المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل التاسعالحالة الاقتصادية - محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث

[أبو القاسم سعد الله]

الفصل: ‌الفصل التاسعالحالة الاقتصادية

‌الفصل التاسع

الحالة الاقتصادية

ليس هناك اتفاق بين المؤرخين عن عدد سكان الجزائر قبل الاحتلال. فالقنصل الأمريكي وليام شيلر الذي كتب قبل حوالي أربع سنوات من الاحتلال قدر سكان مدينة الجزائر بخمسين ألف نسمة، بينما قدرهم كاتب آخر بمائة ألف، من بينهم خمسة آلاف يهودي. وزعم بيلبيسي دي رينو، الذي كان يكتب خلال السنوات الأولى للاحتلال، أن سكان الجزائر كلها كانوا حوالي 250 ألف نسمة. أما حمدان خوجة الجزائري المعاصر للاحتلال فقد قال أن عدد السكان في الجزائر كلها قد بلغ عشرة ملايين (1). أما اللجنة الأفريقية الفرنسية التي زارت الجزائر بعد ثلاث سنوات من الاحتلال فقد قدرت عدد السكان قبل الفرنسيين بنحو 35 إلى 40 ألف نسمة في مدينة الجزائر وحدها. واعترفت اللجنة بأن الاحتلال قد تسبب في هجرة كثير من الأسر الجزائرية مما جعل السكان ينخفضون في مدية الجزائر إلى 25 ألف نسمة فقط، رغم وصول 4،000 أوربي (2) ويبدو أن الحقيقة توجد وسط هذه الأرقام.

كانت الجزائر تتمتع بإمكانيات اقتصادية ضخمة قبل الاحتلال. فقد كانت أرضها خصبة، ولا سيما في الشمال، تدر أنواعا مختلفة من الحبوب والخضر والفواكه. ويوجد فيها، كما لاحظ الرحالة والزائرون غ مناجم الحديد والرصاص والملح، وغابات كثيرة كانت تفيض عن الحاجات المحلية

(1) حمدان خوجة، المرآة: ص 1.

(2)

راجع اللجنة الأفريقية (تقارير) ج 1 ص 410.

ص: 149

لبناء السفن والتسخين وبناء المنازل. بالإضافة إلى الموانىء الكثيرة الواسعة التي كانت تستقبل وترسل السلع والبضائع من وإلى أوربا والشرق. وإلى جانب ذلك كانت هناك طرق القوافل التي تربط الجزائر الشمالية بالسودان القديم عبر الصحراء، فكانت البضائع الجزائرية تصل باستمرار إلى أفريقية وتعود القوافل محملة بالإنتاج السوداني الذي يستهلك أغلبه محليا ويصدر فائضه إلى الخارج. كانت التجارة الخارجية إذن مزدهرة. وكان التعامل مع أوربا يتضمن تصدير الحبوب الذي غالبا ما كانت تتولاه بعض الدول التي تتمتع بامتيازات معينة. وكانت الجزائر تصدر إلى جانب ذلك الأخشاب، والحوامض والريش، والعسل والحديد، والصوف، والجلود، والشمع، وكانت تستورد الأقمشة والجواهر والسكر والأسلحة.

ولكن الحياة الاقتصادية للريف الجزائري في العهد العثماني لم تكن مثالية. فقد كان السكان يعانون من المجاعات والأمراض وقلة المساعدات.

وكان الجفاف كثيرا ما يتسبب في نكبات لا تحصى. وكثيرا ما كانت النكبات الطبيعية تنزل بسكان الريف فلا يستطيعون لها ردا ولامواجهة، كما لا تستطيع السدود القليلة الضعيفة التي أقامها الريفيون أن تخفف من هوة النكبات التي تحل بهم. فكانت أغنامهم ومنازلهم وحرثهم عرضة لغضب الطبيعة. وكانت مظاهر ووسائل الزراعة تتمثل في المحراث البسيط، والمنجيل للحصاد، وفرشاة لجمع بقايا الزرع، كما كانت هناك مخابىء تحت الأرض للاحتفاظ بالحبوب من فصل إلى آخر. أما الإنتاج فقد كان يتم سنة بعد أخرى لقلة الوسائل وانعدام السماد. وكانت كل قبيلة تتولى الحراثة والحصاد جماعيا وتتوقف حياتها واستقرارها على وفرة الأرض المزروعة.

كانت السهول التلية هي الأرض الخصبة الصالحة للزراعة والإنتاج الزراعي. ولكن سهل وهران على اتساعه وخصوبته وصحة هوائه لم يكن

ص: 150

مستغلا بطريقة حكيمة (1). ويرجع ذلك إلى الحروب التي كان مسرحا لها. ففي بداية القرن الثامن عشر، بعد هزيمة الأسبان، حلت قبائل الدوائر والزمالة التي كانت متحالفة مع الحكم العثماني (باي معسكر) محل القبائل التي كانت تتعامل مع الأسبان، مثل بني عامر وفليته، في سهل وهران. وعندما انهزم الأسبان نهائيا وعادت وهران إلى الحكم العثماني عام 1791 أصبحت قبائل الدوائر والزمالة (المخزن) متسلطة على بقية القبائل في منطقة وهران واشتغلت بذلك عن حراثة الأرض والعناية بها. ورغم جودة الأرض في سهل وهران فإن هذا السهل كان مغطى بالأعشاب الطفيلية والأشجار غير المثمرة. وكانت الدولة تملك منه حوالي 78%.

وهكذا عاشت قبائل الدوائر والزمالة على سهل وهران. وقد كانوا شبه (نوماد) أو بدو متنقلين. فلم ينتجوا إلا قليلا من القمح والشعير وبعض الغنم والبقر. وكان معاشهم يتكون من الكسرة والحليب والجبن والزبدة، ولكن الأرض لم تكن تكفيهم ما داموا لم يعتنوا بها لذلك كانوا يعتمدون في معاشهم على الغنائم التي ينالونها بعد الحروب مع القبائل المجاورة أو التي يتلقونها من السلطة العثمانية مقابل تحالفهم معها.

ولم يكن سهل وهران هو الوحيد، بل كانت هناك سهول اغريس ومستغانم وتلمسان ومعسكر. فكان سهل تلمسان ينتج القمح والزيت بوفرة. وكانت المناطق الساحلية من الحدود المغربية إلى رأس فلكون تنتح الشمع. وكان سهل اغريس المصدر الرئيسي للحبوب في كامل الغرب الجزائري. أما سهل مستغانم فقد كان ينتح القطن والأرز. وكانت الحدائق الجميلة تحوط بالمنازل الساحلية التي كان يملكها الأغنياء من العرب أو التي كان يحتكرها

(1) تذكر بعض المصادر الجزائرية أن سهل وهران كان يمتاز بالخصوبة وأنه بالمقارنة إلى سهل متيجة كان أصح وأنفى. انظر جواب أحمد بوضربة أمام اللجنة الأفريقية. اللجنة الأفريقية (محاضر) ج 1 ص 39 - 42.

ص: 151

العثمانيون. وهكذا تجد الغرب الجزائري يمتاز بوفرة الإنتاج المتنوع رغم كثرة الحروب وتخلف الوسائل.

ويأتي بعد ذلك سهل متيجة الواسع الذي يحيط بالعاصمة والذي يمتد بين البحر وسلسلة جبال الأطلسي. وقد اشتهر بإنتاج البرتقال والعنب وكان إنتاجه يسد حاجات العاصمة، وقليلا من إنتاجه فقط كان يصدر إلى الخارج.

وكان سهل متيجة يحتوي على عدة مزارع كبيرة للدولة وأخرى للخاصة.

وتذكر بعض المصادر أنه كان للدولة حوالي 13 مزرعة في متيجة يحتوي كل منها على 60 أو 80 زوجا من البقر، وهي التي كانت توفر الحليب والزبدة والجبن إلى العاصمة. وكان هناك عمال زراعيون يأخذون خمس المحصول. ويذكر نفس المصدر أن سهل متيجةكان غير صحي لوجود المستنقعات (1).

وإذا كانت هضاب قسنطينة قليلة الإنتاج فان سهل عنابة وبلاد النمامشة كانت غنية بالثروات الزراعية وكثيرة الإنتاج، وكانت هذه المنطقة قادرة على تصدير الحبوب والأصواف إلى الخارج. ولكن الحصاد كان غير منتظم، فكان يختلف من سنة إلى أخرى تبعا للأمطار، ولذلك فإن سنوات الرخاء كثيرا ما قابلتها سنوات المجاعة والجفاف، ولم يكن الأهالي يسيطرون على مخازن الحبوب العامة ولا على طواحين المياه التي توجد في ضواحي المدن، ولكن الذي كان يتولى ذلك هم الاعثمانيون.

أما الثروة الحيوانية فقد كانت متوفرة ولكنها كانت تواجه بعض المشاكل أيضا. ونلاحظ أنها كانت منتشرة في كامل البلاد. أغلبها كان في الهضاب العليا. ولكن كثرة الجفاف والمعرفة القليلة بالعناية بالحيوانات أدت إلى الإضرار بها، بل واختفائها أحيانا. وكانت البقر تشكل المصدر

(1) يذكر ذلك أحمد بوضربة في جوابه أمام اللجنة الأفريقية. نفس المصدر. ويتفق حمدان خوجة مع بوضربة في وصف متيجة بعدم الصحية، انظر (المرآة) ص 48 - 57.

ص: 152

الرئيس لرأس مال الأهالي لأنهم لا يستهلكون في الغالب إلا الأغنام.

ولكن الأوبئة كثيرا ما أضرت بالماشية فحرمت السكان من رأس مالهم الهام. وبالإضافة إلى الجفاف والأمراض التي كانت بالحيوانات كانت هناك الحروب القبلية والثورات ضد الحكم العثماني التي كثيرا ما تسببت في ضياع قطعان الماشية.

وبالإضافة إلى الحبوب والماشية كان هناك إنتاج الخيول. وقد حافظت الجزائر على سلالة نقية من الخيول الجيدة. وكانت بعض المناطق قد امتازت بتأصيل الخيول مثل قبائل اليعقوبية وبني أنجاد وسكان جنوب وهران وسهول وادي الشلف. ولكن معظم الخيول الجيدة كانت تأتي من جنوب وهران وجنوب قسنطينة. وقد أدت الاضطرابات الداخلية إلى وقف التعامل بين سكان الجنوب وسكان التلال مما أضر بإنتاج الخيول، وبالتالي الحالة الاقتصادية عامة. والإبل التي كانت متوفرة في الجنوب، كانت تنتج الوبر الذي منه تصنع الخيام وبعض الملابس المحلية كابرنس و (القشبية).

أما الصناعة فقد شهدت بعض التقدم أيضا، حقا إنه لم يكن هناك مناجم بالمعنى الحديث، ولكننا نجد صناعات الحديد وبعض مستخرجات رائجة.

كما نجد صناعة الملح في منطقة أرزيو. وتميز سكان منطقة جرجرة بالصناعة.

فكانوا يستخدمون الطواحين لصناعة الزيت ويرسلون به إلى مدينة الجزائر عن طريق ميناء بجاية أو عن طريق البر. وكان بنو عباس وبنو يني وفليسة يصنعون البنادق والمكاحل والسيوف والمدافع أيضا. ويذكر حمدان خوجة الذي زارهم أنهم كانوا يصنعون أيضا النقود المزوة ولهم قدرة عجيبة على نقش العملة وتقليد النقود الجزائرية والأسبانية. وكانوا يصنعون مواد البلاتين ويعرفون طرق استخراج الحديد من الأرض ولهم مناجم من الرصاص والقصدير (1). وكان بعضهم يصنعون الأشياء الخشبية

(1) المرآة ص 21 - 22.

ص: 153

والأساور وآخرون يصنعون الأقمشة القطنية، وكان بعضهم يجلبون الحديد وآخرون يصهرونه. وهناك من يصنع أحجار الطواحين ومن يجلب الملح من الجبال ومن يصنع البارود. واشتهر بالصناعة بنو سليمان، وبنو موهالي وبنو منقلات، الخ.

ولكن منطقة جرجرة كانت فقيرة بالقياس إلى بعض المناطق الأخرى التي تمتاز بخصوبة الأرض. وكانت الحروب الداخلية والفتن تؤدي بالسكان إلى الهجرة نحو مناطق أخرى ريفية أو إلى المدن. فكان أهل جرجرة يعملون أجراء في مزارع متيجة أو حمالين في الموانىء، أو دباغين أو بنائين، أو تجارا في البقر، أو محاربين في الجيش العثماني ثم الفرنسي باسم (الزواف)(الزواويون). وكانت السلطات العثمانية تمنحهم رخصا خاصة للخروج من منطقتهم إلى مناطق أخرى، فاذا أحدثوا اضطرابا فانها تسحب منهم هذه الرخص كعقاب لهم. لذلك كانوا حريصين على إبقاء الأمن.

أما سكان الأطلس الصحراوي فقد كانوا يصنعون البرانس والزرابى والحصر التي كانت تأتي بدخل طيب لهم وللدولة. وكانت منسوجات منطقة شلالة مطلوبة لشهرتها وجودتها. وكانت بعض القبائل لا تصنع إلا ما يكفيها وتبيعه في الأسواق المحلية. وكانت الأسواق تقام في العادة أسبوعيا ويأتي إليها الناس للبيع والشراء. وأهم ما يباع فيها العسل والزبدة والصوف والحيوانات والحبوب والخيام. وكانت منسوجات المدن عادة أجود من مصنوعات البادية.

وأهم المدن الصناعية هي العاصمة وتلمسان ومستغانم وقسنطينة. فكانت تلمسان مركزا هاما لصناعة الصوف كالأغطية والزرابي والمحازم الحمراء، وكانت مستغاتم تصنع الزرابي، أما العاصمة فقد كانت تمتاز ببعض الحرف

ص: 154

ولا سيما المصنوعات التقليدية كالأساور المصنوعة من قرون الغنم. وكثيرا ما تأتي المواد الأولية لمنتجات العاصمة من مناطق أخرى كمنطقة عنابة.

وكانت مصنوعات العاصة تباع في منطقة التيطري ومنطقة متيجة. أما قسنطينة فقدكان إنتاجها شبيها بإنتاج العاصمة (1).

ومع ذلك فإن مصنوعات الجزائر لم تكن تستطيع منافسة المصنوعات الأوربية ولا حتى المغربية والتونسية والذين يتولون الصناعة التقليدية في المدن الجزائرية كانوا عادة من الحضر النازحين من الأندلس. أما اليهود فقد كانوا محتكرين لصناعة الأحجار الكريمة. وكانت تونس تمول السوق الجزائرية بالشاشية وبعض المنتوجات الأخرى (2). أما المغرب فقد كانت تمول السوق المحلى بالأحذية والأقمشة الحريرية والمصنوعات الجلدية. وقد كان هناك تجار مغاربة في الغرب الجزائري كما كان هناك تجار تونسيون في الشرق. ومن ناحية أخرى كان هناك تجار جزائريون في كل من تونس والمغرب.

أما بالنسبة للتجار فنلاحظ أن معظم التجارة الخارجية كانت في أيدي أجنبية. ففي إقليم قسنطينة كانت بعض الشركات الفرنسية تتمتع بامتياز تصدير الحبوب والصوف والجلود والشمع. وكانت مرسيليا هي أهم مدينة تستقبل المنتوجات الجزائرية. كما كانت بعض الشركات الفرنسية تتمتع برخص صيد المرجان في ساحل إقليم قسنطينة. وكانت هذه الشركات بدورها تبيع الرخص إلى الصيادين الطليان والأسبان. ولكن الامتيازات الفرنسية قد مرت ببعض العقبات، فكان يزاحمها التجار اليهود: بكري وبوشناق اللذان حصلا أثناء توتر العلاقات بين فرنسا والجزائر، على احتكار تصدير الحبوب.

(1) تذكر بعض المصادر أن الجزائريين كانوا يصنعون أيضا الصابون، والشموع، والجلود - والتبغ. انظر اللجنة الأفريقية (محاضر)، ج 1 ص 386.

(2)

نعرف من رحلة ابن حمادوش الجزائري أن الشاشية كانت شائعة في الجزائر. وقد حمل منها هو إلى المغرب. انظر دراستي (ابن حمادوش

ورحلته

) في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، أبريل 1975.

ص: 155

كانت الجزائر تصدر الصوف والقمح والطيور والأبقار. وكانت تستورد البضائع الكمالية من فرنسا، والمصنوعات الحديدية من إيطاليا، والفخار الملون (النرليج) من تونس وإيطاليا وهولندا، والمواد البحرية من البلاد الاسكندينافية، والرصاص والأقمشة الصوفية من أسبانيا.

ومنذ أواخر القرن الثامن عشر أصبحت دار بكري وبوشناق تسيطر على التجارة الخارجية الجزائرية ولا سيما في مينائي وهران والجزائر ، فكانت هذه الدار تتمتع بثقة الحكام العثمانيين وتشرف على ثلثي التجارة الخارجية.

وكان هؤلاء اليهود يتبعون نظاما محكما في الدفع عن طريق التعويض. وتذكر المصادر الفرنسية أن دار بكري وبوشناق قد صدرت سنة 1793 وحدها، أكثر من مائة باخرة قمح من ميناء وهران فقط إلى فرنسا.

غير أنه كان لاستيلاء اليهود والفرنسيين على التجارة الخارجية ومحاولة المسيحيين السيطرة على البحر عواقب وخيمة على الجزائر. ذلك أن القرصنة التي قام بها الطرفان كانت تنتهي بأسر المواطنين من الجانبين. وكان على الجزائر، كما كان على المسيحيين، أن تدفع أمولا طائلة لفدية أسراها.

وقد كان الوسطاء، سواء كانوا مسيحيين أو يهودا، يحصلون على 40 % من المبلغ المعين لفدية الأسرى (1). وكان الفلاح الجزائري هو الضحية، لأن الباشا يشتري إنتاجه بأرخص الأثمان، ويبيعه بثمن مربح لليهود الذين يبيعونه بثمن عال في مرسيليا، فتكون النتيجة ثراء الباشا واليهود على حساب الفلاح. وعلى أية حال فقد كان دفع الجزية السنوية من الدول الكبرى للجزآئر يشكل مصدرا هاما من مصادر الاقتصاد والدخل المحلي (2)

(1) يذكر بعض المؤرخين أن الجزائريين قد التجأوا إلى القرصنة بالضرورة لا بالمهنة: ففرضوا على الدول المسيحية أن تشتري أمنها بدفع جزية سنية إلى الجزائر.

(2)

كانت السفن الفرنسية تعامل في الجزائر كما تعامل السفن الجزائرية في فرنسا. أما أسبانيا فقد كانت تعتبر كل ضباط السفن الجزارية مرتدين. أنظر أيضا حول هذا الموضوع العربي الزبيري (التجارة الخارجية للشرق الجزائري)، الجزائر 1974، وكذلك أطروحة ناصر الدين سعيدوني (الجهاز المالي للإيالة الجزائرية)، كلية الآداب، جامعة الجزائر، 1974. وكلا العملين من إشرافي بالكلية المذكورة.

ص: 156

أما التجارة الداخلية فقد كانت في أيدي الجزائريين إلى بداية القرن التاسع عشر. ولكن في هذا التاريخ استولى اليهود، بإذن من الباشا، على التجارة الداخلية أيضا. فقد استغلوا حروب الثورة الفرنسية، وحاجة أوربا إلى القمح وعملوا على تحويل التجارة إلى أرباحهم الخاصة. وقد كان عملاء اليهود يذرعون البلاد من شرقها إلى غربها ومن جنوبها إلى شمالها سائلين القوافل عما تحمل وعما يريد أصحابها أن يشتروا، ثم يشترون منها البضاعة ويصدرونها للخارج على سفن تحمل أعلاما مختلفة. وتذكر الوقائع التاريخية أن اليهود قد صدروا من مرسى وهران 75،000 قنطار من القمح و 60،000 قنطار من الشعير وأنهم باعوا مثلها إلى عربان الصحراء.

ومن الطبيعي أن الروح التجارية قد تغلبت على هؤلام المصدرين فكانوا لا يهتمون بحاجة البلاد، فحتى في وقت المجاعات كانت الفائدة هي رائدهم.

وكانت الأسعار تختلف من المدينة إلى الريف. فالأسواق في المدن كانت مراقبةكما كانت الأسعار: لذلك لم يكن الاستغلال كبيرا. أما في الريف فالمراقبة ضعيفة ولذلك غرق الفلاحون في الشقاء وكانوا هدفا للاستغلال، كما أن إنتاجهم الضعيف كان يستهلك في الضرائب. وبينما لا تدفع قبيلة المخزن المتحالفة مع السلطة الحاكمة سوى 10% نجد قبيلة الرعية تدفع عدة أنواع من الضرائب. (العشور، الزكاة، الحكور، وهو نوع من الغرامة الثقيلة التي تصل أحيانا إلى 28 رأسا من الغنم). وقد أدت حالة النزاعات القبلية، وثورات الرعية على السلطة، وكثرة السكان في بعض القبائل إلى حالة من الفقر التي كانت الجزائر تعاني منها أثناء الحكم العثماني. ولكنه فقر يعود إلى طبيعة الحكم وليس إلى موارد البلاد.

ولكن حالة الفلاح لم تتحسن بعد سيطرة الفرنسيين. بالعكس فقد جرد من الأرض، ومنعته الحروب التي شنها ضد المستعمرين من الاستقرار

ص: 157

وسيطر الفرنسيون على التجارة الداخلية والخارجية. وهكذا لم يكن حال الفلاح تحت الحكم الفرنسي بأحسن منه نحت الحكم العثماني. وإذا كانت الجزائر العثمانية قد وجدت طبقة من الجزائريين الحضر الذين كانوا يشتغلون بالتجارة ولهم بعض رؤوس الأموال فإن هذه الطبقة قد اختفت أثناء الحكم الفرنسي. وقد أصبح المسيطرون على رأس المال المحلي هم المستوطنون (الكولون)(1).

(1) أهم مراجع هذا البحث محاضر وتقارير اللجنة الأفريقية (باريس 1834) التي تحتوي على تفاصيل هامة عن الوضع الاقتصادي عشية وعند الاحتلال. ثم مقال مارسيل إيميري (الوضع الاقتصادي للجزائر سنة 1830) المنشور في Information Historique (المعلومات التاريخية)(نوفمبر - ديسمبر عام 1952) ص 169 - 172، وهناك أيضا بعض الفصول في كتاب (المرآة) لحمدان خوجة (باريس، عام 1833)، وكتاب بيير بوايتى (الحياة اليومية في مدينة الجزائر) باريس 1963، بالإضافة إلى عملي الزبيري وسعيدوني المذكورين قبل قليل.

ص: 158