المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الخامسمرابطون وثوار - محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث

[أبو القاسم سعد الله]

الفصل: ‌الفصل الخامسمرابطون وثوار

‌الفصل الخامس

مرابطون وثوار

بعد توقيع معاهدة الاستسلام بين حسين باشا والكونت دي بورمون (5 يوليو عام 1830) وانتهاء المقاومة الرسمية، بدأت المقاومة الشعبية التي كان على رأسها مرابطون يجمعون الساسة إلى الدين وثوار لهم أطماع دنيوية حادة. ولما كان أهل المدينة قد فظلوا السلام على الحرب وقرروا عدم الوقوف في وجه الجيش الفرنسي، فان عرب البادية من الفلاحين وعمال الأرض ورؤساء القبائل ورجال الدين قد قرروا المقاومة ومنع تقدم الجيش الفرنسي خارج المدينة. ومن الطبيعي أن يكون أول من اصطدم بالعدو، خارج المدينة، هم سكان متيجة الممتد من الساحل إلى جبال الأطلس.

كان هناك حوالي اثنتى عشرة قبيلة. لكل منها رئيس أو قائد. وأهمها بنو خليل، والخشنة، والسبت، وبنو موسى. وبالإضافة إلى هذه القبائل كانت هناك مدن صغيرة منتشرة في السهل أهمها البليدة، والقليعة، وشرشال، وبوفاريك، وكان معظم السكان من المزارعين والتجار الصغار. وعندما شعرت القبائل والمدن المجاورة بالخطر تحالفت وقررت المقاومة، ومن ثم ابتدأت سلسلة من الاصطدامات مع العدو وتحولت شيئا فشيئا إلى ثورة عامة. وقد ظهر خلال هذه الثورة زعماء لعبوا دورا هاما في السنوات الأولى من الاحتلال، منهم ابن زعمون، والحاج سيدى السعدي، والحاج محيي الدين بن المبارك، ولم تكن المقاومة مقتصرة على هؤلاء العرب، بل كان هناك في بقية الإدارة العثمانية مقاومون أمثال مصطفى بومزراق، باي التيطري، وإبراهيم باي قسنطينة السابق.

ص: 85

من أوائل المقاومين ابن زعمون، والواقع أننا لا نعرف عنه إلا أشياء متفرقة غير كاملة لأن تكون صورة واضحة عن حياته وأفكاره. وقد حاول الفرنسيون دفن أخباره إلا ما كان منها مرتبطا بانتصار جيشهم. كان ابن زعمون من قبيلة فليسة وكان قد عزم على منع تقدم الجيش الفرنسي نحو البليدة فجمع عرب المنطقة وعرض عليهم القضية بما في ذلك مشروعا يضمن حريتهم ووجودهم ودينهم في مقابل الاعتراف بالسلطة الفرنسية على مدينة الجزائر. كان ذلك في الشهر الأول من الاحتلال حين علم أن بورمون كان ينوي الزحف على البليدة. لذلك كتب إلى بورمون يطلب منه عدم التقدم إلا بعد توقيع معاهدة مع العرب تنظم العلاقة مع الفرنسيين. ولكن بورمون قرر الذهاب إلى البليدة على أية حال في 20 يولية، عام 1830 على رأس جيش من حوالي 2000 من المشاة، وبعض مئات من الخيالة، وبعض قطع المدفعية (1).

أصبح ابن زعمون صاحب نفوذ كبير في إقليم الجزائر للمقاومة الشديدة التي أبداها في وجه تقدم العدو، وكان تأثيره يزداد يوما. وفي 26 نوفمبر من نفس السنة، أي أثناء إدارةكلوزيل، هاجم ابن زعمون في جيش قوي مدينة البليدة التي ترك فيها الفرنسيون حامية بقيادة العقيد رولير Rulliere.

وقد دخلت قواته المدينة ودارت معركة حامية من شارع إلى شارع ومن دار إلى دار مات في جرائها عدد كبير من الحامية الفرنسية ومن السكان أيضا. وفي 27 من نفس الشهر وصل كلوزيل نفسه مدينة البليدة قادما من حملته الفاشلة على مدينة المدية عاصة إقليم التيطري. وقد وجد كلوزيل مدينة البليدة (مليئة بالجثث) على حد تعبير أحد الكتاب ومن الذين قتلتهم قوات ابن زعمون خمسون فرنسيا كانوا يتولون المدفعية. ويقال إن كلوزيل قد حزن لهم كثيرا وقرر في النهاية سحب القوات الفرنسية الباقية من البليدة

(1) أنظر دي رينو، (أخبار الجزائر) ج 1، ص 100 - 101.

ص: 86

وعدم احتلالها وعاد بجيشه إلى مدية الجزائر (1). وهذه المعركة هي التي جعلت كلوزيل يشك أيضا في ولاء آغا العرب عندئذ وهو لسيد حمدان ابن أمين السكة (2).

وكان الفشل الذي حل بالفرنسيين في المدية وفي البليدة في خريف عام 1830 قد قوى إيمان العرب بالنصر. وقد تقوى ساعد ابن زعمون بانضمام المرابط الحاج سيدي السعدي ودعوته للناس بالجهاد وحمل السلاح. وكانت مقاومة مصطفى بومزواق تزيد أيضا في رفع الروح المعنوية. وقد توزعت هذه القوات في منطقة متيجة فكانت قوات ابن وعمون وسيدى السعدي تحارب على الجانب الأيمن لوادي الحراش أما قوات بومزراق فقد كانت تحارب في منطقة بوفاريك.

وخلال صيف 1831 هاجمت قوات ابن زعمون المراكز الفرنسية الأمامية وأشعلت النيران في حصاد المزرعة النموذجية (حوش حسن باشا) قرب وادي الحواش، وهو الحصاد الأول الذي أعده الفرنسيون ليحتفلوا به بمناسبة مرور عام على وجودهم في الجزائر. وقد دار القتال عدة أيام حتى أصبحت العاصمة مهددة، مما جعل القائد العام، الجنرال برتزين، يخرج إلى المعركة بنفسه في جيش كبير يتكون من ست فرق عسكرية، وجميع الفرسان الذين لديه. وبعض المدفعية. وهاجم برتزين قوات ابن زعمون وسيدى السعدي عند مكان يسمى باسم المرابط سيدي أرزين (3). ولكن القوات العربية عندما شاهدت ضخامة الجيش الفرنسي انسحبت إلى الجبال المجاورة ولم تشتبك مع العدو. وقد عاد برتزين إلى العاصمة ظانا أنه قد وضع حدا للثورة، ولكنه ما كاد يرجع حتى عادت القوات

(1) نفس المصدر، ص 149 - 150.

(2)

انظر الفصل الخاص بحضر الجزائر.

(3)

كذا، والظاهر أن الاسم فيه تحريف لا نعرف أصله الآن.

ص: 87

العربية إلى الهجوم (1).

ولكن ذلك لا يعني أن القوات العربية لم تعان أية هزيمة. ففي معركة بوفاريك الكبيرة خلال خريف 1831 انهزمت قوات ابن زعمون وتفرقت بسبب سوء التنظيم. وكان ابن زعمون قد غضب وتألم من سلوك جيشه خلال هذه المعركة فقرر الانسحاب إلى داره في فليسة وعدم التدخل في أي شيء.

وهكذا ظل معتزلا الشئون السياسية مدة طويلة (2). وتكاد أخبار ابن زعمون تنقطع منذئذ وقد وجدنا رفيقه سيدي السعدي ينضم إلى الأمير عبد القادر، ولكننا لا ندري ما إذا كان هو قد فعل ذلك أيضا (3). ونحن نجد في رسائل كلوزيل (سنة 1830) بعض الرسائل الموجهة إلى ابن زعمون ومع ذلك فان نهاية حياته ما تزال غامضة. والحاج سيدي السعدي الذي سبق ذكره كان من أسرة مرابطة من مدينة الجزائر. وكان قد حج إلى مكة مما رفعه في أعين مواطنيه. ويقال إنه كان طموحا متدينا شجاعا، ويبالغ أعداؤه فيقولون إنه كان يريد أن يخلف حسين باشا في الحكم ويطرد الفرنسيين من الجزائر. وكان سيدي السعدي قد ساهم مساهمة كبيرة في إثارة القبائل ضد فرنسا حين كان يدعو إلى الجهاد وحمل السلاح. وبعد دخول الفرنسيين مدينة الجزائر خرج منها وأقام في هذه القبائل يدعوهم إلى الثورة. وإذا كان ابن زعمون صاحب سيف فإن سيدى السعدي كان صاحب

(1) دي رينو: ج 1 ص 200.

(2)

نفس المصدر ص 204.

(3)

قادنا البحت إلى معرفة أن ابن زعمون قد انضم بجميع قواته وقبيلته (فليسة) إلى الأمير عبد القادر سنة 1828. ومن الجدير بالذكر أن ابن زعمون كان يتلقى الأوامر من الزعيم الروحي القبائل عندئذ، وهو الشيخ علي بن عيسى أنظر بولسكي (العلم المثلث على الأطلس) - لندن، 1854 ص ص 69.

ص: 88

فكر، لذلك كان موقفه عندئذ كموقف الشيخ الحداد من الحاج المقراني أثناء ثروة عام 1871. وبفضل دعوته وتأثيره هاجم عرب متيجة المنتشرون في الفحص (الضواحي) المزارعين الأوربيين الذين بدأوا يستقرون في السهل. وقد قتلوا منهم عددا كبيرا واضطروا الباقين إلى الفرار إلى العاصمة.

وكان لهذه الأحداث أثر على الأوربيين فازدادوا خوفا وانزعاجا وغادروا مزارعهم وجلين. أما في المدينة نفسها فقد أغلق الأوربيون مؤسساتهم وبدأرا يفكرون في الرحيل إلى أوربا ببضائعهم الثمينة، وأصبحوا يعتقدون أنه من الصعب مقاومة هذه الثورة العامة. وهكذا كان يظهر أن (المستعرة الوليدة (الجزائر) كانت تشهد آخر أيامها) (1).

كان الحاج السعدي يتجول بين القبائل ويدعوها إلى الثورة العامة، وكان صوته مسموعا لمكانته الدينية لأنه كان من المرابطين، وقد علم القائد العام الفرنسي بتحركات السعدي بين القبائل وانضمام كل القواد (شيوخ القبائل) إلى الثورة، ولكنه لم يقم بأي شيء في بادئ الأمر. وزاد من سخط القبائل على الفرنسيين ما ارتكبوه نحو قبيلة العوفية في 7 أبريل عام 1832 التي هاجموها ليلا وأعدموها عن آخرها وحاكموا وأعدموا شيخها، الربيعة، رغم براءة القبيلة (2). بل إن أغا العرب، الحاج محيي الدين، قد انضم إلى الثورة، رغم احتفاظه بالمنصب، وترك الثوار يدعون إلى الجهاد في القليعة مقر أسرته ونشاطه.

وقد قرر القائد العام القضاء على الثورة فاتهم أغا العرب بالخيانة وطلبه

(1) نفس المصدر ص 198 - 199.

(2)

اتهمهما الفرنسيون بالاعتداء على وفد فرحات بن سعيد الذي جاء يطلب التعاون مع الفرنسيين. أنظر جورج إفير (حمدان بن عثمان خوجة) في (المجلة الأفريقية) عام 1913، ص 122، هامش 3.

أنظر أيضا: دي رينو، ص 346 - 247. وقد ذكر هذا المصدر أن رأس قائد العوفية قد أحضر هدية للدوق دي روفيغو.

ص: 89

للمحاكة، وخرج هو بالجيش الفرنسي إلى بئر خادم. ومن هناك وجه جزءا من الجيش إلى القليعة حيث أسرة الأغا محيي الدين، وإلى سوق علي، قرب بوفاريك، التي كانت مجمع الثوار. وقد اشترك في القتال الذي دار في بداية أكتوبر عام 1832، كل من الجيش الفرنسي وفرقة (قناصة أفريقية) وفرقة (الزواف) الخاصة. وهي المعركة التي انهزم فيها الثوار وانسحبوا إلى الجبال والمدن المجاورة، واعتزل على أثرها ابن زعمون، والتحق بعدها الحاج سيدي السعدي بالأمير عبد القادر ليواصل جهاده ضد الفرنسيين (1).

كما أن الأغا محيي الدين قد فر وانضم إلى الأمير عبد القادر وأصبح خليفة له في مدينة مليانة (2).

والحديث عن الثورة في العهد الأول من الاحتلال يقودنا إلى الحديث عن الآغا محيي الدين بن المبارك، مرابط مدينة القليعة. ويذكر المؤرخون الفرنسيون أنه كان للقائد الفرنسي العام، الجنال برتزين، الذي كان متوليا سنة 1831، سياسة مهادنة نحو العرب فاستنصح حضر مدينة الجزائر فنصحوه بتعيين الحاج محيي الدين بن الصغير بن سيدي علي مبارك أغا على العرب في منطقة سهل متيجة. وقد سبقه في هذا المنصب في العهد الفرنسي الآغا حمدان بن أمين السكة الذي عينه بورمون، ثم جاء كلوزيل فعزل حمدان هذا وولى مكانه فرنسيا يدعى العقيد مانديري Mendiri . ولكن برتزين الذي خلف كلوزيل أراد أن يتقرب من العرب فعين عليهم أغا منهم، ظانا أن ذلك يكفي للقضاء على الثورة والمقاومة. ويبدو أن القائد العام قد أحسن الاختيار لأن الحاج محيي الدين كان من أسرة مرابطة عريقة وذات نفوذ في القليعة وما حولها. ولكن محيي الدين لم يقبل المنصب بدون شرط. فقد تعهدت له فرنسا بمبلغ 70،000 فرنك سنويا. وتعهد

(1) دي رينو، 252 - 253.

(2)

شارل أندري جوليان (تاريخ الجزائر المعاصر)(باريس عام 1964)، ص 125.

ص: 90

لها هو ببقاء العرب حيث هم بشرط أن يبقى الفرنسيون حيث هم أيضا.

وبعبارة أخرى كان هذا الشرط تجميدا للأوضاع وأصبح الفرنسيون بمقتضاه محاصرين في مدية الجزائر (1).

قام الآغا محيي الدين بالتزامه خلال سنة 1831 فكان كل من الطرفين ملتزما بحدوده. وكان الآغا يوصي في جميع رسائله التي يوجهها إلى القائد العام بعدم السماح لأي فرنسي أن يذهب أو يتصل بالأهالي، وكان يصر على أن يكون هو الصلة الوحيدة بين العرب والفرنسيين. ويذكر بعض المؤرخين أن مراسلاته القليلة قد أصبحت هي وسيلة الفرنسيين الوحيدة للتعرف على أحوال العرب (2).كان الآغا محيي الدين يمتاز بالحكمة والورع والنظام. وكان العرب في المنطقة يحترمونه لأصله وشخصيته القوية. وكانت سمعته وسلطته ونظامه هي التي استطاعت أن تضع حدا للفوضى ولو إلى حين. وقد عين وعزل بعض رؤساء القبائل. فعين الحاج محمد المخفي على قبائل الخشنة خلفا لابن العمري الذي قتل أثناء الثورة، وأبقى أحمد بن أورشيف على بنى موسى، ومسعود بن عبد الواد على قبيلة السبت، وكلا الرجلين الأخيرين كان قد شارك في الثورة ضد فرنسا. وعين أيضا العربي بن موسى على بني خليل خلفا لمحمد بن الشرقي الذي تخلى عن منصبه بعد عزل حمدان بن أمين السكة من منصبه (أغا العرب).

غير أن تصرفات الآغا محيي الدين المستقلة قد جردت الفرنسيين من أية صلة مع الأهالي وجعلت موقفهم سلبيا. وقد قاد ذلك إلى اتهام الأغا بأنه كان يعمل لحسابه الخاص وأنه كان يتصل بالقبائل لتشجيعها على الثورة ضد فرنسا، وأنه عندما قامت هذه الثورة العامة قد انضم إليها سرا، رغم أنه

(1) دي رينو، ص 203.

(2)

نفس المصدر، ص 203 - 204. عثرنا على بعض هذه المراسلات في الأرشيف الوطني الفرنسي، وسنستعملها إن شاء الله في الجزء الأول من كتابنا (الحركة الوطنية الجزائرية).

ص: 91

كان في الظاهر يظهر الإخلاص لفرنسا ويدعى العجز عن القيام بمهمته، كان الأغا محيي الدين قد تأثر بحادثة العوفية (ربيع سنة 1832) مثل بقية العرب، وكانت هذه واحدة من سلسلة وقائع ارتكبها الدوق دي روفيغو Rovigo القائد العام الجديد ضد الأهالي. وبدا منذئذ الخلاف بين القائد العام وبين أغا العرب الحاج محيي الدين. فأوقفه القائد العام عن عمله، وعين حمدان بن عثمان خوجة ليكون واسطة بينه وبين الآغا، وخصص له شرطة تضايقه وتتبع أخباره وتراقب أصدقاءه، وأبطل العمل بالاتفاق (العرب في مكانهم والفرنسيون في مكانهم) وقرر أن يتصل بالعرب مباشرة متجاهلا سلطة الآغا. فكانت هذه الإجراءات فاتحة عهد من الخصومة بين القائد والآغا محيي الدين (1).

أرسل دي روفيغو أحد رجاله، وهو الجنرال بروسار Brossard إلى مدينة القليعة على رأس جيش كبير لمحاربة الثوار هناك ولإلقاء القبض على الآغا محيي الدين وحمله إلى مدينة الجزائر ليواجه المحاكمة. ولكن الآغا كان قد أحس بما يبيت له فلجأ إلى قبيلة بني مناد. وعندما لم يجد بروسار الآغا الذي يبحث عنه ذهب إلى أسرته وحمل اثنين منها رهينتين إلى الجزائر وهما سيدي علال وسيدي محمد، إبنا عم الآغا، وكلاهما مرابط، وكلاهما (رجل سلام وخير) ولا سيما الأخير منهما، وظلا سجينين في الجزائر إلى زمن إدارة الجنرال فوارول Voirol ، أي أكثر من سبعة شهور.

ومن جهة أخرى سجن الفرنسيون مساعد الآغا، وهو المسمى حميدة الذي جاء إلى الجزائر حاملا رسالة إلى القائد العام من الآغا ولكن دي روفيغو الذي كان يشك في إخلاص الآغا احتجز مساعده وقرر محاكمته. وتذكر المصادر الفرنسية أن السيد حميدة قد أصابه خوف كبير من المحاكمة فمات

(1) نفس المصدر، ص 146 - 150.

ص: 92

في سجنه (1).

من بني مناد ظل الآغا محيي الدين يكتب إلى القائد العام يعلن براءته من الاتهام الموجه إليه ويشرح موقفه. وعندما لم تجد الرسائل إلى القائد العام كتب الآغا مباشرة إلى الملك الفرنسي يعبر له عن براءته وإخلاصه. كما كتب إلى وزير الحربية. منها الرسالة التي وجهها بتاريخ 24 يونية عام 1832 إلى الملك الفرنسي يخاطبه فيها باسم العرب الذين تجمعوا حوله ويطالبه بوضع حد لحكم دي روفيغو وإحلال العدل الذي وعدت به فرنسا الجزائريين (2). ومن ذلك رسالة وجهها إلى وزير الحربية بتاريخ 21 أكتوبر عام 1832 اشتكى فيها من القائد العام واتهمه بارتكاب الأخطاء والاستماع إلى أنصار عودة الحكم التركي إلى الجزائر. والعمل ضد كل ما يكتبه إليه من نصائح وآراء تخص العلاقات مع العرب (3).

وبدلا من أن يبدأ الدوق دي روفيغو عهدا جديدا من المصالحة مع العرب عمد إلى سياسة العنف نحوهم. فبعد حادثة العوفية حاول القضاء على الآغا محيي الدين بتكليف أحد المترجمين بالبحث له عن شخص يقوم باغتيال الآغا (4). وقرر أيضا معاقبة مدينتي البليدة والقليعة على تعضيدهما للثورة بغرامه قدرها مليون ومائة ألف فرنك. كان عدد سكان القليعة لا يتجاوز 1،500 نسمة. ولم تدفع القليعة من المبلغ سوى عشرة آلاف فرنك دفعتها أسرة ابن المبارك التي كان زعيمها في السجن

(1) نفس المصدر، ص 254. ولعل موته لم يكن بسبب الخوف كما تدعي المصادر الفرنسية.

(2)

دار المحفوظات (الأرشيف) الوطنية في باريس رقم B 801670. F.

(3)

نفس المصدر، ونفس الرقم. ونحن نفهم من ذلك أن الآغا لم يكن من أنصار الحكم العثماني في الجزائر، وأنه كان، كالأمير عبد القادر، من أنصار الحكم الوطني.

(4)

دي رينو، ص 254.

ص: 93

بالجزائر. ولم تدفع البليدة سوى 1،400 فرنك قدمها حاكمها في عهد فوارول خليفة دي روفيغو.

أراد الدوق أيضا أن ينظم الشئون العربية بنفسه ما دام لا يعترف بوساطة الآغا محيي الدين. حاول أولا أن يعين السيد أحمد بن شنعان الذي كان من قبيلة بني جاد والذي قال الفرنسيون إنه اتصل بهم عشية معركة اسطاويلي (19 يونية عام 1830)(1)، خلفا للأغا محيي الدين. ولكن ابن شنعان لم يرحب به أهل المنطقة، وحين أراد من أهل البليدة أن يقبلوه حاكما عليهم رفضوه وهددوه. لذلك لجأ إلى العاصمة بعد أن أقام في البليدة بعض الوقت. وعدل الدوق عن تعيينه. لكنه قرر القيام بحملة ضد البليدة فهرب أهلها منها إلى الجبال المجاورة ودخلها الجيش الفرنسي وعاث فيها فسادا ثم رجع إلى العاصمة مكللا بالعار لا بالغار كما يقول الفرنسيون أنفسهم (2). كما قرر الدوق تعيين رؤساء جدد على القبائل غير موالين للأغا محيي الدين. فعين على بني موسى ابن رباح، وعين على بني خليل سي حمود، وأبقى على الخشنة السيد الحاج المخفي.

وقد ارتكب الدوق حادثا كان له أثر بعيد على العلاقات بين العرب والفرنسيين. فقد كان قد اتصل بتقارير تفيد أن العربي بن موسى قائد بني خليل، ومسعود بن عبد الواد قائد السبت كانا عدوين لدودين لفرنسا وأنهما كانا مستعدين لإثارة العرب ضدما. أراد الدوق أن يستدرجهما إلى الجزائر التي لم يدخلاها منذ فترة طويلة. فكتب بتاريخ 6 أكتوبر عام 1832 إلى أهل البليدة يطلب منهم إرسال وفد إلى الجزائر فيه القائدان المذكوران، بالإضافة إلى أشخاص آخرين. ولكن القائدين شعرا بالمكيدة فترددا في الذهاب واشترطا الأمان. أرسل الدوق إليهما الأمان عن طريق صديقهما

(1) انظر الفصل الثاني من هذا الكتاب.

(2)

نفس المصدر، ص 256.

ص: 94

الحاج المخفي الذي لا يشكان في نيته. وجاء معهما المخفي إلى الجزائر، ولكن بمجرد وصولهما اعتقلا وقيدا مكبلين إلى السجن. وقد تأثر صديقهما المخفي لذلك واحتج وطلب من الفرنسيين اتهامه مثلهما ومد يديه إلى القيد معهما.

ورغم أن كثيرا من الرسائل من القبائل قد وصلت إلى الدوق تطالب باطلاق سراح القائدين مسعود بن عبد الواد والعربي بن موسى فان الدوق لم يرضخ. وقد جاء بقضاة حاكموهما ونفذ الفرنسيون فيهما حكم الإعدام خلال فبراير عام 1833، أي قبل حوالي شهر واحد من مغادرة الدوق الجزائر نهائيا، وقد مات في باريس خلال يونية من نفس السنة، يعاني كما يقول الذين درسوا حياته من (أزمة ضمير).

أما الآغا محيي الدين، الذي كان يريد له الدوق نفس المصير، فقد شعر بالخطر فانضم إلى الأمير عبد القادر. وقد عينه هذا خليفة له على مدينة مليانة، وأصبح من المقاومين البارزين. ولكن بقية حياته ما زلنا نجهلها (1).

وهناك شخصية عربية أخرى غريبة الأطوار والتصرفات في هذه الأثناء ذلك هو فرحات بن سعيد شيخ العرب في منطقة الزاب الصحراوية. كان فرحات قد عين شيخا على العرب من طرف إبراهيم باي قسنطينة السابق وعزل خصمه ابن قانة. كان شخصية طموح لا يبالي بالوسائل إذا كانت توصله إلى أهدافه. ثار سنة 1821 ولكن صدر عنه العفو وبقي نفوذه الكبير في الجنوب. وكان هناك تنافس خطير بين أسرته وأسرة بن قانة سالت من جرائه دماء غزيرة. وعندما ولي الحاج أحمد بايا على قسنطينة عزل فرحات وعين خصمه ابن قانة شيخا على العرب. وكان ابن قانة صهرا للحاج أحمد.

(1) عن دور ومكانة محيي الدين (الآغا) لدى الأمير عبد القادر أنظر محمد باشا (تحفة الزائر)، ط. الاسكندرية، سنة 1903.

ص: 95

ولكن فرحات ثار واغتنم فرصة وجود الفرنسيين في الجزائر وحاول تجنيد كل العوامل للإطاحة بالحاج أحمد.

تعاون فرحات أولا مع الباي إبراهيم الذي كان يحاول هو أيضا استعادة مكانته المفقودة. وعندما لم يجد في إبراهيم القوة الحقيقية التي تطيح بالحاج أحمد لجأ إلى الفرنسيين. أرسل إليهم وفدا إلى مدينة الجزائر يقترح على الدوق دي روفيغو التحالف على أن يهاجم الفرنسيون قسنطينة ويساعدهم هو (فرحات) بجيش كبير من القبائل. احتفى الدوق بالوفد وجعل منه حادثا كبيرا ولكنه رد على فرحات بجواب غامض (1). ولعله فعل ذلك لأنه كان في نفس الوقت يفاوض الحاج أحمد على الاعتراف بالسيادة الفرنسية وإبقائه في مكانه حاكما على قسنطينة.

وعلى أية حال فان فرحات لم يحصل على ما كان يريد من الفرنسيين فبدأ اتصالات أخرى مع الأمير عبد القادر. وبعد مفاوضات اعترف به الأمير شيخا على العرب وأمده بالسلاح والتأييد. ويبدو أن فرحات الذي كان يحارب الحاج أحمد والفرنسيين في نفس الوقت كان يحارب من أجل قضية شخصية لا قضية وطنية، رغم أن الغبار ما زال يغطي كثيرا من الحقائق عن هذه الشخصية (2).

(1) كان وفد فرحات بن سعيد سببا في حادثة قبيلة العوفية، لأن الوفد قد تعرض إلى المهانة أثناء عودته فانتقم له الدوق منهما بذلك قبيلة العوفية.

(2)

أنظر عن فرحات بن سعيد (مذكرات الحاج أحمد آخر بايات قسنطينة) نشر وتعليق إيمري (المجلة الأفريقية)1949. أنظر أيضا كتاب بوعزيز بن قانا (أسرة من القواد الصحراويين)، (بالفرنسية، الجزائر، 1930) أيضا دي رينو، ص 246، 247.

ص: 96