الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخلق والمخلوق والفعل والمفعول:
ترتب على إيجاب المتكلمين أن يكون للحوادث مبدأ إيجاب آخر؛ هو قولهم: كل ما تقارنه الحوادث فهو حادث.
فمنعوا بسبب ذلك أن يكون الباري جل وعلا لم يزل فاعلاً بمشيئته وقدرته، وأوجبوا نفي أفعال الله تعالى الاختيارية، بحجة أنها حوادث يجب تنزيه الله تعالى عنها.
ولما قيل لهم: إن قولكم أن الله تعالى خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجوداً: هو قول بحلول الحوادث به جل وعلا: أجابوا بمذهبهم المشهور: الخلق هو المخلوق.
وقولهم هذا يعني أن صفة الخلق لم تقم بالخالق عند الخلق، وإنما وجد المخلوق منفصلاً عنه، من غير صفة قامت بخالقه، ولا سبب اقتضى إيجاده فجعلوا مفعوله هو فعله وهذا خلاف الكتاب والسنة، وخلاف المعقول الصريح.
ومسألة الخلق والمخلوق، والفعل والمفعول تحتاج إلى مزيد بيان فنقول:
لا ريب أنا نشهد الحوادث؛ كحدوث السحاب، ونزول المطر، ونبات الزرع، وإثمار الشجر، وطلوع الشمس وغروبها، وحدوث الإنسان، وغيره من الحيوان، وفنائهم، وتعاقب الليل والنهار، وغير ذلك من الحوادث المشاهدة فهذه كلها حوادث، ومعلوم بضرورة العقل أن المحدث لابد له من محدث.
" ومعلوم أن المحدث الواحد لا يحدث إلا بمحدث، فإذا كثرت الحوادث وتسلسلت كان احتياجها إلى المحدث أولى، وكلها محدثات؛ فكلها محتاجة إلى محدث وذلك لا يزول إلا بمحدث لا يحتاج إلى غيره بل هو قديم أزلي بنفسه
سبحانه وتعالى "
وهذا الإحداث للمخلوقات من أفعال الله الاختيارية التي معرفتها والعلم بها من أعظم الأصول؛ كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
ومن الأمور المتفق عليها عند جميع طوائف الأمة: أن السموات والأرض، محدثتان مخلوقتان، وجدتا بعد أن لم تكونا.
ومما اتفقوا عليه أيضاً: أن الله تعالى هو الذي خلق السموات والأرض، وأن هذه المخلوقات وجدت منفصلة عن الله تعالى.
وإنما اختلفوا في قيام صفة الخلق بالله جل وعلا لما خلق السموات والأرض: هل قامت به، أم لا؟ .
وقد تقدم معنا: أن دليل الأعراض وحدوث الأجسام وضع أصلاً لإثبات حدوث العالم.
وحدوث العالم ووجوده بعد أن لم يكن لابد له من محدث خالق قامت به صفة الخلق عند إيجاده وهذا من بدهيات العقول.
ووفق تعبير أهل الكلام: تكون قد قامت بالله تعالى عند خلقه للعالم: الحوادث التي لم تكن موجودة من قبل.
ومن أصولهم المتفرعة عن دليل الأعراض: ما قامت به الحوادث، أو ما لم يخل عن الحوادث: فهو حادث.
وثمة سؤال مربك يمكن للقائلين بقدم العالم أن يعترضوا به على هؤلاء أصحاب دليل الأعراض القائلين بحدوثه، سيما إذا علموا نفيهم لقيام أفعال الله الاختيارية بذاته جل وعلا، استناداً إلى قولهم: ما لم يخل عن الحوادث فهو حادث.
وهذا السؤال أجاب عليه بعض أصحاب دليل الأعراض وحدوث الأجسام - وهم نفاة قيام الأفعال الاختيارية بذاته جل وعلا - بقولهم الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول.
ومما لا شك فيه أن قائلي هذه المقالة إنما قالوها هرباً من القول بحلول الحوادث بذات الله تعالى - بزعمهم.
ومعنى قولهم: الخلق هو المخلوق، والفعل هو المفعول: أن صفة الخلق، أو الفعل لم تقم بالله تعالى، ولا يمكن أن تقوم به؛ استناداً إلى أصلهم: ما قامت به الحوادث فهو حادث، فأثبتوا خالقاً لا خلق له وهذا ممتنع في بديهة العقول.
وهم يقولون: الموجب للتخصيص بحدوث ما حدث دون غيره: هو إرادة قديمة أزلية هي المخصص لما حدث.
وإنما قالوا أزلية؛ لأنه لم يقم بالله شيء يكون مراداً، ولا يقوم به وهذه الإرادة القديمة أزلية لم تزل - عندهم - على نعت واحد، ثم وجدت الحوادث بلا سبب أصلاً.
ويقولون عن هذه الإرادة: من شأنها أن تتقدم على المراد تقدماً لا أول له.
" فوصفوا الإرادة بثلاث صفات باطلة، يعلم بصريح العقل أن الإرادة لا تكون هكذا وهي المقتضية للخلق والحدوث، فإذا أثبتت: فلا خلق ولا حدوث "
ومن هنا قلنا آنفاً: إن هؤلاء - في الحقيقة - لم يثبتوا خالقاً.
لأن حقيقة قولهم: أن الرب تعالى لم يكن قادراً، ولا كان الكلام والفعل ممكناً له، ولم يزل كذلك دائماً مدة، ثم أنه تكلم وفعل من غير سبب اقتضى ذلك، ومن غير أن يقوم بذاته فعل، بل فعله هو مفعوله.
وهذا قول طائفة: كالجهمية، وأكثر المعتزلة، وسائر الأشعرية، كأبي الحسن الأشعري، ومن وافقه من أصحابه؛ كأبي المعالي، وغيره، ومن وافقهم من الفقهاء؛ كابن عقيل وغيره.