الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
إلى أن تقوم القيامة الكبرى فتعاد الأرواح إلى الأجساد
ــ
فصل
في القيامة الكبرى
القيامة الكبرى هي التي يقوم فيها الناس من قبورهم لرب العالمين.
* وأفادنا المؤلف رحمه الله بقوله: " القيامة الكبرى ": أن هناك قيامة صغرى، وهي قيامة كل إنسان بعينه؛ فإن كل إنسان له قيامة؛ فمن مات؛ قامت قيامته.
* وسكت المؤلف رحمه الله عن أشراط الساعة؛ فلم يذكرها؛ لأن المؤلف إنما يريد أن يتكلم عن اليوم الآخر، وما أشراط الساعة إلا مجرد علامات وإنذارات لقرب قيام الساعة؛ ليستعد لها من يستعد.
وبعض أهل العلم الذين صنفوا في العقائد ذكروا أشراط الساعة هنا، والحقيقة أنه لا تعلق لها في الإيمان باليوم الآخر، وإن كانت هي من الأمور الغيبية التي أشار الله إليها في القرآن وفصلها النبي صلى الله عليه وسلم في السنة.
الأمر الأول: مما يكون في القيامة:
ما أشار إليه المؤلف بقوله: " فتعاد الأرواح إلى الأجساد ".
هذا أول الأمور: ويكون بعد النفخة الثانية في الصور، وذلك بعد أن فارقتها بالموت، وهذه غير الإعادة التي تكون في البرزخ حين سؤال الميت عن ربه ودينه ونبيه، وذلك أن الله يأمر إسرافيل فينفخ في الصور، فيصعق من في السماوات والأرض؛ إلا من شاء الله، ثم ينفخ فيه مرة أخرى فتتطاير الأرواح من الصور إلى أجسادها، وتحل فيها.
* وفي قول المؤلف: " إلى الأجساد ": إشارة أن الأرواح لا تخرج من
الصور؛ إلا بعد أن تتكامل الأجساد مخلوقة؛ فإذا كملت خلقتها؛ نفخ في الصور، فأعيدت الأرواح إلى أجسادها.
* وفي قوله: " تعاد الأرواح إلى الأجساد ": دليل على أن البعث إعادة وليس تجديدًا، بل هو إعادة لما زال وتحول؛ فإن الجسد يتحول إلى تراب، والعظام تكون رميما؛ يجمع الله تعالى هذا المتفرق، حتى يتكون الجسد، فتعاد الأرواح إلى أجسادها، وأما من زعم بأن الأجساد تخلق من جديد؛ فإن هذا زعم باطل يرده الكتاب والسنة والعقل:
- أما الكتاب؛ فإن الله عز وجل يقول: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم:27] ؛ أي: يعيد ذلك الخلق الذي ابتدأه.
وفي الحديث القدسي: «يقول الله تعالى: ليس أول الخلق بأهون علي من إعادته» فالكل على الله هين.
وقال تعالى: {كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104] .
وقال تعالى: {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} [المؤمنون: 15 - 16] .
وقال تعالى: {مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} [يس: 78 - 79] .
- وأما السنة؛ فهي كثيرة جدًا في هذا؛ حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم: " «أن الناس يحشرون فيها حفاة عراة غرلا» ؛ فالناس هم الذين يحشرون، وليس سواهم.
وتقوم القيامة التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع عليها المسلمون
ــ
فالمهم؛ أن البعث إعادة للأجساد السابقة.
* فإذا قلت: ربما يؤكل الإنسان من قبل السباع، ويتحول جسمه الذي أكله السبع إلى تغذية لهذا الآكل تختلط بدمه ولحمه وعظمه وتخرج في روثه وبوله؛ فما الجواب على ذلك؟
فالجواب: أن الأمر هين على الله؛ يقول: كن! فيكون، ويتخلص هذا الجسم الذي سيبعث من كل هذه الأشياء التي اختلط بها، وقدرة الله عز وجل فوق ما نتصوره؛ فالله على كل شيء قدير.
هذه ثلاثة أنواع من الأدلة: كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وإجماع المسلمين:
- فأما كتاب الله تعالى؛ فقد أكد الله تعالى في كتابه هذه القيامة، وذكرها الله عز وجل بأوصاف عظيمة، توجب الخوف والاستعداد لها:
وقال تعالى: {الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ} [الحاقة: 1 - 3] .
وقال تعالى: {الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ} [القارعة: 1 - 5] .
والأوصاف لها في القرآن كثيرة؛ كلها مروعة مخوفة؛ لأنها عظيمة، وإذا لم نؤمن بها؛ فلن نعمل لها؛ إذ لا يمكن للإنسان أن يعمل لهذا اليوم حتى يؤمن به وحتى يذكر له أوصافه التي توجب العمل لهذا اليوم.
- وأما السنة؛ فالأحاديث في ذكر القيامة كثيرة، بين الرسول عليه الصلاة والسلام بها ما يكون فيها؛ كما سيأتي إن شاء الله في ذكر الحوض والصراط والكتاب وغير ذلك مما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم.
- وأما الإجماع - وهو النوع الثالث -؛ فقد أجمع المسلمون إجماعا قطعيا على الإيمان بيوم القيامة، ولهذا كان من أنكره؛ فهو كافر؛ إلا إذا كان غريبا عن الإسلام وجاهلا؛ فإنه يعرف؛ فإن أصر على الإنكار بعد ذلك؛ فهو كافر.
- وهناك نوع رابع من الأدلة، وهو الكتب السماوية؛ حيث اتفقت على إثبات اليوم الآخر، ولهذا كان اليهود والنصارى يؤمنون بذلك، وحتى الآن يؤمنون به، ولهذا تسمعونهم يقولون: فلان المرحوم، أو: رحمه الله، أو: ما أشبه ذلك؛ مما يدل على أنهم يؤمنون باليوم الآخر إلى يومنا هذا.
- وثم نوع خامس، وهو العقل، ووجه ذلك أنه لو لم يكن هذا اليوم؛ لكان إيجاد الخلائق عبثًا، والله عز وجل منزه عن العبث؛ فما الحكمة من قوم يُخلقون ويؤمرون ويُنهون ويُلزمون بما يلزمون به ويُندبون إلى ما يُندبون إليه، ثم يموتون، ولا حساب، ولا عقاب؟ !
ولهذا قال الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ} [المؤمنون: 115 - 116] .
فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا
ــ
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ} [القصص:85] .
كيف يفرض القرآن ويفرض العمل به؛ ثم لا يكون هناك معاد؛ نحاسب على ما نفذنا من القرآن الذي فرض علينا؟ ! فصارت أنواع الأدلة على ثبوت اليوم الآخر خمسة.
الأمر الثاني مما يكون في القيامة:
ما أشار إليه بقوله: " فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا ".
قوله: " من قبورهم ": هذا بناء على الأغلب وإلا؛ فقد يكون الإنسان غير مدفون.
قوله: " لرب العالمين "؛ يعنى: لأن الله عز وجل يناديهم.
قال الله تعالى: {وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ} [ق: 41 - 42] ؛ فيقومون لهذا النداء العظيم من قبورهم لربهم عز وجل.
قال الله تبارك وتعالى: {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين: 4 - 6] .
قوله: " حفاة عراة غرلا ": " حفاة ": ليس عليهم نعال ولا خفاف؛ يعني: أنه ليس عليهم للرجل.
" عراة ": ليس عليهم لباس للجسد.
وتدنو منهم الشمس
ــ
" غرلا ": لم ينقص من خلقهم شيء، والغرل: جمع أغرل، وهو الذي لم يختن؛ أي أن القلفة التي قطعت منه في الدنيا تعود يوم القيامة؛ لأن الله يقول:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ} [الأنبياء:104] ؛ فيعاد كاملا، لم ينقص منه شيء؛ يعودون على هذا الوصف مختلطين رجالا ونساء.
فكل إنسان له شأن يغنيه: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 34 - 37] .
لا رجل ينظر إلى امرأة، ولا امرأة تنظر إلى رجل، حتى إن ابنه أو أباه يفر منه؛ خوفًا من أن يطالبه بحقوق له، وإذا كان هذا هو الواقع؛ فإنه لا يمكن أن تنظر المرأة إلى الرجل، ولا الرجل إلى المرأة؛ الأمر أشد وأعظم.
ولكن؛ مع ذلك؛ يكسون بعد هذا، وأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الأمر الثالث مما يكون يوم القيامة:
ما أشار إليه بقوله: " وتدنو منهم الشمس ".
* " تدنو ": أي تقرب منهم الشمس، وتقرب منهم مقدار ميل.
وهذا الميل سواء كان المسافة أو ميل المكحلة؛ فإنها قريبة، وإذا كانت هذه حرارتها في الدنيا، وبيننا وبينها من البعد شيء عظيم؛ فكيف إذا كانت عن الرؤوس بمقدار ميل؟!
* قد يقول قائل: المعروف الآن أن الشمس لو تدنو بمقدار شعرة عن مستوى خطها؛ لأحرقت الأرض؛ فكيف يمكن أن تكون في ذلك اليوم بهذا المقدار من البعد، ثم لا تحرق الخلق؟
فالجواب على ذلك: أن الناس يحشرون يوم القيامة؛ ليسوا على القوة التي هم عليها الآن، بل هم أقوى وأعظم وأشد تحملا.
ولو أن الناس الآن وقفوا خمسين يوما في شمس لا ظل ولا أكل ولا شرب؛ فلا يمكنهم ذلك، بل يموتون! لكن يوم القيامة يبقون خمسين ألف سنة؛ لا أكل ولا شرب ولا ظل؛ إلا من أظله الله عز وجل، ومع ذلك؛ يشاهدون أهوالا عظيمة؛ فيتحملون.
واعتبر بأهل النار؛ كيف يتحملون هذا التحمل العظيم؛ {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء:56] .
وبأهل الجنة؛ ينظر الإنسان إلى ملكه مسيرة ألف عام إلى أقصاه؛ كما ينظر إلى أدناه؛ كما روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
* فإن قيل: هل أحد يسلم من الشمس؟
فالجواب: نعم هناك «أناس يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ كما»
ويلجمهم العرق
ــ
وهناك أيضا أصناف أخرى يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
* وقوله: " لا ظل إلا ظله "؛ يعني: إلا الظل الذي يخلقه، وليس كما توهم بعض الناس أنه ظل ذات الرب عز وجل؛ فإن هذا باطل؛ لأنه يستلزم أن تكون الشمس حينئذ فوق الله عز وجل.
ففي الدنيا؛ نحن نبني الظل لنا، لكن يوم القيامة؛ لا ظل إلا الظل الذي يخلقه سبحانه وتعالى ليستظل به من شاء من عباده.
الأمر الرابع مما يكون يوم القيامة:
ما ذكره المؤلف رحمه الله بقوله: " ويلجمهم العرق ".
" يلجمهم "؛ أي يصل منهم إلى موضع اللجام من الفرس، وهو الفم، ولكن هذه غاية ما يصل إليه العرق، وإلا؛ فبعضهم يصل العرق إلي كعبيه، وإلى ركبتيه، وإلى حقويه، ومنهم من يلجمه؛ فهم يختلفون في هذا العرق، ويعرقون من شدة الحر؛ لأن المقام مقام زحام. وشدة ودنو شمس؛ فيعرق الإنسان مما يحصل في ذلك اليوم؛ لكنهم على حسب أعمالهم.
فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد
ــ
* فإن قلت: كيف يكون ذلك وهم في مكان واحد؟
* فالجواب: أننا أصلنا قاعدة يجب الرجوع إليها، وهي: أن الأمور الغيبية يجب علينا أن نؤمن بها ونصدق دون أن نقول: كيف؟ ! ولم؟ ! لأنها شيء وراء عقولنا، ولا يمكن أن ندركها أو نحيط بها.
أرأيت لو أن رجلين دفنا في قبر واحد: أحدهما مؤمن، والثاني كافر، فإنه ينال المؤمن من النعيم ما يستحق، وينال الكافر من العذاب ما يستحق، وهما في قبر واحد، وهكذا نقول في العرق يوم القيامة.
* فإن قلت: هل تقول: إن الله سبحانه وتعالى يجمع من يلجمهم العرق في مكان ومن يصل إلى كعبيه في مكان، وإلى ركبتيه في مكان، وإلى حقويه في مكان؟
فالجواب: لا نجزم بهذا، والله أعلم، بل نقول: من الجائز أن يكون الذي يصل العرق إلى كعبه إلى جانب الذي يلجمه العرق، والله على كل شيء قدير، وهذا نظير النور الذي يكون للمؤمنين؛ يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، والكفار في ظلمة؛ فيوم القيامة يجب علينا أن نؤمن به وبما يكون فيه، أما كيف؟ ! ولم؟ ! فهذا ليس إلينا.
الأمر الخامس مما يكون يوم القيامة:
ما ذكره بقوله: " فتنصب الموازين فتوزن بها أعمال العباد ".
والمؤلف يقول: " الموازين ": بالجمع، وقد وردت النصوص بالجمع والإفراد:
فمثال الجمع: قول الله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ}
[الأنبياء:47]، وقال تعالى:{وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} [الأعراف: 8 - 9] .
- وأما الإفراد؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» .
فقال: " في الميزان "؛ فأفرد؛
فكيف نجمع بين الآيات القرآنية وبين هذا الحديث؟ !
فالجواب أن نقول:
إنها جمعت باعتبار الموزون؛ حيث إنه متعدد، وأفردت باعتبار أن الميزان واحد، أو ميزان كل أمة، أو أن المراد بالميزان في قوله عليه الصلاة والسلام:" ثقيلتان في الميزان "؛ أي: في الوزن.
ولكن الذي يظهر - والله أعلم - أن الميزان واحد، وأنه جمع باعتبار الموزون؛ بدليل قوله:{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ} [الأعراف:8] .
لكن يتوقف الإنسان: هل يكون ميزانا واحدا لجميع الأمم أو لكل أمة ميزان؛ لأن الأمم كما دلت عليه النصوص تختلف باعتبار أجرها؟ !
وقوله: " تنصب الموازين ": ظاهره أنها موازين حسية، وأن الوزن يكون على حسب المعهود بالراجح والمرجوح، وذلك لأن الأصل في
الكلمات الواردة في الكتاب والسنة حملها على المعهود المعروف؛ إلا إذا قام دليل على أنها خلاف ذلك، والمعهود المعروف عند المخاطبين منذ نزول القرآن الكريم إلى اليوم أن الميزان حسي، وأن هناك راجح ومرجوح.
وخالف في ذلك جماعة:
فالمعتزلة قالوا: إنه ليس هناك ميزان حسي، ولا حاجة له؛ لأن الله تعالى قد علم أعمال العباد وأحصاها، ولكن المراد بالميزان: الميزان المعنوي الذي هو العدل.
ولا شك أن قول المعتزلة باطل؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، ولأننا إذا قلنا: إن المراد بالميزان: العدل؛ فلا حاجة إلى أن نعبر بالميزان، بل نعبر بالعدل؛ لأنه أحب إلى النفس من كلمة (ميزان)، ولهذا قال الله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ} [ (النحل:90] .
وقال بعض العلماء: إن الرجحان للعالي؛ لأنه يحصل فيه العلو، لكن الصواب أن نجري الوزن على ظاهره، ونقول: إن الراجح هو الذي ينزل، ويدل لذلك حديث صاحب البطاقة؛ فإن فيه أن السجلات تطيش وتثقل البطاقة، وهذا واضح؛ بأن الرجحان يكون بالنزول.
* وقوله: " فتوزن بها أعمال العباد ": كلام المؤلف رحمه الله صريح بأن الذي يوزن: العمل.
* وهنا مبحثان:
المبحث الأول: كيف يوزن العمل؛ والعمل وصف قائم بالعامل، وليس جسما فيوزن؟ !
والجواب على ذلك: أن يقال: إن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه الأعمال أجساما، وليس هذا بغريب على قدرة الله عز وجل، وله نظير، وهو الموت؛ فإنه يجعل على صورة كبش، ويذبح بين الجنة والنار، مع أن الموت معنى، وليس بجسم، وليس الذي يذبح ملك الموت، ولكنه نفس الموت حيث يجعله الله تعالى جسما يشاهد ويرى، كذلك الأعمال يجعلها الله عز وجل أجساما توزن بهذا الميزان الحسي.
المبحث الثاني: صريح كلام المؤلف أن الذي يوزن العمل؛ سواء كان خيرا أم شرا:
وهذا هو ظاهر القرآن؛ كما قال الله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} [الزلزلة: 6 - 8] ؛ فهذا واضح أن الذي يوزن العمل؛ سواء كان خيرا أم شرا.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» ، وهذا ظاهر أيضا، بل صريح، في أن الذي يوزن العمل، والنصوص في هذا كثيرة.
ولكن هناك نصوص قد يخالف ظاهرها هذا الحديث:
منها حديث صاحب البطاقة؛ «رجل يؤتى به على رؤوس الخلائق، وتعرض عليه أعماله في سجلات تبلغ تسعة وتسعين سجلا؛ كل سجل»
وظاهر هذا أن الذي يوزن صحائف الأعمال.
وهناك نصوص أخرى تدل على أن الذي يوزن العامل؛ مثل: قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 105] ؛ مع أنه قد ينازع في الاستدلال بهذه الآية؛ فيقال: إن معنى قوله: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} ؛ يعني: قدرا.
فصار هاهنا ثلاثة أشياء: العمل، والعامل، والصحائف.
فقال بعض العلماء: إن الجمع بينها أن يقال: إن من الناس من يوزن
{فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
ــ
عمله، ومن الناس من يوزن صحائف عمله، ومن الناس من يوزن هو بنفسه.
وقال بعض العلماء: الجمع بينها أن يقال: إن المراد بوزن العمل أن العمل يوزن وهو في الصحائف، ويبقى وزن صاحب العمل، فيكون لبعض الناس.
ولكن عند التأمل نجد أن أكثر النصوص تدل على أن الذي يوزن هو العمل، ويخص بعض الناس، فتوزن صحائف أعماله، أو يوزن هو نفسه.
وأما ما ورد في حديث ابن مسعود وحديث صاحب البطاقة؛ فقد يكون هذا أمرا يخص الله به من يشاء من عباده.
فَمَنْ: شرطية. وجواب الشرط جملة: {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} .
وأتت الجملة الجزائية جملة اسمية بصفة الحصر {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.
وجاءت باسم الإشارة الدال على البعد فَأُولَئِكَ، ولم يقل: فهم المفلحون: إشارة إلى علو مرتبتهم.
وجاءت بصفة الحصر في قوله: (هُمُ) ، وهو ضمير فصل يفيد الحصر والتوكيد، والفصل بين الخبر والصفة.
{وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ}
ــ
* والمفلح: هو الذي فاز بمطلوبه ونجا من مرهوبه؛ فحصل له السلامة مما يكره، وحصل له ما يحب.
* والمراد بثقل الموازين رجحان الحسنات على السيئات.
* وقوله: {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} : فيه إشكال من جهة العربية؛ فإن مَوَازِينُهُ الضمير فيه مفرد، و {فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الضمير فيه جمع.
وجوابه: أن (من) الشرطية صالحة للإفراد والجمع؛ فباعتبار اللفظ يعود الضمير إليها مفردا، وباعتبار المعنى يعود الضمير إليها جمعًا.
وكلما جاءت (من) ؛ فإنه يجوز أن تعيد الضمير إليها بالإفراد أو بالجمع، وهذا كثير في القرآن؛ قال الله تعالى:{وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} [الطلاق:11] ؛ فتجد الآية الكريمة فيها مراعاة اللفظ ثم المعنى ثم اللفظ.
الإشارة هنا للبعد؛ لانحطاط مرتبتهم، لا لعلو مرتبتهم.
قوله: {خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} : الكافر قد خسر نفسه وأهله وماله: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الزمر:15] ، بينما المؤمن العامل للصالحات قد ربح نفسه وأهله وماله وانتفع به.
فهؤلاء الكفار خسروا أنفسهم؛ لأنهم لم يستفيدوا من وجودهم في
وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال.
ــ
الدنيا شيئا، بل ما استفادوا إلا الضرر، وخسروا أموالهم؛ لأنهم لم ينتفعوا بها، حتى ما أعطوه للخلق لينتفع به؛ فإنه لا ينفعهم؛ كما قال تعالى:{وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ} [التوبة:54] ، وخسروا أهليهم؛ لأنهم في النار؛ فصاحب النار لا يأنس بأهله، بل إنه مغلق عليه في تابوت، ولا يرى أن أحدا أشد منه عذابا.
* والمراد بخفة الموازين: رجحان السيئات على الحسنات، أو فقدان الحسنات بالكلية، إن قلنا بأن الكفار توزن أعمالهم؛ كما هو ظاهر هذه الآية الكريمة وأمثالها وهو أحد القولين لأهل العلم.
* والقول الثاني: أن الكفار لا توزن أعمالهم؛ لقوله تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103 - 105] . والله أعلم.
الأمر السادس مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: " وتنشر الدواوين ".
* " وتنشر "؛ أي: تفرق وتفتح لقارئها.
* و" الدواوين ": جمع ديوان، وهو السجل الذي تكتب فيه الأعمال، ومنه دواوين بيت المال، وما أشبه ذلك.
يعني: التي كتبتها الملائكة الموكلون بأعمال بني آدم؛ قال الله تعالى: {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَامًا كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 9 - 12] .
فيكتب هذا العمل، ويكون لازما للإنسان في عنقه؛ فإذا كان يوم القيامة؛ أخرج الله هذا الكتاب.
قال تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 13 - 14] .
قال بعض السلف: لقد أنصفك من جعلك حسيبا على نفسك.
* والكتابة في صحائف الأعمال: إما للحسنات، وإما للسيئات، والذي يكتب من الحسنات ما عمله الإنسان، وما نواه، وما هم به؛ فهذه ثلاثة أشياء:
فأما ما عمله؛ فظاهر أنه يكتب.
وأما ما نواه؛ فإنه يكتب له، لكن يكتب له أجر النية فقط كاملا؛ كما في الحديث الصحيح في قصة «الرجل الذي كان له مال ينفقه في سبيل الخير، فقال الرجل الفقير: لو أن عندي مالا؛ لعملت فيه بعمل فلان؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فهو بنيته؛ فأجرهما سواء ".»
ويدل على أنهما ليسا سواء في الأجر من حيث العمل: «أن فقراء المهاجرين لما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! إن أهل الدثور سبقونا. فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ". فلما سمع الأغنياء بذلك؛ فعلوا مثله، فرجع الفقراء يشكون»
«إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال لهم: " ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» ، ولم يقل: إنكم بنيتكم أدركتم عملهم.
ولأن هذا هو العدل؛ فرجل لم يعمل لا يكون كالذي عمل، لكن يكون مثله في أجر النية فقط.
-وأما الهم؛ فينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يهم بالشيء ويفعل ما يقدر عليه، منه، ثم يحال بينه وبين إكماله.
فهذا يكتب له الأجر كاملا؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [النساء:100] .
وهذه بشرى لطلبة العلم: إذا نوى الإنسان أنه يطلب العلم وهو يريد أن ينفع الناس بعلمه ويذب عن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم وينشر دين الله في الأرض، ثم لم يقدر له ذلك؛ بأن مات مثلا، وهو في طلبه؛ فإنه يكتب له أجر ما نواه وسعى إليه.
بل إن الإنسان إذا كان من عادته العمل، وحيل بينه وبينه لسبب؛ فإنه يكتب له أجره، قال النبي عليه الصلاة والسلام:«إذا مرض العبد أو سافر؛ كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا» .
القسم الثاني: أن يهم بالشيء ويتركه مع القدرة عليه؛ فيكتب له به حسنة كاملة؛ لنيته.
وأما السيئات؛ فإنه يكتب على الإنسان ما عمله، ويكتب عليه ما أراده وسعى فيه ولكن عجز عنه، ويكتب عليه ما نواه وتمناه.
فالأول: واضح.
والثاني: يكتب عليه كاملا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما؛ فالقاتل والمقتول في النار ". قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل؛ فما بال المقتول؟! قال: " لأنه كان حريصا على قتل صاحبه» ، ومثله من هم أن يشرب الخمر، ولكن حصل له مانع؛ فهذا يكتب عليه الوزر كاملا؛ لأنه سعى فيه.
والثالث: الذي نواه وتمناه يكتب عليه، لكن بالنية، ومنه الحديث الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن رجل أعطاه الله مالا؛ فكان يتخبط فيه، فقال رجل فقير: لو أن لي مالا؛ لعملت فيه بعمل فلان. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «فهو بنيته؛ فوزرهما سواء» .
ولو هم بالسيئة، ولكن تركها؛ فهذا على ثلاثة أقسام:
1 -
إن تركها عجزًا؛ فهو كالعامل إذا سعى فيها.
فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره
ــ
2 -
وإن تركها لله؛ كان مأجورا.
3 -
وإن تركها لأن نفسه عزفت عنها، أو لم تطرأ على باله؛ فهذا لا إثم عليه ولا أجر.
والله عز وجل يجزي بالحسنات أكثر من العمل، ولا يجزي بالسيئات إلا مثل العمل؛ قال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الأنعام: 160] ، وهذا من كرمه عز وجل ومن كون رحمته سبقت غضبه.
* قوله: " فآخذ كتابه بيمينه ": " آخذ ": مبتدأ، وخبره محذوف، والتقدير: فمنهم آخذ.
وجاز الابتداء به وهو نكرة؛ لأنه في مقام التفصيل؛ أي أن الناس ينقسمون؛ فمنهم من يأخذ كتابه بيمينه، وهم المؤمنون، وهذه إشارة إلى أن لليمنى الإكرام، ولذلك يأخذ المؤمن كتابه بها، والكافر يأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره؛ كما قال المؤلف:" وآخذ كتابه بشماله ".
* وقوله: " أو من وراء ظهره ": "أو" للتنويع، وليست للشك.
فظاهر كلام المؤلف أن الناس يأخذون كتبهم على ثلاثة أوجه: باليمين، وبالشمال، ومن وراء الظهر.
ولكن الظاهر أن هذا الاختلاف اختلاف صفات؛ فالذي يأخذ كتابه من وراء ظهره هو الذي يأخذ كتابه بشماله؛ فيأخذ بالشمال، وتجعل يده من الخلف؛ فكونه يأخذه بالشمال؛ لأنه من أهل الشمال، وكونه من وراء
كما قال سبحانه وتعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا}
ــ
ظهره؛ لأنه لما استدبر كتاب الله، وولى ظهره إياه في الدنيا؛ صار من العدل أن يجعل كتاب أعماله يوم القيامة خلف ظهره؛ فعلى هذا؛ تخلع اليد الشمال حتى تكون من الخلف. والله أعلم.
{طَائِرَهُ} : أي عمله؛ لأن الإنسان يتشاءم به أو يتفاءل به، ولأن الإنسان يطير به فيعلو أو يطير به فينزل.
* {فِي عُنُقِهِ} ؛ أي: رقبته، وهذا أقوى ما يكون تعلقا بالإنسان؛ حيث يربط في العنق؛ لأنه لا يمكن أن ينفصل إلا إذا هلك الإنسان؛ فهذا يلزم عمله.
* وإذا كان يوم القيامة؛ كان الأمر كما قال الله تعالى: {وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا} ؛ أي: مفتوحا؛ لا يحتاج إلى تعب ولا إلى مشقة في فتحه.
* ويقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ} وانظر ما كتب عليك فيه.
* {كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} : وهذا من تمام العدل والإنصاف: أن يوكل الحساب إلى الإنسان نفسه.
والإنسان العاقل لا بد أن ينظر ماذا كتب في هذا الكتاب الذي سوف يجده يوم القيامة مكتوبا.
ولكن؛ نحن أمامنا باب يمكن أن يقضي على كل السيئات، وهو التوبة، وإذا تاب العبد إلى الله مهما عظم ذنبه؛ فإن الله يتوب عليه،
ويحاسب الله الخلائق
ــ
وحتى لو تكرر الذنب منه، وهو يتوب؛ فإن الله يتوب عليه، فما دام الأمر بأيدينا الآن، فعلينا أن نحرص على أن لا يكتب في هذا الكتاب إلا العمل الصالح.
الأمر السابع مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: " ويحاسب الله الخلائق ":
* المحاسبة: إطلاع العباد على أعمالهم يوم القيامة.
وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل:
-أما الكتاب؛ فقال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} [الانشقاق: 7 - 8]، {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا وَيَصْلَى سَعِيرًا} [الانشقاق: 10 - 12] .
-وأما السنة؛ فقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام بعدة أحاديث أن الله تعالى يحاسب الخلائق.
-وأما الإجماع؛ فإنه متفق عليه بين الأمة: أن الله تعالى يحاسب الخلائق.
-وأما العقل؛ فواضح؛ لأننا كلفنا بعمل فعلا وتركا وتصديقا، والعقل والحكمة تقتضيان أن من كلف بعمل؛ فإنه يحاسب عليه ويناقش فيه.
* وقول المؤلف: " الخلائق ": جمع خليقة؛ يشمل كل مخلوق.
إلا أنه يستثنى من ذلك من يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب؛ كما
ثبت ذلك في " الصحيحين ": «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أمته ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» .
وقد روى الإمام أحمد بسند جيد: أن مع كل واحد سبعين ألفا.
فتضرب سبعين ألفا بسبعين ألفا، ويزاد سبعون ألفا. هؤلاء فتضرب سبعين ألفا بسبعين ألفا، ويزداد سبعون ألفا، هؤلاء كلهم يدخلون الجنة لا حساب ولا عذاب.
* وقوله: " الخلائق ": يشمل أيضا الجن؛ لأنهم مكلفون، ولهذا يدخل كافرهم النار بالنص والإجماع؛ كما قال تعالى:{قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ} [الأعراف: 38] ، ويدخل مؤمنهم الجنة على قول جمهور أهل العلم، وهو الصحيح؛ كما يدل عليه قوله تعالى:{وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} إلى قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} [الرحمن: 46 - 56] .
* وهل تشمل المحاسبة البهائم؟
أما القصاص؛ فيشمل البهائم؛ لأنه ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام «أنه يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» ، وهذا قصاص، لأنها لا تحاسب حساب تكليف وإلزام؛ لأن البهائم ليس لها ثواب ولا عقاب.
ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتحصى فيوقفون عليها ويقررون بها ويخزون بها.
ــ
/ قوله: " ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه ":
* هذا صفة حساب المؤمن:
يخلو به الله عز وجل دون أن يطلع عليه أحد، ويقرره بذنوبه؛ أي: يقول له: عملت كذا، وعملت كذا. . . حتى يقر ويعترف، ثم يقول:«سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» .
ومع ذلك؛ فإنه سبحانه وتعالى يضع عليه ستره؛ بحيث لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، وهذا من فضل الله عز وجل على المؤمن؛ فإن الإنسان إذا قررك بجناياتك أما الناس وإن سمح عنك؛ ففيه شيء من الفضيحة، لكن إذا كان ذلك وحدك؛ فإن ذلك ستر منه عليك.
"ذلك": المشار إليه الحساب؛ يعنى: كما وصف الحساب في الكتاب والسنة، لأن هذا من الأمور الغيبية المتوقفة على الخبر المحض، فوجب الرجوع فيه إلى ما وصف في الكتاب والسنة.
هكذا جاء معناه في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما ذكر حساب الله تعالى لعبده المؤمن، وأنه يخلو به، ويقرره بذنوبه. قال:«وأما الكفار والمنافقون؛ فينادى بهم»
«على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» . متفق عليه.
وفي " صحيح مسلم "، عن أبي هريرة رضي الله عنه، في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«فيلقى العبد، أي: يلقى الله العبد، يعني: المنافق، فيقول: يا فل، أي: يا فلان، ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى، قال: فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثاني فيسأله فيجيب كما أجاب الأول، فيقول الله، فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث فيقول له مثل ذلك، فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول: هاهنا إذن، قال: ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك، ويفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه» .
تنبيه:
في قول المؤلف رحمه الله محاسبة من توزن حسناته وسيئاته. . إلخ، إشارة إلى أن المراد بالمحاسبة المنفية عنهم هي محاسبة الموازنة بين الحسنات والسيئات، وأما محاسبة التقرير والتقريع فثابتة كما يدل على ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وفي عرصات القيامة: الحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وسلم، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدا.
ــ
فائدة:
أول ما يحاسب عليه العبد من الأعمال الصلاة، وأول ما يقضي فيه بين الناس الدماء؛ لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والدماء أعظم ما يعتدى به في حقوق الآدميين.
الأمر الثامن مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكر المؤلف بقوله: " وفي عرصات القيامة الحوض المورود لمحمد صلى الله عليه وسلم ".
* العرصات: جمع عرصة، وهي المكان المتسع بين البنيان، والمراد به هنا مواقف القيامة.
* والحوض في الأصل: مجمع الماء، والمراد به هنا: حوض النبي صلى الله عليه وسلم.
* والكلام على الحوض من عدة وجوه:
أولا: هذا الحوض موجود الآن؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خطب ذات يوم في أصحابه، وقال:«وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن» .
وأيضا؛ ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ أنه قال: «ومنبري على حوضي» .
وهذا يحتمل أنه في هذا المكان، لكن لا نشاهده؛ لأنه غيبي، ويحتمل أن المنبر يوضع يوم القيامة على الحوض.
ثانيا: هذا الحوض يصب فيه ميزابان من الكوثر، وهو النهر العظيم، الذي أعطيه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة؛ ينزلان إلى هذا الحوض.
ثالثا: زمن الحوض قبل العبور على الصراط؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ حيث إن الناس في حاجة إلى الشرب في عرصات القيامة قبل عبور الصراط.
رابعا: يرد هذا الحوض المؤمنون بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، المتبعون لشريعته، وأما من استنكف واستكبر عن اتباع الشريعة؛ فإنه يطرد منه.
خامسًا: في كيفية مائه: فيقول المؤلف رحمه الله: " ماؤه أشد بياضا من اللبن ": هذا في اللون، أما في الطعم؛ فقال:" وأحلى من العسل "، وفي الرائحة أطيب من ريح المسك؛ كما ثبت به الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
سادسا: في آنيته: يقول المؤلف: " آنيته عدد نجوم السماء ".
هذا كما ورد في بعض ألفاظ الحديث، وفي بعضها:«آنيته كنجوم السماء» ، وهذا اللفظ أشمل؛ لأنه يكون كالنجوم في العدد وفي الوصف بالنور واللمعان؛ فآنيته كنجوم السماء كثرة وإضاءة.
سابعا: آثار هذا الحوض: قال المؤلف: " من يشرب منه شربة؛ لا يظمأ بعدها أبدا ": حتى على الصراط وبعده.
وهذه من حكمة الله عز وجل؛ لأن الذي يشرب من الشريعة في الدنيا
والصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر الذي بين الجنة والنار
ــ
لا يخسر أبدا كذلك.
ثامنا: مساحة هذا الحوض: يقول المؤلف: " طوله شهر وعرضه شهر ": هذا إذًا يقتضي أن يكون مدورا؛ لأنه لا يكون بهذه المساحة من كل جانب؛ إلا إذا كان مدورًا، وهذه المسافة باعتبار ما هو معلوم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من سير الإبل المعتاد.
تاسعا: يصب في الحوض ميزابان من الكوثر الذي أعطاه الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم.
عاشرا: هل للأنبياء الآخرين أحواض؟
فالجواب: نعم؛ فإنه جاء في حديث رواه الترمذي - وإن كان فيه مقال: «إن لكل نبي حوضا» .
لكن هذا يؤيده المعنى، وهو أن الله عز وجل بحكمته وعدله كما جعل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم حوضا يرده المؤمنون من أمته؛ كذلك يجعل لكل نبي حوضا، حتى ينتفع المؤمنون بالأنبياء السابقين، ولكن الحوض الأعظم هو حوض النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الأمر التاسع مما يكون يوم القيامة: الصراط:
وقد ذكره المؤلف بقوله: " والصراط منصوب على متن جهنم، وهو الجسر الذي بين الجنة والنار ".
وقد اختلف العلماء في كيفيته:
يمر الناس عليه على قدر أعمالهم: فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم يمر كالبرق، ومنهم يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوا، ومنهم من يمشى مشيا، ومنهم من يزحف زحفا.
ــ
فمنهم من قال: طريق واسع يمر الناس على قدر أعمالهم؛ لأن كلمة الصراط مدلولها اللغوي هو هذا؛ ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بأنه دحض ومزلة، والدحض والمزلة لا يكونان إلا في طريق واسع، أما الضيق؛ فلا يكون دحضا ومزلة.
ومن العلماء من قال: بل هو صراط دقيق جدا؛ كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم بلاغا، أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف.
* على هذا يرد سؤال: وهو كيف يمكن العبور على طريق كهذا؟
والجواب: أن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا؛ فالله تعالى على كل شيء قدير، ولا ندري؛ كيف يعبرون؟ ! هل يجتمعون جميعا في هذا الطريق أو واحد بعد واحد؟
وهذه المسألة لا يكاد الإنسان يجزم بأحد القولين؛ لأن كليهما له وجهة قوية.
* وقوله: " منصوب على متن جهنم "؛ يعنى: على نفس النار.
قوله: " يمر الناس ": المراد بـ (الناس) هنا: المؤمنون؛ لأن الكفار
ومنهم من يخطف خطفا فيلقى في جهنم فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم
ــ
قد ذهب بهم إلى النار.
فيمر الناس عليه على قدر أعمالهم؛ منهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ولمح البصر أسرع من البرق، ومنهم من يمر كالريح؛ أي: الهواء، ولا شك أن الهواء سريع، لا سيما قبل أن يعرف الناس الطائرات، والهواء المعروف يصل أحيانا إلى مئة وأربعين ميلاً في الساعة، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم ممن يمر كركاب الإبل، وهي دون الفرس الجواد بكثير، ومنهم من يعدو عدوا؛ أي: يسرع، ومنهم من يمشي مشيا، ومنهم من يزحف زحفا؛ أي: يمشي على مقعدته، وكل منهم يريد العبور.
وهذا بغير اختيار الإنسان، ولو كان باختياره؛ لكان يحب أن يكون بسرعة، ولكن السير على حسب سرعته في قبول الشريعة في هذه الدنيا، فمن كان سريعا في قبول ما جاءت به الرسل؛ كان سريعا في عبور الصراط، ومن كان بطيئا في ذلك؛ كان بطيئا في عبور الصراط؛ جزاء وفقا، والجزاء من جنس العمل.
وقوله: " ومنهم من يخطف "؛ أي: يؤخذ بسرعة، وذلك بالكلاليب التي على الجسر؛ تخطف الناس بأعمالهم.
" فيلقى في جهنم ": يفهم منه أن النار يلقى فيها العصاة هي النار التي يلقى فيها الكفار، ولكنها لا تكون بالعذاب كعذاب الكفار، بل قال بعض العلماء: إنها تكون بردًا وسلاما عليهم كما كانت النار بردا وسلاما على إبراهيم، ولكن الظاهر خلاف ذلك، وأنها تكون حارة مؤلمة لكنها ليست كحرارتها بالنسبة للكافرين.
فمن مر على الصراط دخل الجنة
فإذا عبروا عليه وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض
ــ
ثم إن أعضاء السجود لا تمسها النار؛ كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام في " الصحيحين "، وهي الجبهة والأنف والكفان والركبتان وأطراف القدمين.
* قوله: " فمن مر على الصراط؛ دخل الجنة "؛ أي: لأنه نجا.
" القنطرة " هي الجسر، لكنها جسر صغير، والجسر في الأصل ممر على الماء من نهر ونحوه.
واختلف العلماء في هذه القنطرة؛ هل هي طرف الجسر الذي على متن جهنم أو هي جسر مستقل؟ !
والصواب في هذا أن نقول: الله أعلم، وليس يعنينا شأنها، لكن الذي يعنينا أن الناس يوقفون عليها.
قوله " فيقتص لبعضهم من بعض ": وهذا القصاص غير القصاص الأول الذي في عرصات القيامة؛ لأن هذا قصاص أخص؛ لأجل أن يذهب الغل والحقد والبغضاء التي في قلوب الناس، فيكون هذا بمنزلة التنقية والتطهير، وذلك لأن ما في القلوب لا يزول بمجرد القصاص.
فهذه القنطرة التي بين الجنة والنار؛ لأجل تنقية ما في القلوب، حتى يدخلوا الجنة وليس في قلوبهم غل، كما قال الله تعالى:{وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} [الحجر: 47] .
فإذا هُذبوا ونقُوا؛ أذن لهم في دخول الجنة
وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم
ــ
/ هكذا رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
إذا هذبوا مما في قلوبهم من العداوة والبغضاء ونقوا منها، فإنه يؤذن لهم في دخول الجنة؛ فإذا أذن لهم في الدخول؛ فلا يجدون الباب مفتوحا، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع إلى الله في أن يفتح لهم باب الجنة؛ كما سيأتي في أقسام الشفاعة إن شاء الله.
الأمر العاشر مما يكون يوم القيامة: دخول الجنة:
وأشار إليه المؤلف بقوله: " وأول من يستفتح باب الجنة محمد صلى الله عليه وسلم ".
ودليله ما ثبت في " صحيح مسلم " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أول شفيع في الجنة» ، وفي لفظ:«أنا أول من يقرع باب الجنة» ، وفي لفظ:«آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت لا أفتح لأحد من قبلك» .
وقوله صلى الله عليه وسلم: " فأستفتح "؛ أي: أطلب فتح الباب.
* وهذا من نعمة الله على محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن الشفاعة الأولى التي يشفعها في عرصات القيامة لإزالة الكروب والهموم والغموم، والشفاعة الثانية لنيل الأفراح والسرور؛ فيكون شافعا للخلق عليه الصلاة والسلام في دفع
وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته
ــ
ما يضرهم وجلب ما ينفعهم.
* ولا دخول إلى الجنة إلا بعد شفاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن ذلك ثبت في السنة كما سبق، وأشار إليه الله عز وجل بقوله:{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر:73] ؛ فإنه لم يقل: حتى إذا جاؤوها؛ فتحت! وفيه إشارة إلى أن هناك شيئا قبل الفتح، وهو الشفاعة، أما أهل النار؛ فقال فيهم:{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر: 71] ؛ لأنهم يأتونها مهيأة فتبغتهم؛ نعوذ بالله منها.
هذا حق ثابت؛ دليله ما ثبت في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة» ، وقال صلى الله عليه وسلم:«نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» .
وهذا يشمل كل مواقف القيامة، وانظر:" حادي الأرواح " لابن القيم.
* تتمة:
أبواب الجنة لم يذكرها المؤلف، لكنها معروفة أنها ثمانية؛ قال الله تعالى:{حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر:73] ؛ «وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن توضأ وأسبغ الوضوء وتشهد: " إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية؛ يدخل من أيها شاء ".»
وهذه الأبواب كانت ثمانية بحسب الأعمال؛ لأن كل باب له عمال؛
وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات
ــ
فأهل الصلاة ينادون من باب الصلاة، وأهل الصدقة، من باب الصدقة، وأهل الجهاد من باب الجهاد، وأهل الصيام من باب الريان.
وقد يوفق الله عز وجل بعض الناس لأعمال صالحة شاملة؛ فيدعى من جميع الأبواب؛ كما في " الصحيحين "عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله؛ نودي من أبواب الجنة: يا عبد الله! هذا خير. . .» وذكر الحديث، وفيه:«فقال أبو بكر رضي الله عنه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما على من دعي من تلك الأبواب من ضرورة؛ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: " نعم، وأرجو أن تكون منهم» .
* فإن قلت: إذا كانت الأبواب بحسب الأعمال؛ لزم أن يدعى كل أحد من كل تلك الأبواب إذا عمل بأعمالها؛ فما هو الجواب؟
فالجواب: أن يقال: يدعى من الباب المعين من كان يكثر من العمل المخصص له؛ مثلا: إذا كان هذا الرجل كثير الصلاة؛ فيدعى من باب الصلاة، كثير الصيام من باب الريان، وليس كل إنسان تحصل له الكثرة في كل عمل صالح؛ لأنك تجد في نفسك بعض الأعمال أكثر وأنشط من بعض، لكن قد يمن الله على بعض الناس، فيكون نشيطا قويًّا في جميع الأعمال؛ كما سبق في قصة أبي بكر رضي الله عنه.
الأمر الحادي عشر مما يكون يوم القيامة: الشفاعة:
وقد ذكرها المؤلف بقوله: " وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات ".
* " له ": الضمير يعود للنبي صلى الله عليه وسلم.
* والشفاعات: جمع شفاعة، والشفاعة في اللغة: جعل الشيء شفعا. وفي الاصطلاح: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة، ومناسبتها للاشتقاق ظاهرة؛ لأنك إذا توسطت له؛ صرت معه شفعا تشفعه.
* والشفاعة تنقسم إلى قسمين: شفاعة باطلة، وشفاعة صحيحة.
- فالشفاعة الباطلة: ما يتعلق به المشركون في أصنامهم؛ حيث يعبدونهم ويزعمون أنهم شفعاء لهم عند الله؛ كما قال تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18]، ويقولون:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] .
لكن هذه الشفاعة باطلة لا تنفع؛ كما قال تعالى: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] .
- والشفاعة الصحيحة ما جمعت شروطا ثلاثة:
الأول: رضي الله عن الشافع.
الثاني: رضاه عن المشفوع له، لكن الشفاعة العظمى في الموقف عامة لجميع الناس من رضي الله عنهم ومن لم يرض عنهم.
الثالث: إذنه في الشفاعة.
والإذن لا يكون إلا بعد الرضى عن الشافع والمشفوع له.
ودليل ذلك قوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم: 26]، ولم يقل: عن الشافع، ولا: المشفوع له؛ ليكون أشمل.
أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم بعد أن يتراجع الأنبياء: آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى ابن مريم عن الشفاعة
ــ
وقال تعالى: {يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا} [طه: 109] .
وقال سبحانه: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] .
فالآية الأولى تضمنت الشروط الثلاثة، والثانية: تضمنت شرطين، والثالثة تضمنت شرطا واحدا.
* فللنبي صلى الله عليه وسلم ثلاث شفاعات:
1 -
الشفاعة العظمى.
2 -
الشفاعة لأهل الجنة ليدخلوا الجنة.
3 -
الشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
قوله: " حتى يقضى بينهم ": (حتى) هذه تعليلية، وليست غائية؛ لأن شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم تنتهي قبل أن يقضى بين الناس؛ فإنه إذا شفع؛ نزل الله عز وجل للقضاء بين عباده وقضى بينهم.
ونظيرها قوله تعالى: {هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا} [المنافقون:7] ؛ فإن قوله: {حَتَّى يَنْفَضُّوا} : للتعليل؛ أي: من أجل أن ينفضوا، وليست للغاية؛ لأن المعنى يفسد ذلك.
أي: يردها كل واحد منهم إلى الآخر.
* والكذبات الثلاث التي ذكرها إبراهيم عليه السلام فسرت بما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات؛ اثنين منهن في ذات الله: قوله: {إِنِّي سَقِيمٌ} ، وقوله:{بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ، وذكر قوله عن امرأته سارة: إنها أختي.
وفي " صحيح مسلم " في حديث الشفاعة السابق أن الثالثة قوله في الكوكب {هَذَا رَبِّي} ، ولم يذكر قصة سارة.
لكن قال ابن حجر في " الفتح ": " الذي يظهر أنها وهم من بعض الرواة "، وعلل لذلك.
وإنما سمى إبراهيم عليه السلام هذه كذبات؛ تواضعا منه؛ لأنها بحسب مراده صدق مطابق للواقع؛ فهي من باب التورية، والله أعلم.
حتى تنتهي إليه
ــ
أي: إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وسبق في الحديث ما يكون بعد ذلك.
وهذه الشفاعة العظمى لا تكون لأحد أبدًا إلا للرسول عليه الصلاة والسلام، وهي أعظم الشفاعات؛ لأن فيها إراحة الناس من هذا الموقف العظيم والكرب والغم.
وهؤلاء الرسل الذين ذكروا في حديث الشفاعة كلهم من أولي العزم، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن: في سورة الأحزاب، وفي سورة الشورى.
أما في سورة الأحزاب؛ ففي قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب:7] .
وأما في سورة الشورى؛ فقوله تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى:13] .
تنبيه:
قوله: " الأنبياء؛ آدم ونوح. . . " إلى آخره: جزم المؤلف رحمه الله بأن آدم نبي، وهو كذلك؛ لأن الله تعالى أوحى إليه بشرع أمره ونهاه.
وروى ابن حبان في " صحيحه ": «أن أبا ذر سأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هل كان آدم نبيا؟ قال: " نعم» .
فيكون آدم أول الأنبياء الموحى إليهم، وأما أول الرسل؛ فنوح؛ كما
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة
ــ
هو صريح في حديث الشفاعة وظاهر القرآن في قوله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]، وقوله:{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد:26] .
وذلك أن أهل الجنة إذا عبروا الصراط؛ وقفوا على قنطرة، فيقتص لبعضهم من بعض، وهذا القصاص غير القصاص الذي كان في عرصات القيامة، بل هو قصاص أخص، يطهر الله فيه القلوب، ويزيل ما فيها من أحقاد وضغائن؛ فإذا هذبوا ونقوا؛ أذن لهم في دخول الجنة.
ولكنهم إذا أتوا إلى الجنة؛ لا يجدونها مفتوحة كما يجد ذلك أهل النار؛ فلا تفتح الأبواب، حتى يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الجنة أن يدخلوها، فيدخل كل إنسان من باب العمل الذي يكون أكثر اجتهادا فيه من غيره، وإلا؛ فإن المسلم قد يدعى من كل الأبواب.
* وهذه الشفاعة يشير إليها القرآن؛ لأن الله قال في أهل الجنة: {حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [الزمر:73] ، وهذا يدل أن هناك شيئا بين وصولهم إليها وبين فتح الأبواب.
وهو صريح فيما رواه مسلم «عن حذيفة وأبي هريرة رضي الله عنهما، قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يجمع الله تبارك وتعالى الناس، فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا! استفتح لنا الجنة. . .» وذكر الحديث، وفيه:«فيأتون محمدا، فيقوم فيؤذن له.» . . " الحديث.
وهاتان الشفاعتان خاصتان له
ــ
يعني: الشفاعة في أهل الموقف أن يقضى بينهم، والشفاعة في دخول الجنة.
أي: للنبي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولذلك يعتذر عنهما آدم وأولو العزم من الرسل.
* وهناك أيضا شفاعة ثالثة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا تكون لغيره، وهي الشفاعة في عمه أبي طالب، وأبو طالب -كما في " الصحيحين "وغيرهما- مات على الكفر. فأعمام الرسول عليه الصلاة والسلام عشرة، أدرك الإسلام منهم أربعة؛ فبقي اثنان على الكفر وأسلم اثنان:
- فالكافران هما:
أبو لهب: وقد أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم إساءة عظيمة، وأنزل الله تعالى فيه وفي امرأته حمالة الحطب سورة كاملة في ذمهما ووعيدهما.
والثاني: أبو طالب، وقد أحسن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام إحسانا كبيرا مشهورا، وكان من حكمة الله عز وجل أن بقي على كفره؛ لأنه لولا كفره؛ ما حصل هذا الدفاع عن الرسول عليه الصلاة، بل كان يؤذي كما يؤذى الرسول عليه الصلاة والسلام، لكن بجاهه العظيم عند قريش وبقائه على دينهم صاروا يعظمونه وصار للنبي عليه الصلاة والسلام جانب من الحماية بذلك.
-واللذان أسلما هما العباس وحمزة، وهو أفضل من العباس، حتى
وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها
ــ
لقبه الرسول عليه الصلاة والسلام أسد الله، وقتل شهيدا في أحد رضي الله عنه وأرضاه، وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيد الشهداء.
فأبو طالب أذن الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشفع فيه، مع أنه كافر، فيكون هذا مخصوصا من قوله تعالى:{فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] ، ولكنها شفاعة لم تخرجه من النار، بل كان في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه؛ قال الرسول عليه الصلاة والسلام:«ولولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل من النار» ، وليس هذا من أجل شخصية أبي طالب، لكن من أجل ما حصل من دفاعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه.
قوله: " وأما الشفاعة الثالثة؛ فيشفع؛ فيمن استحق النار "؛ أي: من عصاة المؤمنين.
وهذه لها صورتان: يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وفيمن دخلها أن يخرج منها.
أما فيمن دخلها أن يخرج منها؛ فالأحاديث في هذا كثيرة جدا، بل متواترة.
وأما فيمن استحقها أن لا يدخلها؛ فهذه قد تستفاد من دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم للمؤمنين بالمغفرة والرحمة على جنائزهم؛ فإنه من لازم ذلك أن لا يدخل النار؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «اللهم اغفر لأبي سلمة،»
ويخرج الله من النار أقواما بغير شفاعة، بل بفضله ورحمته
ــ
«وارفع درجته في المهديين» . " الحديث.
* لكن هذه شفاعة في الدنيا؛ كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا؛ إلا شفعهم الله فيه» .
* وهذه الشفاعة ينكرها من أهل البدع طائفتان؛ المعتزلة والخوارج؛ لأن المعتزلة والخوارج مذهبهما في فاعل الكبيرة أنه مخلد في نار جهنم، فيرون من زنى كمن أشرك بالله؛ لا تنفعه الشفاعة، ولن يأذن الله لأحد بالشفاعة له.
وقولهم مردود بما تواترت به الأحاديث في ذلك.
* قوله: " وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم "؛ فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، يعني: أنها ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل تكون للنبيين؛ حيث يشفعون في عصاة قومهم، وللصديقين يشفعون في عصاة أقاربهم وغيرهم من المؤمنين، وكذلك تكون لغيرهم من الصالحين، حتى يشفع الرجل في أهله وفي جيرانه وفيما أشبه ذلك.
يعني: أن الله تعالى يخرج من عصاة المؤمنين من شاء بغير شفاعة، وهذا من نعمته؛ فإن رحمته سبقت غضبه، فيشفع الأنبياء والصالحون والملائكة وغيرهم، حتى لا يبقى إلا رحمة أرحم الراحمين،
ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقواما فيدخلهم الجنة.
ــ
فيخرج من النار من يخرج بدون شفاعة، حتى لا يبقى في النار إلا أهلها الذين هم أصحاب النار، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم:«أن الله تعالى يقول؛ شفعت الملائكة، وشفع النبيون؛ وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوما لم يعملوا خيرا قط؛ قد عادوا حمما. . . .» الحديث.
الأمر الثاني عشر مما يكون يوم القيامة:
وهو ما ذكره المؤلف بقوله: " ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا ".
* الجنة عرضها السماوات والأرض، وهذه الجنة التي عرضها السماوات والأرض يدخلها أهلها، ولكن لا تمتلئ.
وقد تكفل الله عز وجل للجنة وللنار لكل واحدة ملؤها:
" فالنار لا تزال يلقى فيها وهى تقول: هل من مزيد؟ فلا تمتلئ، فيضع الله عز وجل عليها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط ".
وأما الجنة؛ فينشئ لها أقواما، فيدخلون الجنة بفضل الله ورحمته:
ثبت ذلك في " الصحيحين "من حديث أنس بن مالك رضي الله
وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والثواب والعقاب والجنة
ــ
عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهذا مقتضى قوله تعالى:{كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} [الأنعام:54]، وقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه سبحانه وتعالى:«إن رحمتي سبقت غضبي» .
ولهذا قال المؤلف: " فينشئ الله لها أقواما، فيدخلهم الجنة ".
الأصناف: الأنواع.
سبق معنى الحساب.
الثواب: جزاء الحسنات؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة.
العقاب: جزاء السيئات، ومن جاء بالسيئة؛ فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون.
الجنة: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] ؛ أي: لا تعلم حقيقته وكنهه.
والجنة موجودة الآن؛ لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} ، والأحاديث في هذا المعنى متواترة.
والنار وتفاصيل ذلك مذكور في الكتب المنزلة من السماء
والآثار من العلم المأثور عن الأنبياء
ــ
ولا تزال باقية أبد الآبدين؛ لقوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود: 108]، وقوله:{خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} ؛ في آيات متعددة.
النار: هي الدار التي أعدها الله تعالى لأعدائه، وفيها من أنواع العذاب والعقاب ما لا يطاق.
وهي موجودة الآن؛ لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران:131] ، والأحاديث في هذا المعنى مستفيضة مشهورة.
وأهلها خالدون فيها أبدا؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} [الأحزاب: 64 - 65] .
وقد ذكر الله خلودهم أبدا في ثلاث آيات من القرآن؛ هذه أحدها، والثانية في آخر سورة النساء، والثالثة في سورة الجن، وهي ظاهرة في أن النار لا تزال باقية أبد الآبدين.
يعني: مثل التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وموسى وغيرها من الكتب المنزلة؛ فقد ذكر فيها ذلك مبينًا مفصلا لحاجة الناس، بل ضرورتهم إلى بيانه وتفصيله؛ إذ لا يمكنهم الاستقامة إلا بالإيمان باليوم الآخر الذي يجازي فيه كل عامل بما عمل من خير وشر.
اعلم أن العلم المأثور عن الأنبياء قسمان:
القسم الأول: قسم ثبت بالوحي، وهو ما ذكر في القرآن والسنة الصحيحة، وهذا لا شك في قبوله واعتقاد مدلوله.
وفي العلم الموروث عن محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ما يشفي ويكفي
ــ
القسم الثاني: قسم أتى عن طريق النقل غير الوحي، وهذا هو الذي دخل فيه الكذب والتحريف والتبديل والتغيير.
ولهذا لا بد أن يكون الإنسان حذرا مما ينقل بهذه الطريقة عن الأنبياء السابقين، حتى قال الرسول عليه الصلاة والسلام:«إذا حدثكم أهل الكتاب؛ فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم، قولوا: آمنا بما أنزل إلينا وما أنزل إليكم» ؛ لأنك إن صدقت؛ قد تصدق بباطل، وإن كذبته؛ قد تكذب بحق؛ فلا تصدق ولا تكذب؛ قل: إن كان هذا من عند الله؛ فقد آمنت به.
وقد قسم العلماء ما أثر عمن سبق ثلاثة أقسام:
الأول: ما شهد شرعنا بصدقه.
الثاني: ما شهد شرعنا بكذبه.
والحكم في هذين واضح.
الثالث: ما لم يحكم بصدقه ولا كذبه.
فهذا مما يجب فيه التوقف؛ لا يصدق ولا يكذب.
العلم الموروث عن محمد صلوات الله وسلامه عليه سواء في كتاب الله أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه من ذلك ما يشفي ويكفي.
فلا حاجة إلى أن نبحث عن مواعظ ترقق القلوب من غير الكتاب والسنة، بل نحن في غنى عن هذا كله؛ ففي العلم الموروث عن محمد
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشفي ويكفي في كل أبواب العلم والإيمان.
ثم المنسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الوعظ والفضائل ترغيبا أو ترهيبا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
صحيح مقبول، وضعيف، وموضوع؛ فليس كله صحيحا مقبولا، ونحن في غنى عن الضعيف والموضوع.
فالموضوع اتفق العلماء رحمهم الله على أنه لا يجوز ذكره ونشره بين الناس؛ لا في باب الفضائل والترغيب والترهيب، ولا في غيره؛ إلا من ذكره ليبين حاله.
والضعيف اختلف فيه العلماء، والذين قالوا بجواز نشره ونقله اشترطوا ثلاثة شروط:
الشرط الأول: أن لا يكون الضعف شديدا.
الشرط الثاني: أن يكون أصل العمل الذي رتب عليه الثواب أو العقاب ثابتا بدليل صحيح.
الشرط الثالث: أن لا يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، بل يكون مترددا غير جازم، لكنه راج في باب الترغيب، خائف في باب الترهيب.
أما صيغة عرضه؛ فلا يقول: قال رسول الله عليه وسلم، بل يقول: روي عن رسول الله، أو ذكر عنه. . . وما أشبه ذلك.
فإن كنت في عوام لا يفرقون بين ذكر وقيل وقال؛ فلا تأت به أبدا؛ لأن العامي يعتقد أن الرسول عليه الصلاة والسلام قاله؛ فما قيل في المحراب؛ فهو عنده الصواب!
فمن ابتغاه وجده.
ــ
تنبيه:
هذا الباب -أي: باب اليوم الآخر وأشراط الساعة- ذكرت فيه أحاديث كثيرة فيها ضعف وفيها وضع، وأكثر ما تكون هذه في كتب الرقائق والمواعظ؛ فلذلك يجب التحرز منها، وأن تحذر العامة الذين يقع في أيديهم مثل هذه الكتب.
قوله: " فمن ابتغاه "؛ أي: طلبه: " وجده ".
وهذا صحيح؛ فالقرآن بين أيدينا، وكتب الأحاديث بين أيدينا، لكنها تحتاج إلى تنقيح وبيان الصحيح منها والضعيف، حتى يبني الناس ما يعتقدونه في هذا الباب على أساس سليم.