الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عقولهم يقظة واعيةً بعد صلاة الفجر وبعد العشاء ونحو ذلك.
تلقِّي الصحابة للحديث النبوي:
حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على تبليغ المسلمين سنته الشريفة وحبب إلى أصحابه رضوان الله عليهم حفظ الحديث وتبليغه، فوضع منهج التلقي والتحديث، وأرسى بينهم قاعدة التثبت العلمي التي ساروا عليها، واتخذوها منهجاً في الرواية بعد ذلك وسار الصحابة في حرصهم على حضور مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب ما يقومون به من أمور المعاش. وإذا تعذر على بعضهم الحضور يتناوب مع غيره كما كان يفعل عمر رضي الله عنه، قال:"كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك"(1) .
ولم يكن يتسنى للجميع سماع الحديث من الرسول صلى الله عليه وسلم لما كانوا يقومون به من أعمال فكانوا يطلبون ما يفوتهم سماعه من أقرانهم وكانوا يشددون على مَنْ يسمعون منه، كما كانت القبائل البعيدة تبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم من يتعلم أحكام الدين منه ثم يعود إليهم ليرشدهم ويعلمهم، وهكذا عاش الصحابة مع رسولهم صلى الله عليه وسلم يشاهدون تصرفاته في عباداته
(1) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج1 ص167.
ومعاملاته وإذا عنَّ لهم أمر من الأمور يحتاجون للبيان فيه رجعوا إليه يسألونه فيجيبهم، ويفتيهم.
كما كان صلى الله عليه وسلم يعلم النساء أمور الدين ويخصص وقتاً يجلس لهن فيه وكانت أمهات المؤمنين على درجة سامية من العلم؛ لذا وجد النساء عندهن الإجابة عن أمورهن وأحوالهن التي يمنعهن الحياء من التصريح بها أمام الرسول صلى الله عليه وسلم كالأمور الخاصة بهن وإلى جانب هذه العوامل السابقة كانت هناك طرق كثيرة ساعدت على انتشار السنة، وقوّى نشاطَها اجتهادُ الرسول صلى الله عليه وسلم في التبليغ وأثر أمهات المؤمنين الذي لا ينكر، ومن ذلك بعوثه صلى الله عليه وسلم إلى القبائل لتعليمهم وإرشادهم، وكتبه إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، كما كان لغزوة الفتح أثر كبير في نشر كثير من السنن حيث قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً بين ألوف المسلمين وغيرهم، معلناً العفو عن أعدائه ومبيناً كثيراً من الأحكام التي تناقلها الناس وحملوا توجيهه وإرشاده إلى أهلهم.
وبعد أن استتب الأمر يمم النبي صلى الله عليه وسلم وجهه شطر المسجد الحرام حاجاً ومعه ألوف من المسلمين ألقى فيهم خطبته الجامعة (1) ، التي تعد منهاجاً عاماً للدعوة الإسلامية تضمنت كثيراً من الأحكام والسنن وفيها بيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم مناسك الحج ووضع من آثار الجاهلية ما أبطله الإسلام، فكانت من أعظم عوامل انتشار السنة بين كثير من القبائل والعشائر.
(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج3 ص333 ط الشعب.
ومعلوم أن الصحابة رضي الله عنهم-لم يكونوا في مستوى واحد من العلم بل كانت تتفاوت درجاتهم العلمية ما بين مكثر ومقل ومتوسط تبعاً لظروف كل واحد منهم، إذ كان من بينهم البدوي والحضري، والمنقطع للعبادة، والمشتغل بأمر المعاش فكان أكثرهم علماً أسبقهم إسلاماً كالخلفاء الأربعة وعبد الله بن مسعود، أو أكثرهم ملازمة لنبيه صلى الله عليه وسلم كأبي هريرة، أو أكثرهم كتابةً كعبد الله بن عمرو بن العاص.
ولكن السمات العامة للمسلمين آنئذٍ تبرز لنا الدوافع القوية التي حفزتهم على تلقي السنة النبوية حتى أودعوها حوافظهم القوية وصدورهم الأمينة مما جعل السنة الشريفة محفوظة جنباً إلى جنب مع القرآن، وتلك الدوافع هي اقتداؤهم بنبيهم واستعدادهم الفطري واستجابتهم للقرآن والسنة.