المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌منهج الصحابة رضي الله عنهم في الرواية: - كتابة السنة النبوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأثرها في حفظ السنة النبوية

[أحمد عمر هاشم]

الفصل: ‌منهج الصحابة رضي الله عنهم في الرواية:

‌منهج الصحابة رضي الله عنهم في الرواية:

لم يكن هناك مجال للخلاف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا خوف على السنة الشريفة؛ لأن الصحابة كانوا إذا ظهر بينهم خلاف في مسألة من المسائل يرجعون إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا عنَّ لهم أمر يسألونه فيه. فلما انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى خيف العبث بالسنة، خصوصاً والحديث لم يدون بعد في كتاب، والإسلام تتسع رقعته يوماً بعد يوم ويدخل فيه الكثير وفيهم من لا يؤمن جانبهم على الدين والمنافقين ونحوهم؛ لذا كان من الضروري أن يتثبت الصحابة في سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي وضع لهم الأساس الأول في قاعدة التثبت فبنوا عليها منهجهم في الرواية وذلك بما بينه لهم صلى الله عليه وسلم من خطر الكذب عليه حين قال:"من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(1) وقال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين"(2) ، وكان أول من وضع قوانين الرواية فيهم أبو بكر الصديق رضوان الله تعالى عليه وتبعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسائر الصحابة، ويتلخص منهجهم في أنهم أقلوا من رواية الحديث؛

(1) رواه البخاري ج1 ص179 فتح الباري بلفظ (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار) ورواه مسلم ج1 ص55 ط الشعب عن أبي هريرة، والترمذي ج4 ص142 ـ عن عبد الله وأخرجه الزهري عن أنس بن مالك، وقال الترمذي حديث حسن غريب، صحيح من هذا الوجه من حديث الزهري عن أنس بن مالك، والدارمي ج1 ص66 عن جابر.

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص51 عن سمرة بن جندب وعن المغيرة بن شعبة ط الشعب، والترمذي ج4 ص143 عن المغيرة بن شعبة وقال: حسن صحيح ورواه ابن ماجة ج1 ص10.

ص: 24

كراهية أن يشتغل الناس برواية الحديث وينصرفوا عن تلاوة القرآن، وخشية الوقوع في الخطأ أو تسرب التحريف إلى السنة، والإقلال من الرواية كان سيراً سليماً على ما رسمه لهم نبيهم صلى الله عليه وسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" (1) . كما سار الصحابة على طريق التثبت من الراوي والمروي فما اطمأنوا إليه قبلوه وما لم يطمئنوا إليه طلبوا عليه شاهداً، وما لم تقم البينة على صدقه ردوه، وكان تثبتهم قائماً على ميزان النقد العلمي الصحيح. ومنع الصحابة الرواة من أن يحدثوا بما يعلو على فهم العامة؛ لأن في هذا مدعاة إلى تكذيبهم للمحدث بما لا يفهمونه، ومدعاةً للخطأ والارتياب في الدين، فامتنعوا عن ذلك خشية أن يستغل أصحاب الأهواء ظاهر النصوص لصالح بدعهم وأهوائهم.

عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود قال: "ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"(2) .

ومن أمثلة التثبت عند الصحابة ما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري قال: "كنت في مجلس من مجالس الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور، فقال: استأذنت على عمر ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، فقال: ما منعك؟ فقلت: استأذنت ثلاثاً فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله

(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص60 ط الشعب.

(2)

صحيح مسلم بشرح النووي ج1 ص63 ط الشعب.

ص: 25

صلى الله عليه وسلم: "إذا استأذن أحدكم ثلاثاً فلم يؤذن له فليرجع" فقال: والله لتقيمن عليه بينة، أمنكم أحدٌ سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبي بن كعب: والله لا يقوم معك إلا أصغر القوم فكنت أصغر القوم، وقمت معه فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك، فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) .

وقد سار على سنة التثبت التابعون ومن جاء بعدهم وعنوا بالأسانيد والنقد العلمي الدقيق، ولما كان الصحابة متفاوتين في العلم فلم يكن عند الجميع ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فقد بدأت الرحلات العلمية فقام الصحابة والتابعون بالرحلات إلى كثير من البلاد حتى كان يتميز البعض بكثرة الرحلات والانتقال إلى أكثر من بلد، وكانت الرحلة سبيلاً إلى طلب الحديث والتثبت منه.

كما كانت أيضاً تدعيماً لوحدة المسلمين وتعرفاً على الجو العلمي في شتى الأقطار الإسلامية، ومعرفة وإلماماً بطرق الحديث الكثيرة.

(1) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج11 ص22، شرح الزرقاني على الموطأ ج4 ص188، الرسالة ص435 برقم 1198 مختصراً.

ص: 26