المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌تدوين السنة: قام أعداء الإسلام يعملون في ظلام الفرقة التي دبت - كتابة السنة النبوية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وأثرها في حفظ السنة النبوية

[أحمد عمر هاشم]

الفصل: ‌ ‌تدوين السنة: قام أعداء الإسلام يعملون في ظلام الفرقة التي دبت

‌تدوين السنة:

قام أعداء الإسلام يعملون في ظلام الفرقة التي دبت بين المسلمين على أثر قتل الخليفة الثالث سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه حين افترق المسلمون فرقاً وأحزاباً ما بين شيعة وخوارج وجمهور، وساعدهم على ذلك اتساع البلاد، فوجدوا المناخ ملائماً لبث سمومهم ودسِّ أكاذيبهم، وبعد أن انقضى عهد الخلافة الراشدة وافترق المسلمون إلى فرق، ظهر أرباب الكذب والنفاق من الملل الأخرى يكذبون ويلفقون ويضعون الأحاديث، فكان ظهور الوضع في الحديث أهم الأسباب التي حفزت همم العلماء لتدوينه وتصنيفه صيانة له من الأيدي العابثة، يقول الإمام الزهري:"لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها ما كتبت حديثاً ولا أذنت في كتابته"(1) .

ولم يكن ذلك الوقت الذي ازداد فيه نشاط العلماء في الجمع والتدوين هو مبدأ زمن التدوين وإنما بدأت كتابة الحديث منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم بصورة خاصة وغير رسمية. فالسنة النبوية لم تبق مهملة طوال القرن الأول إلى عهد عمر بن عبد العزيز، وإنما كانت تكتب كتابة فردية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين، وحفظت في الكراريس والصحف بجانب حفظها في الصدور، حيث كانت توجد بعض الصحائف التي

(1) تقييد العلم ص 108.

ص: 27

شاركت الصدور في حفظ السنة ومن بين هذه الصحائف صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص التي تُسَمَّى بالصادقة؛ لأنه كتبها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة، يقول عبد الله بن عمرو بن العاص لمجاهد:"هذه الصادقة فيها ما سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بيني وبينه أحد"(1) .

وهي تشتمل على ألف حديث (2) ، وكان لسعد بن عبادة الأنصاري صحيفة، ولسمرة بن جندب صحيفة، والصحيفة التي دونت فيها حقوق المهاجرين والأنصار واليهود وعرب المدينة.

وكان لجابر بن عبد الله الأنصاري صحيفة، ولأنس بن مالك صحيفة كان يبرزها إذا اجتمع الناس، ولهمَّام بن منبه صحيفة تسمى الصحيفة الصحيحة رواها عن أبي هريرة، وكان ابن عباس معروفاً بطلب العلم، وبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم كان يسأل الصحابة ويكتب عنهم وكانت تلك الصحف والمجاميع تحتوي على العدد الأكبر من الأحاديث التي دونت في القرن الثالث.

يقول الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه "رجال الفكر والدعوة": "وإذا اجتمعت هذه الصحف والمجاميع وما احتوت عليه من الأحاديث كونت العدد الأكبر من الأحاديث التي جمعت في الجوامع والمسانيد والسنن في القرن الثالث وهكذا يتحقق أن المجموع الكبير الأكبر من

(1) تقييد العلم ص84.

(2)

أسد الغابة 3/233.

ص: 28

الأحاديث سبق تدوينه وتسجيله من غير نظام وترتيب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عصر الصحابة رضي الله عنهم، وقد شاع في الناس حتى المثقفين والمؤلفين أن الحديث لم يكتب ولم يسجل إلا في القرن الثالث الهجري وأحسنهم حالاً من يرى أنه قد كتب ودون في القرن الثاني؟

وما نشأ هذا الغلط إلا عن طريقين:

الأولى: أن عامة المؤرخين يقتصرون على ذكر مدوني الحديث في القرن الثاني ولا يعنون بذكر هذه الصحف والمجاميع التي كتبت في القرن الأول؛ لأن عامتها فقدت وضاعت مع أنها اندمجت وذابت في المؤلفات المتأخرة.

الثانية: أن المحدثين يذكرون عدد الأحاديث الضخم الهائل الذي لا يتصور أن يكون قد جاء في هذه المجاميع الصغيرة التي كتبت من القرن الأول1) . أ.?.

ويقول العلامة مناظر أحسن الكيلاني متفقاً مع الندوي في كتابه "تدوين الحديث": "وقد يتعجب الإنسان من ضخامة عدد الأحاديث المروية فيقال أن أحمد بن حنبل كان يحفظ أكثر من سبعمائة ألف حديث، وكذلك يقال: عن أبي زرعة، ويروى عن الإمام البخاري أنه كان يحفظ مائتي ألف من الأحاديث الضعيفة ومائة ألف من الأحاديث الصحيحة، ويروى عن مسلم أنه قال: جمعت كتابي من ثلاثمائة ألف

(1) رجال الفكر والدعوة ص82.

ص: 29

حديث ولا يعرف كثير من المتعلمين فضلاً عن العامة أن الذي يُكَوِّن هذا العدد الضخم هو كثرة المتابعات والشواهد التي عني بها المحدثون، فحديث:"إنما الأعمال بالنيات" يروى من سبعمائة طريق فلو جردنا مجاميع الحديث من هذه المتابعات والشواهد لبقي عدد قليل (1) من الأحاديث، وقد صرَّح الحاكم أبو عبد الله الذي يعتبر من المتسامحين المتوسعين أن الأحاديث التي في الدرجة الأولى لا تبلغ عشرة

آلاف (2) ". أ.?.

وأنا أرجح هذا الرأي وهو كتابة الحديث في القرن الأول؛ لأن أهل القرن الأول هم حلقة الاتصال بالنسبة لمن بعدهم من أصحاب القرون التالية الذين انتقلت على أيديهم السنة، وأهل العهد الأول وإن كانت الأحاديث المدونة عنهم يظن أنها قليلة إلا أنها صحيحة كلها لا يداخلها شك، إذ لم يكن الكذب أو الوضع قد شاع فيهم كالذين جاؤوا من بعدهم فهم عدول وهم خير القرون وما من شك فيما كانوا عليه في العهد الأول من المنزلة العالية في الحفظ والضبط، وليس هذا غريباً على قوم انحدروا من أصلاب آباء كانوا قمماً عالية في الحفظ والإتقان، ولكن مع هذا فقد كتب بعضهم الأحاديث فكان وصولها إلى القرون التالية شفاهة وتحريراً وهذا أقوى وأوثق، يقول ابن الصلاح: "ولولا تدوينه

(1) أي بالنسبة إلى ضخامة عدد الأحاديث المروية فالقلة نسبية.

(2)

القرآن والنبي، للدكتور عبد الحليم محمود ص337، ص338 عن "تدوين الحديث".

ص: 30

- أي الحديث- في الكتب لدرس في الأعصر الأخر" (1) .

ومنذ سنة أربعين من الهجرة بعد وقوع الفتنة وحرب علي ومعاوية رضي الله عنهما دبَّت الخلافات السياسية والمذهبية وظهر الوضع في السنة النبوية من الذين لا ثقة فيهم ولا صحبة لهم حقيقية، إلا أن هذه الحركة قوبلت بقوة مؤمنة من علماء السنة الذين حصروا الوضاعين وصانوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم سيراً على منهجه الكريم الذي وضعه لهم في الحفاظ على السنة الشريفة، قال صلى الله عليه وسلم:"من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار"(2) .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار"(3) .

وقد وردت بعض أحاديث تنهي عن الكتابة، منها ما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه"(4) .

(1) مقدمة ابن الصلاح ص71.

(2)

الحديث سبق تخريجه ص25

(3)

صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج1 ص180 عن سلمة بن الأكوع بلفظ: "من يقل.." وأخرجه أحمد ج2 ص501 عن أبي هريرة "بلفظ من قال" بإسناد صحيح وابن ماجة ص10 من طريق محمد بن عمرو وعن أبي سلمة ومسلم ج1 ص5 والحاكم ج1 ص102 والشافعي في الرسالة ص396 والدارمي بنحوه ج1 ص67.

(4)

صحيح مسلم بشرح النووي ج18 ص129 وكتاب جامع بيان العلم وفضله ج1 ص76 ورواه الدارمي ج1 ص98.

ص: 31

وعن أبي نضرة قال: قيل لأبي سعيد: لو اكتتبنا الحديث؟ فقال: لا نكتبكم، خذوا عنا، كما أخذنا عن نبينا صلى الله عليه وسلم. (1) .

وهذا النهي عن كتابة الحديث كان في بدء الدعوة؛ خشية أن يختلط الحديث بالقرآن فيلتبس على بعض الناس، أو أن النهي كان في حق مَنْ يُوثق بحفظه، وخِيف اتكاله على الكتابة؛ ولذا أَذِنَ بالكتابة لمن لا يوثق بحفظه كأبي شاه.

عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن خزاعة قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم فركب راحلته فخطب فقال: "إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل" قال أبو عبد الله: كذا، قال أبو نعيم وسلط عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ألا وإنها لم تحلَّ لأحد قبلي، ولا تحلُّ لأحد بعدي، وإنها أُحِلَّتْ لي ساعةً من نهار ألا وإنها ساعتي هذه حرام لا يُخْتَلى شوكها، ولا يُعْضَدُ شجرها، ولا تُلْتَقط ساقِطتها، إلا لمنشد فمن قتل فهو بخير النظرين إما أن -يعقل وإما أن يقاد أهل القتيل". فجاء رجل من أهل اليمن -هو أبو شاه- فقال: اكتب لي يا رسول الله فقال: اكتبوا لأبي فلان.." (2) .

أي الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أن النهي كان عامّاً، وخصَّ بالسماح له من كان كاتباً مُجيداً لا يلتبس عليه الحال بين السنة

(1) جامع بيان العلم وفضله ج1 ص76.

(2)

صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج1 ص183، مسند الإمام أحمد ج12 ص232 وجامع بيان العلم وفضله ج1 ص84.

ص: 32

والكتاب، كعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال أبو هريرة رضي الله عنه:"ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحدٌ أكثر حديثاً عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب"(1) .

كما كان للنهي عن الكتابة ثمرة عظيمة: هي اتساع المجال أمام القرآن الكريم حتى يأخذ مكانه في الكتابة، ويثبت في صدور الحفاظ، "أو أن النهي كان خاصاً بكتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة والإذن في تفريقهما"(2) .

أو أن النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس. وهو أقرب الآراء. وممن روى عنه كراهة الكتابة في الصدر الأول "عمر،

وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى، وأبو سعيد الخدري"، وممن روى عنه إباحة ذلك أو فعله: "علي وابنه الحسن وأنس وعبد الله

بن عمرو بن العاص" (3) .

قال البلقيني: وفي المسألة مذهب ثالث وهو الكتابة والمحو بعد الحفظ (4) .

وأرى أن النهي عن الكتابة كان عاماً في بادئ الأمر، وخَصَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة بالإذن في الكتابة لأسباب منها: أن البعض لا يوثق

(1) صحيح البخاري (مع فتح الباري) ج1 ص184، وجامع بيان العلم ج1 ص84 ورواه الدارمي ج1 ص103.

(2)

حاشية الدارمي ج1 ص103 وتدريب الراوي ص287.

(3)

مقدمة ابن الصلاح ص71.

(4)

تدريب الراوي ص285.

ص: 33

بحفظه كأبي شاه، ومنها أن البعض كان كاتباً مجيداً لا يلتبس عليه الحال كعبد الله بن عمرو بن العاص، فإنه كان قارئاً للكتب المتقدمة ويكتب بالسريانية والعربية (1) .

وظل النهي عن الكتابة قائماً حتى كثرت السنن وخيف عليها أن تضيع من البعض فكان الإذن بالكتابة ناسخاً لما تقدم من النهي، ولم يلحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى إلا وكتابة الحديث مأذون فيها.

وقد هم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكتابة الحديث واستشار أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشاروا عليه، فطفق يستخير الله في ذلك مدة ثم عدل عن ذلك، روى البيهقي في المدخل عن عروة بن الزبير أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن، فاستشار في ذلك أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فأشاروا عليه أن يكتبها فطفق عمر يستخير الله فيها شهراً، ثم أصبح يوماً وقد عزم الله له وقال: إني كنت أردت أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فأكبُّوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً (2) .

واستمر حال السنة على هذا حتى انتشر الإسلام، واتسعت الفتوحات وتفرق الصحابة في الأقطار ومات الكثير منهم، فدعت الحاجة إلى تدوين الحديث النبوي، وذلك حيث أفضت الخلافة إلى الإمام العادل

(1) تأويل مختلف الحديث ص366.

(2)

جامع بيان العلم وفضله ج1 ص22، تدريب الراوي 287، تقييد العلم ص50.

ص: 34

عمر بن عبد العزيز فأراد أن يجمع السنن ويدونها؛ مخافة أن يضيع منها شئ، وكان ذلك على رأس المائة الأولى، فكتب إلى بعض علماء الأمصار يأمرهم أن يجمعوا الأحاديث، كما كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية، وهكذا أصدر الخليفة العادل أمره إلى أقطار الإسلام:"انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه"(1) .

وكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم (ت117هـ) . "اكتب إليَّ بما يثبت عندك من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث عَمْرة فإني خشيت دُروسَ العلم وذهابه" وفي رواية: "فإني خشيت دُروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وليفشوا العلم، وليجلسوا، حتى يعلم من لا يعلم؛ فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً"(2) .

كما أوصاه أن يكتب له بما عند القاسم بن محمد بن أبي بكر كما أمر ابن شهاب الزهري (ت:124هـ) وغيره بجمع السنن فكتبوها مستجيبين لأمر الخليفة الذي حفز هممهم وصادف أمره في نفوسهم الاستجابة والقبول، وهكذا أتمَّ الله على يد عمر بن عبد العزيز تنفيذ رغبة جده عمر بن الخطاب التي عدل عنها خشية التباس السنة بالقرآن الكريم.

وكان تدوين الإمام الزهري للسنة عبارة عن جمع الأحاديث التي

(1) فتح الباري ج1 ص204.

(2)

المرجع السابق

ص: 35

تدور حول موضوع واحد في مؤلف خاص، فكان لكل باب من أبواب العلم مؤلف قائم به، فكتاب للصلاة مثلاً، وآخر للصوم، وهكذا وكل مؤلف من هذه المؤلفات تدون فيه الأحاديث المتصلة بموضوعه، ومختلطة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين، وقد أخلص الإمام الزهري نيته وعمله لله في تدوين السنة والتنبيه على العناية بأساليبها.

أما بعد الإمام الزهري فقد تناول الأئمة رسالته، وأخذوا يكمِّلون ما بدأه فقد كان عمل الزهري بمنزلة حجر الأساس لتدوين السنة في كتب خاصة، ولكي يوضح الإمام الزهري هذا العمل، ويَسْلم أساس البناء للجيل الذي سيأتي بعده. كان يخرج لطلابه الأجزاء المكتوبة ليرووها عنه.

وفعلاً فقد بدأ العمل بعده، وتعاون الأئمة والعلماء في المدن الإسلامية: في مكة وفي المدينة وفي البصرة والكوفة والشام وخراسان واليمن وواسط والرَّي، واضطلع الأئمة من أمثال الإمام ابن جريج (ت:150هـ) بمكة، والإمام مالك (ت:179هـ) بالمدينة، والإمام سفيان الثوري (ت:161هـ) بالكوفة وغيرهم بالمهمة الجليلة الملقاة على عاتقهم، فأكملوا ما بدأه الزهري، الذي قام بالتدوين فجمع كل باب في مؤلف خاص كما سبق، فجاء هؤلاء من بعده، فجمعوا أحاديث كل باب من أبواب العلم على حدة، ثم ضموا الأبواب بعضها إلى بعض، فكانت مصنفاً واحداً، وخلطوا الأحاديث بأقوال الصحابة والتابعين.

أما من جاء بعد هؤلاء الأئمة -من أهل عصرهم- فقد سار على

ص: 36

دربهم ونسج على منوالهم إلى أن رأى بعض الأئمة إفراد الحديث وخاصة على رأس المائتين في أوائل القرن الثالث الهجري.. فألفت المسانيد، ثم جاءت طبقة أخرى دَوَّنت السنة في كتب خاصة تحروا في تدوينها الصحيح على شروطهم وأفردت الحديث عن غيره، وجمعته على أبواب الفقه، واختارت الرواة المشهورين بالثقة، وبهذا يتضح أن تدوين السنةَ لم يأخذ وضعه في الظهور والتصنيف تماماً إلا في منتصف القرن الثاني في خلافة بني العباس، وإن كان قد بدأ قبل ذلك.

وكان لتدوين السنة على هذه المراحل أثره الجليل في حفظها من الدخيل، ومن الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم، كما كان لتدوين السنة على هذه المراحل أثره حيث سهَّل الطريق للاجتهاد والاستنباط.

بعد هذا كله أرى أن السنة النبوية كانت تكتب في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنه وإن وردت بعض الأخبار بالنهي عن كتابتها، فإنَّ إباحة الكتابة كانت جائزة لبعضهم، وكانت آخر ما ترك الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه، فلم يلحق بالرفيق الأعلى إلا وكتابة الحديث قائمة وقد حفظت في الصحف بجانب حفظها في الصدور، ولم تبق مهملة طوال القرن الأول إلى عهد عمر بن عبد العزيز، وأحاديث الإذن بالكتابة أكبر شاهد على ذلك. وهكذا كتبت الأحاديث، وحفظ الكثير منها في الصدور من لدن صدورها من الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن تلقفتها الصدور الواعية، والصحف الأمينة، وتناقلتها جيلاً بعد جيل إلى أن تسلمها منهم أهل القرن الثالث.

ص: 37