الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المطلب الأول: القدم النوعي للعالم
أو قدم المخلوقات النوعي:
هذا المطلب من أهم مطالب هذا الكتاب ومن هداه الله إلى فهم هذا المطلب زال عنه كثير من الإشكالات التي أوردها الخصوم على شيخ الإسلام، وسوف ننقل من كلام شيخ الإسلام ما يؤيد مقصودنا وقبل ذلك نريد أن نبين أنه قد فهم كثير ممن انتقد شيخ الإٍسلام بأنه يقوم بقدم العالم بمعنى أنه لم يزل مع الله، وأن الله موجب بالذات وليس فاعلاً بالاختيار كما نقل عنه الهيتمي وغيره ممن سيأتي نقل أقواله في مبحث خاص إن شاء الله، والآن نبين معنى القدم النوعي للعالم فنقول وبالله التوفيق.
المشهور في تعريف القدم هو ما لم يسبقه عدم، قال المناوي في التوقيف ص576:
وقال الراغب: القدم الحقيقي: ما لم يسبقه عدم، وهو المعبر عنه بالقدم الذاتي المختص بالباري تقدس.
والقديم: ما لا يسبقُ وجوده عدم، وهو معنى قولهم: ما لا ابتداء لوجوده.
وكذا قال الجرجاني في التعريفات ص221، وأبو البقاء الكفوي في الكليات ص727، والطوفي في شرح مختصره (1/64) .
ومن هنا وقع الإشكال في فهم كلام شيخ الإسلام لأن القدم إذا كان معناه ما لم يسبقه عدم فإن هذا يشمل النوع والفرد وهو قول الفلاسفة بلا شك، وهؤلاء لم يقرأوا كلام شيخ الإسلام في القدم لأن القدم في كلام شيخ الإسلام له معنيان:
أحدهما: القدم الذي لم يسبقه عدم كذات الله وصفاته اللازمة له عيناً كالحياة
مثلاً كما ذكره في الصفدية (2/146) .
الثاني: القدم بمعنى الشيء المتعاقب شيئاً بعد شيء أي أنه مسبوق بالعدم من حيث عين الفعل والمفعول لكنه متعاقب ومستمر فيطلق على الفعل المتعاقب والمفعول المتعاقب انه قديم أيضاً لكن من حيث النوع المتوالي وعدم سبق العدم عليه واضح من كون لازم ذلك أن يكون الرب معطلاً ثم خلق كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام عن أهل الكلام ولهذا قال في الصفدية (2/47) في بيان المعنيين السابقين:
ولفظ القديم والأزلي فيه إجمال. فقد يراد بالقديم الشيء المعين الذي ما زال موجوداً ليس لوجوده أول، ويراد بالقديم الشيء الذي يكون شيئاً بعد شيء، فنوعه المتوالي قديم، وليس شيء منه بعينه قديماً ولا مجموعه قديم، ولكن هو في نفسه قديم بهذا الاعتبار، فالتأثير الدائم الذي يكون شيئاً بعد شيء، وهو من لوازم ذاته، هو قديم النوع، وليس شيء من أعيانه قديماً، فليس شيء من أعيان الآثار قديماً، لا الفلك ولا غيره، ولا ما يسمى عقولاً ولا نفوساً ولا غير ذلك، فليس هو في وقت معين من الأوقات مؤثراً في حادث بعد حادث، ولكنه دائماً مؤثر في حادث بعد حادث، كما أنه ليس هو في وقت بعينه مؤثراً في مجموع الحوادث، بل هو مؤثر شيئاً بعد شيء، وهو مؤثر في حادث بعد حادث وقتاً بعد وقت، فإذا كان المفعول مستلزماً للحوادث لم يفعل إلا والحوادث مفعوله معه، وهي وإن كانت مفعولة فيه شيئاً بعد شيء، فالمحدث لها شيئاً بعد شيء إن أحدث مقارنها في وقت بعينه، لزم أن يكون محدثاً من جملتها، وهو المطلوب.
وإن قيل: هو مقارن له قديم معه بحيث يوجد معه كل وقت.
قيل: فهذا لا يمكن إلا إذا كان علة موجبة له لا محدثاً له.
وقال أيضاً (2/87) :
وقد يقال في الشيء: إنه قديم، بمعنى أنه لم يزل شيئاً بعد شيء، وقد يقال: قديم بمعنى انه موجود بعينه في الأزل.
وقال أيضاً 2/144) :
ولكن النوع أزلي، بمعنى وجوده شيئاً فشيئاً، فيكون الفعل المشروط به موجوداً شيئاً فشيئاً، لامتناع وجود المشروط بدون الشرط، وإذا كان ذلك الفعل يوجد شيئاً فشيئاً كان المفعول كذلك بطريق الأولى، لامتناع تقدم المفعول على فعله، فلا يكون فعل دائم معين، فلا يكون مفعول معين دائم.
وقال أيضاً في (1/37) :
غايته أنه يلزم قيام الأفعال المتعاقبة بالواجب نفسه وهذا قول أئمة أهل الحديث وجمهورهم وطوائف من أهل الكلام والفلسفة ا0هـ.
وقال في (1/77) :
قيل: النوع لا يوجد إلا متعاقباً، فيكون تمامها متعاقباً لا أزلياً، وذلك إنما يكون بما يقوم بها شيئاً بعد شيء، فأما أن يكون تمامها لمفعولها من غير فعل يقوم بها فهو ممتنع.
وقال في (1/13) :
إن قيل: لا يكون الحادث حتى يكون قبله حادث، فهذا التسلسل في الأثار، وفيه الأقوال الثلاثة للمسلمين، وليس الخلاف في ذلك بين أهل الملل وغيرهم،
كما يظنه كثير من الناس، بل نفس أهل الملل، بل أئمة أهل الملل: أهل السنة والحديث، يجوزون هذا النزاع في كلمات الله وأفعاله، فيقولون: أن الرب لم يزل متكلماً إذا شاء، وكلمات الله دائمة قديمة النوع عندهم لم تزل ولا تزال أزلاً وأبداً ا0هـ.
وبهذا نعلم أن القدم النوعي في كلام شيخ الإسلام معناه التعاقب والاستمرار سواء في فعل الله أو في مفعوله فكان من هذا الاعتبار فعله قديماً ككلامه سبحانه، وكان مفعوله قديماً أيضاً من هذه الحيثية، اما عين الفعل فهو مسبوق بالعدم أي كل فعل من أفعاله مسبوق بالعدم كما ان كل مفعول مسبوق بالعدل وأما نوعه من حيث التعاقب فقديم وهذا لا محذور فيه كما نقول ذلك في الكلام ولهذا قال في الصفدية (2/175) :
وإذا قيل: إنه موجب للمعين دائماً.
قبل له: إيجاب الفاعل للمفعول المعين بمعنى مقارنته له في الزمان ممتنع كما بين في موضعه.
وإيجاب الحوادث شيئاً بعد شيء بدون قيام أمور متجددة به ممتنع أيضاً، كما قد بسط في موضعه، وإيجاب المعين بدون هذا الحادث وهذا الحادث محال، وإيجاب هذا الحادث دائماً وهذا الحادث دائماً محال.
وأما إيجاب الحوادث شيئاً بعد شيء فيستلزم أن لا يكون موجباً للحادث إلا عند حدوثه، وحينئذ يستكمل شرائط الإيجاب، فيلزم من ذلك تجدد الإيجاب بشيء بعد شيء، فحينئذ لم يكن موجباً لمعين إلا بإيجاب معين، وما استلزم الحوادث لا يكون له إيجاب معين، وأما الإيجاب الذي يتجدد شيئاً بعد شيء
فيمتنع أن يكون به شيء بعينه قديماً، لأن القديم لا يكون إلا بإيجاب قديم بعينه لا يتجدد شيئا بعد شيء.
وصار أصل التنازع في فعل الله: هل هو قديم، أو مخلوق أو حادث؟ من جنس أصل التنازع في كلام الله تعالى، وكثير من المتنازعين في كلامه وفعله وليس عندهم إلا قديم بعينه لم يزل أو حادث النوع له ابتداء، [فالأول] قول الفلاسفة القائلين بقدمه، والثاني: قول المتكلمين من الجهمية والمعتزلة.
والذي لا يدقق في كلام شيخ الإٍسلام فهم أنه يقول بالقدم بالمعنى الأول الذي هو عدم سبق العدم نوعاً وفرداً وهذا هو قول الفلاسفة الذي أنكره شيخ الإسلام حيث بين أن الفعل الدائم مع الله من غير تعاقب هو الذي أوقع الفلاسفة في قدم العالم ولهذا قال في (2/146) :
وإذا لم يمكن فعله إلا مع فعل هذا وهذا، لا يكون شيء منه قديماً، فالآخر كذلك، لا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين، ولزوم ذلك الفعل / لذات الرب كما تلزم الصفة للموصوف.
ومن المعلوم بصريح المعقول الفرق بين صفة الموصوف وبين فعل الفاعل. أما الصفة فيعقل كونها لازمة للموصوف: إما عينا كالحياة، وإما نوعاً كالكلام والإرادة، ويعقل كونها عارضة، لكن ذلك إنما يكون في المخلوق.
وأما الفعل فلا يعقل إلا حادثاً شيئاً بعد شيء، وإلا فمن لم يحدث شيئاً لا يُعقل أنه فعل ولا أبدع، سواء فعل بالإرادة أو قدر إنه فعل بلا إرادة. ولو كان الفعل لا يحدث لم يعقل الفرق بينه وبين الصفة اللازمة، إذ كلاهما معنى قائم بالذات لازم لها بعينه، وما كان كذلك لم يكن فعلاً لذلك الموصوف، ولا
يعقل كون الموصوف فعله.
وقال في (2/167) :
فمن قال: إن الرب لم يزل متكلماً إذا شاء وكيف شاء وبما شاء، كان الكلام عنده صفة ذات، قائم بذات الله، وهو يتكلم بفعله، وفعله بمشيئته وقدرته، فمقدار ذلك - إذا قيل بقدمه - كان وفاءً بموجب الحجة المقتضية لقدم نوع ذلك، من غير أن يكون شيء من العالم قديم مع الله تعالى.
وقال أيضاً: في (2/149) :
وهذا الموضع من أحكمه انكشف له حجاب هذا الباب، فإن نفس كون الفاعل فاعلاً يقتضى حدوث الفعل: إما نوعاً وإما عيناً. وأما فعل ليس بحادث لا نوعه ولا عينه، بل هو لازم لذات الفاعل، فليس هو فعل أصلاً.
ولهذا كان نفس علم الخلق بأن الشيء مخلوق يوجب علمهم بأنه مسبوق بالعدم، إذ لا يعقل مخلوق مقارن لخالقه لازم له لم يزل معه.
ولهذا كان كلام الله الذي بعث به رسله موافقاً لما فطر الله عليه الخلائق.
وقال أيضاً في (2/150) :
فإذا قيل: هذا مفعول لهذا، وهو معه لم يزل مقارناً له - كان هذا عند العقل جمعاً بين النقيضين وكأنه قيل: هو مفعول له ليس مفعولاً له. بل يقول العاقل: إذا كان الأمر كذلك لم يكن جعل أحدهما فاعلاً والآخر مفعولاً بأولى من العكس.
وقال أيضاً: (2/160) :
وأما كون هذا المعين مفعولاً مخلوقاً مربوباً مفتقراً إلى بارئه، وأنه لازم لفاعله
للزوم الفعل الذي به فعله فاعله كلزوم حياته، أو بدون فعل قائم به، فهذا مما لا يعقله الخلق بفطرتهم التي فطروا عليها.
وقال في (1/63) :
وعلى هذا التقدير إذا قيل: لم يزل الله موصوفاً بصفات الكمال، حياً متكلماً
إذا شاء، فعالاً أفعالاً تقوم به أو مفعولات محدثة شيئاً بعد شيء أعطى هذا الدليل موجبه، ولم يلزم من دوام النوع دوام كل واحد من أعيانه وأشخاصه، ولا دوام شيء منها كما تقوله أنت في حركات الفلك والحوادث الأرضية، فإنك تقول: نوع الحوادث دائم باق لا أول له، فليس فيها شيء بعينه قديم، فهي كلها محدثة، وإن كانت الأحداث لم تزل وإذا قلت مثل هذا في فعل الواجب كنت قد وفيت بموجب هذا الدليل، ولم تخالف شيئاً من أدلة العقل ولا الشرع.
وإن قلت: بل اللازم دوام مطلق التأثير فيقال: ليس في هذا ما يقتضي قدم شيء من العالم، بل كونه فاعلاً للشيء يقتضي كون المفعول له مسبوقاً بالعدم ودوام كونه فاعلاً لا يناقض ذلك.
وحينئذ، فليس مع الفلسفي ما يوجب قدم شيء من العالم وأما قول المتكلم:" لما وجب في الفعل أن يكون مسبوقاً بالعدم لزم أن يقال: أنه أوجد بعد أن لم يكن موجداً "
فيقال له: أوجب في كل مفعول معين وكل فعل معين أن يكون مسبوقاً بالعدم، أم أوجب في نوع الفعل؟
فإن قلت بالأول فلا منافاة بين أن يكون كل من الأفعال والمفعولات مسبوقة
بالعدم مع دوان نوع المؤثرية والأثر، وإذن ما دل عليه دليل العقل لا يناقض ما دل عليه ذلك الدليل الآخر العقلي. ومن اهتدى في هذا الباب إلى الفرق بين النوع والعين تبين له فصل الخطأ من الصواب، في مسألة الأفعال ومسألة الكلام والخطاب.
واعلم أن أولى الألباب هم سلف الأمة وأئمتها المتبعون لما جاء به الكتاب بخلاف المختلفين في الكتاب، المخالفين للكتاب، الذين قيل فيهم:{وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد} [سورة البقرة: 176] .
وحينئذ فالرب تعالى أوجد كل حادث بعد أن لم يكن موجداً له، وكل ما سواه فهو حادث بعد أن لم يكن حادث: ولا يلزم من ذلك أن يكون نفس كماله الذي يستحقه متجدداً بل لم يزل عالماً قادراً مالكاً غفوراً متكلماً كما شاء، كما نطق بهذه الألفاظ ونحوها الامام أحمد وغيره من أئمة السلف.
فإن قال: ان نوع الفعل يجب أن يكون مسبوقاً بالعدم.
قيل له: من أين لك هذا، وليس في الكتاب والسنة ما يدل عليه، ولا في المعقول ما يرشد إليه؟ وهذا يستلزم أن يصير الرب قادراً على نوع الفعل بعد أن لم يكن قادراً عليه، فإنه ان لم يزل قادراً أمكن وجود المقدور، فإن كان المقدور ممتنعاً ثم صار ممكناً صار الرب قادراً بعد أن لم يكن، وانتقل الفعل من الامتناع إلى الامكان من غير حدوث شيء ولا تجدده، فإن الأزل ليس هو شيئاً معيناً، بل هو عبارة عن عدم الأولية، كما أن الأبد عبارة من عدم الآخرية، فما من وقت يقدر إلا والأزل قبله لا إلى غاية ا0هـ.
وبهذا كله نعلم ان فصل الخطاب في المسألة هو الفرق بين العين والنوع، وشيخ
الإسلام أراد بهذا أن يرد على الفلاسفة الذين قالوا إن الفعل المعين دائم مع الله قديم فألزموا بقدم العالم وقال في (2/146) : ولا يمكن قدم شيء من العالم إلا بقدم فعل له معين، ولزوم ذلك الفعل لذات الرب كما تلزم الصفة وللموصوف.
وقال (2/96) :
(وهؤلاء القائلون بقدم العالم اشتبه عليهم نوع التأثير بعين التأثير، فلما رأوا أن الذات تستلزم كونه مؤثراً لامتناع حدوث ذلك، لم يميزوا بين النوع والعين، فظنوا أن هذا يقتضى قدم الأفلاك او غيرها من أعيان العالم وهذا خطأ قطعاً، فإن الذات تستلزم نوع التأثير لا عينه، فإذا قدر أنها لم تزل فاعلة لشيء بعد شيء، لم يكن شيء من مفعولاتها قديمة بل كل ما سواها حادث كائن بعد أن لم يكن وإن كان فعلها من لوازم ذاتها.
والذين قابلوا هؤلاء لما أرادوا أن يثبتوا حدوث كل ما سوى الله، ظنوا أن هذا يتضمن أنه كان معطلاً غير قادر على الفعل، وأن كونه محدثاً لا يصح إلا على هذا الوجه، فهؤلاء أثبتوا التعطيل عن نوع الفعل، وأولئك أثبتوا قدم عين الفعل، وليس لهم حجة تدل على ذلك قط، وإنما يدل على ما يذكرونه من الحجج على ثبوت النوع لا على ثبوت عين الفعل ولا عين المفعول، ولو كان يقتضي دليلهم الصحيح قدم عين الفعل والمفعول لامتنع حدوث شيء من الحوادث، وهو مخالف للمشهود.
وحينئذ فالذي هو من لوازم ذاته نوع الفعل لا فعل معين ولا مفعول معين، فلا يكون في العالم شيء قديم وحينئذ لا يكون في الأزل مؤثراً تاماً في شيء من
العالم، ولكن لم يزل مؤثراً تاماً في شيء بعد شيء، وكل أثر يوجد عند حصول كمال التأثير فيه، والمقتضى لكمال التأثير فيه هو الذات عند حصول الشروط وارتفاع الموانع.
وهذا إنما يكون في الذات التي تقوم بها الأمور الاختيارية، وتفعل بالقدرة والمشيئة، بل وتتصف بما أخبرت به الرسل من أن الله يحب ويبغض، ةيرضى ويسخط ويكره ويفرح وغير ذلك مما نطق به الكتاب والسنة، فأما إذا لم يكن إلا حال واحدة أزلاً وأبداً، وقدر أن لها معلولاً، لزم أن يكون على حال واحدة أزلاً وأبداً.
وقال في (1/37) :
وذلك أنه إذا كان المؤثر التام أزلياً لزم من دوامه دوام أثاره فيلزم أن لا يحدث
شيء، وهو خلاف الحس.
وقال في (1/281) :
وإذا قيل: ذاته تحدث شيئاً بعد شيء، فإنه لا يمكن احداث المحدثات جميعاً.
قيل: فهذا ينقض قولكم لأن من أحدث شيئاً بعد شيء لم يكن موجباً بذاته في الأزل لشيء، بل يكون كلما صدر عنه حادث وإن كانت أفعاله دائمة شيئاً بعد شيء فليس فيها واحد قديم، وكذلك مفعولاته بطريق الأولى) ، فإن المفعول تابع للفعل، فلا يكون في أفعاله ولا مفعولاته شيء قديم وإن كانت دائمة لم تَزُل، فإن دوام النوع وقدمه ليس مستلزماً قدم شيء من الأعيان، بل لك متناقض لقدم شيء منها، إذ لو كان فيها واحد قديم لكان ذلك الفعل المعين هو القديم، ولم تكن الأفعال المتوالية هي القديمة والشيء الذي من شأنه أن يكون متوالياً متعاقباً كالحركة والصوت يمتنع قدم شيء من أجزائه ودوام
شيء من أجزائه وبقاء شيء من أجزائه، وإن قيل أنه دائم قديم باق أي نوعه هو الموصوف بذلك.
وقال في (1/78) :
قيل: الحركات الدائمة الأزلية لا يتعين فيها شيء دون شيء، بل لم تزل ولا تزال أفرادها متعاقبة، فيمتنع أن يكون علة تامة لواحد منها دون الآخر في الأزل، مع أنه ليس فيها شيء أزلى بعينه، ويمتنع أن يكون علة تامة لجميعها في الأزل لامتناع وجودها في الأزل ا0هـ.
وقال في (2/49) :
والفرق ثابت بين فعل الحوادث في الأزل وبين كونه لا يزال يفعل الحوادث، فإن الأول يقتضي أن فعلاً قديماً معه فعل به الحوادث من غير تجدد شيء والثاني يقتضي أنه لم يزل يفعلها شيئاً بعد شيء، فهذا يقتضى قدم نوع لفعل ودوامه، وذاك يقتضي قدم فعل معين، وقد تبين أنه يمتنع قدم فعل معين للحوادث.
وقال في (2/50) :
فقد تبين أن مع القول بجواز حوادث لا أول لها، بل مع القول بوجوب ذلك، يمتنع قدم العالم أو شيء من العالم، وظهر الفرق بين دوام الواجب بنفسه القديم الذي لا يحتاج إلى شيء، وبين دوام فعله أو مفعوله وقدم ذلك فإن الأول سبحانه هو قديم بنفسه، واجب غنى، وأما فعله فهو شيء بعد شيء.
فإذا قيل: هو قديم النوع وأعيانها حادثة. لزم حدوث كل ما سواه وامتناع قدم شيء معه، وأنه يمتنع أن يكون شيء من مفعولاته قديماً، إذ كل مفعول فهو مستلزم للحوادث، والإلزام حدوث الحوادث بلا سبب، وترجيح أحد
المتماثلين بلا مرجح، لأنه لا يكون قديماً إلا بفعل قديم العين لا قديم النوع، وفعل قديم العين للحادث ممتنع ولملازم الحادث ممتنع، وفعلان قديمان مقترنان أحدهما للحادث والآخر لملازم الحادث ممتنع، فتبين امتناع قدم فعل شيء من العالم على كل تقدير، لأن وجود المفعول بدون الفعل المشروط فيه ممتنع "
وقد عُرف أيضاً أن وجود العالم منفكاً عن الحوادث ثم إحداث الحوادث فيه أيضاً ممتنع، فثبت امتناع قدمه على كل تقدير.
ويمكن تقدير حدوث كل العالم بالنظر إلى نفس الفاعل المؤثر فيه، مع قطع النظر عن العالم - خلاف ما يزعمه ابن الخطيب وطائفة - أن القائلين بالقدم
نظروا إلى المؤثر، والقائلين بالحدوث نظروا إلى الأثر.
وذلك أن يقال: قد ثبت أنه موصوف بصفات الكمال، وان الكمال الممكن الوجود لازم له واجب له، وأنه مستلزم لذلك.
وحينئذ فيقال: الفاعل الذي يمكنه أن يفعل شيئاً بعد شيء ويحدث الحوادث أكمل ممن لا يمكنه الإحداث، بل لا يكون مفعوله إلا مقارناً له، بل يقال هذا في الحقيقة ليس مفعولاً له، إذ ما كان لازماً للشيء لا يتجدد فهو من باب صفاته اللازمة له، لا من باب أفعاله، فإن ما لزم الشيء ولم يحدث ويتجدد لم يكن حاصلاً بقدرته واختياره، بل كان من لوازم ذاته، وما كان من لوازم ذاته لا يتجدد ولا يحدث كان داخلاً في مسمى ذاته كصفاته اللازمة له، فلم يكن ذلك من أفعاله ولا من مفعولاته.
وإذا كان كذلك فتقدير واجب بنفسه أو قديم أو قيوم أو غني لا يفعل شيئاً ولا يحدثه ولا يقدر على ذلك تقدير مسلوب لصفات الكمال، وكون الفعل ممكناً
شيئاً بعد شيء أمر ممكن في الوجود، كما هو موجود للمخلوقات، فثبت أنه كمال ممكن ولا نقص فيه، لاسيما وهم يسلمون أن الجود صفة كمال، فواجب لا يفعل ولا يجود ولا يحدث شيئاً أنقص ممن يفعل ويجود ويحدث شيئاً بعد شيء، وإذا كان كمالاً لا نقص فيه وهو ممكن الوجود، لزم أن يكون ثابتاً لواجب الوجود وأن يكون ثابتاً للقديم، وان يكون ثابتاً للغنى عما سواه، وأن يكون ثابتاً للقيوم.
وإذا كان كذلك فمن كانت هذه صفته امتنع وجود المفعول معه، لأنه لو
وجد معه للزم سلب الكمال، وهو الإحداث شيئاً بعد شيء، والفعل الدائم للمفعولات شيئاً بعد شيء، وإذا كان نفس الكمال الذي يستحقه لذاته يوجب أن يفعل شيئاً بعد شيء، ويمتنع أن يقارنه شيء من المفعولات فيكون لازماً له ثبت حدوث كل ما سواه وهو المطلوب ا 0هـ.
وقال في (2/23) :
ولهذا كان المانعون من هذا إنما منعوا منه لاعتقادهم امتناع الفعل في الأزل، إما لامتناع حوادث لا أول لها عندهم، أو لأن الفعل ينافي الأزلية، أو لغير ذلك. وعلى كل تقدير فإنه يمتنع قدم شيء بعينه من العالم. وكذلك إذا قدر أن الفعل دائم، فإنه دائم باختياره وقدرته، فلا يكون الفعل الثاني إلا بعد الأول، وليس هو موجباً بذاته في الأزل لشيء من الأفعال، ولا من الأفعال ما هو قديم أزلي.
والأفعال نوعان: لازمة ومتعدية فالفعل اللازم لا يقتضي مفعولاً، والفعل المتعدي يقتضي مفعولاً، فإن لم يكن الدائم إلا الأفعال اللازمة، وأما المتعدية فكانت بعد أن لم تكن، لم يلزم وجوب ثبوت شيء من المفعولات في الأزل.
وإن قدر أن الدائم هو الفعل المتعدي أيضاً والمستلزم لمفعول، فإذا كان الفعل يحدث شيئاً بعد شيء، فالمفعول المشروط به أولاً بالحدوث شيئاً بعد شيء، لأن وجود المشروط بدون الشرط محال، فثبت أنه على كل تقدير لا يلزم أن يقارنه في الأزل لا فعل معين ولا مفعول معين، فلا يكون في العالم شيء يقارنه في الأزل، وإن قدر أنه لم يزل فاعلاً سبحانه وتعالى، فهذه الطريقة قرر فيها ثبوت القديم المحدث للحوادث، وحدوث كل ما سواه، من غير احتياج إلى طريقة الوجوب والإمكان، ولا إلى طريقة الجواهر والأعراض ا0هـ.
وبعد كل هذا البيان نخلص أن القدم النوعي للعالم هو جواز استمرار المخلوقات من غير انقطاع لأن هذا نتيجة لديمومة فعل الله سبحانه ولهذا قال في (1/281) :
وإن كان أفعاله دائمة شيئاً بعد شيء ليس فيها واحد قديم وكذلك مفعولاته بطريق الأولى، فإن المفعول تابع للفعل فلا يكون في أفعاله ولا في مفعولاته شيء قديم وإن كانت دائمة لم تزل فإن دوام النوع وقدمه ليس مستلزماً قدم شيء من الأعيان ا 0هـ.
وقال في (2/144) :
وإذا كان ذلك الفعل يوجد شيئاً فشيئاً كان المفعول كذلك بطريق الأولى، لامتناع تقدم المفعول على فعله، فلا يكون فعل دائم معين، فلا يكون مفعول معين دائم ا0هـ.
والمفعول هو المخلوق كما قال في (2/88) :
والثاني: ما يكون مخلوقا بائناً عن الله فهذه هي المفعولات ا0هـ.
وعلى هذا لم يخرج شيخ الإسلام عن معنى القدم الاصطلاحي في نوع الفعل ونوع المفعول لأن النوع إذا كان مستمراً فالنوع لم يسبق بعدم كما سبق أن وضحنا.
وهنا أمر مهم ينبغي أن يضاف وهو ان الأزل ليس شيئاً محدوداً فقال في (2/46) : وليس في الأزل شيئاً محدوداً كان فيه فاعلاً للجميع ا0هـ
وقال في (1/283) : وليس الأزل وقتاً محدوداً بل هو عبارة عن الدوام الماضي الذي لا ابتداء له الذي لم يسبق بعدم الذي ما زال ا0هـ.
وبقي أن نذكر أن ما قاله شيخ الإسلام في القدم النوعي للعالم قد قاله كثيرون غيره، كالفخر الرازي والسراج الأرموي وقبلهما ابو الثناء الأبهري - شيخ الأصفهاني - والدواني وبخيت المطيعي ومحمد عبده ومحمد الأمين الشنقيطي وكثير من المتكلمين - من قبل ومن بعد.
قال الشنقيطي في كتابه رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص51:
وهذا الكلام كله في استحالة تسلسل تأثير بعض أفراد الهيولي في بعض اما بالنظر إلى وجود حوادث لا أول لها يايجاد الله، فذلك لا محال فيه ولا يلزمه محذور لأنها موجودة بقدرة وإرادة من لا أول له جل وعلا. وهو في كل لحظة من وجوده يحدث ما يشاء كيف يشاء فالحكم عليه بأن احداثه للحوادث له مبدأ يوهم أنه كان قبل ذلك المبدأ عاجزاً عن الايجاد سبحانه وتعالى عن ذلك. وإيضاح المقام انك لو فرضت تحليل زمن وجود الله في الماضي إلى الأزل إلى أفراد زمانية أقل من لحظات العين أن تفرض ان ابتداء ايجاد الحوادث مقترن بلحظة من تلك اللحظات فإنك ان قلت هو مقترن باللحظة الأولى قلنا ليس
هناك أولى البتة، وإن فرضت اقترانه بلحظة أخرى فإن الله موجود قبل تلك اللحظة بجميع صفات الكمال والجلال بما لا يتناهى من اللحظات وهو في كل لحظة يحدث ما شاء كيف شاء فالحكم عليه بأن لفعله مبدأ، لم يكن فعل قبله شيئاً يتوهم أن له مانعاً من الفعل قبل ابتداء الفعل، فالحاصل أن وجوده جل وعلا لا أول له وهو في كل لحظة من وجوده يفعل ما يشاء كيف يشاء فجميع ما سوى الله كله مخلوق حادث بعد عدم، إلا أن الله لم يسبق عليه زمن هو فيه ممنوع الفعل سبحانه وتعالى عن ذلك. فظهر أن وجود حوادث لا أول لها إن كانت بإيجاد من لا أول له لا محال فيه وكل فرد منها كائناً ما كان فهو حادث مسبوق بعدم لكن محدثه لا أول له وهو في كل وقت يحدث ما شاء كيف شاء سبحانه وتعالى.
قال بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في سلم الوصول لشرح نهاية السول (2/103) :
قال الأسنوى " الثاني أن المحال من التسلسل إنما هو التسلسل في المؤثرات والعلل وأما التسلسل في الآثار فلا نسلم إلى آخره " كلام جيد واما قول الاصفهاني وفيه نظر لأنه يلزم منه تجويز حوادث لا أول لها وهو باطل على رأينا فنقول لا يلزم كونه باطلاً على رأيه أنه باطل في الواقع ونفس الأمر فإنه لغاية الآن لم يقم دليل على امتناع التسلسل في الآثار الموجودة في الخارج وان اشتهر أن التسلسل فيها محال ولزوم حوادث لا أول لها لا يضر العقيدة إلا إذا قلنا لا أول لها بمعنى لا أول لوجودها وهذا مما لم يقل به أحد بل الكل متفق على ان ما سوى الله تعالى مما كان أو يكون حادث أي موجود بعد العدم بقطع النظر عن أن تقف
آحاده عند حد من جانبي الماضي والمستقبل أولا تقف عند حد من جانبهما أو من أحدهما الا ترى ان الإجماع قام على أن نعيم الجنة لا يتناهى ولا يقف عند حد في المستقبل وبعد كونه حادثاً بمعنى أنه موجود بعد العدم لا يضرنا أن نقول لا آخر له بمعنى عدم انقطاع آحاده وعدم وقوفها عند حد ولو قلنا أنه لا آخر لها بمعنى أن البقاء واجب لها لذاتها لكان كفرا، فكذلك من جانب الماضي نقول حوادث لا أول لها بمعنى أنها لا تقف آحادها عند حد تنتهي اليه وكل واحد منها موجود بعد العدم ولكنها لا تتناهى في دائرة ما لا يزال ولو قلنا أنها لا أول لوجودها ولا افتتاح له لكان ذلك قولاً بقدمها وذلك كفر وعليك بكتابنا القول المفيد وحواشي الخريدة ا0هـ.
وقد رجح الدواني القول بحوادث لا أول لها في حدوث العالم فقال: " أنت خبير مما سبق أنه يمكن صدور العالم مع حدوثه، وعلى هذا الوجه، فلا يلزم القدم الشخصي في شيء من أجزاء العالم، بل القدم الجنسي بأن يكون فردك لا يزال على سبيل التعاقب موجوداً "
وقال الشيخ محمد عبده في حاشيته على " شرح الدواني للعقائد العضدية "(ص179) ما نصه: " وقد استشهد الحكماء على قدم الممكنات بدليل نقلي، وهو ما ذم الله به اليهود {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} وبيانه: أنه لو قيل بحدوث العالم فقد قيل بأنه الحق في أزليته لم يزل معطلاً عن الفيض والجود أزمنة غير متناهية لا ابتداء لها ثم أخذ يعطي الوجود، ومعلوم أنه على فرض أنه لم يزل خلاقاً إلى الأبد فكل ما خلقه فهو متناه، ونسبة المتناهي إلى غير المتناهي كلا نسبة، وذلك جلي التصور، فنسبة إعطاء الحق للوجود إلى منعه عن كل موجود ليست بشيء،
وإن هذا إلا غل اليد، حيث أن الإعطاء ليس بشيء يذكر في جانب المنع، وهذا من الشناعة بمكان والجواب أن ذلك - التخلص من الشناعة - لا يتوقف على القول بقدم شيء من أجزاء العالم، بل يكفي ان يقال: إن الله لم يزل خلاقاً وإن كان كل جزء من أجزاء العالم حادثاً، فلا أول لعطائه، ولا مانع يقهره سبحانه، وهو الجواد الحق، ينفق كيف يشاء، ولا شيء من العالم قديم، بل كل حادث فهو مسبوق بالعدم، فلا دلالة في الآية على القدم " انتهى.
فتأمل قوله (فلا أول لعطائه) وقوله (كل جزء من أجزاء العالم حادث) وقوله (لم يزل خلاقاً)
قال الأستاذ مراد شكري: " واعجب أخي أن أحداً من المحققين النظار لن يخطر بباله أبداً أن قدم النوع هو شيء قديم مع الله، وأن النوع شيء محسوس له وجود ا 0 هـ
ويقول محمد خليل هراس في كتابه ابن تيمية السلفي ص163:
ولكن ما معنى هذا الاستعطاف والاستتباع وهل هو مقتض لقدم العالم أو حدوثه فإن المسألة في نظر العقل لا تخرج عن أحد هذين الأمرين فإن ما ليس بقديم فهو حادث وما ليس بحادث فهو قديم.
يجيب ابن تيمية على هذا بأنه يجب أن نفرق بين شيئين:
1-
نوع أنواع الحوادث أو أجناسها.
2-
وأعيانها أو أشخاصها
أما النوع أو الجنس فقديم، وأما أعيان الحوادث أو أشخاصها فحادثة ومعنى قدم النوع أو الجنس أن الله لم يزل فاعلاً له إذا شاء فما من حادث إلا وقبله حادث لا ينتهي ذلك إلى حادث يعتبر هو أول الحوادث بمعنى أنه لا حادث قبله ومعنى حدوث العين أو الشخص أنه ما من حادث من هذه الحوادث المتسلسلة شيئاً بعد شيء لا إلى نهاية إلا وهو محدث كائن بعد أن لم يكن وذلك كما تقوله الفلاسفة في حركات الأفلاك من أن ماهيتها قديمة وإن كانت أشخاصها حادثة.
ويرى ابن تيمية إن الذي أوقع الفلاسفة والمتكلمين في الغلط في هذه المسألة حتى التزموا من المحالات هو عدم اهتدائهم إلى هذا الفرق بين أنواع الحوادث وأشخاصها ا0هـ
ويقول شيخ الإسلام في درء التعارض (8/279) :
والمقصود هنا أن هؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل. وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم، في مسألة حدوث العالم ونحوها، استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق، التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول لها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم، ومخالفة نصوص الأنبياء.
وهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئاً من نصوص الأنبياء وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم يقيم دليلاً على قدم الأفلاك أصلاً، وجميع ما ذكروه ليس فيه