الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المجلس الثالث والعشرون: في وصف الجنة جعلنا الله من أهلها
الحمد لله مبلِّغ الراجي فوق مأموله، ومعطي السائل زيادة على سُؤْله، المنان على التائب بصفحه وقبوله، خلق الإنسان وأنشأ دارا لحلوله، وجعل الدنيا مرحلة لنزوله، فتوطنها من لم يعرف شرف الأخرى لخموله، فأخذ منها كارها قبل بلوغ مأموله، ولم يُغْنه ما كسبه من مال وولد حتى انهزم في فلوله ، أوما ترى غربان البين تنوح على طلوله، أما الموفَّق فعرف غرورها فلم ينخدع بمثوله، وسابق إلى مغفرة من الله وجنة عرضها السماوات والأرض أُعِدَّت للذين آمنوا بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة عارف بالدليل وأصوله، وأشهد أن محمدا عنده ورسوله، ما تردد النسيم بين شماله وجنوبه ودبوره وقبوله، صلى الله عليه وعلى أبي بكر صاحبه في سفره وحلوله، وعلى عمر حامي الإسلام بسيف لا يخاف من فلوله، وعلى عثمان الصابر على البلاء حين نزوله، وعلى علي الماضي بشجاعته قبل أن يصول بنصوله، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان ما امتد الدهر بطوله وسلم تسليما.
إخواني: سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، قال الله تعالى: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا} [الرعد: 35]، وقال تعالى:{مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ} [محمد: 15]، وقال تعالى:{وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25]، وقال تعالى: {وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا
} {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ} {قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} {وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا} {عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا} {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ} {إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا} [الإنسان: 14 - 20] .
وقال تعالى: {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} {لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً} {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ} {فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ} {وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ} {وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ} {وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ} [الغاشية: 10 - 16]، وقال تعالى:{إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج: 23]، وقال تعالى:{مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} [الإنسان: 13]، وقال تعالى:{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا} [الإنسان: 21]، وقال تعالى:{مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ} [الرحمن: 76]، وقال تعالى:{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} {فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} {يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ} {كَذَلِكَ
وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ} {يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ} [الدخان: 51 - 55]، وقال تعالى: {ادْخُلُوا
الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ} [الزخرف: 70] .
وقال تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} {كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ} [الرحمن: 56 - 58]، وقال تعالى:{فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ} {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ} [الرحمن: 70 - 72]، وقال تعالى:{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17]، وقال تعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [يونس: 26] ، فالحسنى هي الجنة لأنه لا دار أحسن منها ، والزيادة هي النظر إلى وجه الله الكريم، رزقنا الله ذلك بِمَنِّهِ وكرمه، والآيات في وصف الجنة ونعيمها وسرورها وأنسها وحبورها كثيرة جدا.
وأما الأحاديث: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قلنا: يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال: " لَبِنَة ذهب ولبنة فضة، ومِلاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه» (1)، وعن عتبة بن غزوان رضي الله عنه أنه خطب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حَذَّاء ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يصطبُّها صاحبها،
(1) رواه أحمد والترمذي.
وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها فانتقلوا بخير ما يحضرنكم ، ولقد ذُكِرَ لنا أن مصراعين من مصاريع الجنة بينهما مسيرة أربعين سنة ، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام " (1)، وعن سهل بن سعد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون» (2)، وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ألا هل مُشَمِّر إلى الجنة، فإن الجنة لا خطر لها» (3) ، «هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار
وفاكهة وخضرة وحبرة ونعمة في مَحَلَّة عليه بهية " ، قالوا: يا رسول الله نحن المشمرون لها. قال: " قولوا: إن شاء الله "، فقال القوم: إن شاء الله» (4) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن» (5)، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يتراءَوْن أهل الغُرَف فوقهم كما تتراءَوْن الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم ". قالوا:
(1) رواه مسلم.
(2)
متفق عليه.
(3)
أي: لا مثل لها ولا عديل.
(4)
رواه ابن ماجه والبيهقي وابن حبان في صحيحه، وإسناده ضعيف.
(5)
رواه البخاري.
يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال: " بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدَّقوا المرسلين» (1)، وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن في الجنة غرفا يُرَى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن أطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام» (2) .
وعن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوّفة، طولها في السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضا» (3)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ، ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ، ثم هم بعد ذلك منازل لا يتغوَّطون ، ولا يبولون ، ولا يمتخِطون ، ولا يبصُقون ، أمشاطهم الذهب ، ومجامرهم الألُوَّة ، ورشحهم المسك ، أخلاقهم على خَلْق رجل واحد على طول أبيهم آدم ستون ذراعا» (4)، وفي رواية:«لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد، يسبِّحون الله بكرة وعشيا» ، وفي رواية:«وأزواجهم الحور العين» .
وعن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفُلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون "
(1) رواه البخاري.
(2)
أخرجه الطبراني ، رواه أحمد بزيادة:«وألان الكلام» .
(3)
متفق عليه.
(4)
رواه مسلم.
قالوا: فما بال الطعام؟ قال: " جُشَاءٌ ورَشْحٌ كرشح المسك، يُلْهَمُون التسبيح والتحميد كما يُلْهَمُون النَّفَس» (1)، وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«والذي نفس محمد بيده إن أحدهم (يعني أهل الجنة) لَيُعْطَى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة، تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فَيَضْمُرُ بطنه» (2) . وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لَقَابُ قوسِ أحدِكم أو موضع قدم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأت ما بينهما ريحا وَلَنَصِيفُهَا (يعني الخمار) خير من الدنيا وما فيها» (3)، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لسُوقا يأتونها كل جمعة فتهب رياح الشمال فتحثوا في وجوههم وثيابهم، فيزدادون حسنا وجمالا فيرجعون إلى أهليهم فيقولون لهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا ،
فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا» (4)، وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهلُ الجنةِ الجنةَ ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تَحْيَوْا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تَشِبُّوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبدا، وذلك قول الله عز وجل: {وَنُودُوا أَنْ
(1) رواه مسلم.
(2)
أخرجه أحمد والنسائي، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: رواته محتج بهم في الصحيح، ورواه الطبراني بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه والحاكم.
(3)
رواه البخاري.
(4)
رواه مسلم.
تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} » [الأعراف: 43] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، واقرؤوا إن شئتم: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} » [السجدة: 17](1) . وعن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنةِ الجنةَ نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدا يريد أن يُنْجِزَكُمُوهُ، فيقولون: ما هو؟ ألم يُثَقِّلْ موازيننا ويبيِّض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه ، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم منه» (2)، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه «أن الله يقول لأهل الجنة: " أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» (3) .
اللهم ارزقنا الخلد في جنانك ، وأحِل علينا فيها رضوانك ، وارزقنا لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك من غير ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ولا فتنة مُضِلَّة.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
(1) الحديث متفق عليه.
(2)
رواه مسلم.
(3)
رواه مسلم.