المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعدور حضر الجزائر - محاضرات في تاريخ الجزائر الحديث

[أبو القاسم سعد الله]

الفصل: ‌الفصل الرابعدور حضر الجزائر

‌الفصل الرابع

دور حضر الجزائر

يتهم المؤرخون الفرنسيون حضر الجزائر بأنهم كانوا يحلمون بعودة الحكم الإسلامي، إلى الجزائر خلال السنوات الأولى للاحتلال. وكان أعيان هؤلاء الحضر يعملون لصالح هذه الفكرة سواء لدى السلطات الفرنسية أو في اتصالاتهم مع الباشا حسين المخلوع في المنفى، أو مع الحاج أحمد، باي قسنطينة، آخر سلطة قوية من العهد العثماني. ويذكر هؤلاء المؤرخون أن أعيان الحضر كانوا يعتقدون أن اتصالات شبه رسمية، بوحي من سلطات سامية، قد تمت لتحقيق عودة الحكم الإسلامي، وأن هذه الاتصالات قد جعلتهم يعتقدون أن الفكرة ممكنة وأن فرنسا نفسها قد تعبت من تكاليف الاحتلال وأنها ستتخلى عن الجزائر لصالحهم (1).

حضر الجزائر كانوا طبقة غنية منحدرة من أهل البلاد ومن مهاجري الأندلس. وكانوا سياسيا في المرتبة الثالثة بعد الأتراك والكراغلة. وكانوا يملكون الأراضي في سهل متيجة وبعض الأملاك في مدينة الجزائر نفسها ويمتهنون التجارة. وكانوا غالبا راضين بوضعهم ولا يطمحوان إلى مناصب سياسية. ولكن منهم من تقلد مناصب القضاء والإفتاء والكتابة ونحوها من المقاليد الثانوية الهامة. كان بعضم محل ثقة الباشا كحمدان بن عثمان خوجة.

وعندما بدأ الفرنسيون في شرح الوضع الاجتماعي في الجزائر، صنفوا طبقة

(1) أنظر بيابسي دي رينو de Reynaud (أخبار الجزائر)(باريس ص 1854) ط 2، ج 1 ص 172.

ص: 65

الحضر على أنها منافسة وساخطة على (الأتراك). وهكذا وجهوا أنظارهم نحو هذه الطبقة التي كانت بدورها مستعدة للاستعانة بهم لكن بشروط. وبمجرد استيلاء الفرنسيين على مدينة الجزائر نحوا (الأتراك) عن الحكم وأسندوا بعض المناصب لهؤلاء الحضر فتولى بعضهم مركز (آغا العرب) مثل حمدن بن أمين السكة، وأصبح بعضهم بايا على التيطري، مثل مصطفى ابن عمر، وأصبح بعضهم رئيسا لأول مجلس بلدي لمدينة الجزائر، مثل أحمد بوضربة.

ولكن طبقة الحضر هذه سرعان ما اكتشفت أنها كانت مخطئة في اعتقادها أن فرنسا ستعوض حكم الأتراك بحكم محلي تكون هي (طبقة الحضر) على رأسه. فقد عرف أعضاء هذه الطبقة بعد فترة قليلة من الاحتلال، أن فرنسا جاءت لتبقى، وأن أموالهم وأراضيهم صودرت وأصبحت ملكا للدولة الجديدة، وأن مساجدهم وزواياهم ومساكنهم قد احتلت من الجيش الفرنسي أو هدمت لتفتح الطريق أمام ساحات عمومية، ومسارح، ومستشفيات عسكرية، أو تحولت إلى كنائس. بل إن (أملاك مكة والمدينة)، التي كانت مؤسسات خيرية للفقراء والطلبة قد استولى عليها الفرنسيون وأصبح ريعها يذهب مباشرة إلى خزينة الدولة المحتلة. ومما فتح أعينهم أكثر على الخطأ الذي وقعوا فيه أن السلطات الفرنسية كشفت لهم عن نواياها بعزل وطرد ونفي أولئك الذين قبلوا التعاون معها بدعوى عدم القيام بالواجب، أو التآمر لاستعادة الحكم الإسلاي. أو الانضمام إلى الثائرين ضدها. بل لقد كانت هذه السلطات تعطي عهد الأمان وتنقضه (1)، وتذبح قبائل بريئة كاملة (2)، وتأسر المرابطين كرهائن، (3) وتطالب

(1) انظر فصل مرابطون وثوار.

(2)

مثل قبيلة العوفية في عهد الدوق دي روفيغو.

(3)

مثل مرابط القليعة عندما فر كبير الأسرة الآغا محيي الدين. كان ذلك على عهد دي روفيغوا أيضا.

ص: 66

بخمسين شابا من أكابر العائلات في المدينة لحملهم إلى باريس كرهائن أيضا (1).

وأمام هذه الوقائع التجأ حضر الجزائر إلى عدة طرق للتعبير عن عدم رضاهم. لم يكونوا مرابطين فيأمروا أتباعهم بالجهاد ضد فرنسا كما فعل محيي الدين والد الأمير عبد القادر. ولم يكونوا شيوخ قبائل فيدعو أنصارهم إلى حمل السلاح كما فعل ابن زعمون، ولم يكونوا من بقايا الدولة المنهارة فيحملوا الناس على محاربة العدو كما فعل كل من باي التيطري وباي قسنطينة. لقد كانوا مجرد طبقة تاجرة في الماضي ولكنها الآن مجردة من المال، كانوا يحسنون المؤامرات ولكنهم يفتقدون الوسائل. وقد زاد وضعهم سوءا أن كثيرا منهم هاجر أو ارتحل إلى أماكن أخرى في الجزائر نفسها، والذين لم يهاجروا ولم يرتحلوا شتتهم الفرنسيون وأضعفوهم بالنفي والمحاكمات وتسليط الطائفة اليهودية عليهم.

وهكذا لم يبق أمامهم، فيما يبدو، سوى الشكوى والتذمر، وكتابة العرائض والرسائل، ومخاطبة الرأي العام باسم الإنسانية. والكشف عن سوءات الحكم الفرنسي في الجزائر، والاتصالات الغامضة بكل الجهات الممكنة لمساعدتهم على الخروج مما أصبحوا فيه، ومن الطبيعي أن نذكر بأنهم لم يكونوا جميعا في هذا المستوى. فمنهم من استسلم للظروف وصمت. ومنهم من رضي بحياة المنفى. ومنهم من ظل يتعاون مع السلطات القرنسية راضيا أو مكرها. وكان للتنافس والطموح وضعف الإرادة والضمير بين أفرادها حظ كبير في ضعضعة هذه الطبقة وإضعاف دورها الذي كان يمكن أن يكون إيجابيا.

وليس الهدف هنا هو دراسة هذه الطبقة من جميع النواحي، ولكن

(1) انظر دي رين، ج 1، ص 106، وخوجة (المرآة)، ص 256.

ص: 67

الهدف هو رسم بعض الصور لبعض أفرادها لمعرفة مواقفهم نحو غيرهم، ومواقف غيرهم منهم. وهؤلاء الأفراد يختلفون بلا شك ثقافة وحيوية وهدفا، وهناك عدد كبير منهم كان يمكننا الحديث عنه، ولكننا قررنا الحديث بصفة عفوية عن مصطفى بن عمر، وابنه حمدان بن أمين السكة ومحمد العنابي، وأحمد بوضربة، وحمدان خوجة. ونحب أن نذكر بأن ما سنقوله عن كل منهم ليس ترجمة شخصية له بالمعنى التقليدي، بل هو عبارة عن دراسة لبعض مواقفه من الاحتلال ومن وضع مواطنيه عندئذ. وهذه الدراسة لا تهدف إلى فهم موقف الفرد المدروس بقدر ما تهدف إلى فهم العلاقة بين الجزائريين والسلطات الفرنسية في بداية الاحتلال.

يذكر خوجة أن كلوزيل قائد الجيش الفرنسي بعد بورمون، قد طلب من أعيان مدينة الجزائر قائمة بأسماء العائلات الكبيرة في المدينة ليعين منها بايا على إقليم التيطري، وبعد تقديم القائمة اختار كلوزيل منها مصطفى بن الحاج عمر ليكون بايا خلفا للباي مصطفى بومزراق الذي خلعه الفرنسيون لثورته ضدهم (1). وبناء على خوجة أيضا فان ابن عمر كان قريبا من امرأة الداي حسن باشا الجزائر الأسبق (2)، ويبدو أن ابن عمر كان قليل الخبرة، وأنه لم يسع إلى هذا المنصب ولكن المنصب سعى إليه، وأنه، كبعض زملائه قد قبله كرها. وقد كانت أمامه مشاكل لا تحصى. فكان عليه أن يواجه ثورة الباي السابق ثم ثورة ابنه (ابن بومزراق)، وأن يواجه شكوك وثورة أهل الإقليم الذي تولى عليه والذي كان من أفقر الأقاليم، وأن يواجه أخيرا ضغط الفرنسيين الذين ينتظرون منه إخضاع الإقليم إليهم

(1) المرآة ص 244، ويذكر دي رينو أن تعيين ابن عمر قد تم بقرار من المجلس البلدي لمدينة الجزائر صادر بتاريخ 15 نوفمبر - 1830. انظر (أخبار الجزائر) ص 134.

(2)

المرآة ص 244.

ص: 68

فهل كان ابن عمر مؤهلا لهذا الدور؟ تذكر المصادر الفرنسية أنه كان قليل المبادرة، ولم تكن له قدرة لا على التنظيم ولا على الحكم. ومن جهة أخرى أمره كلوزيل عند تعينه (1) أن لا يغير شيئا من الإدارة السابقة، وأن يعمل كأنه باي قديم ولكن الفرنسيين يتهمونه بأنه قد ترك كل شيء يتدهور، وأنه فشل في جلب النافرين إلى فرنسا، وبالأخص عائلات المدية عاصمة الإقليم. وقد اقتصرت أعماله إذن على تسيير الأمور العادية داخل المدينة، وهي أعمال تتعلق بالقضاء والمخالفات ونحوها (2). ومع ذلك فقد تعلق به أهل المدية ورغبوا في بقائه عليهم حين أراد أن يعود إلى مدينة الجزائر في صحبة الجيش الفرنسي. فابن عمر كان يعرف أنه لا قدرة له على مواجهة الموتف بعد انسحاب الجيش الفرنسي من المدية ولكن المواطنين خافوا من حلول الفوضى فأصروا على بقائه بينهم.

كان كلوزيل قد دخل المدية في 23 نوفمبر 1830 وأخذ بومزراق أسيرا، وعين بدله ابن عمر المذكور، وترك معه حامية بقيادة دانليون Danlion وعاد إلى الجزائر. وإذا كان بومزراق قد استسلم وذهب إلى الاسكندرية فان ابنه الشاب سي أحمد قد ظل ثائرا، ويقال أن كلوزيل قد ارتكب غلطة بعدم اعتقاله مع أبيه (3) وعلى أية حال فانه قد ظل زمنا في الببدة إلى أن أحس بأن الظروف مواتية لإعلان الثورة، ثم عاد إلى المدية. مقر حكم والده وقاد الثائرين ضد ابن عمر واحتل دار الباي الريفية، بل كان يدخل المدية دون أن يجرؤ الباي على اعتقاله. وعندما تفاقم أمره طلب ابن عمر النجدة من القائد الفرنسي العام في الجزائر الذي خلف كلوزيل. فجاء بنفسه (أعني برتزين Berthezene) . وهناك انسحب سي أحمد بن

(1) ظل الفرنسيون يتبعون تقليد العثمانيين عند إسناد منصب الباي إلى من يرغبون وهكذا كانوا يخلعون على الشخص قفطانا ويسلمونه سيفا. ولكن منصب لباي سرعان ما زال.

(2)

أنظر دي رينو، ج 1، ص 161 - 162.

(3)

نفس المصدر، ص 198.

ص: 69

بومزراق من دار الباي، ولكن برتزين فشل في مطاردة العرب. ولذلك قرر انسحاب الفرنسيين تماما من المدية وأخذ معه الباي ابن عمر وعاد إلى الجزائر.

أراد برتزين بعد ذلك أن يعين ابن غمر بايا على وهران، ولكن القائد الفرنسي في تلك الناحية: الجنرال بوايي Boyer ، رفض التعاون مع ابن عمر (1). وقد ظل كذلك إلى عهد الدوق دي روفيغو الذي اضطهد طبقة الحضر فذهب ابن عمر. كما ذهب ابنه حمدان بن أمين السكة. إلى باريس خوفا من توجيه الاتهام إليه بأنه يعمل لصالح عودة الحكم الإسلامي. وهو الاتهام الذي وجه إلى زملائه العاملين في صفوف الفرنسيين من حضر الجزائر (2).

ولنذكر هنا بأن ابن عمر كان من التجار الأثرياء وليس عن الحكام، وأن الفرنسيين قد استخدموه فترة ثم تخلوا عنه، وأنه ذهب إلى باريس فانضم هناك إلى زملائه المنفيين فكونوا حولهم حلقة من المعارضين، والفضوليين، وكان بعضهم يقوم بدور نشيط في هذه الأثناء كحمدان خوجة ولكن بعضهم ظل مغمورا، دون أن نعرف السبب حتى الآن. ونشير هنا إلى أن ابن عمر لم يكن من بين الأشخاص الذين مثلوا أمام اللجنة الأفريقية بناء على الوثائق التي أمكننا الاطلاع عليها. وفي باريس أعطى وسام الشرف وكان الناس هناك يخاطبونه (بالسيد الباي)(3) غير أنه من الواضح أن هذا الوسام لم يكن علامة على اعتراف فرنسا بخدماته فقط ولكنه كان محاولة لإسكاته، لأن هناك عددا آخر من أمثاله كانت توجه إليهم الاتهامات في

(1) نفس المصدر ص 222.

(2)

نفس المصدر ص 259.

(3)

نفس المصدر أنظر أيضا توماس كامبل (رسائل من الجنوب)، ج 1، ص 216 - 218، 226 - 227 وكان كامبل قد التقى به وتناول عنده العشاء وصفه أوصافا حية.

ص: 70

الجزائر بينما تمنح لهم الأوسمة في باريس. وكان ابن عمر إذ ذاك يبلغ 47 سنة وكان يتقن الفرنسية، وكان يلبس لباس أهل الحضر ويطعم الفقراء.

وإذا كان الحاج ابن عمر قد ولاه الفرنسيون منصب الباي فان ابنه، حمدان بن أمين السكة قد ولوه منصب (أغا العرب)(1) ويبدو أنه بوصية من بوضربة (الذي كان محل ثقة بورمون) عينه بورمون، القائد الأعلى للجيوش الفرنسية، في ذلك المنصب. كان ابن أمين السكة تاجرا، من حضر الجزائر الذين لا يخرجون من المدينة إلا نادرا. ولسوء الحظ أننا لا نعرف إلا القليل عن حياته قبل مجىء الفرنسيين ويذكر الفرنسيون، بعد سقوط أسهمه في أعينهم، أنه كان شرها وغير أمبن، وأنه لم يكن يعرف البلاد، وبالتالي لم يكن يعرف مهمته. ومن جهة أخرى كانت شجاعته محل شك لديهم (2). ويتسائل المرء عن فائدة تعيينه في منصب هام كالذي أسند إليه ما دام غير مؤهل للقيام به. وعلى أية حال فقد فشل في مهمته، على الأقل في نظر الفرنسيين، لأنه لم يستطع أن يجعل عرب سهل متيجة ينسون أنه تاجر وأنه من الحضريين ولأنه لم يعد محل ثقة لديهم (3).

كان سهل متيجة الذي عين حمدان بن أمين السكة للإشراف عليه باسم الفرنسيين مقسما إلى عدة أوطان، وعلى كل وطن قائد يأتمر بأمر الآغا.

وأهم هذه الأوطان هي: وطن بني خليل وعلى رأسه الشرقي، وطن بني موسى وعلى رأسه أوشفون، وطن الخشنة وعلى رأسه العمرى، وطن السبت وعلى

(1) هدذا ذكره دي رينو، وهو من خبراء الجزائر لأنه تولى مسئولية (المكاتب العربية)(البير آرب) مدة طويلة. أنظر ص 134، ولكن العلاقة بين الرجلين ما زالت غير واضحة.

(2)

نفس المصدر، ص 100 والواقع أنني إلى الآن غير مطمئن إلى الصلة المذكورة بينه وبين مصطفى بن عمر.

(3)

الظاهر أن فشله لا يعود إلى كونه حضريا ولكن إلى كونه كان يمثل الفرنسيين.

ص: 71

رأسه عبد الوادي. وهناك شرشال التي اعترفت بالبركاني شيخ بني مناصر، وهناك أيضا القليعة التي كانت تخضع لعائلة ابن المبارك. وهو مرابط له سمعة واسعة.

هذه هي الأوطان والقبائل التي كان على ابن أمين السكة أن يتفاهم معها أو بجلبها إلى الفرنسيين كما تقتضي مهمته. فماذا فعل؟ إنهم يقولون إنه لم يعرف كيف يستفيد من علاقته بعرب متيجة. فقد قام بارهاب كبير ضدهم بعد انسحاب الفرنسيين من مدينة البليدة (عاصمة السهل) فجلب عليه السخط الكبير من هؤلاء العرب. وهكذا أصبح لا يستطيع الظهور بعد ذلك في متيجة دون تأييد الجيش الفرنسي. وقد أدت هذه السياسة إلى أن أصبح كل السهل في فوضى متناهية، باستثناء مدينة القليعة التي سيطر فيها مرابطو ابن مبارك على الموقف وحافظوا على النظام (1).

أثناء حملة الفرنسيين على المدية (نوفمبر 1830) تركوا ابن أمين السكة في الموزاية لكي يرقب تحركات العرب في متيجة. ولكن بدلا من ذلك دخل داره وترك الأمور على حالها مفضلا، كما يقولون، عدم التعرض للأخطار. كان الفرنسيون ينتظرون منه أن يتجول في المنطقة، وأن يكسب العرب، وأن يتعرف على المشارع التي يفكرون فيها. ولكنه لم يفعل، فكثرت الثورات وورجه الفرنسيون اضطرابات لم يتوقعوها. فهل كان الآغا (ابن أمين السكة) متواطئا مع عرب المنطقة؟ هل كان مهملا فقط وليس لموقفه أية علاقات سياسية؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عنه الآن. على أية حال فقد وجه إليه الفرنسيون تهمة عدم القيام بالواجب فطلب من كلوزيل أن يأذن له بجولات في متيجة ليبرهن له على إخلاصه وكفاءته، وجاء في تقريره بعد ذلك أنه تبادل إطلاق الرصاص مع العرب الثائرين. ثم أرسل

(1) نفس المصدر، ص 134 - 137.

ص: 72

من البليدة رأس شخص قال عنه إنه المسئول عن مقتل المدفعيين الفرنسيين الخمسين. (1). وبعد تفحص الرأس تبين أنه لشخص آخر كان صديقا، وليس عدوا للفرنسيين (2).

وإزاء ذلك عزله كلوزيل في 7 جانفي (يناير) 1831 من منصبه، وألغى منصب الآغا مدة قبل أن يعين له شخص آخر. وقد أرغمه كلوزيل أيضا على الذهاب إلى فرنسا خوفا من أن يشترك في مؤامرة ضد السلطات الفرنسية مع القبائل التي كان آغا عليها أو مع زملائه الحضريين. ويقال إن ابن أمين السكة كان شابا طموحا يخشى منه. وهكذا نفي إلى باريس حيث تزوج وظل هناك عدة سنوات بعيدا عن مسرح الأحداث، ثم عاد إلى الجزائر، ولكن دي روفيغو، قائد الجيش الفرنسي، نفاه من جديد أثناء حملته التي قام بها لتصفية العناصر الحضرية الهامة من مدينة الجزائر (3).

ويذكر حمدان خوجة أن ابن أمين السكة كان في باريس أثناء تأليف كتابه (المرآة)(1833)(4). وقد انتصر خوجة لزميله في المهنة وفي الغربة واتخذه حجة على تعسف السياسة الفرنسية في الجزائر عندئذ. فالفرنسيون قد عينوه آغا ثم اتهموه بالتهاون، ومع ذلك أعطاه كلوزيل، كما يقول خوجة، شهادة الإخلاص عند سفره إلى باريس، فاذا كان الأمر كذلك، فلماذا، بناء على خوجة، يعزلونه من منصبه وينفونه من وطنه (5). ولعل مما يؤكدكلام خوجة أن الفرنسيين قد منحوا الأغا (ابن أمين السكة) وسام لشرف أثناء إقامته في باريس، ويذكر بعضهم أن السياسيين والصحفيين الفرنسيين كانوا يدعون حمدان بن أمين السكة، الذي عزلوه في الجزائر، باسم السيد

(1) رقعت هذه الحادثة في البليدة أثناء معركة ضد الفرنسيين هناك.

(2)

أنطر دي ريفو، ص 143، 154 - 155.

(3)

نفس المصدر، 258.

(4)

المرآة، ص 255.

(5)

نفس المصدر ص 255 - 256.

ص: 73

الآغا (1).

ومن الحضريين الجزائريين الذين ظلوا مغمورين المفتي الحنفي سيدي محمد ابن العنابي. كان شخصية فاضلة ومحترمة من معاصريه. وقد هاله ما كان يجري في البلاد ورآه منافيا لشروط التسليم وضد مبادىء الأمة الفرنسية نفسها. لذلك كتب سلسلة من الرسائل إلى الجنرال كلوزيل يذكره فيها بنصوص الاتفاق الجزائري الفرنسي وينبهه إلى العواقب التي قد تجر إليها السياسة المتبعة آنذاك. وقد أرادت السلطات الفرنسية إبعاده من الجزائر فاختلفت له سببا وهو أنه كان يتآمر ضد الدولة بالاتصال بالعرب ، وأنه كان يعمل لصالح عودة الحكم الإسلامي إلى الجزائر. وعلى أية حال فقد ألقى كلوزيل عليه القبض وسجنه بعض الوقت ثم نفاه. ويذكر خوجة أن اعتداء شنيعا قد وقع على عائلته أيضا (أي العنابي)(2).

حاول خوجة أن يفهم التهمة الموجهة إلى صديقه العنابي فكان يذهب مرة إليه ومرة إلى كلوزيل. وقد أخبره هذا بأن المفتي كان على اتصال بالعرب وأنه كان يحاول إثارتهم ضد الفرنسيين لذلك ألقى عليه القبض.

وعندما ذهب إلى المفتي نفى التهمة نفيا قاطعا. وأخيرا عرف خوجة المبرر وقصه بشيء من العاطفة. فقد زار أحد مترجمي الجيش الفرنسي المفتي العنابي وأعلن له أن كلوزيل سيجلو عن الجزائر وأنه ينوي تسليم مقاليد الحكومة إليك فهل في استطاعتك أن تنظم جيشا وأن تعد قوة تهدىء البلاد وتدافع عنها؟ فأجابه العنابي بأنه سيبذل جهده في التنظيم عندما يحين الوقت. ثم سأله المترجم: وهل ستصلك الجنود من داخل البلاد أو أنك ستعتمد على

(1) دي رين، 259. ويذكر جورج إفير G. yver (حمدان بن عثمان خوجة) المجلة الأفريقية - 1913، ص 96 هامش 2، أن حمدان بن أمين السكة قد تزوج بإحدى الغسالات مما أثار فضول الصحافة المحلية، وأنه قد مات سنة 1834.

(2)

أنظر دي رينو ص 155 - 156. وحمدان خوجة، المرآة، ص 262 - 265.

ص: 74

قواتك في مدينة الجزائر وحدها؟ فأجابه العنابي: سأجند، عندما يحين الوقت، من المدن ومن جميع أنحاء البلاد. وسيكون في استطاعتي أن أجند ثلاثين ألف رجل. ويؤكد خوجة أن المترجم المذكور قد أخفى شخصين ليشهدا على هذه المحادثة (1).

بهذه الوسيلة أوقع الفرنسيون المفتي العنابي في الفخ، في زعمهم، ووجدوا له حجة على إقصائه من البلاد. وقد حضر خوجة وطلب من كلوزيل أن يمهل المفتي بعض الوقت حتى يبيع أملاكه وينهي التزاماته. ويبدو أنه كان من الأغنياء حيث يذكر خوجة أنه كان يملك العقارات والأثاث ولم يحصل له على عشرين يوما إلا بشق النفس وبتقديم ضمانات شخصية. وخلال هذه الفترة استطاع أن يقضي حاجاته. وفي آخرها غادر الجزائر إلى الاسكندرية. وقد كان اتخاذ مثل هذا الإجراء سبب في صمت السلطات التشريعية في البلاد كالقضاة والمفتيين، فهم لم يعودوا إلى الاحتجاج على خرق شروط التسليم خوفا من مصير المفتي العنابي.

وهكذا اختفى عنصر من عناصر المقاومة في مدينة الجزائر، ورغم أننا لا ندري مدى التأثير الذي نسب إلى المفتي العنابي بين العرب. فإن الظاهر أنه كان مبالغا فيه. ولكن وجود العنابي في سلطة الافتاء وشخصيته القوية وهمته العالية وجرأته على معارضة الاحتلال -كل ذلك لفتت إليه الأنظار وجعلته قادرا، في أعين أعدائه على الأقل، على القيام بثورة ضدهم تجعل وجودهم في الجزائر محل شك. لذلك قرروا ضربه قبل أن يضربهم. وقد استمرت هذه السياسة من كلوزيل إلى روفيغو إلى بوجو. وهي سياسة تقوم على إبعاد جميع العناصر (الخطرة) ذات النفوذ أو التي يمكن أن تلعب دورا اجتماعيا وسياسيا بين المواطنين، حتى يخلو الجو للسلطات الجديدة (2).

(1) خوجة (المرآة) ص 263 - 264.

(2)

قمنا بدراسة مطولة عن ابن العنابي وآثاره ونشرت في الكتاب التذكاري المهدى إلى الدكتور أحمد عزت عبد الكريم، القاهرة 1976.

ص: 75

أحمد بوضربة لعب دورا بارزا خلال السنوات الأولى للاحتلال، ومع ذلك فلا نعرف عن حياته إلا قليلا. وكل ما نعرفه حتى الآن هو أنه كان من حضر مدينة الجزائر الذين كانوا في الغالب تجارا ميسورين، والذين لم يكونوا على علاقة طيبة مع الحكم العثماني، ولكنهم كانوا راضين بنصيبهم منه على الأقل ظاهريا. ونعرف أيضا أنه كان قد أقام فترة من الوقت في مرسيليا مشتغلا بالتجارة. وهناك تعلم، كما يقول الفرنسيون، اللغة والعادات والتقاليد الفرنسية، وتزوج من فرنسية. وقد تورط هناك أيضا في قضية إفلاس مالي جعلته يغادر مرسيليا ويعود إلى مدينة الجزائر. ونعرف أنه حضر في الرابع من جويليه 1830، لدى الكونت دي بورمون، قائد الجيوش الفرنسية، بصحبة حسن بن حمدان بن عثمان خوجة، وكاتب الباشا، ليفاوض على تسليم المدينة إلى الفرنسيين، مقتنعا بما أعلنوه عن أنفسهم من أنهم جاءوا محررين للجزائريين من ربقة الاضطهاد (التركي).

ومنذئذ تكونت علاقة بينه وبين بورمون، فكان يثق فيه ويستشيره في شئون الجزائر الداخلية (1). وبورمون هو الذي ولاه رئاسة أول مجلس بلدي في مدينة الجزائر. وكان يأخذ برأيه في تعيين الأهالي ولا سيما الحضريين، في المناصب الجديدة. فهو الذي اقترح، كما قيل، إسناد منصب آغا العرب إلى الحضري حمدان بن أمين السكة، وهو الذي أوصى بتعيين الحاج مصطفى بن عمر بايا على التيطري، وكان يقترح سياسة فرنسا نحو باي قسنطينة وباي وهران. وقد استمر على مكانته وتأثيره عند خلفاء بورمون أيضا فقد ولاه كلوزيل إدارة أملاك مكة والمدينة، ووضع فيه برتزين ثقته.

يصفه الفرنسيون بعدة أوصاف متناقضة أحيانا. فهم من ناحية يثقون

(1) دي رينو ج 1 ص 99.

ص: 76

فيه وفي إخلاصه ولكنهم من ناحية أخرى يتهمونه بأنه كان يرأس (لجنة المغاربة) التي كانت تعمل لصالح استعادة الحكم الإسلامي في الجزائر والتي كانت على اتصال مستمر مع الباشا المخلوع (1). وقد وصفوه بأنه كان لطيف المعشر وداهية، ولكنه كان بدون مبادىء أخلاقية، وكان كثير المشاكل أكثر من كونه ماهرا عمليا. وفي عهد برتزين بدأ يلعب دورا هاما بين الأهالي، حسب رواية بعض الفرنسيين، الذين كانوا حتى ذلك الوقت يمقتونه لسوء أخلاقه وسمعته السيئة، لا سيما بعد أن ظهر اسمه عدة مرات أمام المحاكم في قضايا مالية ونحوها (2) وقد اتهمه بعض الفرنسيين أيضا بإثارة القلق والتآمر، بل بارتكاب أعمال خطيرة (3).

أما في عهد الدوق دي روفيغو فان سهم بوضربة قد هبط، كما هبطت أسهم جميع الحضريين أمثاله. فقد رأى الدوق أن بوضربة وجماعته يشكلون خطرا على الاحتلال الفرنسي وأنهم يعملون بأقنعة مختلفة. لذلك قرر التخلص منهم بشتى الوسائل. فسجن بعضهم، وأبعد آخرين عن مدينة الجزائر. وهكذا نفيت في عهده (لجنة المغاربة) التي كان من أعضائها بوضربة، وابن أمين السكة، وابن عمر، وحمدان خوجة، وابراهيم ابن مصطفى باشا. وكان من نتيجة ذلك أن التقى هؤلاء مرة أخرى في باريس حيث لفتوا إليهم الأنظار بمظهرهم الجزائري - الأفريقي، وباتصالاتهم مع رجال الصحافة والصالونات، بل والبرلمانيين.

ويهمنا أن نشير إلى أن معرفتنا بدور بوضربة في باريس غير عميقة.

فقد كان على خلاف مع حمدان خوجة في السياسة التي يجب اتباعها مع

(1) جورج إفير (مذكرات بوضربة) المجلة الأفريقية 1913 عدد 289 - ص 218.

(2)

دي رين، ج 1. ص 172

(3)

نفس المصدر أنظر أيضا إفير. ص 218 هامش 2.

ص: 77

الفرنسيين. وقد يكون هذا الخلاف شخصيا وقد يكون سياسيا. وبوضربة يعرض بخوجة في (مذكراته) فيصفه بأنه من الذين حملوا أقلامهم لاستعمالها في الهجومات الشخصية (1). ويفخر بأنه ليس من هذا النوع وأنه ينظر إلى الأمور نظرة واقعية وأنه يتحرى الحقيقة وأنه يعمل لصالح مواطنيه، ولفرنسا في نفس الوقت. وقد ظهر بوضربة، كما ظهر خوجة، عند تكوين اللجنة الأفريقية (7 جويليه 1833) فكتب إليها مذكرة. كما كتب إليها خوجة مذكرة. ولكن شتان بين العملين روحا وعاطفة وهدفا. فبينما كان خوجة ثائرا على الأوضاع، غير مؤمن بالتعاون المفروض بين الفرنسيين والجزائريين، كان بوضربة ناقدا للأوضاع ولكنه قابل لها مقترحا حلولا عملية لفائدة التعاون الفرنسي- الجزائري. والمذكرة مقسمة إلى سبعة فصول تضم عناوين مثل التنظيم البلدي، وتطبيق القضاء والعدل. والتنظيمات الخاصة بالمناطق الداخلية، وإدارة المؤسسات الخيرية، وغيرها.

وإلى جانب المذكرة مثل بوضربة أمام اللجنة الأفريقية وتقدم عندئذ بخلاصة أفكاره حول العلاقات الجزائرية - الفرنسية. وقد ذكرنا من قبل هذه الآراء، التي لم تكن في الواقع سوى خلاصة للمذكرة، ولذلك فلا نرى داعيا لتلخيص المذكرة هنا. ويذكر دي رينو أن اللجنة الأفريقية قد استمعت بعناية لأفكار بوضربة (2) كما يذكر إفير أن أفكار بوضربة لم تكن كلها تمنيات مثالية (يوتوبيا)، بل إن الحكومة الفرنسية قد طبقت بعضها، ولا سيما الأفكار الخاصة بالتنظيم القضائي والإدارة البلدية (3).

ماذا فعل بوضربة بعد 1834؟ وكيف انتهت حياته؟ هذا ما لا نستطيع الإجابة عنه حاضرا. ولعل علاقة بوضربة بالفرنسيين في بداية الاحتلال

(1) إفير (ص 220) وقد أشار خوجة إلى خلافه مع بوضربه في كتابه (المرآة)(باريس) 1823 ص 257.

(2)

أشار إلى ذلك إفير ص 219 هامش 1.

(3)

نفس المصدر.

ص: 78

ليست غريبة عن علاقة بعض الجزائريين أثناء وعند نهاية الاحتلال. فرغم (اعتداله) وتعلقه بفكرة التعاون بين الطرفين لقي جزاءه نفيا واتهاما بسوء الخلق والتآمر. ونحب أن نشير في نهاية هذا البحث إلى أن بوضربة، كخوجة، كان على إطلاع واسع بأحوال بلاده سواء في المدن أو في الريف، وسواء في إقليم الجزائر أو في بقية الأقاليم (1).

وإذا كانت حياة بوضربة غامضة فان حياة حمدان خوجة كانت واضحة.

فقد كان تاجرا كبيرا ومالكا غنيا من أثرياء مدينة الجزائر. كانت له أراضي في سهل متيجة وأملاكا في مدينة الجزائر. وقد ولد في أواخر القرن 18 من أسرة لها مكانة بارزة في الدولة. فكان عمه أمين السكة (أي مسئول المالية)، وكان والده أستاذا في الشريعة وأصول الدين ثم كاتبا من الدرجة الأولى للدولة. وقد مكنه ذلك من ثقافة عميقة ومعرفة شاملة بشئون الدولة والبلاد عامة، كما مكنه من السفر إلى المشرق وإلى أوربا والتعرف على أحوال العالم القديم (الشرق) والجديد (أوربا)، وكان ذلك في وقت دقيق يشهد تغيرات جذرية في السياسة الدولية (مؤتمر فيبنا)، وفي التفكير الإنساني نتيجة الثورة الصناعية.

وعند الاحتلال كان خوجة حاضرا في مدينة الجزائر وقد لعب دورا هاما. ولكن من وراء الستار. فهو الذي، على ما قيل، كانت له اليد في الدعوة إلى اجتماع الحضر الذين طلبوا على أثره من الباشا الاستلام. وقد كان محل ثقة الباشا ولذلك أرسله إلى صهره الآغا إبراهيم ليقنعه باستئناف القتال بعد هزيمته (الآغا) في معركة أسطاويلي، وكان ابنه حسن هو الذي صحب بوضرة وكاتب الباشا للتفاوض مع بورمون على شروط التسليم.

ويقال إن خوجة كان موضع ثقة بورمون الذي ولاه عضوية المجلس البلدي لمدينة الجزائر، وفي عهد كلوزيل الأول لم يكن خوجة مغضوبا عليه بعد، فكلوزيل هو الذي ولاه لجنة تقدير تعويضات الأملاك المصادرة

(1) تشير مصادر أخرى إلى أن بوضربة كان يعمل في مدينة الجزائر لحساب الأمير عبد القادر، كما تقول إنه قد توفي في المغرب الأقصى.

ص: 79

وأسند إليه دراسة طالب اليهود من فرنسا لدفع تعويضات عن القروض التي كانوا قد دفعوها إلى الكراغلة، كما أصبح خوجة، متوليا شئون المراسلة بين بومزراق، باي التيطري، وبين السلطات الفرنسية. غير أن حظوظه قد هبطت لعدة عوامل. فقد اتهمته أرملة الآغا يحيى بأخذ نقود منها لكي يمنع إرسال ابنها إلى فرنسا (1). وكان خلافه مع بوضربة

قد أضر به. ويذكر بعضهم أن تدخله الملح لصالح المفتي العنابي قد أساء إليه أيضا (2). ومن جهة أخرى تآمر ضده اليهود الذين لم يكونوا يثقون فيه.

أما موقفه غير المتسامح من احتلال المساجد فقد جعله في أعين الفرنسيين من الحاقدين عليهم. وإذا كانت هذه أمور يمكن التسامح معها، فان الفرنسيين لم يكونوا ليتسامحوا معه في الدعاية الواسعة التي قالوا إنه قد نشرها بين الجزائريين عن هزيمة الفرنسيين وانتصار المسلمين في المدية.

كان هذا الموقف سببا في عزله من الوظائف التي أسندت إليه والتي قال عنها بأنه قد قبلها لأنه لم يكن له الخيار. وقد وصف هو قرار العزل بأنه كان (بردا وسلاما) عليه (3)، كان خوجة على اتصال مع الباشا حسين أثناء زيارة حسين إلى باريس سنة 1831. وكان له به علاقة عالية وسياسية أيضا (4). وقد اختلفت آراء الفرنسيين حول خوجة. فبيشون Pichon الذي كان عندئذ المتصرف المدني، قد اعتبره رجلا قديرا، أما كلوزيل فقد

(1) كان أن طلب كلوزيل من أعيان مدينة الجزائر خمسين من أبنائهم ليرسلهم إلى فرنسا ليتعلموا الفرنسية في الظاهر. ولكن الهدف كان أخذهم كرهائن، وانظر خوجة، ص 256.

(2)

اتهم العنابي بالتآمر على أمن الدولة وحكم عليه بالنفي. انظر سبقا.

(3)

المرآة ص 257.

(4)

إفير (حمدان بن عثمان خوجة) ص 191، هامش 2.

ص: 80

عزله واتهمه بالتآمر. وقد وقف اليهود، كما ذكرنا، والمسيحيون أيضا موقفا عدائيا من المواقف الواضحة التي وقفها ضد انتهاك المساجد وتأثير النفوذ اليهودي كل حساب العرب. وكان لخوجة رأي في هؤلاء أيضا. فقد كان ساخطا على كلوزيل سخطا شديدا، وكان ناقما على برتزين، خليفة كلوزيل وعلى بيشون.

وإذا كنا قد عرفنا أن الدوق دي روفيغو قد وقف من الخضريين موقفا عدائيا فانه قد وقف من خوجة في أول الأمر، موقفا مختلفا. فقد أعاد إليه داره التي كان قد استقر فيها أحد الضباط، وأرسله للتفاوض مع الآغا محيي الدين بن مبارك، مرابط القليعة، وكلفه بمهمة سرية لدى الحاج أحمد باي قسنطينة. فذهب مرتين إلى قسنطينة (أوت وأكتوبر 1832 ودامت رحلته إلى ديسمبر من نفس السنة) محاولا إقناع الباي باقتراح الدوق وهو الاعتراف بالسيادة الفرنسية ودفع جزية سنوية لفرنسا (1). ثم توترت العلاقات بينه وبين الدوق فنفاه من الجزائر. كما أن اليهودي بكري قد أغرقه في قضايا مالية شائكة جعلته يتابعها لدى مجلس الدولة في فرنسا.

وفي شهر ماي 1833 كان في باريس يدافع عن قضية الجزائر ويشرحها أمام الرأي العام الفرنسي والعالمي. وكان للضغط الذي قامت به فئة المنفيين الجزائريين في باريس الفضل في تحرك البرلمان الفرنسي وظهور اللجنة الأفريقية. وفي نفس الشهر المذكور أرسل خوجة مذكرة إلى مجلس الدولة الفرنسي عن حالة الجزائر، وفي 3 جوان أرسل، مع ابراهيم بن مصطفى باشا،

(1) رحلة خوجة إلى قسنطينة ما تزال غامضة. فهل كان يعمل لصالح الدوق، أو لصالح الحاج أحمد (كما اعترف هو أمام اللجنة الأفريقية) أو لصالح الباشا حسين الذي كان على اتصال به، أو لصالح شيء آخر. حول هذه الرحلة أنظر أيضا الكتيب الذي ألفه علي أفندي بن حمدان بن عثمان (خوجة) وذكريات رحلة من الجزائر إلى قسنطينة عبر الجبال. ترجمه إلى الفرنسية دي سولسي Desaulcy (ميتز، 1838). ومما يذكر أن على هذا نذهب مع أبيه إلى قسنطينة. لم نعثر بعد على النص العربي لهذا العمل.

ص: 81

مذكرة طويلة إلى المارشال سولت وزير الحربية، واقترحا فيها بعض مطالب الجزائريين مثل تكوين لجنة تحقيق. وفي 9 جويليه أرسل خلاصة للمذكرة إلى الحكومة الفرنسية. وفي 10 منه أرسل خوجة نسخة من المذكرة ورسالة إلى الملك الفرنسي وناشده التدخل في الجزائر. وبعد أن تكونت اللجنة أصبح خوجة هو صوت الجزائريين الذين فوضوه ليتحدث باسمهم. ولذلك رفع في 16 سبتمبر رغبات الجزائريين على الملك. وقد ألح فيها على شيئين: الحرية والاستقلال والتمتع بالحقوق التي يتمتع بها الأوربيون، ثم كتب (المرآة) لتنوير الرأي العام. وكان الكتاب جاهزا تقريبا منذ جوليه غير أن خوجة لم ينشره انتظارا لتحسن الأوضاع وظهور نتائج اللجنة الأفريقية. غير أنه قرر نشره في أكتوبر، وأرسل منه نسخة مع رسالة إلى أعضاء اللجنة المذكورة (1). وينص المؤلف أن (المرآة) سيكون في جزئين يتناول في الأول الجزائر في العهد العثماني وإدارة بورمون وكلوزيل الأولى، ويتناول في الثاني إدارة برتزين وبيشون. ولكن لم يظهر منه سوى الجزء الأول. خاب أمل خوجة في اللجنة الأفريقية التي لم تحقق ما كان يريد. وقد عرضته آراؤه في (المرآة) إلى المحاكمات بدعوى التشهير بالغير، ولم يقبل له أي مطلب استئناف حتى الذي تقدم به أمام مجلس الدولة. ومن جهة أخرى عاد كلوزيل، الذي كان ساخطا عليه، حاكما عاما على الجزائر سنة 1835 (2). وقد أصدر كلوزيل قرارا في 26 سبتمبر سنة 1836 بطرد حسن بن حمدان خوجة من الجزائر بدعوى أنه كان من المتآمرين على فرنسا. أما ابنه الآخر، على، الذي كان قد صحبه إلى فرنسا فقد عاد إلى الجزائر خلال مارس 1839. وأما خوجة نفسه فقد ذهب إلى اسطانبول حيث ظل

(1) تاريخ الرسالة، باريس، 26 أكتوبر 1833. (أنظر الحركة الوطنية الجزائرية) ملحق 3.

(2)

لا ندري ما إذا كان خوجة في الجزائر بعد 1835 ونذكر هنا أنه قد ظهر كتيب بعنوان (رفض كتاب خوجه) باريس (1824) فرد خوجة بكتيب عنوانه (الرد على رفض كتاب حمدان خوجه) باريس (1824).

ص: 82

على اتصال بالحاج أحمد باي قسنطينة يترجم رسائله إلى التركية ويطلع السلطان على أحوال الجزائر. وهناك كتب خوجة كتابا نشره بالعربية والتركية وهو (إتحاف المنصفين والأدباء بمباحث الاحتراز من الوباء)(1). وأهداه بالشعر إلى السلطان محمود الثاني. وإذا كان (المرآة) يظهر مقدرة خوجة التاريخية والسياسية فان (إتحاف المنصفين) يظهر مقدرته العلمية والدينية.

من الواضح أن خوجة يحتاج إلى أكثر من بحث، فحياته خصبة، واطلاعه واسع، وآماله عريضة، وعلاقاته كثيرة وليس ما ذكرنا عنه سوى خلاصة علاقاته وبعض الخطوط من حياته. أما آراؤه وأفكاره وأهدافه فقد تناولناها في (الحركة الوطنية الجزائرية)(2). وعسى أن يتاح لنا الوقت لإعطائه حقه من الدراسة والعناية. والشيء الذي نريد أن نخلص إليه أنه بنهاية خوجة انتهت حركة (اللجنة المغربية) التي كانت تضم العناصر التاجرة والمثقفة والتي حاولت أن تلعب دورا خطرا بالوقوف بين عهدين عثماني وفرنسي. ولعل رومانتيكية خوجة واعتدال بوضربة وعدم وجود قاعدة شعبية قد ساهمت في تصفية هذه الحركة.

(1) حققه ونشره محمد بن عبد الكريم نشر الشركة الوطنية الجزائر 1918.

(2)

طبع دار الآداب بيروت 1969 ص 37 - 44. من الذين درسوا آثار خوجة أيضا عبد الجليل التميمي في كتاب (بحوث ووثاتق). والجدير بالذكر أن محمد العربي الزبيري قد ترجم (المرآة) إلى العربية. كما أن محمد بن عبد الكريم قد نشر عنه دراسة خاصة، كما قام بترجمة (المرآة) أيضا.

ص: 83