتهر في عائد المريض كما سبق (أطلقته من إساري) أي من ذلك المرض (ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه) الذي أذهبه الألم (ودما خيرا من دمه) الذي أذهبه الألم (ثم يستأنف العمل) أي يكفر المرض عمله السيء ويخرج منه كيوم ولدته أمه ثم يستأنف وذلك لأن العبد لما تلطخ بالذنوب ولم يتب طهره من الدنس بتسليط المرض فلما صبر ورضي أطلقه من أسره بعد غفره ما كان من إصره ليصلح لجواره بدار إكرامه فبلاؤه نعمة وسقمه منة وفي إفهامه أنه إذا شكى لم ينل هذه المثوبة قال الغزالي: الشكوى معصية قبيحة من أهل الدين فكيف لا تقبح من رب العالمين فالأحرى الصبر على القضاء فإن كان ولا بد من الشكوى فإلى الله فهو المبلي وهو المعافي والشكوى ذل وإظهار الذل للعبيد مع كونهم أذلاء قبيح قال حكيم: لا تشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك نعم لا بأس بالإظهار إذا صحت النية كأن يصف ما به للطبيب أو لغيره ليعلمه الصبر أو ليظهر بذلك عجزه وافتقاره إلى ربه ولكن يحسن ممن عرف منه القوة والصرامة كما قيل لعلي في مرضه كيف

⦗ص: 495⦘

أنت قال بشر فنظر بعض القوم لبعض ظانين أنه شكاية فقال: أأتجلد على الله؟ فأحب إظهار عجزه لما علموه من قوته

(ك هق عن أبي هريرة) قال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبي في التلخيص لكنه قال في المهذب: لم يخرجه الستة لعلته اه. وقال العراقي: سنده جيد

ص: 494

6062 -

(قال الله تعالى عبدي المؤمن أحب إلي من بعض ملائكتي) فإنه تعالى خلقه في غاية الحسن والإتقان وأعلى منصبه على سائر الحيوان وجعله مختصرا من العالم المحيط مركبا من كثيف وبسيط لم يبق في الإمكان شيء إلا وأودع فيه في أول نشأته ومبانيه حتى برز على غاية الكمال وظهر في البرازخ بين الجلال والجمال فليس في الوجود عجز ولا في القدرة نقصان قال ابن عربي: صح ذلك عند ذوي العقول الراجحة بالدليل والبرهان ولهذا قال بعض الأئمة يعني الغزالي ليس أبدع من هذا العالم في الإمكان فانظر إلى ما تفرق في العالم الأكبر تجده في هذا العالم الإنساني من ملك وملكوت حتى إذا ظهر في العالم مثل إنما وجدته في الإنسان كالشعر والظفر وكما أن في العالم ماءا ملحا وعذبا وزعاقا ومرا فكذا في الإنسان: فالمالح في عينه والزعاق في منخريه والمر في أذنيه والعذب في فمه وكما أن في العالم ترابا وماءا وهواءا ونارا ففي الإنسان مثل ذلك وكما أن في العالم رياحا أربع شمالا وجنوبا وصبا ودبورا ففي الإنسان أربع قوى: جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وكما أن في العالم سباعا وشياطين وبهائم ففي الإنسان الافتراس وطلب القهر والغلبة والغضب والحقد والحسد والأكل والشرب والنكاح وكما أن في العالم ملائكة بررة سفرة ففي الإنسان طهارة وطاعة وكما أن في العالم من يظهر للأبصار ويخفى ففي الإنسان ظاهر وباطن: عالم الحس وعالم القلب فظاهره ملك وباطنه ملكوت وكما أن في العالم سماءا وأرضا ففي الإنسان علوا وسفلا فامش بهذا الاعتبار على العالم تجد النسخة الإلهية صحيحة ما اختل حرف ولا نقص معنى. والقصد بيان شرف الإنسان

(طس) وكذا الديلمي (عن أبي هريرة) قال الهيثمي: فيه ابن المهرم متروك

ص: 495

6063 -

(قال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين: إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي) فمن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس وذلك لأن من أعطى علم اليقين في الدنيا طالع الصراط وأهواله بقلبه فذاق من الخوف وركب من الأهوال ما لا يوصف فيضعه عنه غدا ولا يذيقه مرارته مرة ثانية وهذا معنى قول بعض العارفين لأنه لما صلى حر مخالفة القوى في الدنيا لم يذقه الله كرب الحر في العقبى. قال القرطبي: فمن استحى من الله في الدنيا مما يصنع استحى الله عن سؤاله في القيامة ولم يجمع عليه حياءين كما لم يجمع عليه خوفين وقال الحرالي: نار الحق في الدنيا للمعترف رحمة من عذاب النار تفديه من نار السطوة في الآخرة ومحمد عليه الصلاة والسلام يعطى الأمن يوم القيامة حتى يتفرغ للشفاعة وما ذاك إلا من الخوف الذي كان علاه أيام الدنيا فلم يجتمع عليه خوفان فكل من كان له حظ من اليقين فعاين منه ما ذاق من الخوف سقط عنه من الخوف بقدر ما ذاق هنا قال العارفون: والخوف خوفان خوف عقاب وخوف جلال والأول يصيب أهل الظاهر والثاني يصيب أهل القلوب والأول يزول والثاني لا يزول

(حل عن شداد بن أوس) ورواه البزار والبيهقي عن أبي هريرة

ص: 495

6064 -

(قال الله تعالى يا ابن آدم إن ذكرتني في نفسك) أي سرا وخيفة إخلاصا وتجنبا للرياء (ذكرتك في نفسي) أي

⦗ص: 496⦘

أسر بثوابك على منوال عملك وأتولى بنفسي إثابتك لا أكله لأحد من خلقي فهو وارد على منهج المشاكلة أو المعنى إن خلوت بذكري أخليت سرك عن سواي وإن أخفيت ذكرك إجلالا لي أخفيتك في غيبي فلا ينالك مكروه فتكون سري بين خلقي غاروا على أذكاره فغار على أوصافهم فهم خباياه في غيبه وأسراره في خلقه (وإن ذكرتني في ملأ) افتخارا بي وإجلالا لي بين خلقي (ذكرتك في ملأ خير منهم) أي ملأ الملائكة المقربين وأمواح المرسلين مباهات بك وإعظاما لقدرك وخيرية الملائكة من جهة أن حالتهم واحدة في الطاعة والمؤمنون مختلفون فهم بين طاعة ومعصية وفترة وتوفير وجد وتقصير والملأ الذي عنده مقدس لا يعصون الله بحال فقد تمسك بهذا من فضل الملائكة على البشر (وإن دنوت مني شبرا دنوت منك ذراعا وإن دنوت مني ذراعا دنوت منك باعا وإن أتيتني تمشي أتيتك أهرول) يعني من دنا إلي وقرب مني بالاجتهاد والإخلاص في طاعتي قربته بالهداية والتوفيق وإن زاد زدت واعلم أنه سبحانه وتعالى أقرب من كل شيء إلى كل شيء أبعد إلى كل شيء من كل شيء وقربه من خلقه أقسام ثلاثة قرب العامة وهو قرب العلم وقرب الخاصة وهو قرب الرحمة وقرب خاصة الخاصة وهو قرب الحفظ والرعاية ذكره بعض الأعاظم وقال ابن عربي: هذا قرب مخصوص يرجع إلى ما يتقرب إليه سبحانه من الأعمال والأحوال فإن القرب العام قوله {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} فضاعف القرب بالذراع فإن الذراع ضعف الشبر وما تقربت إليه إلا به لأنه لولا ما دعاك وبين لك طريق القرب وأخذ بناصيتك فيها لم تعرف الطريق التي يتقرب منه ما هي ولو عرفتها لم يكن لك حول ولا قوة إلا بالله اه. <تنبيه> قال العوفي: هذا الحديث أصل في السلوك إلى الله والوصول إلى معرفته

(حم عن أنس) بن مالك قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح

ص: 495

6065 -

(قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني) أي مدة دعائك فهي زمانية نحو {ما يتذكر فيه من تذكر} (ورجوتني) أي أملت مني الخير (غفرت لك) ذنوبك (على ما كان منك) من عظائم وجرائم أو ما دمت تدعوني وترجو مغفرتي ولا تقنط من رحمتي فإني أغفر لك ولا تعظم علي مغفرتك وإن كانت ذنوبك كثيرة وذلك لأن الدعاء مخ العبادة والرجاء متضمن لحسن الظن بالله وهو قال أنا عند ظن عبدي بي وعند ذلك تتوجه الرحمة له وإذا توجهت لا يتعاظمها شيء لأنها وسعت كل شيء (ولا أبالي) بذنوبك إذ لا معقب لحكمي ولا مانع لعطائي كأنه من البال فإنه إذا قيل لا أبالي كأنه قال لا يشتغل بالي بهذا الأمر أو نحوه قال الطيبي: في عدم مبالاته معنى قوله {لا يسأل عما يفعل} (يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك) بفرض كونها أجساما (عنان) بفتح المهملة سحاب (السماء) بأن ملأت ما بين السماء والأرض كما في الرواية الأخرى أو عنانها ما عن لك منها أي ظهر إذا رفعت رأسك ثم (استغفرتني) أي تبت توبة صحيحة (غفرت لك ولا أبالي) لأن الاستغفار استقالة والكريم محل إقالة العثرات وهذا على إطلاقه لأن الذنب إما شرك يغفر بالاستغفار أي التوبة منه وهو الإيمان أو دونه فبالندم والإقلاع بشرطه المعروف قال التوربشتي: العنان السحاب وإضافته على هذا المعنى إلى السماء غير فصيح وأرى الصواب أعنان السماء وهي صفائحها يحسها وما اعترض من أقطارها كأنه جمع عنن فلعل الهزة سقطت من بعض الرواة وورد أن العنان بمعنى العياء وأجاب الطيبي بأنه يمكن أن يجعل من باب قوله {فخر عليهم السقف من فوقهم} تصويرا لارتفاع شأن السحاب وأنه بلغ مبلغ السماء وقال القاضي: العنان السحاب الواحدة عنانة من عن إذا اعترض وأضيف إلى السماء لأنه معترض من دونها وقد يقال أعنان

⦗ص: 497⦘

السماء والمعنى أنه لو كثرت ذنوبك كثرة تملأ ما بين السماء والأرض بحيث تبلغ أقطارها وتعم نواحيها ثم استغفرتني غفرت لك جميعها غير مبال بكثرتها فإن استدعاء الاستغفار للمغفرة يستوي فيه القليل والكثير والجليل والحقير (يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض) بضم القاف ويقال بكسرها والضم كما في الرياض أفصح وأشهر أي بقريب ملئها أو مثلها وهو أشبه إذ الكلام سيق للمبالغة وقال القاضي: هو مأخوذ من القرب أي ما يقاربها في المقدار والقراب شبه جراب يضع فيها المسافر زاده وقراب السيف غمده (خطايا) قال الطيبي: تمييز من الإضافة نحو قولك ملأ الإناء عسلا (ثم لقيتني) أي مت حال كونك (لا تشرك بي شيئا) لاعتقادك لتوحيدي وتصديق رسلي وما جاؤوا به قال الطيبي: وثم للتراخي في الأخبار (لأتيتك بقرابها مغفرة) ما دمت تائبا عنها مستغفرا منها مستقبلا إياها وعبر به للمشاكلة وإلا فمغفرته أبلغ وأوسع من ذلك فهو بيان لكثرة مغفرته لئلا ييأس المذنبون عنها لكثرة الخطايا ولا يجوز الاغترار بهذا وإكثار المعاصي لأن لله عقوبة شديدة

(ت والضياء) المقدسي (عن أنس) بن مالك

ص: 496

6066 -

(قال الله تعالى عبدي) بحذف حرف النداء (أنا عند ظنك بي وأنا معك) بالتوفيق والمعونة أو أنا معك بعلمي وهو كقوله {إنني معكما أسمع وأرى} والمعية المذكورة أخص من المعية التي في قوله {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى أن قال {إلا هو معهم أينما كانوا} (إذا ذكرتني) أي دعوتني فاسمع ما تقوله فأجيبك وقال ابن أبي جمرة: أنا معك بحسب ما قصدت من ذكرك لي قال: ثم يحتمل أن يكون الذكر باللسان فقط أو بالقلب فقط أو بهما أو بامتثال الأمر وتجنب النهي قال: والذي تدل عليه الأخبار أن الذكر نوعان أحدهما مقطوع لصاحبه بما تضمنه مثل هذا الخبر والثاني على خطر قال: والأول يستفاد من قوله تعالى {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} والثاني من الحديث الذي فيه من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا لكن إن كان في حال المعصية يذكر الله بخوف ووجل مما هو فيه فإنه يرجى له

(ك عن أنس) بن مالك

ص: 497

6067 -

(قال الله تعالى للنفس اخرجي) من الجسد (قالت لا أخرج إلا كارهة) قال الطيبي: ليس المراد نفسا معينة بل الجنس مطلقا كقوله أمر على اللئيم يسبني وذلك لأنها ألفت الجسد واشتدت مصاحبتها له وامتزاجها به فلا تخرج إلا بغاية الإكراه

(خد عن أبي هريرة) ورواه عنه البزار هكذا وزاد قال اخرجي وإن كرهت قال الهيثمي: رجاله ثقات

ص: 497

6068 -

(قال الله تعالى يا ابن آدم ثلاثة واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي لك فما عملت من عمل جزيتك به فإن أغفر فأنا الغفور الرحيم وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء والمسألة وعلي الاستجابة والعطاء) تفضلا وتكرما لا وجوبا والتزاما فالاستجابة والعطاء أمر محقق لا ريب فيه لكن تارة يكون بعين المسؤول وتارة بدله مما هو أصلح وأنفع وتارة في الدنيا وأخرى في الآخرة

(طب عن سلمان) الفارسي رمز المصنف لحسنه قال الهيثمي: وفيه حميد بن الربيع مدلس وفيه ضعف

ص: 497

6069 -

(قال الله تعالى من لا يدعوني أغضب عليه) أي ومن يدعوني أحبه وأستجيب له وقيل في المعنى:

⦗ص: 498⦘

الله يغضب إن تركت سؤاله. . . وبني آدم حين يسأل يغضب

قال سبحانه {أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي} فقدم إجابته لنا إذا دعوناه على إجابتنا له إذا دعانا وجعل الاستجابة من العبد لأنها أبلغ من الإجابة لأنه سبحانه لا مانع له من الإجابة فلا فائدة للتأكيد وللإنسان موانع منها الهوى والنفس والشيطان والدنيا فلذلك أمر بالاستجابة فإن الاستفعال أشد في المبالغة من الأفعال وأين الاستخراج من الإخراج ولهذا يطلب الكون من الله العون (خاتمة) قالوا: هذه أحاديث قدسية وتفارق القرآن بأنه اللفظ المنزل للإعجاز بشيء منه والحديث القدسي إخبار الله نبيه معناه بإلهام أو منام فأخبر عنه بعبارة نفسه وبقية الأحاديث لم يضفها إليه ولم يروها فالقرآن أشرف الكل فالقدسي لأنه نص إلهي في الدرجة الثانية وإن كان بغير واسطة ملك غالبا لأن المنظور إليه معناه دون لفظه وفي التنزيل اللفظ والمعنى معا ذكره الطيبي

(العسكري في المواعظ عن أبي هريرة) رمز المصنف لحسنه

ص: 497

6070 -

(قال ربكم أنا أهل أن أتقى) بالبناء للمفعول بضبط المصنف أي أخاف وأحذر فالحذر أن أوصف بما وصفني به المشركون {ويحذركم الله نفسه} ورأس الاتقاء اتقاء كلمة الكفر كما قال (فلا يجعل) بالبناء للمفعول بضبط المصنف (معي إله) لأنه لا إله غيري ولو أشرك بي العبد أحدا معي لفعل محالا لجعله شيئا لا يكون وليس بكائن (فمن اتقى أن يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له) هذا على نسق التنزيل نسب الأهلية إلى نفسه في الفعلين لأنه شكور ولا يضيع أجر المحسنين فمن زعم أن أحدا من الموحدين يخلد في النار فقد أعظم الفرية ونسب ربه إلى الجور " تعالى الله عن ذلك " وقول بعض السلف بخلود أهل الكبائر أراد به طول المكث وأبهمه زجرا وتخويفا فلم يفهم أولئك مراده فضلوا وأضلوا قال الإمام الرازي: سمى نفسه أهل التقوى وسمى الموحدين أهل كلمة التقوى فكأنه يقول أنا أهل أن أكون مذكورا بهذه الكلمة وأنت أهل أن تكون ذاكرها فما أعظم هذا الشرف وقال الطيبي: أهل الرجل من يجمعه وإياهم نسب أو دين ثم تجوز واستعمل في معنى الخليق والجدير فقيل فلان أهل لكذا أي خليق به وهو المعني بقوله {هو أهل التقوى وأهل المغفرة} فأخبر بأنه حقيق بأن يتقى منه وخليق بأن يغفر لمن اتقاه ففوض الترتيب إلى ذهن السامع اه

(حم ت ن) في التفسير (هـ) في الزهد (ك) في التفسير كلهم من حديث سهيل القطيعي عن ثابت (عن أنس) وقال الترمذي: حسن غريب وسهيل ليس بالقوي وقد تفرد به عن ثابت

ص: 498

6071 -

(قال ربكم لو أن عبادي أطاعوني) في فعل المأمورات وتجنب المنهيات (لأسقيتهم المطر بالليل ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد) قال الطيبي: من باب التتميم فإن السحاب مع وجود الرعد فيه شائبة خوفا من البرق لقوله سبحانه {هو الذي يريكم البرق خوفا وطعما}

(حم ك) في التفسير من حديث صدقة بن موسى عن محمد بن واسع عن عمير (عن أبي هريرة) قال الحاكم: صحيح ورده الذهبي بأن صدقة واه فالصحة من أين؟

ص: 498

6072 -

(قال) لي (جبريل لو رأيتني) يا محمد حين قال فرعون عند إدراكه الغرق {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل

⦗ص: 499⦘

وأنا من المسلمين} (وأنا آخذ من حال البحر) أي طينه الأسود المنتن (فأدسه في في فرعون) عندما أدركه الغرق (مخافة أن تدركه الرحمة) أي رحمة الله التي وسعت كل شيء وجواب لو محذوف أي لرأيت أمرا عجيبا يبهت الواصف عن كنهه فإني لما شاهدت تلك الحالة بهت غضبا على عدو الله لادعائه تلك العظمة والحاصل أنه إنما فعل ذلك غضبا لله لا أنه كره إيمانه لأن كراهة إيمان الكافر على ما قالوا كفر قال الماتريدي: إنما يكون الرضى بالكفر كفرا إذا رضي بكفر نفسه لا بكفر غيره وقد ذكر الزمخشري هذا بوزن قوله مخافة إلخ وقال دسه في فيه للغضب لله على الكافر في وقت قد علم أن إيمانه لا ينفعه قال وأما ما يضم إليه من قولهم مخافة أن تدركه الرحمة فمن زيادات المباهتين لله ولملائكته لأن الإيمان يصح بالقلب فحال البحر لا يمنعه أي عند الحنفية وقد يجاب بأن جبريل عليه السلام أراد شغل قلبه لا لسانه

(حم ك عن ابن عباس) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لما أغرق الله فرعون فقال {آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل} فقال لي جبريل إلخ قال الحاكم: صحيح على شرطهما وأقره الذهبي في التلخيص لكنه في الميزان نقل عن أحمد أن يوسف بن مهران أحد رجاله لا يعرف ثم ساقه بلفظه

ص: 498

6073 -

(قال لي جبريل بشر خديجة) بنت خويلد أم المؤمنين (ببيت في الجنة من قصب) يعني قصب اللؤلؤ المجوف كما جاء مفسرا في هذا الخبر بعينه وهو إما من تتمة الحديث أو من كلام الصحابي (لا صخب فيه) بفتح المهملة والمعجمة والموحدة لا صياح فيه (ولا نصب) بالتحريك لا تعب لأن قصور الجنة ليس فيها ذلك كما ذكره ابن القيم قال السهيلي: المناسبة في هاتين الصفتين أن المصطفى صلى الله عليه وسلم لما دعى إلى الإيمان أجابت خديجة طوعا فلم تحوجه إلى رفع صوت ولا نزاع ولا تعب بل أزالت عنه كل نصب وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل عسير فناسب كون منزلها الذي بشرها به ربها بالصفة المقابلة قال الخطابي: والبيت هنا عبارة عن قصر وقد يقال لمنزل الرجل بيته قال السهيلي: وهو صحيح يقال في القوم هو أهل بيت شرف وعزو في التنزيل {غير بيت من المسلمين} ونكتة تعبيره ببيت دون قصر أنها كانت ربة بيت في الإسلام لم يكن على الأرض بيت إسلام إلا بيتها حين آمنت وأيضا هي أول من بنى بيتا في الإسلام بتزوجها نبيا وجزاه الفعل يذكر بلفظ الفعل وإن كان أشرف منه كما جاء أن من كسى مسلما على عري كساه الله من حلل الجنة ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق ومنه خبر من بنى مسجدا - الحديث - لم يرد مثله في كونه مسجدا ولا في صفته بل قابل البنيان بالبنيان أي كما بنى بنى له كما قابل الكسوة بالكسوة والسقيا بالسقيا فهنا رفعت المماثلة لا في ذات المبنى أو المكسو فمن ثم اقتضت الفصاحة أن يعبر بها عما بشرت به بلفظ البيت وإن كان فيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت قال ابن حجر: وفي البيت معنى آخر وهو أن مرجع أهل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليها

(طب) وكذا الأوسط (عن ابن أبي أوفى) قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن أبي سمية وقد وثقه غير واحد

ص: 499

6074 -

(قال لي جبريل قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد رجلا أفضل من محمد وقلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد بني أفضل من بني هاشم) قال الحكيم: إنما طاف الأرض ليطلب النفوس الطاهرة الصافية المتزكية بمحاسن الأخلاق ولم ينظر للأعمال لأنهم كانوا أهل الجاهلية إنما نظر إلى أخلاقهم فوجد الخير في هؤلاء وجواهر

⦗ص: 500⦘

النفوس متفاوتة بعيدة التفاوت <تنبيه> قال ابن عربي: من خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه بعث من قوم لا هم لهم إلا قرى الضيف ونحر الجزور والحروب الدائمة وسفك الدماء وبهذا يتمدحون وبه يمدحون ولا خفاء عند كل أحد بفضل العرب على العجم بالكرم والسماحة والوفاء وإن كان في العجم كرماء وشجعان لكن في آحاد كما أن في العرب جبناء وبخلاء لكن في آحاد وإنما الكلام في الغالب وهذا لا ينكره أحد

(الحاكم في) كتاب (الكنى) والألقاب (وابن عساكر) في التاريخ (عن عائشة) ظاهر صنيع المصنف أنه لم يره لأقدم ولا أحق بالعزو منهما وهو ذهول فقد خرجه الإمام أحمد في المناقب وآخرون كالطبراني والبيهقي والديلمي وابن لال والمحاملي وغيرهم وكان ينبغي للمصنف البداءة بالعزو لأحمد كعادته قال ابن حجر في أماليه: لوائح الصحة ظاهرة على صفحات هذا المتن

ص: 499

6075 -

(قال لي جبريل من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة قلت وإن زنى وإن سرق قال وإن) أي وإن زنى وإن سرق ومات مصرا على ذلك ولم يتب فهو تحت المشيئة إن شاء عذبه الله ثم أدخله الجنة وإن شاء عفى عنه ابتداء فلم يدخله النار وفيه رد على المعتزلة الزاعمين أن صاحب الكبيرة إذا مات بغير توبة يخلد في النار

(خ عن أبي ذر) الغفاري

ص: 500

6076 -

(قال لي جبريل ليبك الإسلام) أي أهله (على موت عمر) بن الخطاب فإنه قفل الفتنة كما ورد ومن موته نشأت الحروب بين المسلمين وكان ما كان

(طب) وكذا الديلمي (عن أبي) بن كعب قال الهيثمي: فيه حبيب كاتب مالك وهو متروك كذاب وقال شيخه الحافظ العراقي: روياه عن الآجري في كتاب الشريعة عن أبي بسند ضعيف جدا وأورده ابن الجوزي في الموضوع

ص: 500

6077 -

(قال لي جبريل يا محمد عش ما شئت فإنك ميت) قال بعضهم: هذا وعظ وزجر وتهديد والمعنى فليتأهب من غايته للموت بالاستعداد لما بعده ومن هو راحل عن الدنيا كيف يطمئن إليها فيخرب آخرته التي هو قادم عليها وقال ابن الحاجب: هذا تسمية للشيء بعاقبته نحو لدوا للموت وابنوا للخراب (وأحبب من شئت فإنك مفارقه) أي تأمل من تصاحب من الإخوان عالما بأنه لا بد من مفارقته فلا تسكن إليه بقلبك ولا تطعه فيما يعصي ربك فإنه لا بد من فرقة الأخلاء كلهم إلى يوم قيل فيه {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين} فإن كان ولا بد فأحبب في الله من يعينك على طاعة الحق تعالى ولا تعلق قلبا عرف مولاه بمحبة سواء قال بعض العارفين: من أحب بقلبه من يموت مات قلبه قبل أن يموت (واعمل ما شئت) مبالغة في التقريع والتهديد من قبيل {اعملوا ما شئتم} يجازيكم به فإن كان العمل حسنا سرك جزاؤه أو سيئا ساءك لقاؤه (فإنك ملاقيه) قال الغزالي: هذا تنبيه على أن فراق المحبوب شديد فينبغي أن تحب لا يفارقك وهو الله ولا تحب من يفارقك وهو الدنيا فإنك إذا أحببت الدنيا كرهت لقاء الله فيكون قدومك بالموت على ما تكرهه وفراقك لما تحبه وكل من فارق محبوبا أذاه في فراقه بقدر حبه وأنسه وأنس الواحد للدنيا أكثر من أنس فاقدها وأنشدوا:

يافرقة الأحباب لا بد لي منك. . . ويا دار دنيا إنني راحل عنك

ويا قصر الأيام مالي وللمنى

⦗ص: 501⦘

. . . ويا سكرت الموت ما لي وللضحك

وما لي لا أبكي لنفسي بعبرة. . . إذا كنت لا أبكي لنفسي فمن يبك

ألا أي حي ليس للموت موقنا. . . وأي يقين منه أشبه بالشك

<فائدة> قال ابن السمعاني: سمعت إمام الحرمين يقول كنت بمكة فرأيت شيخا من أهل المغرب يطوف ويقول:

تمتع بالرقاد على شمال. . . فسوف يطول نومك باليمين

ومتع من يحبك من تلاق. . . فأنت من الفراق على يقين

(الطيالسي) أبو داود في مسنده (هب) من طريق أبي داود المذكور قال عن الحسن بن أبي جعفر عن أبي الزبير (عن جابر) بن عبد الله ثم قال البيهقي: وروى ذلك من حديث أهل البيت أيضا والحسن بن أبي جعفر وهو الجعفي قال الذهبي: ضعفوه وأبو الزبير مر ضعفه غير مرة وأورده ابن الجوزي من عدة طرق ثم حكم عليه بالوضع

ص: 500

6078 -

(قال لي جبريل قد حببت) بالبناء للمفعول أي حبب الله (إليك الصلاة) أي فعلها (فخذ منها ما شئت) فإن فيها قرة عينك وجلاء همك وتفريج كربك

(حم عن ابن عباس) قال الهيثمي: فيه علي بن يزيد وفيه كلام وبقية رجاله رجال الصحيح ومن ثم رمز المصنف لحسنه

ص: 501

6079 -

(قال لي جبريل راجع حفصة) بنت عمر بن الخطاب وكان طلقها طلقة رجعية (فإنها صوامة قوامة) بالتشديد أي دائمة القيام للصلاة (وأنها زوجتك في الجنة) سبب طلاقها كما رواه الطبراني أنها دخلت عليه في بيتها وهو يطأ مارية فقال: لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة وهو أن أباك يلي الأمر من بعد أبي بكر إذا أنا مت فأخبرت عائشة فطلقها. وعند ابن سعد عن شعبة مولى ابن عباس خرجت حفصة من بيتها يوم عائشة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بجاريته القبطية ببيت حفصة فجاءت فدقت الباب فخرج ووجهه يقطر فقالت: أما إني رأيت ما صنعت قال: فاكتمي علي وهي حرام فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها فقالت له: أما يومي فتفرس فيه بالقبطية وتسلم لنسائك سائر أيامهن فطلق حفصة

(ك) وكذا ابن سعد والدارمي (عن أنس) بن مالك ولابن سعد مثله عن ابن عباس عن عمر قال ابن حجر في الفتح: وإسناده حسن (وعن قيس بن زيد) الجهني ورواه عنه البزار وغيره قال ابن حجر: وقيس مختلف في صحبته

ص: 501

6080 -

(قال موسى بن عمران يا رب من أعز عبادك عندك قال من إذا قدر غفر) أي عفا وسامح فالعفو لا يزيد العبد إلا عزا ورفعة والعافي أجره على الله تعالى حقا كما قال في الحديث المار إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم من على الله أجره فلا يقوم إلا من عفى عن ذنب أخيه

(هب عن أبي هريرة) ورواه عنه أيضا الديلمي لكن بيض ولده لسنده

ص: 501

6081 -

(قال موسى) بن عمران (يا رب كيف شكرك آدم فقال علم أن ذلك مني فكان ذلك شكره) أي كان بمجرد هذه المعرفة شاكرا فإذن لا شكر إلا بأن تعترف بأن الكل منه وإليه وليس لغيره سوى مجرد مظهرية لما بين يديه

⦗ص: 502⦘

فإن خالطك ريب في هذا لم تكن عارفا لا بالنعمة ولا بالمنعم فهذا أصل أصيل إليه المرجع وعليه التعويل ذكره الغزالي قال: وإنما يكون العبد شاكرا إذا كان لشروط الشكر جامعا ومنها أن يكون فرحه بالمنعم لا بالنعمة ولا بالإنعام ولعل هذا مما يتعذر عليك فهمه فتمثله فتقول الملك الذي يريد السفر فأنعم على رجل بفرس يتصور أن يفرح به من حيث كونه مال ينتفع به وهذا فرح بالفرس فقط ومن حيث إنه يستدل به على غاية عناية الملك به لا من حيث كونه فرسا فالأول لا يدخل فيه معنى الشكر لأن فرحه بالفرس لا بالمعطي والثاني داخل في معنى الشكر من حيث كونه فرحا بالمنعم لا بالنعمة وقد أبان هذا الخبر عن استحالة الشكر شكر وأن من لم يشكر فقد شكر ومن نظر بعين التوحيد المحض عرف أنه الشاكر وأنه المشكور وأنه المحب وأنه المحبوب وهذا نظر من عرف أنه ليس في الوجود غيره وأن كل شيء هالك إلا وجهه لأن الغير هو الذي يتصور أن يكون له بنفسه قوام وهذا محال أن يوجد إذ الوجود المحقق هو القائم بنفسه وليس له بنفسه قوام فليس له بنفسه وجود بل هو قائم بغيره فهو موجود بغيره فإن اعتبر من حيث ذاته لم يكن له وجود البتة وإنما الموجود هو القائم بنفسه ومن كان مع قيامه بنفسه يقوم بوجوده وجود غيره فهو قيوم ولا يتصور أن يكون القيوم إلا واحدا فليس في الوجود إلا الحي القيوم الواحد فالكل منه مصدره وإليه مرجعه ويعبر الصوفية عن هذا بفناء النفس أي فنى عن نفسه وعن غير الله فلا يرى إلا الله فمن لا يفهم هذا ينكر عليهم ويسخر منهم فيسخرون منه هذا كله كلام الغزالي

(الحكيم) الترمذي (عن الحسن) البصري (مرسلا)

ص: 501

6082 -

(قال موسى لربه عز وجل ما جزاء من عزى الثكلى) أي من فقدت ولدها (قال أظله في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) وإذا كان هذا جزاء المعزى فما جزاء المصاب لكن عظم الجزاء مشروط بعدم الجزع كما يقع من الجهلة من ضرب خد وشق ثوب ونشر شعر وتغيير زي وغير ذلك أما شدة الحزن العاري عن ذلك فغير مذموم وإن تطاول بدليل قصة يعقوب عليه السلام

(ابن السني في عمل يوم وليلة عن أبي بكر) الصديق (وعمران) بن حصين ورواه عنه الديلمي وغيره أيضا

ص: 502

6083 -

(قال داود) النبي (يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها) يعني أن الدنيا مزرعة الآخرة والقلب كالأرض والإيمان كالبذر فيه والطاعات جارية مجرى تقليب الأرض وتطهيرها مجرى حفر الأنهار وسياقة الماء إليها والقلب المستهتر بالدنيا المستغرق فيها كالأرض السبخة التي لا ينمو فيها البذر ويوم القيامة يوم الحصاد ولا يحصد أحد إلا ما زرع وقال الحكماء: كل يحصد ما يزرع ويجزى بما يصنع وزرع يومك حصاد غدك وقال الراغب: الإنسان في دنياه حارث وعمله حرثه ودنياه محرثته ووقت الموت وقت حصاده والآخرة بيدره ولا يحصد إلا ما زرعه ولا يكيل إلا ما حصده وكما أن في الدنيا مكاييل وموازين وأمناء وحفاظا وكتابا ففي الآخرة مثل ذلك

(ابن عساكر) في التاريخ (عن أبي الدرداء)

ص: 502

6084 -

(قال داود إدخالك يدك في فم التنين) ضرب من الحيات كالنخلة السحوق (إلى أن يبلغ المرفق فيقضمها) أي

⦗ص: 503⦘

يعضها (خير لك من أن تسأل من لم يكن له شيء ثم كان) أي من كان معدما فصار غنيا وليس هو من بيت شرف ولا مجد. أوحى الله إلى موسى لأن تدخل يدك إلى منكبيك في فم التنين خير من أن ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر خرجه السلفي عن الثوري

(ابن عساكر) في التاريخ (عن أبي هريرة) ورواه عنه أيضا باللفظ المزبور أبو نعيم والديلمي فاقتصار المصنف على ابن عساكر غير سديد

ص: 502

6085 -

(قال سليمان بن داود لأطوفن) في رواية لأطيفن قال عياض: وهما لغتان فصيحتان واللام موطئة للقسم أي والله لأدورن (الليلة) أي في الليلة (على مئة امرأة) فكنى بالطواف عن الجماع وفي رواية سبعين وتسعين وغيرهما وجمع بأن البعض سراري والبعض حرائر على أن القليل لا ينفي الكثير بل مفهوم العدد غير حجة عند الأكثر وقوله الليلة يحتمل أن الليل في ذلك الزمان كان طويلا جدا بحيث يتأتى له فيه جماع مئة امرأة مع تهجده ونومه ويحتمل أنه تعالى خرق له العادة فيجامع ويتطهر وينام ثم هكذا ثم هكذا والليل في الطول على ما هو عليه الآن كما خرق الله العادة لأبيه داود عليهما السلام في قراءة الزبور بحيث كان يقرأه بقدر ما تسرج له دابته وهذا يوجد الآن في الأولياء كثيرا وفيه ما رزقه سليمان من القوة على الجماع وأنها في الرجال فضيلة وهي تدل على صحة الذكورية وكمال الإنسانية قال القرطبي: أعطى الأنبياء صحة النبوة وقوة الفحولية مع ما كانوا عليه من الجهد والمجاهدة حتى أن نبينا مات ولم يشبع من خبز الشعير وجاء عن سليمان أنه كان يفترش المئة امرأة وكان يأكل خبز الرماد ومن هذا حاله فالعادة ضعفه عن الجماع لكن العوائد خرقت لهم ولا يلزم مما تقرر تفضيل سليمان على محمد عليهما الصلاة والسلام لكونه لم يعط إلا قوة أربعين رجلا ولم يكن له غير عشرة نسوة ما ذاك إلا لأن سليمان تمنى أن يكون له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطي الملك وأعطي هذه القوة في الجماع ليتم له الملك على خرق العادة من كل الجهات لأن الملوك يتخذون من الحرائر والسراري بقدر ما أحل لهم ويستطيعونه فأعطي سليمان تلك الخصوصية ليتميز بها عنهم فكان نساؤه من جنس ملكه الذي لا ينبغي لأحد من بعده ونبينا خير أن يكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار الثاني فأعطي ذلك القدر لرضاه بالفقر والعبودية فأعطي الزائد لخرق العادة (كلهن يأتي بفارس) أي تلد ولدا ويصير فارسا (يجاهد في سبيل الله) قاله تمنيا للخير وجزم لغلبة الرجاء عليه دلالة على أنه إنما تمناه لله تعالى لا لحظ نفسه ولا تظن به أنه قطع بذلك على الله أنه يفعل به بل هو قوة ورجاء من فضله حمله عليه حبه للخير (فقال له صاحبه) قرينه وبطانته أو الملك الذي يأتيه أو وزيره من الإنس أو خاطره وفي رواية الملك (قل إن شاء الله) ذلك (فلم يقل إن شاء الله) أي بلسانه لنسيان عرض له فعلة الترك النسيان لا الإباء عن التفويض إلى الرحمن فصرفه عن الاستثناء القدر السابق أن لا يكون ما تمنى وفيه تقديم وتأخير أي لم يقل إن شاء الله فقال صاحبه قل ذكره عياض فدل ذلك على أن أمور الغيب لا يجوز القطع عليها في نجح ما يرجى منها إلا مع الاستثناء (فطاف عليهن) جامعهن جميعا (فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق إنسان) قيل هو الجسد الذي ألقي على كرسيه وقال بعض المتكلمين: نبه به على أن التمني وشؤم الاعتراض على التسليم والتفويض سلبه الاستثناء وأنساه إياه ليتم فيه قدره السابق (والذي) في رواية أما والذي (نفس محمد بيده) بقدرته وتدبيره (لو قال إن شاء الله لم يخنث) فلو قال إن شاء الله لحصل مراده (وكان دركا) بفتح الراء اسم من الإدراك أي لحاقا (لحاجته) يعني كان يحصل له ما يتمنى ولا يلزم من

⦗ص: 504⦘

إخباره بذلك في حق سليمان وقوعه لكل من استثنى في أمنيته وهذه منقبة عظيمة لسليمان حيث كان همه الأعظم إعلاء كلمة الله حيث عزم أن يرسل أولاده الذين هم أكباده إلى الجهاد المؤدي إلى الموت وفيه جواز ذكر النساء وذكر الطواف عليهم بين الأصدقاء لأن في الإخبار لهم بذلك تنبيها على المبادرة بمثله وجواز ذكر أفعال الدنيا إذا ترتب عليه طاعة وعدم ربط الأشياء بالعوائد فيقول لا يكون كذا إلا من كذا ولا يتولد كذا إلا من كذا وأن المباح ينقلب طاعة بالنية ثم إن قيل طلب العلم أفضل من الجهاد لخبر فيه فكان الأولى لسليمان أن ينوي بهم أن يكونوا علماء قلنا العلماء جعلوا لتقرير الأحكام والفرسان لنصرة الدين فطلب سليمان ما هو المثبت للأصل مع أنه لا ينافي أن يكون الفارس عالما فإن قيل أيضا فلم لم تحمل منهن إلا واحدة ولم لم يمنع الحمل من الكل ولم كان الواحد لا يكون أنثى أو يكون رجلا كاملا فالجواب إنا إن قلنا إن ذلك إرادة إلهية لا مجال للعقل فيها فظاهر وإن نظرنا إلى كرامة الرسل على الله عز وجل بأن لنا من حكمة الحكيم وهو أنه لو لم يحمل منهن أحد لتشوش سليمان وخشي أن يكون قد رفعت عنه العصمة فلم تقبل نيته للخير ولو جاءت به أنثى كان ضد ما عزم عليه وذلك يدل على عدم القبول وكونه لم يكن تام الخلق من أجل ما نقص من الأسباب المبلغة لمراده وهو قوله إن شاء الله

(حم ق ن عن أبي هريرة)

ص: 503

6086 -

(قال يحيى بن زكريا لعيسى ابن مريم أنت روح الله) أي مبتدأ منه لأنه خلق روحه ابتداء بلا واسطة أصل وسبق مادة أو لأنه تعالى أحيي به الأموات كما أحيي بالأرواح الأبدان (وكلمته) الذي كان وجوده بلا أب لقوله " كن " بعد تعلق الإرادة بغير واسطة نطفة أو لأنه لما تكلم بغير أوانه لفرط غرابة ونهاية بلاغة بكلام مستغرب هو قوله: {إني عبد الله} الآية سمي بكلمة الله وأضيف إلى الله تعظيما وأخرج ابن عساكر عن أبي بن كعب قال: كان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق في زمن آدم عليه السلام فأرسله الله إلى مريم في صورة بشر فحملت بالذي خاطبها وهو روح عيسى عليه السلام فدخل من فيها فحملت به لسبع أو تسع ساعات ووضعته من يومها (وأنت خير مني) أي أفضل عند الله (فقال عيسى بل أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي) هذا قاله تواضعا أو قبل علمه بأنه أفضل فإنه أفضل منه بلا نزاع ولا يقدح فيه ما ذكره من السلام إذ قد يكون في المفضول مزية بل مزايا لا توجد في الفاضل

(فوائد) أخرج ابن عساكر أن عيسى لما بلغ سبع سنين أسلمت أمه للكتاب فكان المعلم لا يعلمه شيئا إلا بدره به فعلمه أبجد فقال: ما أبجد فقال: لا أدري قال: فكيف تعلمني ما لا تعلم ولا تدري فقال: إذا فعلمني فقال: الألف آلاء الله والباء بهاء الله والجيم جمال الله والدال دوام الله فعجب المعلم وأخرج عن يعلى بن شداد مرفوعا ليخرجن الله بشفاعة عيسى من جهنم مثل أهل الجنة

(ابن عساكر) في التاريخ (عن الحسن) البصري (مرسلا)

ص: 504

6087 -

(قال رجل لا يغفر الله لفلان) أي العامل للمعاصي (فأوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء إنها) أي الكلمة التي قالها (خطيئة فليستقبل العمل) أي يستأنف عمله للطاعات فإنها حبطت بتأليه على الله وهذا خرج مخرج الزجر والتنفير لا الحقيقة

(طب عن جندب) بن جنادة

ص: 504

⦗ص: 505⦘

6088 - (قالت أم سليمان بن داود لسليمان) وكانت من العابدات الصالحات قال ابن عساكر: وكان سليمان وضيئا أبيض جسيما يلبس البياض (يا بني لا تكثر النوم بالليل) الذي هو محل المناجاة ووقت المصافاة (فإن كثرة النوم بالليل) عن التهجد ونحوه (تترك الإنسان فقيرا يوم القيامة) لقلة عمله وفي إكثاره طول الغفلة وبله العقل ونقص الفطنة وسهو القلب ومن آفاته أنه يميت القلب عن تعاطي أسباب الدنيا وأحوالها مما لا بد للإنسان منه وربما استحكم في الإنسان كثرته حتى يصير حكمه مخالفا لحكم نوم الطبيعة المجعول راحة للجسد فيفسد صحة مزاجه الأصلي ومن مفاسده أنه يضعف نفسه الروحانية لكثرة ارتباطها بعالم الخيال وتخليها عن جسدها المأمورة بمساعدته على مصائب الدنيا سيما إن كان الجسد مظلما كثيفا بالأعمال الخارجة عن السنة والطبيعة الكلية فإنه يتركب من ذلك الارتباط ضعف الاعتقاد وفساد القوة الخيالية المصورة للأشياء في مرآة العقل فيصير لا يشهد أمرا إلا مقيدا مرتبطا منعقدا حتى ربما اختلط حاله على نفسه وربما التحق في الحكم بالحيوانات البهم البعيدة عن الإدراك وأنشد بعضهم يقول:

بقدر الكد تعطى ما تروم. . . ومن طلب العلا ليلا يقوم

وبعضهم:

بقدر الكد تكتسب المعالي. . . ومن طلب العلا سهر الليالي

تروم العز ثم تنام ليلا. . . يغوص في البحر من طلب اللآلى

(ن هـ هب عن جابر) قضية صنيع المصنف أن النسائي خرجه وسكت عليه والأمر بخلافه بل عقبه بقوله: فيه يوسف بن محمد بن المنكدر متروك وسنيد بن داود لم يكن بذاك وفيه أيضا موسى بن عيسى الطرسوسي أورده الذهبي في الضعفاء وقال: قال ابن عدي ممن يسرق الحديث وأورده ابن الجوزي في الموضوعات فلم يصب

ص: 505

6089 -

(قبضات التمر للمساكين) أي الفقراء زاد ابن عدي في روايته وفلق الخبز (مهور الحور العين) يعني أن التصدق بقليل من التمر إذا تقبله الله أعد للمتصدق به في الجنان عددا من الحور العين وكذا الصلاة المقبولة قال الغزالي: عن أزهر بن مغيث رأيت في النوم امرأة لا تشبه نساء الدنيا قلت من أنت قالت من الحور قلت زوجيني نفسك قالت اخطبني من سيدي وامهرني قلت ما مهرك قالت طول التهجد

(قط في الأفراد) عن أحمد بن إسحاق بن البهلول عن أبيه عن جده عن طلحة بن زيد عن الوضين بن عطاء عن القاسم (عن أبي أمامة) الباهلي قال ابن الجوزي: موضوع تفرد به طلحة وهو متروك عن الوضين وهو واهي الحديث اه وأقره عليه المؤلف في مختصر الموضوعات ورواه ابن عدي عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ مهور الحور العين قبضات التمر وفلق الخبز وقال ابن الجوزي: موضوع فيه عمر بن صبح يضع الأحاديث

ص: 505

6090 -

(قبلة المسلم أخاه) في الدين هي (المصافحة) أي هي بمنزلة القبلة وقائمة مقامها فهي مشروعة والقبلة غير مشروعة له

(المحاملي في أماليه فر) وكذا الخرائطي وابن عدي وابن شاهين كلهم عن (أنس) بن مالك وفيه عمر بن عبد الجبار قال في الميزان: عن ابن عدي وروى عن عمه مناكير وأحاديثه غير محفوظة ثم ساق له عدة أخبار هذا منها

ص: 505

6091 -

(قتال المسلم أخاه) في الدين وإن لم يكن من النسب (كفر) أي يشبه الكفر من حيث إنه من شأن الكفار فأطلق عليه الكفر لشبهه به أو أراد الكفر اللغوي وهو التغطية لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه

⦗ص: 506⦘

فلما قاتله صار كأنه غطى حقه وأطلق عليه الكفر مبالغة في التهديد معتمدا على ما تقرر من القواعد أن ذلك يخرج عن الملة (وسبابه) بكسر السين وتخفيف الموحدة أي سبه له قال الحرالي: السباب أشد من السب وهو أن يقول فيه ما فيه وما ليس فيه (فسوق) أي خروج عن طاعة الله ورسوله والفسوق في عرف الشرع أشد من العصيان قال تعالى {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} وفيه تعظيم لحق المسلم والحكم على من سبه بغير حق بالفسق

(ت عن ابن مسعود ن عن سعد) بن أبي وقاص ورواه عنه أيضا الديلمي وغيره

ص: 505

6092 -

(قتال المسلم كفر) أي إن استحل قتاله (وسبابه فسوق) أي مسقط العدالة (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) بغير عذر شرعي

(حم ع طب والضياء عن سعد)

ص: 506

6092 -

(قتال المسلم) وفي رواية بدله المؤمن (كفر وسبابه فسوق) أي فسوق وفيه رد على المرجئة الزاعمين أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ولا تمسك فيه للخوارج الذين يكفرون بالمعاصي لأن ظاهره غير مراد كما تقرر لكن لما كان القتال أشد من السباب لإفضائه إلى إزهاق الروح عبر عنه بلفظ أشد من لفظ الفسق وهو الكفر غير مريد حقيقته التي هي الخروج عن الملة وهذا كله محمول على من فعله بغير تأويل وقيل أراد بقوله كفرانه قد يؤول بصاحبه إليه وهو بعيد وأبعد منه حمله على المستحل إذ لو أريد لم يحسن التفريق بين السباب والقتال فإن مستحل سب المؤمن بغير تأويل يكفر أيضا (ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام) بغير عذر شرعي

(حم طب والضياء عن سعد)

ص: 506

6093 -

(قتل الرجل صبرا) بأن أمسك فقتل في غير معركة بغير حق (كفارة لما) وقع (قبله من الذنوب) جميعا حتى الكبائر على ما اقتضاه إطلاق هذا الخبر وفي حديث آخر ما ترك القاتل على المقتول من ذنب

(البزار) في مسنده (عن أبي هريرة) رمز المصنف لصحته وهو وهم فقد أعله الهيثمي بأن فيه صالح بن موسى بن طلحة وهو متروك

ص: 506

6094 -

(قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه) ظاهره وإن كان المقتول عاصيا ومات بلا توبة ففي عمومه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب وعلى المعتزلة الموجبين تعذيب الفاسق إذا مات بلا توبة

(البزار) في مسنده (عن عائشة) وقال: لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من هذا الوجه قال الهيثمي: ورجاله ثقات

ص: 506

6095 -

(قتل المؤمن) أي بغير حق (أعظم عند الله من زوال الدنيا) ومن ثم ذهب بعض السلف إلى عدم قبول توبته تمسكا بهذا الخبر ونحوه كخبر الشيخين لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما ففيه إشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمدا بما يتوعد به الكافر وثبت عن ابن عمر أنه قال لمن قتل عاملا بغير حق تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة والجمهور على أن القاتل أمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه وهذا الحديث رواه الترمذي أيضا عن ابن عمر بلفظ زوال الدنيا عند الله أهون من قتل رجل مسلم قال ابن العربي: ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق والوعيد في ذلك فكيف بقتل الآدمي فكيف بالمسلم فكيف بالصالح

(ن والضياء) المقدسي (عن بريدة) بن الحصيب ورواه الطبراني عن ابن عمر وحسنه الترمذي

ص: 506

6096 -

(قد تركتكم على البيضاء) وفي رواية عن المحجة البيضاء وهي جادة الطريق مفعلة من الحج القصد والميم زائدة (ليلها

⦗ص: 507⦘

كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا) فيه من معجزاته الإخبار بما سيكون بعده من كثرة الاختلاف وغلبة المنكر وقد كان عالما به جملة وتفصيلا لما صح أنه كشف له عما يكون إلى أن يدخل أهل الجنة والنار منازلهم ولم يكن يظهره لأحد بل كان ينذر منه إجمالا ثم يلقي بعض التفصيل إلى بعض الآحاد (فعليكم) الزموا التمسك (بما عرفتم من سنتي) أي طريقتي وسيرتي القديمة بما أصلته لكم من الأحكام الاعتقادية والعملية الواجبة والمندوبة وتفسير السنة بما طلب طلبا غير لازم اصطلاح حادث قصد به تمييزها عن الفرض (وسنة) أي طريقة (الخلفاء الراشدين المهديين) والمراد بالخلفاء الأربعة والحسن رضي الله عنهم فإن ما عرف عن هؤلاء أو بعضهم أولى بالإتباع من بقية الصحب وهذا بالنظر لتلك الأزمنة وما قاربها أما اليوم فلا يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة في قضاء ولا إفتاء لا لنقص في مقام أحد من الصحب ولا لتفضيل أحد الأربعة على أولئك بل لعدم تدوين مذاهب الأولين وضبطها وإجماع شروطها (عضوا عليها بالنواجذ) أي عضوا عليها بجميع الفم كناية عن شدة التمسك ولزوم الإتباع لهم والنواجذ الأضراس والضواحك والأنياب أو غيرها (وعليكم بالطاعة) أي الزموها (وإن كان) الأمير عليكم من جهة الإمام (عبدا حبشيا) فاسمعوا له وأطيعوا (فإنما المؤمن كالجمل الأنف) أي المأنوف وهو الذي عقر أنفه فلم يمتنع على قائده والقياس مأنوف لأنه مفعول به فجاء هذا شاذا (حيثما قيد انقاد)

(حم هـ ك عن عرباض) بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب فقلنا إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا فذكره وقضية تصرف المصنف أن ابن ماجه تفرد بإخراجه من بين الستة وهو ذهول فقد رواه أبو داود

ص: 506

6097 -

(قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم) في رواية من بني إسرائيل (أناس محدثون) قال القرطبي: الرواية بفتح الدال اسم مفعول جمع محدث بالفتح أي ملهم أو صادق الظن وهو من ألقى في نفسه شيء على وجه الإلهام والمكاشفة من الملأ الأعلى أو من يجري الصواب على لسانه بلا قصد أو تكلمه الملائكة بلا نبوة أو من إذا رأى رأيا أو ظن ظنا أصاب كأنه حدث به وألقى في روعه من عالم الملكوت فيظهر على نحو ما وقع له وهذه كرامة يكرم الله بها من شاء من صالح عباده وهذه منزلة جليلة من منازل الأولياء (فإن يكن من أمتي منهم أحد) هذا شأنه وفي رواية بدله وإن يك في أمتي من أحد (فإنه عمر بن الخطاب) كأنه جعله في انقطاع قرينه في ذلك كأنه نبي فلذلك أتى بلفظ إن بصورة الترديد قال القاضي: ونظير هذا التعليق في الدلالة على التأكيد والاختصاص قولك إن كان لي صديق فهو زيد فإن قائله لا يريد به الشك في صداقته بل المبالغة في أن الصداقة مختصة به لا تتخطاه إلى غيره وقال القرطبي: قوله فإن يكن دليل على قلة وقوعه وندرته وعلى أنه ليس المراد بالمحدثين المصيبون فيما يظنون لأنه كثير في العلماء بل وفي العوام من يقوى حدسه فتصح إصابته فترتفع خصوصية الخبر وخصوصية عمر ومعنى الخبر قد تحقق ووجد في عمر قطعا وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يجزم بالوقوع وقد دل على وقوعه لعمر أشياء كثيرة كقصة الجبل يا سارية الجبل وغيره وأصح ما يدل على ذلك شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك حيث قال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه وليس لك أن تقول

⦗ص: 508⦘

هذا كالصريح في تفضيل الفاروق على الصديق لأنا نمنعه بأن الصديق لا يتلقى عن قلبه بل عن مشكاة النبوة وهي معصومة والمحدث تارة يتلقى عنها وتارة عن قلبه وهو غير معصوم ولهذا كان عمر يزن الوارد بميزان الشرع فإن وافق وإلا لم يلتفت إليه قال ابن حجر: وقد كثر هؤلاء المحدثون بعد العصر الأول وحكمته زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيها ومضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فلما فات هذه الأمة المحمدية كثرة الأنبياء لكون نبيهم خاتم الأنبياء عوضوا تكثير الملهمين ومما تقدم عرف أنه ليس لأحد من الأولياء العمل بالوارد حتى يزنه بالميزان فإن وافق انتفع به هو ومن كاشفه به ممن يعتقد صدقة وزادهم إيمانا <تنبيه> قال الغزالي: قال بعض العارفين سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهد النفس فالتفت إلى شماله وقال ما تقول رحمك الله ثم إلى يمينه كذلك ثم أطرق إلى صدره فقال ما تقول ثم أجاب فسألته عن التفاته فقال لم يكن عندي علم فسألت الملكين فكل قال لا أدري فسألت قلبي فحدثني بما أجبت فإذا هو أعلم منهما قال الغزالي: وكأن هذا معنى الحديث

(حم خ عن أبي هريرة حم م ت ن عن عائشة)

ص: 507

6098 -

(قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان وجعل قلبه سليما) من الأمراض كحقد وحسد وغيرهما (ولسانه صادقا) فيما يتكلم به فلا يقول إلا حقا (ونفسه مطمئنة) أي راضية بالأقضية الإلهية (وخليقته) أي طريقته (مستقيمة وأذنه مستمعة وعينه ناظرة) خص السمع والبصر لأن الآيات الدالة على وحدانية الله إما سمعية فالأذن هي التي تجعل القلب وعاء لها أو نظرية والعين هي التي تقرها في القلب وتجعله وعاء لها وظاهر صنيع المصنف أن هذا هو الحديث بتمامه والأمر بخلافه بل بقيته عند مخرجه أحمد فأما الأذن فقمع والعين مقرة لما يوعى القلب وقد أفلح من جعل قلبه واعيا اه

(حم) وكذا ابن لال والبيهقي (عن أبي ذر) قال الهيثمي: إسناده حسن وقال المنذري: في إسناد أحمد احتمال للتحسين

ص: 508

6099 -

(قد أفلح من أسلم ورزق كفافا) أي ما يكف عن الحاجات ويدفع الضرورات والفاقات ولا يلحقه بأهل الترفهات. قال القاضي: الفلاح الفوز بالبغية (وقنعه الله بما آتاه) بمد الهمزة أي جعله قانعا بما أعطاه إياه ولم يطلب الزياد لمعرفته أن رزقه مقسوم لن يعدو ما قدر له والفلاح الفوز بالبغية في الدارين والحديث قد جمع بينهما والمراد بالرزق الحلال منه فإن المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم مدح المرزوق وأثبت له الفلاح وذكر الأمرين وقيد الثاني بقنع أي رزق كفافا وقنعه الله بالكفاف فلم يطلب الزيادة وأطلق الأول ليشمل جميع ما يتناوله الإسلام ذكره الطيبي وصاحب هذه الحالة معدود من الفقراء لأنه لا يترفه في طيبات الدنيا بل يجاهد نفسه في الصبر على القدر الزائد على الكفاف فلم يفته من حال الفقراء إلا السلامة من قهر الرجال وذل المسألة

(حم م ت هـ عن ابن عمرو) بن العاص وتبع في العزو لما ذكر عبد الحق. قال في المنار: وهذا لم يذكره مسلم وإنما هو من عند الترمذي لم يقل بما آتاه وقال فيه: حسن صحيح

ص: 508

6100 -

(قد أفلح من رزق لبا) أي عقلا خاليا من الشوائب سمي به لأنه خالص ما في الإنسان من قواه كاللباب من الشيء وقيل هو ما زكى من العقل وكل لب عقل ولا عكس وإنما أفلح من رزقه لأن العقل يدرك به المعاني ويمنع عن القبائح وهو نور الله في القلب وأي فلاح أعظم من امتلاء القلب بنور اليقين قال الكشاف: والفلاح الظفر بالمراد وقيل البقاء في الخير وأفلح دخل في الفلاح كأبشر دخل في البشارة

(هب عن قرة) بضم القاف وشد الراء (بن هبيرة) بن عامر القشيري من وجوه الوفود قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر قصة فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفلح إلخ وفيه سعيد بن نشيط مجهول ذكره الذهبي في الضعفاء وقال: مجهول

ص: 508

⦗ص: 509⦘

6101 - (قد كنت أكره لكم أن تقولوا ما شاء الله وشاء محمد) لما فيه من إيهام التشريك (ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد) وهذا نهي تنزيه رعاية للأدب ودفعا لذلك التوهم وإنما أتى بثم لكمال البعد مرتبة وزمانا. قال الخطابي: أرشدهم إلى رعاية الأدب في التقديم واختار لهم من بين طرق التقديم ثم المفيدة للترتيب والمهلة والفاصلة الزمانية ليفيد أن مشيئة غير الله مؤخرة بمراتب وأزمنة قال ابن القيم: وفي معناه الشرك المنهي عنه كقول من لا يتوقى الشرك أنا بالله وبك في حسب الله وحسبك وما لي إلا الله وأنت متكلي على الله وعليك ووالله وحياتك ونحوه من الألفاظ الشنيعة

(الحكيم) في النوادر (ن والضياء) في المختارة (عن حذيفة) بن اليمان

ص: 509

6102 -

(قد رحمها الله برحمتها ابنيها) جاءت امرأة إليه صلى الله عليه وسلم ومعها ابنان لها فأعطاها ثلاث تمرات فأعطت كل واحد تمرة فأكلاها ثم جعلا ينظران إلى أمهما فشقت تمرتها بينهما فذكره

(طب عن الحسن) البصري (مرسلا) وهذا وهم أوقعه فيه أنه ظن أنه الحسن البصري وليس كذلك بل هو الحسن بن علي وليس بمرسل كما هو مبين في المعجم الكبير والصغير وجرى عليه الهيثمي وغيره ثم قال الهيثمي: وفيه خديج بن معاوية الجعفي وهو ضعيف اه. وقد رمز المصنف لحسنه فوقع في وهم على وهم

ص: 509

6103 -

(قد اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شاء أجزأه من الجمعة) أي عن حضورها ولا يسقط عنه الظهر (وإنا مجمعون إن شاء الله) قاله في يوم جمعة وافقت عيدا فإذا وافق يوم الجمعة يوم عيد وحضر من تلزمه من أهل القرى فصلوا العيد سقطت عنهم الجمعة عند الشافعي كالجمهور ولم يسقطها أبو حنيفة

(د هـ ك) في الجمعة وقال: صحيح غريب (عن أبي هريرة) قال ابن حجر: وفي إسناده بقية وصحح أحمد والدارقطني إرساله (هـ عن ابن عباس وعن ابن عمر) بن الخطاب قال ابن حجر: ورواية ابن ماجه عن ابن عباس بدل أبي هريرة وهم نبه هو عليه وتخريجه له من حديث ابن عمر سنده ضعيف اه

ص: 509

6104 -

(قد عفوت) يشعر بسبق ذنب من إمساك المال عن الإنفاق (عن الخيل والرقيق) أي لم أوجب زكاتها عليكم ولم ألزمكم بها (فهاتوا) مؤذن بالتحقيق يعني الأصل فيما يملكه الإنسان من الأموال أن تزكى فقد عفوت عن الأكثر فهاتوا هذا النزر القليل وذكر الخيل والرقيق ليس للاختصاص بل للاستيعاب كقوله {لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا} (صدقة الرقة) هي الدراهم المضروبة والهاء فيها عوض عن الواو المحذوفة (من كل أربعين درهما درهم) أي من كان له مال فليزك على هذا النسق (وليس في تسعين ومئة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم فما زاد فعلى حساب ذلك) وفيه حجة للشافعي في أنه لا وقص في زكاة الورق بل ما زاد على النصاب فبحسابه ورد على أبي حنيفة في ذهابه إلى إثبات الوقص هنا فإذا قيل المراد حساب أربعين أي في كل أربعين درهما درهم رد بالمنع لأنه علم صريحا من قوله إذا بلغت مائتين (وفي الغنم في كل أربعين شاة شاة) مبتدأ وفي الغنم خبره قال الطيبي: وليس شاة هنا تمييزا

⦗ص: 510⦘

مثله في قوله كل أربعين درهما درهم لأن درهما بيان مقدار الواحد من أربعين ولا يعلم هذا من الرقة فتكون شاة هنا لمزيد التوضيح (فإن لم يكن إلا تسع وثلاثون فليس عليك فيها شيء) أي زكاة (وفي البقر في كل ثلاثين تبيع) ولد البقرة (وفي الأربعين مسنة) طعنت في السنة الثالثة (وليس على العوامل شيء) جمع عاملة وهي ما يعمل من إبل وبقر في نحو حرث وسقي فلا زكاة فيها عند الثلاثة وأوجبها مالك (وفي خمس وعشرين من الإبل خمسة من الغنم فإذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض فإن لك يكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر إلى خمس وثلاثين فإذا زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين فإذا زادت واحدة ففيها حقة طروقة الجمل إلى ستين فإذا كانت واحدة وتسعين ففيها حقتان طروقتا الجمل إلى عشرين ومئة فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة) قال القاضي: الظاهر انه نهي للمالك عن الجمع والتفريق قصدا لسقوط الزكاة أو تقليلها (ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار) بالفتح عيب وقد يضم وفي شرح السنة النقص والعيب (ولا تيس) أي فحل الغنم يعني إذا كانت ماشية أو بعضها إناثا لا يؤخذ منه ذكر بل أنثى إلا في موضعين (إلا أن يشاء المصدق) بفتح الدال والكسر أكثر فعلى الأول يراد به المعطي ويكون الاستثناء مختصا بقوله ولا تيس لأن رب المال ليس له أن يخرج ذات عوار وتيس وعلى الثاني معناه أن ما يراه المصدق أنفع للمستحقين فكأنه وكيلهم (وفي النبات ما سقته الأنهار أو سقت السماء العشر وما سقى بالغرب ففيه نصف العشر)

(حم د) في الزكاة من حديث عاصم بن حمزة (عن علي) يرفعه وعاصم متكلم فيه لكن ذكر ابن حجر أن الترمذي نقل عن البخاري تصحيحه

ص: 509

6105 -

(قدر الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض) أي أجرى القلم على اللوح وأثبت فيه مقادير الخلائق ما كان وما يكون وما هو كائن إلى الأبد (بخمسين ألف سنة) أراد طول الأمد وتمادي الزمن بين التقدير والخلق فإن قيل كيف يحمل على الزمن وهو مقدار حركة الفلك الذي لم يخلق حينئذ؟ أجيب بأن مقدار حركة الفلك الأعظم أي العرش موجودة حينئذ بدليل قوله في رواية {وكان عرشه على الماء} أي ما كان تحته قبل خلق السماوات والأرض إلا الماء والماء على الريح فالعرش والماء خلقا قبل السماء والأرض وأخذ منه أن العرش أول المخلوقات وقيل القلم لخبر أحمد لما خلق الله القلم قال له اكتب قال وما أكتب قال اكتب مقادير كل شيء فأوليته القلم بالنسبة إلى ما عدا الماء والعرش قال ابن حجر: وأما خبر أول ما خلق الله العقل فليس له طريق يثبت

(حم ت عن ابن عمرو) ابن العاص رمز المصنف لحسنه وهو في مسلم بدون وكان إلخ

ص: 510

⦗ص: 511⦘

6106 - (قدمت المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية) هما يوم النيروز والمهرجان (وإن الله تعالى قد أبدلكم بهما خيرا منهما يوم الفطر ويوم النحر) قال الطيبي: وهذا نهي عن اللعب والسرور فيهما وفيه نهاية من اللطف وأمر بالعبادة وأن السرور الحقيقي فيهما {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا} قال مخرجه البيهقي: زاد الحسن فيه أما يوم الفطر فصلاة وصدقة وأما يوم الأضحى فصلاة ونسك قال المظهر: وفيه دليل على أن تعظيم يوم النيروز والمهرجان ونحوهما منهي عنه وقال أبو حفص الحنفي: من أهدى فيه بيضة لمشرك تعظيما لليوم كفر وكان السلف يكثرون فيه الاعتكاف بالمسجد وكان علقمة يقول اللهم إن هؤلاء اعتكفوا على كفرهم ونحن على إيماننا فاغفر لنا وقال المجد ابن تيمية: الحديث يفيد حرمة التشبه بهم في أعيادهم لأنه لم يقرهما على العيدين الجاهليين ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة وقال أبدلكم والإبدال يقتضي ترك المبدل منه إذ لا يجتمع بين البدل أو المبدل منه ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا في ترك اجتماعهما

(هق عن أنس) رمز المصنف لحسنه وفيه محمد بن عبد الله الأنصاري أورده الذهبي في الضعفاء وقال: قال أبو داود تغير شديدا

ص: 511

6107 -

(قدمتم خير مقدم وقدمتم من الجهاد الأصغر) وهو جهاد العدو المباين (إلى الجهاد الأكبر) وهو جهاد العدو المخالط قالوا وما الجهاد الأكبر قال (مجاهدة العبد هواه) فهي أعظم الجهاد وأكبره لأن قتال الكفار فرض كفاية وجهاد النفس فرض عين على كل مكلف في كل وقت {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك} فإن البدن كالمدينة والعقل أعني المدرك من الإنسان كملك مدبر لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه وأعضاؤه كرعية والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ينازعه في مملكته ويسعى في هلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ونفسه كمقيم فيه مرابط فإن جاهد عدوه فهزمه وقهره على ما يحب حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة {فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة} وإن ضيع ثغره وأهل رعيته ذم أثره وانتقم منه عند لقاء الله فيقال له يوم القيامة يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم ترد الضالة اليوم أنتقم منك وإلى هذه المجاهدة الكبرى أشار بالحديث قال ابن أدهم: أشد الجهاد جهاد الهوى فمن منع النفس هواها فقد استراح من الدنيا وبلاها وقال الحرالي: من لم يحترق بنار المجاهدة أحرقته نار الخوف ومن لم يحترق بنار الخوف أحرقته نار السطوة فعلى العاقل أن يجاهد نفسه ساعة فساعة ويخاطبها خطاب النصوح الآمر بنحو: أيتها النفس المطمئنة أنت على جناح سفر ودارك هذه غرور وكدر والمسافر إذا لم يتزود ركب متن الخطر وخير الزاد التقوى كما أنزل على سيد البشر فجدي السير وشدي المئزر بتجريد عزم التوبة والتلبس بلباس الحوبة وملازمة ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات فلا تتركي عمل اليوم لغد فالوقت كالسيف إذا لم تقطعه قطعك

(خط) في ترجمة واصل الصوفي كذا الديلمي (عن جابر) ورواه عنه البيهقي أيضا في كتاب الزهد وهو مجلد لطيف وقال: إسناده ضعيف وتبعه العراقي

ص: 511

6108 -

(قدموا قريشا ولا تقدموها) بفتح التاء والقاف والتشديد بضبط المصنف أصله تتقدموها وحذفت تاء التفعيل

⦗ص: 512⦘

لا تاء المضارعة أي ولا تتقدموا عليها في أمر شرع تقديمها فيه كالإمامة (وتعلموا منها ولا تعالموها) بفتح المثناة مفاعلة من العلم أي لا تغالبوها بالعلم ولا تفاخروها فيه فإنهم المخصوصون بالأخلاق الفاضلة والأعمال الكاملة وكانوا قبل الإسلام طبيعتهم قابلة للفضائل والفواضل والخيور الهوامل لكنها معطلة عن فعله ليس عندهم علم منزل من السماء ولا شريعة موروثة عن نبي ولا هم مشتغلون بالعلوم العقلية المحضة من نحو حساب وطب إنما علمهم ما سمحت به قرائحهم من نحو شعر وبلاغة وفصاحة وخطب فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى أخذوه بعد المجاهدة الشديدة والمعالجة على نقلهم عن عادتهم الجاهلية وظلماتهم الكفرية بتلك الفطرة الجيدة السنية والقريحة السوية المرضية فاجتمع لهم الكمال بالقوة المخلوقة فيهم والكمال المنزل إليهم كأرض جيدة في نفسها لكنها معطلة عن الحرث أو ينبت بها شوك فصارت مأوى الخنازير والسباع فإذا طهرت عن المؤذي وزرع فيها أفضل الحبوب والثمار أنبتت من الحرث ما لا يوصف مثله

(الشافعي) في المسند (والبيهقي في) كتاب (المعرفة) كلاهما (عن ابن شهاب) الزهري (بلاغا) أي أنه قال بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك (عد عن أبي هريرة) وظاهر صنيع المصنف أن الشافعي لم يخرجه إلا بلاغا فقط وليس كذلك فقد أفاد الشريف السمهودي في الجواهر وغيره أن الشافعي في مسنده وأحمد في المناقب خرجاه من حديث عبد الله بن حنطب قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فقال أيها الناس قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا منها ولا تعلموها انتهى. وقال الحافظ ابن حجر: خرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح لكنه مرسل وله شواهد

ص: 511

6109 -

(قدموا قريشا ولا تقدموها وتعلموا من قريش) العلم الشرعي وآلته (ولا تعلموها) بضم المثناة وفتح العين وشد اللام بضبطه لأن التعليم إنما يكون من الأعلى إلى الأدنى ومن الأعلم لغيره فنهاهم أن يجعلوهم في مقام التعليم ومقام المغالبة بالعلم (ولولا أن تبطر قريش) أي تطغى في النعمة وتكفرها (لأخبرتها ما لخيارها عند الله) من المنازل العالية والمثوبات العظيمة يعني أنها إذا علمت ما لها عند الله من الثواب العظيم والنعيم المقيم المعد لها ربما بطرت وتركت العمل اتكالا على ما لها عنده من حسن الجزاء فلذلك لا أعلمها به

(طب) من حديث أبي معشر عن المقبري (عن عبد الله بن السائب) وأبو معشر قالوا: ضعيف ورواه أبو نعيم والديلمي عن أنس

ص: 512

6110 -

(قدموا قريشا) تصغير قرش وهي دابة في البحر لا تمر بشيء غث وسمين إلا أكلته أخرجه البيهقي عن ابن عباس وقد أكثر ابن دحية من حكاية الخلاف في تسمية قريش قريشا ومن أول من تسمى به؟ ولا تقدموها (ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لها) أي لخيارها كما بينه الخبر الذي قبله (عند الله) من الخير والأجر وهذا وما قبله دليل على علو منزلتها وارتفاع قدرها عنده وأن المعد لها شيء عظيم لا يمكن الإنسان مع معرفته به أن لا يطغى وإضافة البطر إليها ليس غضبا عليها ولا حطا لقدرها لأنه جبلي ركب في الإنسان وطبعت فطرته عليه فلا يكاد يخلو منه وإن وجد من يقهر نفسه ويكف هواه فإليه المنتهى وقليل ما هم <تنبيه> استدل بقوله في هذه الأحاديث ونحوها قدموا قريشا على رجحان مذهب الشافعي على غيره لورود الأمر بتقديم القرشي على من ليس قرشيا قال عياض: ولا حجة فيها لأن المراد الخلافة وقد قدم المصطفى صلى الله عليه وسلم ابن حذيفة في إمامة الصلاة وخلفه من قريش وأمر معاذ بن جبل وغيره على من معه من قريش وتعقبه النووي وغيره بأن في أحاديث الباب ما يدل على أن للقرشي

⦗ص: 513⦘

مزية على غيره فصح الاستدلال به لترجيح الشافعي على غيره وليس مراد المستدل به أن الفضل لا يكون إلا لقرشي بل المراد أن كونه قرشيا من أسباب الفضل والتقديم كما أن من أسبابها الورع والفقه وغيرهما فيصح الاستدلال على تقديم الشافعي على من سواه في العلم والدين من غير قريش لأن الشافعي قرشي وعجب قول القرطبي في المفهم بعد ما ذكر نحو ما ذكره عياض أن المستدل بهذه الأحاديث على ترجيح الشافعي صحبته غفلة قارنها من صميم التقليد طيشة كذا قال: وهو الذي أصابته الغفلة لكونه لم يفهم مراد المستدل انتهى

<تنبيه> قال الشريف السمهودي وغيره: كل ما جاء في فضل قريش فهو ثابت لبني هاشم والمطلب

(البزار) في مسنده (عن علي) أمير المؤمنين

ص: 512

6111 -

(قده) بضم فسكون (بيده) سببه أنه مر وهو يطوف بالكعبة بإنسان ربط يده إلى إنسان بنحو سير أو خيط فقطعه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ذكره

(طب عن ابن عباس)

ص: 513

6112 -

(قراءة القرآن في الصلاة أفضل من قراءة القرآن في غير الصلاة) لأنها محل المناجاة ومعدن المصافاة (وقراءة القرآن في غير الصلاة أفضل من التسبيح والتكبير) أي فيما لم يرد فيه ذكر بخصوصه (والتسبيح أفضل من الصدقة) المالية (والصدقة أفضل من الصوم والصوم جنة من النار) أي وقاية من نار جهنم قال الطيبي: ذكر خاصية المفضول وترك خواص الفاضل تنبيها على أنها تناهت عن الوصف فإن قلت: هذا الحديث يدل على أن الصوم دون الصلاة والصدقة ودل حديث كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم الحديث على أن الصوم أفضل قلت: إذا نظر إلى نفس العبادة كانت الصلاة أفضل من الصدقة وهي من الصوم فإن موارد التنزيل وشواهد الأحاديث النبوية جارية على تقديم الأفضل فإذا نظر إلى كل منهما وما يدلى إليه من الخاصية التي لم يشاركه غيره فيها كان أفضل

(قط في الأفراد هب عن عائشة) وفيه محمد بن سلام قال ابن مندة: له غرائب عن الفضل بن سليمان وفيه مقال عن رجل من بني خزيمة مجهول

ص: 513

6113 -

(قراءة القرآن في غير المصحف ألف درجة وقراءته في المصحف تضاعف على ذلك إلى ألفي درجة) قال الطيبي: قوله ألف درجة خبر لقوله قراءة القرآن على تقدير المضاف أي ذات ألف درجة ليصح الحمل كما في قوله تعالى {هم درجات} أي ذو درجات وإنما فضلت القراءة في المصحف لحظ النظر فيه وحمله ومسه وتمكنه من التفكر فيه واستنباط معانيه وقوله إلى ألفي درجة حال أي انتهى إلى ألفي درجة

(طب هب عن أوس بن أبي أوس الثقفي) واسم أبي أوس حذيفة صحابي معروف وهو غير أوس بن أوس الثقفي الصحابي على الصحيح فما هنا ابن أبي أوس وذاك بن أوس وكلاهما صحابي قال الذهبي: يقال إنه وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال والد عمرو بن أوس قال الهيثمي: فيه أبو سعيد بن عود وثقه ابن معين مرة وضعفه أخرى وبقية رجاله ثقات

ص: 513

⦗ص: 514⦘

6114 - (قراءتك نظرا) في المصحف (تضاعف على قراءتك ظاهرا) أي عن ظهر قلب (كفضل) الصلاة (المكتوبة على) الصلاة (النافلة)

(ابن مردويه) في تفسيره (عن عمرو بن أوس) عمرو بن أوس في الصحابة ثقفي وأنصاري وقرشي ولو ميزه لكان أولى

ص: 514

6115 -

(قرب اللحم من فيك عند الأكل فإنه أهنأ) أي أكثر هناءا والهناء كما في العارضة خلوص الشيء عن النصب والنكد (وأبرأ) أي أسلم من الداء وروي بالميم والاستمراء الملائمة للذة

(حم ك) في الأطعمة (هب عن صفوان بن أمية) قال: كنت آكل مع النبي صلى الله عليه وسلم فآخذ اللحم من العظم بيدي فذكره قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي لكن قال المنذري: فيه انقطاع فإن الحاكم وأبا داود خرجاه من حديث عبد الرحمن بن معاوية عن عثمان بن أبي سليمان عن صفوان وعثمان لم يسمع منه ورواه عنه أيضا الترمذي وفيه عنده خاصة عبد الكريم المعلم واه

ص: 514

6116 -

(قرصت) بالتحريك لدغت وأصل القرص الأخذ بأطراف الأصابع (نملة) سميت نملة لتنملها أي كثرة حركتها (نبيا من الأنبياء) عزيز أو موسى أو داود روى أنه قال يا رب تعذب أهل قرية وفيهم المطيع فأراد ربه أن يريه العبرة في ذلك فسلط عليه الحر فلجأ لظل شجرة عندها بيت نمل فنام فلدغته واحدة وهو في ألذ النوم (فأمر بقرية النمل) أي محل اجتماعها أو سكنها والعرب تفرق في الأوطان فتقول لسكن الإنسان وطن وللإبل عطن وللأسد عرين وغابة وللظبى كناس وللذئب وجار وللطائر عش وللزنبور كور ولليربوع نافقاء وللنملة قرية (فأحرقت) بالبناء للمفعول والتأنيث وفي رواية للبخاري أحرق أي النمل وهو جائز في شرعه لا في شرعنا للنهي عن قتل النمل في خبر يجيء (فأوحى الله إليه) أي إلى ذلك النبي (أن) بحذف حرف الجر وبفتح الهمزة وهمزة الاستفهام مقدرة أو ملفوظة (قرصتك نملة) واحدة (أحرقت أمة) أي طائفة (من الأمم تسبح) أي مسبحة لله تعالى ووضع المضارع موضع مسبحة ليدل على الاستمرار ومزيد الإنكار وقال في البحر: فالعتب على ذلك النبي لزيادة القتل على نملة لدغته لا لنفس القتل والإحراق لأنه سائغ في شرعته حتى توعد سليمان الهدهد بقوله {لأعذبنه} وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بإحراق الكفار ثم نهى عنه فلو أحرق واحدة لم يعاتب وإنما عوتب لأنه فعله انتقاما وتشفيا اه وفي المفهم إنما عوتب حيث انتقم لنفسه بإهلاك جمع أذاه واحد منهم وكان الأولى الصبر والعفو لكن رأى النبي أن هذا النوع مؤذ لبني آدم وحرمة ابن آدم أعظم من حرمة غير الناطق فلو لم ينضم لذلك التشفي الطبيعي لا يعاتب والذي يوجب ذلك التمسك بعصمة الأنبياء وأنهم أعلم الناس بالله وبأحكامه وأشدهم له خشية اه. وقال بعضهم: لم يعاتبه إنكارا لفعلته بل إيضاحا لحكمة شمول الإهلاك لجميع أهل القرية وضرب له المثل بالنمل أي إذا اختلط من يستحق الإهلاك بغيره وتعين إهلاك الكل طريقا لإهلاك المستحق جاز إهلاك الكل وقوله تسبح قضيته أي تسبيح بنطق وقال كما أخبر تعالى عن الطير بأن له منطقا وفهمه سليمان معجزة له وأخبر عن النملة التي سمعها سليمان تقول ما قالت فهذا كما قال القرطبي يدل دلالة واضحة على أن لها نطقا وقولا لكن لا يسمعه كل أحد بل من شاء الله ممن خرق له العادة من نبي أو ولي ولا ينكر هذا من حيث أنا لا نسمعه إذ لا يلزم من عدم الإدراك عدم المدرك في نفسه قولا وكلاما (لطيفة) قال الزمخشري: دخل قتادة الكوفة فالتف عليه الناس فقال سلوني عما شئتم وكان أبو حنيفة حاضرا وهو غلام حدث فقال سلوه عن نملة سليمان

⦗ص: 515⦘

كان ذكرا أو أنثى فسألوه فأفحم فقال أبو حنيفة كانت أنثى فقيل له من أين عرفت قال من قوله تعالى {قالت نملة} ولو كان ذكرا لقال قال نملة

(ق د ن عن أبي هريرة) وفي الباب غيره أيضا قال بعضهم: وسبب القصة أن ذلك النبي مر على قرية أهلكها الله بذنوب أهلها فوقف متعجبا فقال: يا رب فيهم صبيان ودواب ومن لم يقترف ذنبا ثم نزل تحت شجرة فلدغته نملة فأحرق الكل فقيل له ذلك

ص: 514

6117 -

(قرض الشيء خير من صدقته) قال الحرالي: القرض الجزء من الشيء والقطع منه كأنه يقطع له من ماله قطعة ليقطع له من ثوابه أقطاعا مضافة

(هق عن أنس) ورواه عنه أيضا النسائي وأبو نعيم والديلمي

ص: 515

6118 -

(قرض مرتين في عفاف) أي إغضاء عن الربا وما يؤدي إليه (خير من صدقة مرة) مفهومه أن الصدقة مرة بدرهم خير من قرض درهم وقد ورد في حديث في حرف الراء ما يخالفه

(ابن النجار) في التاريخ (عن أنس) بن مالك

ص: 515

6119 -

(قريش) قال المظهر: سميت بدابة في البحر هي سيدة الدواب البحرية وكذلك قريش سادة الناس قال ابن حجر: هو تصغير القرش بكسر فسكون: الحوت المعروف بالبحر (صلاح الناس ولا تصلح الناس إلا بهم ولا يعطى إلا عليهم) الظاهر أن المراد إعطاء الطاعة (كما أن الطعام لا يصلح إلا بالملح) قال الحليمي: وإذا وجبت التقدمة لقريش كانت لبني هاشم أوجب لأنهم أخص به منهم قال حرب الكرماني: فالعرب أفضل الناس وقريش أفضلهم هذا مذهب الأئمة وأهل الأثر والسنة قال ابن تيمية: وهكذا جاءت الشريعة فإن الله خص العرب ولسانهم بأحكام تميزوا بها ثم خص قريشا على سائر العرب بما جعل فيهم من خلافة النبوة وغير ذلك من الخصائص

(عد عن عائشة)

ص: 515

6120 -

(قريش خالصة الله تعالى فمن نصب لهم حربا سلب ومن أرادها بسوء خزي في الدنيا والآخرة) لعناية الله تعالى بها وهدايته إياها ألا ترى أنه لم يكن فيهم منافق في حياة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا بعده وارتد بعده العرب إلا قريش مع كراهتهم الدخول في الإسلام والتربص بعد الفتح حتى جعل لهم مدة أربعة أشهر وكان صفوان بن أمية منهم ثم أسلم وذهب عكرمة بن أبي جهل على وجهه حتى بلغ البحر في قصة طويلة ثم كان من حسن إسلامه أنه إذا نشر المصحف يقول هذا كلام ربي فيغشى عليه وسهيل بن عمرو كان منه ما كان يوم الحديبية وبلغ من إسلامه أنه هاجر إلى الشام وقتل شهيدا وخطب يوم اليرموك خطبة بلغت من الناس مبلغا كانت سببا للفتح وكان صفوان بن أمية سأل الله الشهادة في إعزاز الدين وحكيم بن حزام باع داره لمعاوية بستين ألفا فقالوا غلبك قال والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزق خمر وأشهدكم أنها في سبيل الله

(ابن عساكر) في التاريخ (عن عمرو بن العاص) ورواه عنه أيضا أبو نعيم

ص: 515

6121 -

(قريش على مقدمة الناس يوم القيامة ولولا أن تبطر قريش لأخبرتها بما لمحسنها عند الله من الثواب) المضاعف والدرجات الرفيعة فهم أفضل العرب الذين جنسهم أفضل الناس كما تقرر فمن عابهم أو طعن فيهم فهو

⦗ص: 516⦘

مبتدع قال ابن تيمية: والأحاديث في فضل قريش فيها كثرة وهي تدل على فضل العرب إذ نسبة قريش إلى العرب نسبة العرب إلى الناس وسبب هذا الفضل ما خصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع أو بالعمل الصالح والعلم له مبدأ وهو قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ وتمام وهو قوة المنطق الذي هو البيان والعبادة ولسانهم أتم الألسنة بيانا وتمييزا للمعاني وجمعا للمعنى الكثير في اللفظ القليل إذا شاء المتكلم الجمع ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر كما نجده في لغتهم في جنس الحيوان مثلا فإنهم يعبرون عن القدر المشترك بين الحيوان بعبارات جامعة ثم يميزون بين أنواعه في أسماء إلى غير ذلك من خصائص اللسان العربي وأما العمل فمبناه على الأخلاق وهي الغرائز المخلوقة في النفس وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم فهم أقرب للأخلاق المحمودة من نحو سخاء وعلم وشجاعة ووفاء وكانوا قبل الإسلام طبيعتهم قابلة للخير معطلة عن فعله فلما جاءهم الهدى ببعثة خير الورى زالت تلك الريون عن قلبهم

(عد عن جابر) قضية صنيع المصنف أن ابن عدي خرجه وسكت عليه والأمر بخلافه بل قال هذا الحديث بهذا الإسناد باطل ليس يرويه غير إسماعيل بن مسعدة وكان يحدث عن الثقات بالبواطيل وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الإثبات لا تحل الرواية عنه

ص: 515

6122 -

(قريش والأنصار وجهينة) كحيينة وهم بنو جهينة بن زيد بن ليث منهم عقبة بن عامر الجهني وغيره (ومزينة) بضم الميم وفتح الزاي وسكون التحتية بعدها نون وهو اسم امرأة عمرو بن إد بن طابخة بموحدة فمعجمة ابن الياس بن مضر وهي مزينة بنت كلب (وأسلم) بفتح اللام ابن إلحاف بمهملة وفاء وزن الياس (وأشجع) بمعجمة وجيم وزن أحمد وهم بنو أشجع بن ريث بن غطفان منهم نعيم بن مسعود وغيره (وغفار) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء وهم بنو غفار ابن مليل بميم ولامين مصغرا منهم أبو ذر الغفاري (موالي) بتشديد التحتانية والإضافة أي أنصاري وأحبائي هذا هو الأنسب هنا وإن كان للمولى عدة معان وروي بالتنوين أي بعضهم أحباء لبعض وروي بتخفيف التحتية وحذف المضاف إليه أي موالي الله ورسوله ويدل عليه قوله (ليس لهم مولى دون الله ورسوله) أب لا ولاء لأحد عليهم إلا الله ورسوله أو أن أشرافهم لم يجر عليه رق ولا يقال لهم موالي لأنهم ممن بادر إلى الإسلام ولم يسبوا فيرقوا لغيرهم ثم قيل موالي بتخفيف الياء وروي بتشديدها كأنه أضافهم إليه قال الطيبي: قوله ليس لهم إلخ. جملة مقررة للجملة الأولى على الطرد والعكس وفي تمهيد ذكر الله ورسوله وتخصيص ذكر الرسول إيذان بمكانته ومنزلته عند الله وإشعار بأن توليه إياهم بلغ مبلغا لا بقدر قدره قال ابن حجر: هذه سبع قبائل كانت في الجاهلية في القوة والمكانة دون بني عامر بن صعصعة وبني تميم وغيرهما من القبائل فلما جاء الإسلام كانوا أسرع دخولا فيه من أولئك فانقلب الشرف إليهم وقال في موضع آخر: هذه فضيلة ظاهرة لهؤلاء القبائل والمراد من آمن منهم والشرف يحصل للشيء إذا حصل لبعضه قيل خصوا بذلك لأنهم بادروا إلى الإسلام فلم يسبقوا كغيرهم وهذا إن سلم حمل على الغالب

(ق عن أبي هريرة)

ص: 516

6123 -

(قريش ولاة الناس في الخير والشر) يعني في الجاهلية والإسلام ويستمر ذلك (إلى يوم القيامة) فالخلافة فيهم ما بقيت الدنيا ومن تغلب على الملك بطريق الشوكة لا ينكر أن الخلافة في قريش قال ابن تيمية: والذي عليه أهل السنة والجماعة أن جنس العرب أفضل من جنس العجم عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفارسيهم وغيرهم وأن

⦗ص: 517⦘

قريشا أفضل العرب وأن بني هاشم أفضل قريش وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل بني هاشم فهو أفضل الخلق نفسا وأفضلهم نسبا وليس فضل العرب ثم قريش ثم بني هاشم لمجرد كون النبي صلى الله عليه وسلم منهم وإن كان هذا من الفضل بل هم في أنفسهم أفضل وبذلك يثبت للنبي صلى الله عليه وسلم أنه أفضل نسبا وإلا لزم الدور اه

(حم ت عن عمرو بن العاص) رمز المصنف لصحته

ص: 516

6124 -

(قريش ولاة هذا الأمر) أي أمر الإمامة العظمى زاد في رواية ما أقاموا الدين. قال ابن حجر: فيحتمل أن يكون خروج القحطاني إذا لم تقم قريش أمر الدين وقد وجد ذلك فإن الخلافة لم تزل فيهم والناس في طاعتهم إلى أن استخفوا بأمر الدين فضعف أمرهم وتلاشى إلى أن لم يبق من الخلافة سوى اسمها المجرد في بعض الأقطار دون أكثرها اه. ونحن الآن في زمن ليس لهم فيه منها ولا الاسم (فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم) أي هكذا كانوا في الجاهلية وإذ قد علمنا أن أحدا منهم لم يبق بعده على الكفر علم أن المراد منه أن الإسلام لم ينقصهم عما كانوا عليه في الجاهلية من الشرف فهم سادة في الإسلام كما كانوا قادة في الجاهلية وقيل المراد بهذا الأمر الدين والمعنى أن مسلمي قريش قدوة غيرهم من المسلمين لأنهم المتقدمون في التصديق وكافروهم قدوة غيرهم من الكفار فإنهم أول من رد الدعوة وأعرض عن الآيات والنذر

(حم عن أبي بكر) الصديق (وسعد) بن أبي وقاص

ص: 517

6125 -

(قسم من الله تعالى لا يدخل الجنة بخيل) أي إنسان رزق مالا وحظا من الدنيا فلحبه له وعزته عنده وعظمته في عينه ووقعه في قلبه زواه عن حقوق الحق والخلق فهذا لا يدخلها حتى يطهر من دنس البخل وقبح الشح بنار جهنم أو يعفى عنه والمال في يد العبد أمانة سلطه الله على هلكته في الحق فمن عدل عن أمره وخزنه لنفسه فقد خان وخالف حكمة الكريم فحرم جنة النعيم وأيد الغزالي احتمالا حمل فيه الحديث على ظاهره وهو أن يراد بالبخل من بخل بأقبح بخل وهو كلمة الشهادة وقال بعضهم: المراد بالخبر أنه إذا تكامل في القلب نعت البخل والشح ولم يبق مع كمالها إيمان فلا يدخل الجنة والشح يضيق القلب عن كل خير ليتسع لضده وهو كل شر

(ابن عساكر) في تاريخه (عن ابن عباس)

ص: 517

6126 -

(قسمت النار سبعين جزءا فللآمر) أي بالقتل (تسع وستون) جزأ منها (وللقاتل جزء حسبه) أي يكفيه هذا المقدار من العقاب ثم يحتمل أن هذا زجر وتهويل وتهديد للآمر ويحتمل أنه فيما لو أكره الآمر المأمور بغير حق

(حم) من حديث يزيد بن عبد الله المزني (عن رجل) من الصحابة قال: سئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن القاتل والآمر فذكره رمز المصنف لحسنه قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس

ص: 517

6127 -

(قصوا الشوارب وأعفوا اللحى) أي وفروها وكثروها من عفو الشيء وهو كثرته ونماؤه {حتى عفوا} أي كثروا وأصل القص تتبع الأثر قال في المحكم بالليل ويطلق على إيراد الخبر تاما على من لم يحضره وعلى قطع شيء بشيء بآلة مخصوصة والمراد به هنا قطع الشعر النابت على الشفة العليا بغير استئصال وكذا قص الظفر أخذ أعلاه من غير استئصال

(حم عن أبي هريرة)

ص: 517

6128 -

(قصوا الشوارب مع الشفاه) يعني سووها مع الشفة بأن تقطعوا ما طال ودعوا الشارب مساويا لها فلا تستأصلوه بالكلية

(طب عن الحكم بن عمير) قال الهيثمي: فيه عيسى بن إبراهيم بن طهمان وهو متروك ورواه عنه أيضا الديلمي

ص: 517

6129 -

(قصوا أظافركم) جمع أظفور والأظفار جمع ظفر أي اقطعوا ما طال منها لأنها إن تركت بحالها تخدش وتخمش وتضر وتجمع الوسخ ربما أجنب ولم يصلها الماء فلا يزال جنبا (وادفنوا قلاماتكم) أي غيبوا ما قطعتموه منها في الأرض فإن جسد المؤمن ذو حرمة فما سقط منه فحرمته قائمة فدفنه كدفنه لئلا يقع في النار أو في شيء من الأقذار. قال في المصباح: والقلم أخذ الظفر والقلامة بالضم هي المقلومة عن طرف الظفر وقضية الإطلاق حصول السنة بقصها على أي وجه كان وقد ذكروا هيآت لم يصح فيها شيء (ونقوا براجمكم) أي بالغوا في تنظيف ظهور عقد مفاصل أصابعكم وقال الحكيم: هي قصبة الأصبع أمر بتنقيتها لئلا تدرن فيحول الدرن بين الماء والبشرة (ونظفوا لثاتكم) لحم أسنانكم (من الطعام) لئلا يبقى فيه الوضر فتتغير النكهة ويتأذى الملكان ولأنه طريق القرآن (واستاكوا) نظفوا أفواهكم بخشن يزيل القلح ولفظ رواية الحكيم واستنوا بدل واستاكوا وما عزاه المصنف إليه لم أره في كلامه (ولا تدخلوا علي قحرا) مصفرة أسنانكم من شدة الخلوف (بخرا) أي رائحة نكهتكم متغيرة منكرة والبخر بفتحتين نتن الفم هكذا الرواية لكن قال الحكيم: المحفوظ عندي قحلا فلجا ولا أعرف القحر <تنبيه> جزم النووي في شرح مسلم بأنه يستحب البداءة في قص الأصابع بمسبحة اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الإبهام وفي اليسرى بخنصرها ثم بالبنصر إلى الإبهام وفي الرجلين بخنصر اليمنى إلى الإبهام وفي اليسرى بإبهامها إلى الخنصر ولم يذكر للندب دليلا وفي المجموع بعد نقله عن الغزالي وأن المازري اشتد إنكاره عليه ولا بأس بما قاله الغزالي إلا في تأخير إبهام اليمنى فالأولى تقديم اليمنى بكمالها على اليسرى قال ابن دقيق العيد: وكل ذلك لا أصل له وذكر الدمياطي عن بعض مشايخه أن من قص أظفاره مخالفا لم يرمد وأنه جربه اه وما ذكره عن بعض مشايخه نقله الولي العراقي عن بعض مشايخ أبيه حيث قال حكى والدي عن بعض مشائخه أنه يبدأ بمسبحة اليد اليمنى فالبنصر فالإبهام فالوسطى فالخنصر فإبهام اليسرى فالوسطى فالخنصر فمجاور الإبهام فمجاور الخنصر وقال: إنه جربه للسلامة من الرمد فصح وأنه كان يرمد فمن حين واظبه لم يرمد

(الحكيم) الترمذي (عن عبد الله بن بسر) المازني قال الحافظ ابن حجر: فيه راو مجهول وقال شيخه الزين العراقي: فيه عمر بن بلال غير معروف كما قاله ابن عدي وأقول: فيه أيضا عمر بن أبي عمر قال الذهبي: عن ابن عدي مجهول وإبراهيم بن العلاء لا يعرف

ص: 517

6130 -

(قص الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة) قد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه يحصل سنة القص والنتف والحلق في أي وقت كان والضابط الحاجة وجاء في الخبر الآتي يفعل كل أربعين وفي بعضها كل أسبوع ولا تعارض لأن الأربعين أكثر المدة والأسبوع أقلها واختلف في اليوم الذي يتأكد فيه فعله من الأسبوع وقد اختلفت الأحاديث في ذلك ففي بعضها يوم الجمعة قال البيهقي في سننه: روينا عن أبي جعفر مرسلا كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستحب أن يأخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة. وفي الأوسط للطبراني عن عائشة مرفوعا من قلم أظفاره يوم الجمعة وقى من السوء إلى مثلها وفيه أحمد بن ثابت في جزئه ضعيف وورد في حديثنا هذا يوم الخميس وهو من الأحاديث المسلسلة أخبرني به والدي ورأيته

⦗ص: 519⦘

يقلم أظفاره يوم الخميس قال أخبرني الشيخ معاذ ورأيته يقلم أظفاره يوم الخميس قال أخبرني أستاذي شيخ الإسلام يحيى المناوي ورأيته يقلم أظفاره يوم الخميس قال أخبرني شيخ الإسلام ولي الدين العراقي ورأيته يقلم أظفاره يوم الخميس قال أخبرني والدي ورأيته يقلم أظفاره يوم الخميس قال أخبرني أبو العباس أحمد الحرالي ورأيته يقلم أظفاره يوم الخميس قال أنا الحافظ عبد المؤمن الدمياطي ورأيته يقلم أظفاره يوم الخميس قال أنا صفر بن يحيى وأبو طالب ابن العجمي وعمر بن سعيد الحلبوني والحافظ أبو الحجاج يوسف ومحمد وعبد الحميد أبو عبد الهادي الدمشقيون ورأيت كلا منهم يقلم أظفاره يوم الخميس قال أنا يحيى الثقفي ورأيناه يقلم أظفاره يوم الخميس قال أنا جدي لأبي أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل ورأيته يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت الإمام أبا محمد الحسن بن السمرقندي يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت الإمام أبا حفص المستغفري وهو يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت الإمام أبا جعفر المكي يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت الإمام إسماعيل المروزي بها يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت الإمام أبا بكر محمد النيسابوري يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت الفضل بن العباس الكوفي يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت الحسين بن هارون الضبي يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت عمر بن حفص يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت جعفر بن محمد يقلم أظفاره يوم الخميس قال رأيت علي بن الحسين يقلم أظفاره يوم الخميس وقال رأيت عليا رضي الله تعالى عنه يقلم أظفاره يوم الخميس وقال رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقلم أظفاره يوم الخميس قال يا علي قص الظفر ونتف الإبط وحلق العانة يوم الخميس إلخ قال الزين العراقي: في إسناده من يحتاج للكشف عنه من المتأخرين أما الحسين بن هارون الضبي ومن بعده فثقات وأما قص الظفر فقد مر الكلام عليه بما فيه مقنع قال ابن قدامة في المغني: ويسن غسل رؤوس الأصابع بعد قصها ويقال إن الحك بها قبل غسلها يضر بالبدن ويستثنى من ندب قلم الأظفار موضع منها حالة الإحرام وعشر ذي الحجة لمريد التضحية وحالة الموت وحالة الغزو على ما في المحيط للحنفية وأما نتف الإبط فمتفق على ندبه وتحصل السنة بإزالته بحلق أو نورة لكن النتف أولى لأن الإبط محل الريح الكريه ونتفه يضعف أصوله ويرقق جرمه فيخف الاحتباس فتقل الرائحة المتعفنة ويتأكد أن يتولى ذلك بنفسه لما في تولي غيره لذلك من هتك الحرمة والمروءة بخلاف الشارب ذكره النووي قال الزين العراقي: وهو مسلم في النتف لا الحلق لعسر حلقه لنفسه ويندب البداءة بالإبط الأيمن فينتف الأيمن باليسرى والأيسر باليمنى لأنه المتيسر ويستثنى مع ما مر حالة الموت وذكر بعض الشافعية أن المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يكن له شعر تحت إبطه لحديث كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه قال الأسنوي: وبياض الإبط كان من خصائصه وأما إبط غيره فأسود لما فيه من الشعر واعترضه العراقي بأن ذلك لم يثبت بل لم يرد في شيء من الكتب المعتمدة والخصائص لا تثبت بالاحتمال ولا يلزم من بياض إبطيه أن لا يكون له شعر لأنه إذا نتف بقي محله أبيض ولذلك ورد في حديث الترمذي عن عبد الله بن أقرم الخزاعي كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد والعفرة بياض غير ناصع فلو كان خاليا من الشعر لم يكن أعفر وإطلاق بياض الإبط في حق غيره موجود في كلام كثير من الفقهاء وغيرهم والإنكار فيه لأن الإبط لا تناله الشمس في السفر والحضر وأما حلق العانة فمجمع على ندبه قال النووي: فيسن حلق جميع ما على القبل والدبر وحولهما وتحصل السنة بقصه أو حلقه أو نتفه أو تنويره لكن الأفضل في الإبط النتف والعانة الحلق لأن الإبط محل الريح الكريه والنتف يضعف الشعر فيخف الريح كما مر ونتف العانة يرخي المحل نعم النتف للمرأة أفضل وينبغي لكل البداءة بالجانب الأيمن وحكمة حلق العانة التنظيف مما يكره عادة والتحسن للزوجين وهو للمرأة آكد وهذه الثلاثة لا تترك أكثر من أربعين يوما لحديث أبي داود عن أنس وقت لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة

⦗ص: 520⦘

فهي مضبوطة بالحاجة والأربعون غاية الترك والأفضل فعلها في كل أسبوع كما مر فيندب تعهد ذلك كل جمعة فإن لم يفعل فلا يهمله فوق أربعين

(التيمي) أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل (في مسلسلاته) بالفعل يوم الخميس (فر) كلاهما (عن علي) أمير المؤمنين

ص: 517

6131 -

(قفلة) هي المرة من القفول وهو الرجوع من سفر (كغزوة) أي رب قفلة تساوي الغزو لكن القفول ترجح مصلحته على مصلحة المضي للغزو كخوف على الحرم وكون العدو أضعاف المسلمين ونحو ذلك أو المراد أن أجر الغازي في انصرافه لأهله راجعا كأجره في إقباله للجهاد وقيل أراد بالقفلة الكرة على العدو بعدما انفصل عنه فرارا أو لغيره

(حم د ك) في الجهاد لكن الذي رأيته في مستدركه بخط الحافظ الذهبي كعمرة بدل غزوة (عن ابن عمرو) بن العاص وقال: على شرط مسلم وأقره الذهبي

ص: 520

6132 -

(قل هو الله أحد) مع كونها ثلاث آيات وآيات القرآن تزيد على ستة آلاف (تعدل ثلث القرآن) لأن القرآن قصص وأحكام وصفات وهي متمحضة للصفات فهي ثلثه أو لأن ثواب قراءتها يضاعف بقدر ثواب ثلث القرآن بغير تضعيف. قال الطيبي: فلا يلزم من تكريرها على الأول استيعاب القرآن ويلزم على الثاني <فائدة> قال ابن عربي: ظهر لبعض أهل المكاشفة صور سور القرآن فساطيط مئة وثلاثة عشر سورة وكان أميا فقال كنت أسمع أن القرآن مئة وأربعة عشر سورة فقيل له قل هو الله أحد لا تسعها السماوات والأرض

(مالك) في الموطأ (حم خ د ن عن أبي سعيد) الخدري (خ عن قتادة بن النعمان) بضم النون بن يزيد بن عامر الأنصاري الظفري البدري (م عن أبي الدرداء) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قالوا وكيف؟ فذكره (ت ن عن أبي هريرة ن عن أبي أيوب) الأنصاري (حم هـ عن أبي مسعود الأنصاري) البدري (طب عن ابن مسعود وعن معاذ) بن جبل (حم عن أم كلثوم بنت عقبة) بن أبي معيط الأمويه أسلمت قديما وهي أخت عثمان لأمه (البزار) في مسنده (عن جابر) بن عبد الله (أبو عبيد) القاسم بن سلام (عن ابن عباس) قال المصنف: وهو متواتر

ص: 520

6133 -

(قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن) أي تساويه لأن معانيه آيلة إلى ثلاثة علوم: علم التوحيد وعلم الشرائع وعلم تهذيب الأخلاق وتزكية النفس وسورة الإخلاص تشتمل على القسم الأشرف منها الذي هو كالأصل والأساس للقسمين الآخرين وهو علم التوحيد على أبين وجه وآكده (وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن) كما سبق توجيهه بما يغني عن إعادته. قال حجة الإسلام: ما أراك تفهم وجه هذا أو كأني بك تقول هذا بعيد عن الفهم والتأويل فإن آيات القرآن تزيد على ستة آلاف فهذا القدر كيف يكون ثلثها وهذا لقلة معرفتك بحقائق القرآن ونظرك إلى ظاهر ألفاظه فتظن أنها تعظم وتكثر بطول الألفاظ وقصرها وذلك لظن من يؤثر الدراهم الكثيرة على جوهرة واحدة نظرا لكثرتها فاعلم أن الإخلاص تعدل ثلثه قطعا وأرجح والقرآن ينقسم إلى الأقسام الثلاثة التي هي مهمات القرآن وهي معرفة الله ومعرفة الآخرة ومعرفة الصراط المستقيم وهذه المعارف الثلاثة هي المهمات والباقي توابع والإخلاص مشتمل على واحدة من الثلاثة وهي معرفة الله وتوحيده وتقديسه عن مشارك في الجنس والنوع وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفء والوصف بالصمد يشعر بأنه السيد الذي لا مصمود في الوجود للحوائج سواه

⦗ص: 521⦘

وليس فيها معرفة الآخرة والصراط المستقيم فلذلك تعدل ثلث القرآن أي ثلث الأصول منه كخبر الحج عرفة أي هو الأصل والباقي تابع

(طب ك عن ابن عمر) بن الخطاب قال الهيثمي: فيه ابن لهيعة وهو ضعيف

ص: 520

6134 -

(قل اللهم اجعل سريرتي خيرا من علانيتي واجعل علانيتي صالحة اللهم إني أسألك من صالح ما تؤتى الناس من المال والأهل والولد غير الضال والمضل) أي غير الضال في نفسه المضل لغيره وهذا من جوامع الكلم وكان المصطفى صلى الله عليه وسلم يدعو به

(ت عن عمر) بن الخطاب قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر قل فذكره

ص: 521

6135 -

(قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه) قال ابن فلاح في المغني: أجاز المبرد وصف اللهم قياسا على وصفه لو كانت معه ياء فكذا مع عوضها حملا عليه ومنعه سيبويه لبعده من التركيب عن التمكن المقتضي للوصف مع ضعف وصف المناوي ويحمل مثله على البدل وقال الرضي: لا يوصف اللهم عند سيبويه كما لا يوصف أخواته أي الأسماء المختصة بالنداء وأجاز المبرد وصفه لأنه بمنزلة يا ألله واستدل بنحو اللهم فاطر السماوات والأرض وهو عند سيبويه على النداء المستأنف ولا أرى في الأسماء المختصة بالنداء مانعا في الوصف بل السماع مفقود فيها (أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه. قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك) قال ابن القيم: قد تضمن هذا الحديث الاستعاذة من الشر وأسبابه وغايته فإن الشر كله إما أن يصدر من النفس أو من الشيطان. وغايته إما أن يعود على العامل أو على أخيه المسلم فتضمن الحديث مصدري الشر الذي يصدر عنهما وغايتيه اللتين يصل إليهما اه. فإن قلت لم قدم الاستعاذة من شر النفس مع أن شر الشيطان أهم في الدفع لأن كيده ومحاربته أشد من النفس لأن شرها وفساده إنما ينشأ من وسوسته ومن ثم أفردت له في التنزيل سورة تامة بخلافها قلت الظاهر أنه جعله من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى

(حم د ت حب ك) في الدعاء والذكر (عن أبي هريرة) قال: إن أبا بكر سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: مرني بكلمات أقولهم إذا أصبحت وإذا أمسيت فذكرها قال الحاكم: صحيح وأقره الذهبي وقال في الأذكار بعد ما عزاه لأبي داود والترمذي: أسانيده صحيحة وقال الهيثمي: أحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح غير حيي بن عبد الله المغافري وثقه جمع وضعفه آخرون

ص: 521

6136 -

(قل اللهم إني أسألك نفسا مطمئنة) أي مستقرة تقطع بوحدانيتك وتجزم بحقيقة ما جاءت به رسلك بحيث (تؤمن بلقائك) أي بالبعث يوم الموت (وترضى بقضائك وتقنع بعطائك) أي تسكن تحت مجاري أحكامك. أوحى

⦗ص: 522⦘

الله إلى داود لن تلقاني بعمل هو أرضى عنك ولا أحط لوزرك من الرضى بقضائي

(طب والضياء عن أبي أمامة) قال الهيثمي: وفيه من لم أعرفهم

ص: 521

6137 -

(قل اللهم إني ضعيف فقوني وإني ذليل فأعزني وإني فقير فارزقني) قال بعض العارفين: جرت عادة العامة أنهم متى حاولوا جلب رزق إنما يحاولونه بما يجانس كالتجارة والصنائع ومقاواة الأعداء في الحروب والمكايدة والخاصة إنما يحاولوه بما هو فوق تلك الرتبة من الأدعية والأذكار الصالحة فإنهم يملكون من أمر الله ما لا يملكه العامة فمتى عرض لأحدهم أمر اجتلب خيره واستدقع ضره بما وراء ذلك من الكلمات النافعة

(ك) في الدعاء عن ابن فضيل عن العلاء بن المسيب عن أبي داود الأزدي الأعمى (عن بريدة) قال الحاكم: صحيح ورده الذهبي فقال: قلت أبو داود الأعمى متروك الحديث

ص: 522

6138 -

(قل اللهم مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى عندي من عملي) فإنه لن يدخل الجنة أحد بعمله ولا الأكابر إلا أن يتغمدهم الله برحمته

(ك والضياء) في المختارة من حديث عبد الله بن محمد بن جابر بن عبد الله عن أبيه (عن) جده (جابر) القول مرتين أو ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل إلخ فقالها الرجل ثم قال عد فعاد ثم قال مخرجه الحاكم في الدعاء رواته مدنيون لا يعرف واحد منهم بجرح انتهى وعبد الله لم يخرج له أحد من الستة وتوابعها وابن محمد تابعي مدني حدث عنه ابناه

ص: 522

6139 -

(قل إذا أصبحت) أي إذا دخلت في الصباح (بسم الله على نفسي وأهلي ومالي فإنه لا يذهب لك شيء) هذا من الطب الروحاني المشروط نفعه بالإخلاص وحسن الاعتقاد

(ابن السني في عمل يوم وليلة عن ابن عباس) قال: شكا رجل إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه يصيبه الآقات فقال له قل إلخ قال النووي في الأذكار: وإسناده ضعيف

ص: 522

6140 -

(قل كلما أصبحت وإذا أمسيت بسم الله على ديني ونفسي وولدي وأهلي ومالي) قال ابن عربي: وحضور الذاكر عند نطقه بشيء من الأسماء الإلهية لا بد منه حتى يعرف من يذكر وكيف يذكر ومن يذكر والله خير الذاكرين وذكر الفخر الرازي أنه يشترط حضور القلب وفراغه من الشواغل الدنيوية والكدورات الجسمانية وإلا فلا يلومن إلا نفسه

(ابن عساكر) في تاريخه (عن ابن مسعود)

ص: 522

6141 -

(قل اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني فإن هؤلاء) الكلمات (تجمع لك دنياك وآخرتك) أي أمور دنياك وأمور آخرتك بالشروط المقررة فيما قبله

(حم هـ عن طارق) بن أشيم (الأشجعي) والد أبي مالك يعد في الكوفيين

⦗ص: 523⦘

قال: كان الرجل إذا أسلم علمه النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ثم أمره أن يدعو بهذه الكلمات وفي رواية قال: جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علمني كلاما أقوله قال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ قال هؤلاء لربي فما لي؟ قال قل اللهم إلخ

ص: 522

6142 -

(قل اللهم إني ظلمت نفسي) بارتكابي ما يوجب العقوبة (ظلما كثيرا) بالمثلثة في معظم الروايات وفي رواية بموحدة قال في الأذكار: فينبغي الجمع بينهما فيقال ظلما كثيرا كبيرا احتياطا للتعبد ومحافظة على لفظ الوارد (وأنه) أي الشأن (لا يغفر الذنوب إلا أنت) لأنك الرب المالك ولا حيلة لي في دفعها وهو اعتراف بالوحدانية وعظمته الربوبية واستجلاب للمغفرة (فاغفر لي مغفرة) نكره للتعظيم أي عظمة لا يدرك كنهها وزاد (من عندك) لأن الذي من عنده لا يحيط به وصف واصف ولا يحصيه عد عاد مع ما فيه من الإشارة إلى أنه طلب أنها تكون له تفضلا من عنده تعالى لا بعمل منه (وارحمني) تفضل علي وأحسن إلي وزدني إحسانا على المغفرة (إنك) بالكسر على الاستئناف البياني المشعر بالتعليل (أنت الغفور الرحيم) كل من الوصفين للمبالغة وقابل اغفر بالغفور وارحم بالرحيم فالأول راجع إلى اغفر لي والثاني إلى ارحمني فهو لف ونشر مرتب فهذا عبد اعترف بالظلم ثم التجأ إليه مضطرا لا يجد لذنبه ساترا غيره ثم سأله المغفرة وقال بعض المحققين: وقال من عندك مع أن الكل منه وإليه إشارة إلى أنه يطلب من خزائنه ما خزنه عن العامة ولله رحمة تعم الخلق وله رحمة تخص الخواص وهي المطلوبة هنا وقد استدل به للدعاء في آخر الصلاة قال في الأذكار: وهو صحيح فإن قوله الآتي في صلاتي يعم جميعها اه. وفيه رد على شيخ الإسلام زكريا أن قوله في صلاتي المراد به المحل اللائق بالدعاء وفيه منها وهو السجود وبعد التشهد الأخير فقط وفيه مشروعية طلب تعليم العلم من العلماء وإجابة العالم للمتعلم سؤاله والمراد بالنفس هنا بالذات المشتملة على الروح كما في قوله تعالى {أن النفس بالنفس} وإن اختلف العلماء في أن حقيقة النفس هي الروح أو غيرها حتى قيل إن فيها ألف قول والغفر الستر والمعنى أن الداعي طلب منه تعالى أن يجعل له ساترا بينه وبين الذنوب إن لم تكن وقعت وساترا بينه وبين ما يترتب عليها من العقاب والعتاب إن كانت وقعت ولا يخفى حسن ترتيب هذا الحديث حيث قدم الاعتراف بالذنب ثم بالوحدانية ثم بسؤال المغفرة لأن الاعتراف بذلك أقرب إلى العفو والثناء على السيد بما هو أهله أرجى لقبول سؤاله

(حم ق ت ن هـ عن ابن عمر) بن الخطاب (وعن أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما قلت يا رسول الله علمني دعاء أدعو به في صلاتي فذكره وفيه رد على من منع الدعاء في المكتوبة بغير القرآن كالنخعي

ص: 523

6143 -

(قل آمنت بالله) أي جدد إيمانك بالله ذكرا بقلبك ونطقا بلسانك بأن تستحضر جميع معاني الإيمان الشرعي (ثم استقم) أي الزم عمل الطاعات والانتهاء عن المخالفات إذ لا تتأتى مع شيء من الاعوجاج فإنها ضده وانتزاع هاتين الجملتين من آية {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا} وهذا من بدائع جوامع الكلم فقد جمعتا جميع معاني الإيمان والإسلام اعتقادا وقولا وعملا إذ الإسلام توحيد وهو حاصل بالجملة الأولى والطاعة بسائر أنواعها في ضمن الثانية إذ الاستقامة امتثال كل مأمور وتجنب كل منهي وعرفها بعضهم بأنها المتابعة للسنن المحمدية مع التخلق بالأخلاق المرضية وبعضهم بأنها الإتباع مع ترك الابتداع وقيل حمل النفس على أخلاق الكتاب والسنة قال القشيري: وهي درجة بها كمال الأمور وتمامها وبوجودها حصول الخيرات ونظامها وقال بعضهم: لا يطيقها إلا الأكابر لأنها الخروج عن المعهودات

⦗ص: 524⦘

ومفارقة الرسوم والعادات

(حم م ت ن هـ عن سفيان) بتثليث أوله (ابن عبد الله الثقفي) الطائفي له صحبة استعمله عمر على الطائف قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه غيرك فذكره ولم يخرجه البخاري قال النووي: لم يرو مسلم لسفيان غير هذا الحديث وقال المناوي: ولم أر لسفيان هذا غير هذا الحديث في مسلم ولا في الأربعة اه. وهذا ذهول فقد رواه الترمذي عنه وزاد فيه قلت يا رسول الله ما أخوف ما أتخوف علي؟ قال هذا وأخذ بلسانه

ص: 523

6144 -

(قل) يا علي (اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدى هدايتك الطريق وبالسداد سداد السهم) قال القاضي: أمره بأن يسأل الله الهداية والسداد وأن يكون في ذلك مخطرا بباله أن المطلوب هداية كهداية من ركب متن الطريق وأخذ في المنهج المستقيم وسدادا كسداد السهم نحو الغرض والمعنى أن يكون في سؤاله طالبا غاية الهدى ونهاية السداد اه. وقال بعضهم: معناه إذا سألت الهدى فأخطر بقلبك هداية الطريق لأن سالك الفلاة يلزم الجادة ولا يفارقها خوفا من الضلال وكذا الرامي إذا رمى شيئا سدد السهم نحوه ليصيبه فأخطر ذلك بقلبك ليكون ما تنويه من الدعاء على شاكلة ما تستعمله في الرمي وقال القونوي: اشترط في هذا الحديث صحة الاستحضار للأمر المطلوب من الحق حال الطلب وذلك لأن الإجابة تابعة للتصور فالأصح تصورا للحق تكون أدعيته مجابة وصحة التصور تابعة للعلم المحقق والشهود الصحيح ولهذا قال في الحديث الآتي: لو عرفتم الله حق معرفته لزالت بدعائكم الجبال ألا ترى أن المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما كان تام الشهود كانت أكثر أدعيته مستجابة وهكذا من داناه في المعرفة من الأنبياء والأولياء وهؤلاء هم الموعودون بالإجابة متى دعوا بالدعاء المشار إليه بقوله تعالى {ادعوني أستجب لكم} فمن لم يعرف ولم يستحضر حال الدعاء بضرب ما من ضروب الاستحضارات الصحيحة لم يدع الحق فلم يستجب له. قال الراغب: والتسديد أن تقوم إرادته وحركته نحو الغرض المطلوب ليهجم إليه في أسرع مدة يمكن الوصول فيها إليه وهو المسؤول بقوله {اهدنا الصراط المستقيم}

(م د ن عن علي) أمير المؤمنين ورواه الطبراني عن أبي موسى قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم على نصف اليمن ومعاذا على نصفه فأتيته أسلم فقال لي قل إلخ

ص: 524

6145 -

(قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: حب العيش) أي طول الحياة (والمال) مجاز واستعارة يعني أن قلب الشيخ كامل الحب للمال محتكم كاحتكام قوة الشاب في شبابه. ذكره النووي وقال غيره: حكمة تخصيص هذين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها فأحب لذلك طول العمر وأحب المال لأنه أعظم في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبا طول العمر فلما أحس بقرب نفاذ ذلك اشتد حبه له ورغبته في دوامه. قيل دخل رجل على أبي رجاء العطاردي فقال: كيف تجدك؟ قال حب جلدي على عظمي وهذا أمل جديد بين عيني فما خرجنا من عنده حتى مات وقال أبو عثمان النهدي: بلغت نحوا من مئة وثلاثين سنة وما من شيء إلا وقد عرفت النقص فيه إلا أملي فإنه كما هو

(م هـ عن أبي هريرة) وروى البخاري معناه

ص: 524

6146 -

(قلب الشيخ شاب على حب اثنتين طول الحياة وكثرة المال) قد عرفت معناه مما قبله. قال النووي: هذا صوابه اه. وقيل وصفه بكونه شابا لوجود هذين الأمرين فيه اللذين هما في الشباب أكثر وبهم أليق وحب الدنيا

⦗ص: 525⦘

هو كثرة المال وطول الأمل هو طول الحياة وفيه من أنواع البديع التوشيع وهو الإتيان بمثنى وتعقيبه بمفردين <تنبيه> أخذ بعضهم هذا فنظمه فقال:

قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يشب. . . إن الحريص على الدنيا لفي تعب

لو كان يصدقني ذهني وفكرته. . . ما اشتد حرصي على الدنيا ولا نصبي

أسعى وأكدح فيما لست أدركه. . . والذهن يكدح في زندي وفي عصبي

(حم ن ك) في الرقاق (عن أبي هريرة عد وابن عساكر عن أنس) قال الحاكم: على شرطهما وأقره الذهبي

ص: 524

6147 -

(قلب المؤمن حلو يحب الحلاوة) يشير إلى أن المؤمن الخير في الحيوانات كالنحل يأخذ أطايب الأشجار والنور الحلو ثم يعطي الناس ما يكثر نفعه ويحلو طعمه ويطيب ريحه فهو يحب الحلو ويطعم الحلو ويعطي الحلو. قال الحكيم: المؤمن الكامل قد وضع الله في قلبه حلاوة التوحيد بحلاوته فإذا جاءت الشهوة ضرب بتلك الحلاوة وجهها وردها بقوة هذه الحلاوة

(هب عن أبي أمامة) ثم قال أعنى البيهقي: متنه منكر وفي إسناده من هو مجهول (خط) في ترجمة أبي الحسن الخطيب (عن أبي موسى) الأشعري وقال أعني الخطيب: رجاله ثقات غير محمد بن العباس بن سهيل البزار وهو الذي وضعه وركبه على الإسناد اه. ونقله عنه في الميزان وأقره ومن ثم أورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق الخطيب وحكم بوضعه وتعقبه المؤلف بإيراده من طريق البيهقي ولم يزد على ذلك وقد عرفت أن نفس مخرجه البيهقي طعن فيه ورواه الديلمي أيضا وزاد من حرمها على نفسه فقد عصى الله ورسوله ولا تحرموا نعمة الله والطيبات على أنفسكم وكلوا واشربوا واشكروا فإن لم تفعلوا لزمتكم عقوبة الله تعالى

ص: 525

6148 -

(قلب شاكر ولسان ذاكر وزوجة صالحة تعينك على أمر دنياك ودينك خير ما اكتنز الناس) أي خير ما اتخذوه كنزا وذخرا فإن هذه الثلاثة جامعة لجميع المطالب الدنيوية والأخروية وتعين عليها وإنما كان كذلك لأن الشكر يستوجب المزيد والذكر منشور الولاية والزوجة الصالحة تحفظ على الإنسان دينه ودنياه وتعينه عليهما

(هب عن أبي أمامة) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لمعاذ: يا معاذ قلب شاكر إلخ رمز المصنف لحسنه وفيه يحيى بن أيوب قال النسائي: ليس بذاك القوي

ص: 525

6149 -

(قلوب بني آدم تلين في الشتاء وذلك لأن الله تعالى خلق آدم من طين والطين يلين في الشتاء) فتلين فيه تبعا لأصلها والمراد بلينها أنها تصير سهلة منقادة للعبادة أكثر فخرج بذلك الكافر وكل قلب طبع على القسوة فإنه منعه من رجوعه إلى أصله عارض

(حل) من حديث يحيى عن شعبة بن الحجاج عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان (عن معاذ) عن جبل ظاهر صنيع المصنف أن أبا نعيم خرجه وأقره والأمر بخلافه بل بين أن عمر بن يحيى متروك الحديث قال في الميزان: أتى بخبر باطل شبه موضوع وهو هذا. قال: ولا نعلم لشعبة عن ثور رواية اه. ومن ثم حكم ابن الجوزي بوضعه وقال: إنما هو محفوظ من قول خالد كما قال أبو نعيم نفسه والمتهم يرفعه عمر بن يحيى وهو متروك ومحمد بن زكريا يضع اه. وتعقبه المؤلف فلم يأت بشيء

ص: 525

⦗ص: 526⦘

6150 - (قليل الفقه) لفظ رواية العسكري قليل العلم ورأيت بخط الحافظ الذهبي بدله التوفيق (خير من كثير العبادة) لأنه المصحح لها (وكفى بالمرء فقها إذا عبد الله وكفى بالمرء جهلا إذا أعجب برأيه) قال العسكري: أراد المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بهذا أن العالم وإن كان فيه تقصير في عبادته أفضل من جاهل مجتهد لأن العالم يعرف ما يأتي وما يجتنب قال: وهذا مثل قول المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أفضلكم أعلمكم بهذا الدين وإن كان يزحف على أسته (وإنما الناس رجلان مؤمن وجاهل فلا تؤذي المؤمن ولا تحاور) بحاء مهملة (الجاهل) قال في الفردوس: المحاورة المكالمة وروي لا تجاور بالجيم اه. وهذا مسوق للنهي والزجر عن المراء والمجادلة

(طب) وكذا العسكري (عن ابن عمرو) بن العاص قال المنذري: فيه إسحاق بن أسيد لين وقال: ورفع الحديث غريب وقال الهيثمي: فيه إسحاق بن أسيد قال أبو حاتم: لا يشتغل به اه. ورواه عنه البيهقي أيضا وقال: قال أبو حاتم إسحاق لا يشتغل به

ص: 526

6151 -

(قليل التوفيق خير من كثير العقل) فإن التوفيق هو رأس المال فعلى العاقل استيثاق الله تعالى لزيادة العمل والتقوى والجؤار إليه في إفاضته عليه من ذلك السبب الأقوى وفي رواية قليل التوفيق خير من كثير العمل وفي أخرى خير من كثير العبادة. قال بعض العارفين: ما قل عمل برز من قلب موفق زاهد ولا كثر عمل برز من قلب غافل لاه وحسن الأعمال نتائج حسن الأحوال (والعقل في أمر الدنيا مضرة والعقل في أمر الدين مسرة) قال الماوردي: ذكروا أن زيادة العقل في الأمور الدنيوية تفضي بصاحبها إلى الدهاء والمكر وذلك مذموم وصاحبه ملوم وقد أمر عمر أبا موسى أن يعزل زيادا عن ولايته فقال: يا أمير المؤمنين عن موجدة أم جناية قال: لا عن واحدة منهما ولكن خفت عن أن أحمل الناس فضل عقله وقال حكيم: كفاك من عقلك ما دلك على سبيل رشدك وقيل قليل يكفي خير من كثير يلهي

(ابن عساكر) في تاريخه (عن أبي الدرداء) ورواه عنه الديلمي لكن بيض ولده لسنده

ص: 526

6152 -

(قليل العمل ينفع مع العلم) فإنه يصححه (وكثير العمل لا ينفع مع الجهل) لأن المتعبد بغير علم كالحمار في الطاحون كما سيجيء في خبر

(فر عن أنس) بن مالك قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال أي العمل أفضل قال العلم بالله قاله ثلاثا قال يا رسول الله أسألك عن العمل وتخبرني عن العلم فذكره

ص: 526

6153 -

(قليل تؤدي شكره) يا ثعلبة الذي قال ادع الله أن يرزقني مالا (خير من كثير لا تطيقه) تمامه عند الطبراني أما تريد أن تكون مثل رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم لو سألت الله أن يسيل الجبال ذهبا وفضة لسألت اه. وهذا من معجزاته فإنه إخبار عن غيب وقع فإنه دعا لثعلبة هذا أن ينمي ماله فنمت غنمه حتى ضاقت المدينة عنها فنزل واديا وانقطع عن الجمعة والجماعة وطلبت منه الزكاة فقال ما هذه إلا أخية الجزية وفيه نزل {ومنهم من

⦗ص: 527⦘

عاهد الله} الآية

(البغوي والباوردي وابن قانع وابن السكن وابن شاهين) كلهم في الصحابة وكذا الطبراني والديلمي من طريق معاذ بن رفاعة عن علي بن يزيد عن القاسم (عن أبي أمامة) الباهلي (عن ثعلبة بن حاطب) أو ابن أبي حاطب الأنصاري قال أبو أمامة: جاء ثعلبة إلى المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فقال: يا نبي الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال: ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي فلو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت فقال: ادع الله لي أن يرزقني مالا فوالذي بعثك بالحق نبيا لئن رزقنيه لأعطين كل ذي حق حقه قال: لا تطيقه فقال: يا نبي الله ادع الله أن يرزقني مالا فقال: اللهم ارزقه مالا فاتخذ غنما فبورك له فيها وتمت حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها فكان يشهد مع المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بالنهار ولا يشهد صلاة الليل ثم نمت فكان لا يشهد إلا من الجمعة إلى الجمعة ثم نمت فكان لا يشهد الجمعة ولا الجماعة فقال المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ويح ثعلبة ثم أمر المصطفى صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم بأخذ الزكاة والصدقة فبعث رجلين فمرا على ثعلبة وقالا: الصدقة فقال: ما هذه إلا أخية الجزية فأنزل الله فيه ومنهم من عاهد الله} الآية. قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر وهو مشهور بين أهل التفسير اه وأشار في الإصابة إلى عدم صحة هذا الحديث فإنه ساق هذا الحديث في ترجمة ثعلبة هذا ثم قال: وفي كون صاحب هذه القصة إن صح الخبر ولا أظنه يصح هو البدري نظر

ص: 526

6154 -

(قم فصل فإن في الصلاة شفاء) من الأمراض القلبية والبدنية والهموم والغموم {واستعينوا بالصبر والصلاة} ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إليها والصلاة مجلبة للرزق حافظة للصحة دافعة للأذى مطردة للداء مقوية للقلب مفرحة للنفس مذهبة للكسل منشطة للجوارح ممدة للقوى شارحة للصدر مغذية للروح منورة للقلب مبيضة للوجه حافظة للنعمة دافعة للنقمة جالبة للبركة مبعدة للشيطان مقربة من الرحمن وبالجملة فلها تأثير عجيب في حفظ صحة القلب والبدن وقواهما ودفع المواد الرديئة عنهما سيما إذا وفيت حقها من التكميل فما استدفعت أذى الدارين واستجلبت مصالحهما بمثلها وسرها أنها صلة بين العبد وربه وبقدر الوصلة يفتح الخير وتفاض النعم وتدفع النقم

(حم هـ عن أبي هريرة)

ص: 527

6155 -

(قم فعلمها عشرين آية) من القرآن (وهي امرأتك) قال القاضي: لهذا الحديث فوائد منها أن أقل الصداق غير مقدر وأنه يجوز أن يجعل تعليم القرآن صداقا وإليه ذهب الشافعي ولم يجوزه أبو حنيفة ومالك وأحمد ومنها الدلالة من طريق القياس على جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن وجعل منفعة الحر صداقا ولم يجوزه أصحاب الرأي وأولوا الحديث بأن المرأة لعلها وهبت المهر وهو تأويل لا يناسب السياق

(د عن أبي هريرة) رمز لحسنه

ص: 527

6156 -

(قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها) هكذا هو في صحيح مسلم بلفظ الماضي (المساكين وإذا أصحاب الجد) أي الأغنياء والجد بفتح الجيم الغنى (محبوسون) في العرصات فلم يؤذن لهم في دخول الجنة لطول حسابهم (إلا) وفي رواية بدلها غير. قال الطيبي: وهي بمعنى لكن والمغايرة بحسب التفريق (أصحاب النار) أي الكفار فقد أمر بهم إلى النار فلا يوقفون في العرصات بل يساقون إليها ويوقف المسيئون في العرصات للحساب والمساكين هم السابقون إلى الجنة لفقرهم وخفة ظهورهم (وقمت على باب النار فإذا عامة من دخلها النساء) لأنهم يكفرن العشير وينكرن الإحسان قال في المطامح: يدل على

⦗ص: 528⦘

أن الفقر أفضل من الغنى وهو مذهب الجمهور والخلاف مشهور <تنبيه> قال العكبري: إذا هنا للمفاجأة وهي ظرف مكان والجيد هنا أن ترفع المساكين على أنه خبر عامة من دخلها وكذا رفع محبوسون على أنه الخبر وإذا ظرف للخبر ويجوز أن تنصب محبوسين على الحال وتجعل إذا خبر والتقدير فبالحضرة أصحاب الجد فيكون محبوسين حالا والرفع أجود والعامل في الحال إذا وما يتعلق به من الاستقرار وأصحاب صاحب الحال

(حم ق ن عن أسامة بن زيد) لكن لفظ رواية مسلم فيما وقفت عليه من نسخه المعتبرة قمت على باب الجنة فإذا عامة من دخلها المساكين وإذا أصحاب الجد محبوسون إلا أصحاب النار فقد أمر بهم إلى النار وقمت على باب النار إلخ

ص: 527

6157 -

(قوائم منبري رواتب في الجنة) قال في الفردوس: يقال رتب الشيء إذا استقر ودام وعد المصنف هذه من خصائصه

(حم ن حب عن أم سلمة) زوج النبي صلى الله عليه وسلم (طب ك عن أبي واقد) الليثي قال الهيثمي: فيه أي عند الطبراني يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف

ص: 528

6158 -

(قوام أمتي) بتشديد الواو (شرارها) بشين معجمة أوله والظاهر أن قوام بضم وتشديد يعني القائمون بأمر الأمة وهم أمراؤها وهم شرار الأمة غالبا لقلة الاستقامة وكثرة الجور منهم ورأيت في نسخ من الفردوس قديمة مصححة بخط الحافظ ابن حجر بشرارها بباء موحدة أوله وعليه فيظهر أن القوام بالفتح والتخفيف وأن المعنى إن قوامها يعني استقامتها وانتظام أحوالها يكون بشرارها فيكون من قبيل خبر إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر وخبر إن الله يؤيد هذا الدين برجال ما هم من أهله

(حم طب عن ميمون بن سنباذ) بكسر السين بضبط المصنف وذال معجمة أبو المغيرة العقيلي قيل له صحبة قال الذهبي: وفيه نظر اه قال الهيثمي: فيه هارون بن دينار وهو ضعيف اه ورواه البخاري في تاريخه أيضا وقال ابن عبد البر: إسناده ليس بالقائم وأورده ابن الجوزي في الواهيات وقال: لا يصح

ص: 528

6159 -

(قوام المرء عقله ولا دين لمن لا عقل له) لأن العقل هو الموقف على أسرار الدين ورتبة كل إنسان في الدين على قدر رتبة عقله وقد أخرج البيهقي عن جابر مرفوعا أن رجلا تعبد في صومعة فأمطرت السماء فأعشبت الأرض فرأى حمارا يرعى فقال يا رب لو كان لك حمارا لرعيته مع حماري فهم به نبيهم فأوحى الله إليه دعه فإنما أجازي العباد على قدر عقولهم

(هب عن جابر) قضية صنيع المصنف أن البيهقي خرجه وسكت عليه والأمر بخلافه فإنه عقبه بما نصه تفرد به حامد بن آدم وكان متهما بالكذب اه بلفظه فكان على المصنف حذفه وليته إذ ذكره لم يحذف من كلام مخرجه علته

ص: 528

6160 -

(قوا بأموالكم عن أعراضكم) أي أعطوا الشاعر ونحوه ممن تخافون لسانه ما تستدفعون به شر وقيعتهم في أعراضكم بنحو سب أو هجو (وليصانع أحدكم) أيها المؤمنون (بلسانه عن دينه) ولهذا لما أنشده العباس بن مرداس قصيدته العينية قال اقطعوا عني لسانه أي أرضوه حتى يسكت كنى باللسان عن الكلام. قال الفاكهي: ولا ريب أن المال محبوب عظيم للنفوس فإذا طلب مداراة السفهاء بدفع المال فمداراتهم بلين المقال والسعي إليهم إن اقتضاه الحال أولى بطريق قياس المساواة أو طريق أولى ولا يبعد وجوبه في هذا الزمان

(عد وابن عساكر) في التاريخ (عن عائشة) وفيه الحسين بن المبارك قال ابن عدي: متهم بالوضع ثم ساق له هذا الحديث فحذف المصنف ذلك من

⦗ص: 529⦘

كلام ابن عدي غير جيد

ص: 528

6161 -

(قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه) أخرج في الطيوريات بسند فيه ضعف عن بقية قال: سألت الأوزاعي ما معنى قول المصطفى صلى الله عليه وسلم قوتوا طعامكم إلخ قال: صغر الأرغفة وقال في النهاية: حكى عن الأوزاعي أنه تصغير الأرغفة وكذا حكى عن ابن الجنيد قال القسطلاني: ولعل هذا هو سند كثير من الصوفية في تصغيره كنبي الوفاء وغيرهم

(طب عن أبي الدرداء) ورواه عنه أيضا البزار قال ابن حجر: وسنده ضعيف وقال الهيثمي: فيه أبو بكر بن أبي مريم وقد اختلط وبقية رجاله ثقات

ص: 529

6162 -

(قولوا اللهم صل على محمد) أي عظموه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دعوته وإبقاء شريعته وفي الآخرة بتشفيعه في أمته وتضعيف مثوبته (وعلى آل محمد) قال الطيبي: حمل الأول على العموم من الأصفياء وأتقياء الأمة فيدخل فيه أهل البيت دخولا أوليا أولى (كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) ذريته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به جمع قال ابن حجر: وإن ثبت أن له أولادا من غير سارة وهاجر دخلوا لا محالة ثم المراد المسلمون منهم بل المتقون (إنك حميد) فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها أو بمعنى حامد أي يحمد أفعال عباده (مجيد) من المجد وهو صفة من كمل في الشرف وهو مستلزم للعظمة والجلال كما أن الحمد يدل على صفة الإكرام ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين أن المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وذلك يستلزم طلب الحمد والمجد (اللهم بارك على محمد) أي أثبت له دوام ما أعطيته من التشريف والكرامة من برك البعير إذا ناخ بمحل ولزمه ويطلق البرك على الزيادة والأصل الأول كذا في النهاية (وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) قال الطيبي: التشبيه ليس من إلحاق الناقص بالكامل بل من إلحاق ما لا يعرف بما يعرف والأتقياء والأصفياء من الأمة موازية للأنبياء من بني إسرائيل فمعناه كما سبقت منك الصلاة على إبراهيم نسألك الصلاة على محمد بالأولى وقال: في موقع التشبيه أقاويل أفردت بالتآليف ومن أحسنها قول صاحب القاموس عن بعض أهل الكشف إن التشبيه لغير اللفظ المشبه به لا لعينه وذلك أن المراد باللهم صل على محمد اجعل من أتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين كالعلماء بشرعه بتقريرهم أمر الشريعة كما صليت على إبراهيم بأن جعلت في أتباعه أنبياء يقررون الشريعة والمراد بقوله على آل محمد اجعل من أتباعه محدثين يخبرون بالمغيبات كما صليت على آل إبراهيم بأن جعلت منهم أنبياء يخبرون بالغيب فالمطلوب حصول صفات الأنبياء لآل محمد وهم أتباعه في الدين كما كانت حاصلة بسؤال إبراهيم (إنك حميد) أي محمود (مجيد) أي ماجد وهو من كمل شرفا وكرما وقال الطيبي: هذا تذييل للكلام السابق وتقرير له على العموم أي إنك حميد فاعل لما تستوجب به الحمد من النعم المتكاثرة والآلاء المتعاقبة المتوالية مجيد كريم كثير الإحسان إلى عبادك الصالحين انتهى. وفيه مشروعية الصلاة والسلام على من ذكر فيه والصلاة على محمد في التشهد الأول وعلى غيره في الأخير سنة أما الصلاة على محمد في الأخير فواجبة للأمر بالصلاة عليه في الكتاب والسنة قالوا: وقد أجمع العلماء على أنها لا تجب في غير الصلاة فتعين وجوبها فيها

(حم ق د ن هـ عن كعب بن عجرة) قال: قلنا يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي؟ فذكره

ص: 529

⦗ص: 530⦘

6163 - (قولوا خيرا تغنموا) بقول الخير إذا نوى به نشر الخير وتعليمه والاشتغال به عن الشر فيغنم بنيته وكذا السكوت عن الشر بنية الصيانة عنه وأن لا ينشره ولا يبدأ به ولا يوافق أهله ففي خبر إن الكف عن الشر صدقة قال بعض السلف: كنا نتعلم السكوت كما تتعلمون الكلام (واسكتوا عن شر تسلموا) كما سبق تقريره في حرف الراء بما يغني عن إعادته

(القضاعي) في مسند الشهاب (عن عبادة) بن الصامت ظاهر كلام المصنف أنه لم يره لأحد من المشاهير الذين وضع لهم الرموز مع أن الطبراني خرجه باللفظ المذكور قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عمرو بن مالك الخشني وهو ثقة انتهى وممن خرجه أيضا الديلمي

ص: 530

6164 -

(قوموا) خطابا للأنصار أو لجميع من حضر منهم ومن المهاجرين (إلى سيدكم) سعد بن معاذ القادم عليكم لما له من الشرف المقتضي للتعظيم وقيل معناه قوموا لإعانته في النزول عن الدابة لما به من الجرح الذي أصاب أكحله يوم الأحزاب وأيده التوربشتي بأنه لو أراد تعظيمه لقال قوموا لسيدكم ورده الطيبي بأن إلى في هذا المقام أفخم من اللام كأنه قيل قوموا إليه تلقيا وإكراما ويدل له ترتب الحكم على الوصف المناسب المشعر بالعلية فإن قوله إلى سيدكم علة للقيام له وفيه ندب إكرام أهل الفضل من عالم أو صالح أو ذي شرف بالقيام لهم إذا أقبلوا والتنبيه على شرف ذوي الشرف والتعريف بأقدارهم وتنزيلهم منازلهم وقد قام المصطفى صلى الله عليه وسلم لعكرمة بن أبي جهل لكونه من رؤساء قريش ولعدي بن حاتم لكونه سيد بني طيء يتألفهما به وما ورد من النهي عن ذلك إنما هو في القيام للإعظام كما هو دأب الأعجام لا للإكرام كما كان المصطفى صلى الله عليه وسلم يفعله كما أفصح بذلك الغزالي بقوله القيام مكروه على سبيل الإعظام لا على جهة الإكرام والتنبيه على شرفه وإطلاق السيد على المخلوق

(د) في الأدب (عن أبي سعيد) الخدري قال ابن حجر: رجاله ثقات وظاهر صنيع المصنف أنه لا يوجد مخرجا في أحد الصحيحين وهو ذهول بل هو فيهما معا فالبخاري في الجهاد وفي فضل سعد والاستئذان والمغازي ومسلم في المغازي والنسائي في المناقب

ص: 530

6165 -

(قيام ساعة في الصف للقتال في سبيل الله) لإعلاء كلمة الله (خير من قيام ستين سنة) أي من التهجد في الليل مدة ستين سنة وهذا فيما إذا تعين القتال

(عد وابن عساكر) في التاريخ في ترجمة شراحيل العبسي (عن أبي هريرة) وشراحيل قال الذهبي في التاريخ: ضعفه ابن عوف الحمصي

ص: 530

6166 -

(قيد) وفي رواية قيدها (وتوكل) أي قيد ناقتك وتوكل على الله فإن التقييد لا ينافي التوكل إذ هو اعتماد القلب على الرب في كل عمل ديني أو دنيوي فالتقييد لا يضاده كما أن الكسب لا يناقضه قال المحاسبي: من ظن أن التوكل ترك كسبه فليترك كل كسب دنيوي وديني وكفى به جهلا

(هب عن عمرو بن أمية) الضمري الكناني قال: يا رسول الله أرسل راحلتي وأتوكل قال: بل قيد وتوكل ورواه عنه أيضا الحاكم بلفظ قيدها وتوكل قال الذهبي: وسنده جيد وقال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين في أحدهما عمرو بن عبد الله بن أمية الضمري ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات

ص: 530

6167 -

(قيدوا العلم بالكتاب) لأنه يكثر على السمع فتعجز القلوب عن حفظه والحفظ قرين العقل والقلب مستودعهما

⦗ص: 531⦘

والنسيان كامن في الآدمي وأول من نسي آدم فسمي إنسانا فنسيت ذريته فالعلم يعقل ثم يحفظ فإذا كان القلب معلولا بهذه العلة والنسيان كامن فخيف ذهابه قيد بالكتابة لئلا يفوت ويدرس فنعم المستودع وإن دخله القلب فنعم الكشف له الكتاب وقد أدب الله عباده وحثهم على مصالحهم فقال {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} قال الماوردي: ربما اعتمد الطالب على حفظه فتصوره وأغفل تقييد العلم في كتبه ثقة بما استقر في نفسه وهذا خطأ منه لأن التشكيك معترض والنسيان طار ومن ثم قال الخليل: اجعل ما في الكتب رأس المال وما في قلبك النفقة وقال مهند: لولا ما عقدته الكتب من تجارب الأولين لانحلت مع النسيان عقود الآخرين وقد كره كتابة العلم جمع منهم الحبر قال الذهبي: وانعقد الإجماع الآن على الجواز وقال ابن حجر في المختصر: الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم وعلى استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي الفساد ممن يتعين عليه تبليغ العلم اه. وقال بعض الأئمة: الكتابة تدبير من الله لعباده وهي من حروف مصورة مختلفة التخطيط علائم تدل على المعاني فإذا حفظت استغنى عن الكتاب وإن نسيت فالكتاب نعم المستودع وإذا أدب الله تجار الدنيا وحثهم على كتابة المداينة فكيف بتجار الآخرة في تقييد الأمانات العلمية التي أودعهم إياها وأخذ عليهم الميثاق أن يؤدوه ولا يكتموه وإذا علمت هذا ظهر لك اتجاه بحث بعض الأعاظم وجوب كتابة العلم الشرعي وتقييد رسومه لئلا يندرس فتدبر وليس لك أن تقول قد ذم الله الكتابة في قوله {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم} لأنا نقول إنما ذم من ألحق في التوراة ما ليس منها كما يعرف بتدبر الآية والقصة فإن قيل نهى المصطفى صلى الله عليه وسلم عن كتابة الحديث بقوله في خبر مسلم لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن قلنا جمع بأن النهي خاص بوقت نزول القرآن خوف لبسه بغيره أو بكتابة غير القرآن معه في شيء واحد إذ النهي متقدم والإذن ناسخ عند أمن اللبس قال ابن حجر: وهو أقربها مع أنه لا ينافيها وقيل النهي خاص لمن خيف منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ دون غيره ومنهم من أعل خبر مسلم بالوقف وقيل العلم شجر والخط ثمر وقيل الخط لسان اليد وقيل هو الطلسم الأكبر وقيل كل مأثرة بنتها الأقلام لم تطمع في درسها الأيام

(الحكيم) الترمذي في النوادر (وسمويه) كلاهما (عن أنس) بن مالك وفيه عبد الله بن المثنى الأنصاري من رجال البخاري لكن أورده الذهبي في الضعفاء وقال: ضعيف وهو صدوق (طب ك عن ابن عمرو) بن العاص قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح اه لكن أورده في الميزان في ترجمة عباد بن كثير من حديثه وقال عن البخاري: تركوه وعن ابن معين ليس بشيء وادعاه في ترجمة عبد الحميد المدني أخو فليح ونقل تضعيفه عن جمع وأورده ابن الجوزي من طرق وقال: لا يصح

ص: 530

6168 -

(قيلوا فإن الشياطين لا تقيل) من القيلولة قال الجوهري: وهي النوم في الظهيرة وقال الأزهري: القيلولة والمقيل عند العرب الاستراحة نصف النهار وإن ثم يكن معه نوم بدليل قوله سبحانه وتعالى {وأحسن مقيلا} والجنة لا نوم فيها وعمل السلف والخلف على أن القيلولة مطلوبة لإعانتها على قيام الليل قال حجة الإسلام: وإنما تطلب القيلولة لمن يقوم الليل ويسهر في الخير فإن فيها معونة على التهجد كما أن في السحور معونة على صيام النهار فالقيلولة من غير قيام الليل كالسحور من غير صيام النهار

(طب وأبو نعيم في) كتاب (الطب) النبوي والديلمي والبزار (عن أنس) رمز المصنف لحسنه وليس كما ذكر فقد قال الهيثمي: فيه كثير بن مروان وهو كذاب اه وقال في الفتح: في سنده كثير بن مروان متروك

ص: 531

6169 -

(قيم الدين) أي عماده الذي يقوم به وينتظم (الصلاة وسنام العمل) أي أعلى الأعمال وأفضلها وأعظمها (الجهاد

⦗ص: 532⦘

وأفضل أخلاق الإسلام الصمت) أي السكوت عما لا ينبغي (حتى يسلم الناس منك) أي من لسانك ويدك

(ابن المبارك) في الزهد (عن وهب بن منبه) بضم الميم وفتح النون وشد الموحدة (مرسلا) هو اليماني الصنعاني الأخباري القاص كان واسع العلم لكنه متهم بالقدر

ص: 531