الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
من الإدارة العثمانية إلى الإدارة الفرنسية
النظم الإدارية التي أقامها العثمانيون في الجزائر لم تكن تختلف كثيرا عن النظم التي أقاموها في اسطانبول وفي الأجزاء الأخرى من الدولة. ورغم (الطابع الشرقي) الذي تميزت به هذه الإدارة في الجزائر فإن الفرنسيين أبقوا على بعض منها عندما احتلوا الجزائر. وكان بعضهم يريد التطبيق الحرفي لعدد من هذه النظم. ولا سيما العسكرية منها. ونحن نجد في مناقشات اللجنة الأفريقية بعض الآراء حول هذا الموضوع (1). ولكي يفهم المرء حالة الجزائر في الفترة الانتقالية من العهد العثماني إلى العهد الفرنسي لابد من إعطاء لمحة عن هذه النظم الإدارية.
يمتاز الحكم العثماني في الجزائر بظاهرة الخضوع للسلطان. كما يمتاز بعدم الاستقرار الإداري. وقد كان هناك نوع من التفاهم المتبادل بين السلطان والحاكم في الجزائر. فالباشا كان يحاول تمكين سلطته بعد تسميته من الجنود. والبيعة المحلية لا تكفي، إذا لم يباركها السلطان بالفرمان والقفطان المذهب، وسيف الشرف والعمامة الخاصة. وقد كان في استطاعة السلطان أن يضغط على الباشا بعدم إرسال الأشياء المذكورة أو بمنعه من تجنيد المتطوعين في أناضوليا. وهو إجراء يسبب ضعف الولاية (الجزائر).
ويدخل تبادل الهدايا بين السلطان والباشا في هذا النطاق. فالباشا كان يرسل إلى السلطان وإلى وزرائه وأعوانه هدايا ثمينة يختلف حجمها ونوعها
(1) انظر فصل (اللجنة الأفريقية).
تبعا للظروف. وكانت هذه الهدايا غالبا ما ترسل على سفن مسيحية، بل كان أصحاب هذه السفن يعتبرونه شرفا لبلادهم أن تحمل سفنها الهدايا إلى السلطان من حكام الجزائر. والهدايا كانت غالبا لا تخرج عن الحياك والساعات والجواهر والخيول والعبيد والزرابى والتبغ ونحو ذلك. أما السلطان فقد كانت هداياه إلى حاكم الجزائر مما تحتاجه البلاد ويقوي ساعدها اقتصاديا وعسكريا. فقد كانت غالبا تشمل الأسلحة والبارود والحديد والسفن الحربية والتجارية (1).
وكان هناك تعاون بين الطرفين في عدة ميادين. ففي الميدان الدولي قطعت الجزائر علاقاتها مع فرنسا بطلب من السلطان عندما كانت هذه في حرب ضد مصر وسورية (1799)، وفي مناسبة أخرى أرسلت الجزائر بقطعة من أسطولها (حوالي ثمان سفن حربية) لمساعدة السلطان في معركة نافارينو، كما أرسلت ثلاث سفن لمساعدة الدولة العثمانية في قمع ثورة اليونان (1823).
أما في الميدان الداخلي فقد كانت الجزائر ترسل بالعملاء إلى الشرق، وخصوصا منطقة آسيا الصغرى، لتجنيد المتطوعين في الانكشارية. وفي بعض الأحيان كانت السلطات العثمانية تقوم بالتجنيد بطلب من الجزائر.
وكان العملاء يوزعون النقود ويعدون المتطوعين بمغريات كثيرة في الجزائر كالفتيات الحسان والشوارع المرمرية الجميلة. وكان عدد المجندين يختلف من سنة إلى أخرى تبعا للوضع الاقتصادي الذي كانت عليه الجزائر. وكلما انحفض عدد المتطوعين عجزت الحكومة الجزائرية عن مواجهة الاضطرابات
(1) أنظر تفاصيل هدايا السلطان وحاكم الجزائر في بيير بوابي (الحياة اليومية في مدينة الجزائر) La vie quotidienne a Alger (باريس 1962)، ص 85 - 86، وفي الكتاب تفاصيل أخرى عن النظام والإدارة عامة. ومن الوثائق الجزائرية التي تناولت موضوع الهدية رحلة ابن حمادوش الجزائري المسماة (لسان المقال
…
) أنظر دراستي عنها في (مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق) أبريل 1975.
الداخلية بل والحروب مع الخارج. وبين 1800 - 1830 كانت نسبة المتطوعين حوالي 200 شخص سنويا، باستثناء الفترة الواقعة بين 1810 - 1820 التي ارتفع فيها هذا العدد قليلا. ولكن ثورة الانكشارية سنة 1817 أدت إلى مقتل عدد كبير منهم يقدره بعضهم ب 1500 شخص (1).
وهناك مزايا كان يتحلى بها الجندي العثماني في الجزائر. فقد كان أبرز ما يميزه الانضباط والشجاعة والتواضع. وكان يمثل العمود الفقري للنظام القائم عندئذ في البلاد. وكان أهل الجزائر يسمون هؤلاء الجند بكباش أناضوليا لكونهم حمرا سمانا. أما اسمهم الرسمي فقد كانوا يعرفون باليولداش. وإلى جانب ذلك كانوا يمتازون بالخشونة والتهور، وبالتعالي نحو المواطنين. وقد انخفضت معنوياتهم وقيمهم بعد ثورة 1817 على عهد علي خوجه باشا الجزائر عندئذ، فهو الذي قتل منهم الكثيرين وبدأ في الاستعاضة عنهم بجيش محلي، غير أن مشروعه لم يتحقق تماما، فظلوا القوة العسكرية الحقيقية في البلاد إلى الاختلال.
وباستثناء وظائف الكتاب (الخوجات) وبعض الوظائف الأخرى الثانوية فإن طبقة الانكشارية هي التي كانت تسيطر على جميع مقاليد الدولة في الجزائر. وغالبا ما كان الباشا (الداي) يعين أيضا من هذه الطبقة. وكان تعيينه يقع غالبا بعد ثورة داخل القصر. أما الأهالي فلم يكن لهم دور يذكر في انتخاب الباشا. وفي كثير من الأحيان ينتخب الباشا رغم أنفه. وكثيرا ما كان يطول النزاع حول التولية، وكان رفع العلم الأحمر على القصر دليلا على استمرار النزاع، فإذا رفع العلم الأخضر فذلك علامة انتهاء الأزمة وبدء فترة من الاحتفالات بانتخاب الباشا الجديد.
وخلال الحكم العثماني كان قصر الباشا يقع في الجنينة (2)، ولكن الباشا علي خوجة قد نقله إلى القصبة في أعالي المدينة. ونقل الباشا الخزينة
(1) بوايى، ص 88 - 89.
(2)
هي ساحة بورسعيد حاليا.
إلى هناك أيضا. وكان ذلك عقب الثورة التي قام بها ضده جنود الانكشارية (1817) وقد استعان الباشا على ذلك بتجنيد جيش أهلي (أغلبه من سكان زواوة) وكرغلى. ومما يذكر أن علي خوجة كان من بين الحكام القلائل الذين ماتوا طبيعيا، وأنه هو الذي عين حسينا خلفا له، وهذا الأخير هو الذين وقعت الحملة الفرنسية على عهده، 1830. ودخول العنصر الأهلي في عهد علي خوجة لا يمكن أن نسميه حركة قومية بالمعنى الحرفي للكلمة، ولكننا نلاحظ أن هناك فكرة جديدة قد دخلت في علاقة الأهالي بالحكام العثمانيين. غير أن هذه الفكرة لم يتح لها أن تتطور إلى شكل نظام ملكي قائم على قاعدة وطنية شأن أسرة محمد علي في مصر أو الأسرة الحسينية في تونس (1).
كان الباشا يقوم بمهمته بمساعدة عدد من المجالس والوزراء. فهناك ديوانان: عادي، ويضم عددا عن المستشارين الكبار، وكان هذا كثير الاجتماع، والديوان الأعظم الذي كان أعضاؤه من كبار الضباط، (حوالي 80 عضوا) بالإضافة إلى أعضاء الديوان العادي. وكان هذا لا يجتمع إلا بشأن القضايا الهامة كالحرب والسلم. وكان يحضر جلساته أيضا آغا القمرين (الرئيس النظري للانكشارية)، والمفتيان الحنفي والمالكي وكتاب الدولة الأربعة الكبار. وهناك أيضا ديوان البحر الذي كان يجتمع تحث رئاسة وكيل الحرج أد وزير البحرية. وكان يتكون من زعماء الأسطول أو الرياس.
أما الوزراء، فقد كانوا كما يلي: الخزناجي (المالية) الذي يأتي بعد الباشا مباشرة في الأهمية. وكثيرا ما كان يتولى بعده، آغا العرب الذي كان يجمع
(1) نفس المصدر، ص 92 - 92. ولعله لو نجح الباشا علي خوجه في القضاء على الانكشارية وإقامة حكم وراثي لتغير مجرى التاريخ الجزائري.
إلى قيادة الجيش البري الشؤون الأهلية، خوجة الخيل الذي كان عبارة عن وزير نقل بالمعنى الحديث، فهو الذي يشرف على الحيوانات التي لدى الأهالي والتي تعود إلى الدولة، وهو الذي يشرف على جميع الضرائب من أملاك الدولة، ويبيت المالجى الذي كان ينظر وراء الأملاك المصادرة ويراقب الأموال الآنية من البايات والشخصيات المعزولة أو التي اغتيلت.
وأخيرا وكيل الحرج الذي كان يهم بشؤون البحر والشؤون الخارجية أيضا. وإليه يعود التصرف في قضايا التموين والقرصنة والتحصينات.
وإلى جانب الدولوين والوزارات كانت هناك وظائف أخرى هامة في الدولة الجزائرية العثمانية. أو لها وظائف الكتاب أو الخوجات الذين كانوا يشكلون طبقة عليا في المجتمع الجزائري. وكانوا يتميزون بلباس القفطان الطويل والبرنس الأبيض والعمامة الضخمة. كما كانوا يحملون في حزامهم مقلمة من النحاس لتميزهم من الطبقة الانكشارية. وتشمل وظائفهم عدة ميادين. فهناك خوجة السوق (الرحبة)، وخوجة الملح، وخوجة الزرع، وخوجة الجلود، وخوجة الجمارك، وهكذا.
وثانيها وظائف القواد، وكان هؤلاء يتمتعون بصلاحيات إدارية ومالية لا يتمتع بها غيرهم. ومنهم من يتولى منصبا معينا كقائد الفحص الذي كان يتولى حراسة ضواحي المدينة، وقائد الزبل الذي كان يشرف على نظافة المدينة وتجميلها، ومنهم من يتولى مهام إدارية مباشرة في منطقة خاصة في وطن من الأوطان (1) أو غير مباشرة بحيت يشرف على مجموعة من القبائل عن طريق شيخ كل قبيلة. وكانت مهمة القائد تتمثل في جمع الضرائب وإبقاء الأمن في المنطقة التي تعود إليه وتمثيل السلطة المركزية. وكانوا يمتازون
(1) كان كل إقليم مقسما إلى عدة أوطان، مثلا كان في إقليم التيطري وحده حوالي 21 وطنا. وعلى كل وطن قائد يحكم مباشرة.
ببلباس البرنس الأحمر الذي يخلعه عليهم الباشا في حفلة خاصة تقام لهذا الغرض (1). بالإضافة إلى دار السلطان، التي كانت تشمل مدينة الجزائر والساحل وسهل متيجة، كانت الجزائر على أيام العثمانيين تنقسم إداريا إلى ثلاثة أقاليم: أولا إقليم قسنطينة (الذي كان أهمها) شرقا وعاصمته مدينة قسنطينة.
وثانيا إقليم وهران غربا (الذي يأتي في العدرجة الثانية أهمية) وعاصمته مزونة ثم معسكر، وبعد تحرير مدينة وهران من الأسبان (1792) أصبحت هي العاصمة، وأخيرا إقليم التيطري وسطا (وهو أقلها أهمية) وعاصمته مدينة المدية. وكان هذا الإقليم ضعيفا لقربه من الإدارة المركزية من جهة ولقلة موارده الاقتصادية من جهة أخرى.
كل إقليم كانت له إدارة شبيهة بالإدارة المركزية. فالخزناجي هو الخزندار في إدارة الإقليم، وآغا العرب هو الخليفة. أما بيت المالجي فهو نفسه في الإقليم أيضا. وبالإضافة إلى ذلك كان هناك الخوجات والشواش ونحوهم من الموظفين. وكانت الوحدة الإدارية هي القبيلة التي كانت في العادة تحت سلطة شيخ القبيلة الذي يخضع بدوره إلى قائد من أصل تركي أو كرغلي. وكانت علاقة القبائل بالإدارة على أنواع: فهناك القبائل النائية التي لا تصلها يد السلطة. وهناك القبائل ذات الاستقلال الذاتي التي تدفع ضريبة الخضوع، وهناك قبائل الرعية، وهذه أيضا أنواع: فمنها الخاضعة خضوعا جزئيا ومنها الخاضعة خضوعا تاما (وتسمى قبائل العازل أو العبيد). وأخيرا هناك قبائل المخزن وهي المتحالفة مع السلطة المركزية وتمدها بالمال والرجال عند قيامها بحملات عسكرية (2) سواء داخليا أو خارجيا. وليس هناك حالة قارة لجميع هذه القبائل.
وإذا كان على كل مسؤول إقليم أن يسهر على الأمن وأن يجمع الضرائب
(1) أبقت فرنسا على نظام القواد المذكورين بل أبقت حتى على شعاره وهو البرنس الأحمر.
(2)
وتسمى الحملات العسكرية في العهد العثماني بالمحال (جمع محلة). وما زال الاستعمال شائعا إلى اليوم في بعض الجهات.
فان هناك شيئا آخر عليه أن يقوم به وهو رحلة الدنوش أو القيام بزيارة إلى مدينة الجزائر كل نصف سنة لتقديم تقرير عن المحصول في الإقليم. وتقام لذلك حفلة خاصة تقليدية. وفي كل ثلاث سنوات كان الباي يذهب بنفسه على رأس الوفد. وكثيرا ما كانت هذه الرحلة إلى العاصمة محفوفة بالأخطار لأن الباي قد لا يعود إلى مقر إدارته إذا لم يرض الباشا وحاشيته ومقربيه بالهدايا الثمينة ومظاهر النجاح في فرض السلطة. ويظل الباي في مدينة الجزائر في العادة ثمانية أيام. وكانت عودته إلى مقر عمله تتوقف على تسلمه قفطانا جديدا من الباشا، وهو ما يعتبر في عرفهم تجديدا للثقة فيه من الإدارة المركزية. وعلى أية حال فان قدوم الباي إلى العاصمة كان يتم في بهجة عامة وتقام لذلك حفلة تدوم عدة أيام، وكان أهالي العاصمة ينتظرونها ويستمتعون بها، ويعتبرونها نوعا من التغيير في حياتهم الرتيبة (1).
وهناك عدة وظائف قضائية يتولاها القاضي والعدل والعون والوكيل.
وكان هؤلاء يختارون من بين العلماء بعد أن يجتازوا امتحانا خاصا. وكان حكم هؤلاء المسئولين لا رجعة فيه غير أن للمفتي أن يقول كلمته فيه. وكان المذهبان الحنفي والمالكي ممثلين في جميع المستويات: فهناك محكمة حنفية وأخرى مالكية، ومفاتي وقضاة حنفيون وآخرون مالكيون، ومجلس مشترك.
هذا بالنسبة للمسلمين، أما بالنسبة للإسرائيليين فقد كان لهم قضاة خاصون بهم (الأحبار) وأما المسيحيون فقد كانوا يحاكمون في القنصليات الأجنبية الموجودة في الجزائر. وتحتفظ الدولة بحق التدخل إذا لزم الأمر، ولا سيما في القضايا الجنائية.
ويمتاز القضاء زمن العثمانيين بالتنفيذ السريع والعقاب الصارم إذا اقتضى
(1) انظر بعض التفاصيل عن رحلة الدنوش في كتاب (مذكرات الشريف الزهار) نشر أحمد توفيق المدني، الجزائر، 1975.
الأمر ذلك. وكانت العقوبة بالموت تختلف بحسب الجنس والطبقة الاجتماعية فالأتراك المذنبون كانوا يخنقون سرا في دار رئيس الانكشارية (آغا القمرين) وكان اليهود يحرقون حرقا والمسيحيون يشنقون شنقا. أما العرب فقد كانوا يعاقبون إما بالشنق وإما بقطع الرأس. وإذا كانت القضية خطيرة يرمى بالشخص حيا من أعالي الجدران جهة البحر. حيث يموت موتا بطيئا قاسيا. وإذا كانت المرأة الزانية متزوجة فانها توضع في كيس وترمى في البحر، وكذلك الحال بالنسبة للمرأة الحرة التي وجدت مع أحد المسيحيين أو اليهود وكان يقوم بتنفيذ الأحكام مساعدو المزوار. (1) ويذكر المؤرخون أن مدينة الجزائر كانت مثالا للأمن والهدوء، وهم يعزون ذلك إلى قوة وصرامة تنفيذ العقوبات ضد الجناة (2).
أما تنظيم المدينة الداخلي (أي مدينة الجزائر) فقد كان يعود إلى نظر شيخ البلاد الذي كان عبارة عن رئيس بلدية اليوم، والذي كان دائما عربي الأصل، وهو الذي كان يشرف على الأمن وله شرطة منظمة مكونة من حضر المدينة العرب. وكان يساعده في مهمته عدد من الأعضاء، وكان شيخ المدينة مكلفا بقبض الضرائب. وكان المحتسب هو الذي يقوم بمراقبة الأسواق حتى لا يقع الغش، فاذا ثبت الغش في الأسعار أو الموازين فان يد الغاش تقطع أو يطاف به أمام العامة على ظهر حمار. أما إذا ثبت غش الخباز فان يده لا تقطع ولكن تصادر المخبزة ويضرب هو ضربا مبرحا على قدميه.
وكان يقوم بالحراسة الليليلة المزوار وأعوانه. فاذا وقع حادث أدى إلى جريان الدم فان (جراح باشى) يتدخل بمعالجة الجريح، وهذا الشخص،
(1) المزوار هو مسئول حراسة المدينة ليلا وهو الذي يراقت وينظم الفتيات العاهرات عن طريق رخص خاصة يصدرها لهن.
(2)
اعتقد الفرنسيون أن الهدوء في الجزائر على عهد العثمانيين يعود إلى قسوة الأحكام فقلدوا العثمانيين في ذلك ولكن الفرق كان كبيرا.
الذي كان من الانكشارية، لم يكن طبيبا بالمعنى الحقيقي للكلمة، وكان جراح باشى كثيرا ما يأخذ الرشوة ليسكت على الحادث. وكان المزوار أو مساعده هو الذي يتولى رئاسة الفرقة التي تتألف من عرب الحضر، فاذا كانت الفرقة من أهل زواوة فان رئيسها يدعى القلباشى. وكان من الممنوع السير ليلا بدون مصباح في مدينة الجزائر. ولكن لا يسمح لليهود سوى بحمل شمعة أو مصباح زيتي تمييزا لهم، وتمتاز مدن الجزائر عندئذ بأن أهلها كانوا ينامون باكرا ويستيقظون باكرا أيضا. ويلاحظ أن ما قيل في عاصمة البلاد يقال في عوصم الأقاليم وأهم المدن الأخرى.
وهكذا نرى أن هناك خصائص تميز الإدارة العثمانية في الجزائر.
وأهم هذه الخصائص الولاء المطلق للسلطان، وبقاء الانكشاريين في حالة عزوبة استعدادا للمهمة العسكرية التي أعدوا من أجلها. فاذا تزوج الانكشاري فان أبناءه وأحفاده يصبحون كراغلة (أمهاتهم جزائريات) ولا يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها آباؤهم. ومن أهمها أيضا العنف الذي صحب تغيير الحاكم، فقلما يموت الحاكم في فراشه. ومن حسن الحظ أن الاضطراب كان يقتصر على القصر ولا يمتد إلى عامة البلاد. وكانت هذه الإدارة محافظة متمسكة بالتقاليد الاجتماعية والدينية، وهي تقوم على نظام اجتماعي طبقي يبدأ بالعبيد وينتهي بالوجق العثماني (الأرستقراطي) مارا بطبقة وسطى يمثلها عادة العرب الحضريون وهم غالبا سكان المدن من التجار والصناع وأصحاب الحرف والخوجات والعلماء. وتمتاز الإدارة العثمانية بالقسوة في العقوبات وسرعة التقاضي وتنفيذ الأحكام. كما تمتاز بالتعفن الإداري والاجتماعي كالرشوة والتوريط والتواكل والغش. فما موقف الفرنسيين من هذه الإدارة بعد احتلالهم للجزائر؟ وما الجديد الذي أدخلوه عليها (1)؟
(1) يجد المهتم تفاصيل هامة عن الحياة الإدارية والاجتماعية في العهد العثماني بالجزائر.
أول ما فعله الكونت دي بورمون قائد الجيش الفرنسي المنتصر، هو حل منظمة الانكشارية التي كان عدد أعضائها العزاب في مدينة الجزائر يبلغ.،500 والمتزوجين حوالي الألف. وكان اليهود قد رفعوا رؤوسهم بعد دخول الفرنسيين فبدأوا حملة من الانتقام من أسيادهم السابقين فنهبوا أموالهم ومنازلهم، وورطوهم في قضايا مالية شائكة وبلغ بهم الانتقام أن اعتقلوا عددا كبيرا من العثمانيين عندما تأكدوا من اقتراب الجيش الفرنسي من المدينة وكانوا يهللون ويرقصون في الشوارع معلنين ولاءهم للسيد الفرنسي الجديد. أما بورمون فقد أمر بترحيل الانكشاريين غير المتزوجين إلى آسيا الصغرى بعد تجريدهم من الأسلحة.
وقد تبادل كل من حسين باشا (كان سنه عندئذ حوالي 65 سنة) وبورمون الزيارة. فزار الباشا أولا بورمون مصحوبا بحوالي خمسين شخصا من العرب والأتراك. وطالب باسترداد أثاثه وحاجاته التي منها كيس يحتوي على 30،000 قطعة من الذهب. كانت الزيارة في 7 جويلية 1830. وفي اليوم التالي زاره بورمون وخيره في المكان الذي يريد الذهاب إليه فاختر أولا مالطة ولكن خوفا من بريطانيا خيره بورمون في مكان آخر فاختار نابولي، التي كان ملكها صديقا للباشا، فقبلت رغبته. وفي 31 من الشهر وصل حسين باشا الجزائر السابق إلى نابولي على متن السفينة الفرنسية (جان دارك) وكان برفقته 110 أشخاص من بينهم الآغا ابراهيم. قائد الجيش المنهزم، ووزير المالية أو الخزناجي، ومن بينهم أيضا 57 امرأة، حرائر ووصيفات.
قال أحد المؤرخين الفرنسيين ليس هناك مدينة في العالم قد شهدت عند احتلالها الفوضى التي شهدتها مدينة الجزائر (1). فقد اختفت الحلق والسلاسل.
= في كتاب ديفولكس A. Devaux (التشريفات)(باريس 1852) كما يحتوي كتاب حمدان خوجة (المرآة) على معلومات طيبة في الموضوع.
(1)
غابريال اسكير، ص 411.
والصوارى والأخشاب والسنائر من الميناء، وخلعت أبواب المحلات العامة، ونهبت الأموال والأثاث والحلي من المنازل. وكثر الاعتداء على الأشخاص والأعراض. وزاد الأمر سوءا أن القائد العام (بورمون) قد ترك الحبل على الغارب، ولم يعد يحكم فعلا، بل ترك الأمور إلى قائد الأركان وإلى مسئول التموين، وكلاهما كان غير قادر على ممارسته أية سلطة. وكان بورمون متأثرا لوفاة إبنه، وقلقا من الحالة السياسية في فرنسا (ثورة جويليه، 1830)، بالإضافة إلى أنه كان في وضع حرج نحو الجيش الذي وعده بالامتيازات ولكنها لم تأت. ولو أن الفرنسيين قد أبقوا على وظائف الإدارة العثمانية لظلت الأمور تسير على الأقل في الحد الأدنى، ولكنهم ألغوا وظائف الخزناجي، وقائد الشرطة، ومراقبي الأسواق، والأمناء. وكانوا يهدفون من ذلك إلى وضع حد للوجود العثماني وإلى بداية إدارة جديدة ولكنها كانت إدارة مرتجلة أدت إلى كثير من التعقيدات، والمشاكل بدل الحلول.
في اليوم التالي من الاحتلال (6 جويليه) أنشأ بورمون (لجنة الحكومة) وتتلخص مهمتها في النظر في (حاجات وإمكانيات البلاد والنظم التي يجب تعديلها وإلغاؤها والفائدة من استخدام أعيان الجزائريين من مختلف الطبقات الأهلية والفرنسية لملء إطارات الموظفين. وممارسة الوظائف المدنية). (1)
وكان يرأس اللجنة وكيل التموين، وتضم الجنرال تولوزى Tholozé والجنرال فيرينو Firino ، والقنصل الفرنسي السابق في عنابة الاسكندر دوفال، Deval (2) أما كاتبها فقد كان دى بوسير Bussiere الذي كان من موظفي وزارة الشئون الخارجية الفرنسية. ويساعده مترجمان هما: جيراردان Girardain ، والمستشرق الشهري دي صال Salle . ويتضح من
(1) نفس المصدر ص 408.
(2)
ليس هذا صاحب قصة المروحة الذي عرفنا أنه مات أثناء الحصار.
تركيب اللجنة ومن مهمتها أنها هيئة فرنسية تجهل الشئون الأهلية وحاجات الجزائريين (1). وكانت مهمتها تأسيس الإدارة الفرنسية في الجزائر، على أنقاض الإدارة العثمانية وهي مهمة ليست سهلة.
كان (للجنة الحكومة) هدفان: جمع المعلومات عن الإدارة العثمانية السابقة للاستفادة منها في الإدارة الجديدة، وتوفير السكن والمستشفيات للجيش الفرنسي، غير أن اللجنة لم تستطع أن تحقق أي شيء بالنسبة للنقطة الأولى لأن سجلات ووثائق الإدارة السابقة قد اختفت (2)، أما المعلومات التي توصلت إليها حول المداخيل والأملاك فقد كانت من أفواه الناس فقط.
وأما بخصوص النقطة الثانية فان اللجنة الحكومية أنشأت (هيئة مركزية) تضم ممثلين عن المنظمات السبع الهامة في المدينة، وهم الحاج علي بن أمين السكة، وابن مربط، وابراهيم بن المولى محمد، وحسن قلعاجي، ومحمد ابن الحاج عمر، وأحمد بوضربة، والحاج قدور بن عشائش، وبعد حين انضم إلى الهيئة إسرائيليان قد لعبا دورا واضحا في التمهيد للاحتلال وهما ابن بكري وابن دوران. ونلاحظ أن بعض أعضاء هذه الهيئة كانت له شهرة في التعاون مع الفرنسيين، مثل بوضربة. كما نلاحظ أن جميعهم تقريبا
كانوا من حضر مدينة الجزائر (3).
(1) كانت تضم أعضاء غير فرنسيين وهم بيت المالجي، وأمين السكة، والآغا، ولكن دورهم كان استشاريا فقط.
(2)
يقر المؤرخون الفرنسيون بأن الجنود كانوا يشعلون غليوناتهم بوثائق الإدارة العثمانية السابقة على مرأى من مسؤوليهم، نفس المصدر، ص 409.
(3)
كان الاعتقاد الشائع لدى الفرنسيين أن حضر الجزائر كانوا متضايقين من الإدارة العثمانية ولذلك فهم طبقة صالحة للتعاون معهم ضد هذه الإدارة، وقد استعملوا بعضى أعضاء الحضر في البداية ولكن سرعان ما انقلبوا عليهم واتهموهم بالتآمر والطموح ونحو ذلك، ونفوا زعماءهم من مدينة الجزائر. انظر الفصل الخاص بحضر الجزائر.
كان رئيس الهيئة المركزية هو أحمد بوضربة الذي أظهر حماسا كبيرا للوجود الفرنسي في الجزائر، على الأقل في أول الأمر، وسنتعرض لهذه الشخصية في مكان آخر. وحسبنا أن نقول أن بوضربة كان متزوجا من فرنسية، ويحسن الفرنسية، وكان من الذين فاوضوا بورمون على تسليم المدينة ليلة الخامس من جويليه. وقد قال عنه أحد المورخين الفرنسيين إن بوضربة كان (رجلا فطنا ومهذبا وحيليا ولكنه كان بدون مبادىء أخلاقية، وكان يخلق المشاكل أكثر مما يجد حلالها (1) ومواطنوه الذين كانوا معه في الهيئة كانوا ممن رحبوا بالفرنسيين أول الأمر وصدقوا أنهم جاءوا فعلا محررين كما ادعوا في بيانهم. وعلى أية حال فانه كان في الهيئة أيضا نائب وكيل التموين الفرنسي، بروغير Bruguiere الذي كان يمثل الملك الفرنسي لدى الهيئة المذكورة. ومن جهة أخرى كانت الهيئة تضم أعضاء آخرين، وهم بيت المالجي وخوجات أسواق القمح والفحم، وأمناء البساكرية، وبني مزاب، كما كانت تضم مفتي الحنفية والمالكية وقاضي الحنفية والمالكية. وباختصار فإن الهيئة كانت عبارة عن (مجلس بلدي) يلعب فيه بوضربة دور شيخ المدينة على عهد العثمانيين.
وإذا كانت مهمة لجنة الحكومة هي جمع المعلومات والعناية بالجيش فان مهمة الهيئة المركزية أو المجلس البلدي كانت تتمثل في محاولة إنشاء إدارة محلية. وتشمل هذه أيضا توفير الحاجات العاجلة للجيش، ومعرفة قدرات وطاقات البلاد عامة ومدينة الجرائر خاصة (2). ومن الواضح أن هناك تداخلا بين مهمة المنظمتين، ولكن كلا منهما كانت تسير نحو هدف واحد، وهو خدمة السيد الجديد، وتوفير الراحة لجيشه، ووضع إمكانيات
(1) نفس المصدر ص 410.
(2)
نفس المصدر ص 409.
البلاد بين يديه. ولعل الفرنسيين قد لجأوا إلى خلق هذه الهيئة لترضية الجزائريين، ولا سيما الطبقة التي تعاونت معهم وكانت تظن أن إنهاء الإدارة العثمانية يعني انتقال الحكم إليها. أما السلطة الحقيقية فقد كانت في يد اللجنة الحكومية.
وقد حاولت لجنة الحكومة أن توفر الغذاء للمدينة، فنظمت الجمارك والمكوس. غير أن الموظفين الذين عهدت إليهم بذلك كانوا يجهلون مهمتهم فكانت النتيجة ارتفاعا فاحشا في الأسعار واستغلالا كبيرا للضعفاء. وقد انحفضت الواردات بالبحر إلى 5 % والصادرات إلى 2 %، باستثناء البضائع الفرنسية طبعا. وهكذا كانت المدينة على وشك أن لا تجد حتى المواد الألويةكالملح (1). ويلقى الفرنسيون تبعة ذلك على أعضاء الهيئة المركزية الذين يتهمونهم باقتسام الأموال بينهم، كما يلقونها على المستفيدين من هذه الفوضى الاقتصادية، وهم أناس مغامرون قد اصطحبوا الجيش الفرنسي من أوربا ومن فرنسا نفسها دون أن يكون لهم أي عنوان (2).
وقد نظم الفرنسيون شرطة المدينة ووضعوها تحت شخص عرف بمغامراته البوليسية والجاسوسية. ففي عهد نابليون الأول تولى دوبينيوز D'Aubignose إدارة شرطة بريم Bréme (ألمانيا). وقبل الاحتلال بعدة شهور أرسل إلى تونس للتجسس ونشر الدعاية والتأثير على السلطات التونسية حتى لا تنجد الجزائر عند تدخل الفرنسيين، وهو نفسه الذي تولى إدارة الشرطة في الجزائر بعد نجاح الحملة، وكان يعمل تحت إمرته مفتش للشرطة، ومحافظون، وفرقة عربية من عشرين شخصا يرأسها المزوار الذي سبق أن أشرنا إلى مهمته في العهد العثماني، ورغم هذا التنظيم
(1) أنظر (فيلهم شيمبر والجزائر) تلخيص أبو العيد دودو، المجاهد الثقافي عدد 10، 1969)، ص 107 - 109
(2)
اسكير ص 410.
فقد وقعت السرقات بكثرة ولم يحترم الجزائريون الفرنسيين. ويعزو الفرنسيون ذلك إلى (رخاوة العرب). لذلك استبدلت الشرطة العربية بشرطة فرنسية. ويقولون إنهم بذلك الإجراء قد جعلوا (السكان يحترمون الوضع الجديد عن طريق العصا)(1).
أظهرت الطائفة اليهودية في الجزائر ميلا واضحا إلى الفرنسيين كما أظهر لهم هؤلاء عطفا أوضح وأصبحوا عندهم من ذوي الحظوة والجاه. وقد لعب ديني Denniée وكيل التموين دورا بارزا في حمل القائد العام على مراعاة اليهود. ومنذ اليوم التالي للاحتلال عينت السلطات الفرنسية اليودي سرور رئيسا للمترجمين غير الفرنسيين. وقد أصبح بكري صاحب نفوذ كبير حتى إن الجيش كان لا يفعل شيئا إلا باستشارته. وبذلك حصل على امتيازات كبيرة له ولطائفته (2). وهذا الحلف هو الذي جعل حضر المدينة يتوجسون من الفرنسيين بعد أن رحبوا بهم.
ورغم أن هذه الطائفة لم تعترف بالجميل فإن الفرنسيين ظلوا على ميلهم لليهود على حساب العرب. ويذكر الفرنسيون أنفسهم أن اليهود الذين أظهروا التعاون معهم أولا كانوا على استعداد لبيع الجيش الفرنسي في سبيل مصالحهم، وأصبحوا مرابين ومورطين غير أوفياء بالعهود (3).
وفي اليوم الأول من الاحتلال اتصل بكري بالأتراك وحذرهم من الخطر الذي يهددهم ووعدهم الحماية على شرط أن يدفعوا مقابل ذلك ما طلبه منهم.
كما اتصل بقومه ووعدهم أن الفرنسيين لن يفعلوا شيئا بدون رضاه.
(1) نفس المصدر ص 412.
(2)
نفس المصدر ص 412 - 413.
(3)
يذكر اسكير أنهم ادعوا أن امرأة أحد الأتراك كانت تخبىء السلاح في بيتها، وعندما تبين العكس ذهبوا إليها وطلبوا منها دفع 600 قطعة من الذهب حتى لا تتعرض لمعاملة سيئة فأعطتهم المبلغ ولكنها اشتكتهم فألقي القبض على المعتدين وسجنوا، ص 412.
وكان يطمح إلى أن يكون رئيس الطائفة اليهودية في العهد الفرنسي كما كان زمن الإدارة العثمانية. واتصل أيضا بمحافظي الشرطة وطلب منهم تسليم كل القضايا الخاصة باليهود إليه. وقد فعل ذلك دون علم الهيئة المركزية (المجلس البلدي) ورئيس الشرطة.
ويعزو الفرنسيون سخط العرب عليهم إلى تأثير اليهود الذي أصبح واضحا بعد الاحتلال. ويقولون إن النفوذ اليهودي كان السبب في هجرة كثير من أغنياء العرب من المدينة. وقد تدخل أعضاء الهيئة المركزية لدى رئيس الشرطة لمنع هجرة العائلات الغنية من المدينة ولكن بدون جدوى. وهناك من يذهب إلى أن ثورة العرب ضد الفرنسيين حتى في الأرياف كانت تعود إلى النفوذ الذي أصبح عليه اليهود في الإدارة الجديدة (1).
والواقع أن هناك مبالغة في هذه القضية لأن سخط العرب وثورتهم، سواء في المدينة أو في الريف كان يعود إلى مبدأ الاحتلال نفسه. ولم يكن النفوذ اليهودي سوى نتيجة من النتائج الكثير ة التي ترتبت على هذا الاحتلال.
فوقف التجارة، واحتلال المنازل والمساجد والأملاك الخاصة بدون مقابل والاعتداء على الأعراض، وإزالة معالم الحكم الأهلي، كل ذلك، وغيره، أدى إلى الثورة ضد الفرنسيين، حتى من الذين كانوا في البداية مؤمنين بالتعاون معهم في بعض الحدود، وإن المرء ليجد وصفا صارخا لتصرفات الجيش الفرنسي في تلك الأثناء في كتاب (المرآة) لحمدان بن عثمان خوجة (2).
وخلال السنوات الأولى للاحتلال لم يكن هناك نموذج إداري اتبعه الفرنسيون، وقد دام الحال كذلك إلى مجىء اللجنة الأفريقية وصدور قرار
(1) نفس المصدر، ص 414. وعن هجرة الجزائريين، في هذه الأثناء أنظر كتابنا (الحركة الوطنية) ط. بيروت، 1969.
(2)
أنظر الفصل الخاص بحضر الجزائر.
جويليه سنة 1834 الذي ألحق الجزائر بفرنسا ونظم إدارتها على نحو شبيه بما كان يجري في فرنسا. ومن الذين تولوا خلال السنوات الأربع الأولى، بعد بورمون، كلوزيل، وبرتزين، والدوق دي روفيغو، وفوارول. كلهم كانوا مهتمين بمشاريع الاستعمار، ومباربة الثوار، أكثر مما كانوا مهتمين بالتنظيم الإداري. وبالإضافة إلى ذلك فان الحكومة الفرنسيين نفسها كانت إلى سنة 1834 لم تتخذ موقفا واضحا من قضية الجزائر. ولكن في هذا التاريخ وبتوصية من اللجنة الإفريقية قررت الاحتفاظ بالجزائر وإلحاقها بفرنسا وإعطاءها إدارة قادرة في منصب الحاكم العام الجديد الذي كان مسئولا لدى الحكومة عن كل الأمور العسكرية والمدنية في الجزائر. أما تطور الإدارة الفرنسية بعد ذلك فلا يعنينا في هذا المجال لأن غرضنا هو ربط الفترة الانتقالية إداريا، أو بعبارة أخرى كيف انتقلت السلطات الإدارية من العثمانيين إلى الفرنسيين.