الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثمانون: وصاياه ونيه عن الندب
…
الباب الثمانون: في ذكر وصاياه ونهيه عن النّدب
في الصحيح عن عمرو بن ميمون عن عمر قال: "أوصيه - يعني الخليفة من بعده - بذمة الله وذمة رسول الله أن يُوفَى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يُكلّفوا إلاّ طاقتهم"1.
وعن عمرو بن ميمون قال: قال عمر: "أوصي الخليفة بالمهاجرين الأوّلين، أن يُعرف لهم حقهم، وأوصي الخليفة بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلِ أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبل من محسنهم، وأن يعفى عن مسيئهم"2.
وعن ابن عمر قال: "دفع إليّ عمر رضي الله عنه كتاباً، فقال: "إذا اجتمع الناس على رجل فادفع إليه هذا الكتاب، وأقرأه مني السلام، فإذا فيه أوصي الخليفة من بعدي بتقوى الله، وأوصيه بالمهاجرين الأوّلين {الَّذِينَ أُخْرِجُوا من دِيَارِهِم وَأَمْوَالِهِم يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ} [الحشر: 8-9] ، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم كرامتهم، وأوصيه بالأنصار خيراً، {الَّّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ والإِيمَانَ مِن قَبْلِهِم يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهُم وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِم حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا} ، إلى قوله:{المُفْلِحُونَ} [الحشر: 8-9] أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم، وأن يشركوا في الأمر، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يوفي بعهدهم، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، وأن يقاتل من روائهم"3.
1 سبق تخريجه ص 957، 968.
2 البخاري: الصحيح، كتاب التفسير 4/1854، رقم:4606.
3 ابن الجوزي: مناقب ص 228، بدون إسناد.
وعن جويرية1 بن قدامة قال: "حججتُ فأتيتُ المدينةَ العام الذي أصيب فيه عمر، قال: فخطب فقال: "إني رأيت ديكاً أحمر نقرني نقرتين، أو نقرة"2. وكان من أمره أنه طعن، فأذن للناس عليه، فكان أوّل من دخل عليه أصحاب النبِي صلى الله عليه وسلم، ثم أهل المدينة، ثم أهل الشام، ثم أهل العراق، فخلتُ فيمن دخل، قال: فكان كلما دخل عليه قوم أثنوا عليه، وبكوا، قال: فلما دخلنا عليه، وقد عصب بطنه بعمامة سوداءَ، والدم يسيل، قال: فقلنا: أوصنا، قال: وما سأله الوصية أحد غيرنا، فقال: "عليكم بكتاب الله، فإنكم لن تضلوا ما اتّبعتموه". فقلنا: أوصنا، فقال:"أوصيكم بالمهاجرين فإن الناس سيكثرون ويقلون، وأوصيكم بالأنصار فإنهم شَعْب الإسلام الذي لجئ3 إليه، وأوصيكم بالأعراب، فإنهم أصلكم، ومادتكم، وأوصيكم بأهل ذمتكم فإنها عهد نبيّكم ورزق عيالكم قوموا عني". فما زاد على هؤلاء الكلمات"4.
وعن عمرو بن ميمون قال: "شهدت عمر رضي الله عنه يوم طعن، فقال: "ادعوا لي عليّاً، وعثمان، وطلحة، والزبير، وابن عوف، وسعد بن أبي وقاص"، فلم يكلم أحداً منهم غير عليّ وعثمان، فقال: "يا عليّ لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقّك، وقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهرك، وما آتاك الله من الفقه والعلم، إن وليت هذا الأمر فاتق الله"، ثم دعا عثمان، فقال: "يا عثمان
1 في الأصل: (جويره) .
2 قوله: (نقرتين) ، تكرر في الأصل.
3 في الأصل: (نجا) ، وهو تحريف.
4 ابن سعد: الطبقات 336، 337، أحمد: المسند 1/309، 310، وابن شبه: تاريخ المدينة 3/936، وأسانديهم صحيحة. وابن أبي شيبة: المصنف 11/73، وأصله البخاري: الصحيح، كتاب الجزية3/1154، رقم: 2991، والتاريخ الكبير2/241.
علّ هؤلاء القوم أن يعرفوا لك صهرك من رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنك وشرفك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله فيهم"، ثم قال: "ادعوا لي صهيباً"، فدعي له، فقال: "صلّ بالناس ثلاثاً، وليَخل هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل، فمن خالف فاضربوا رقبته". فلما خرجوا من عنده، قال: "إن يولوها الأجلحَ1 يسلك بهم الطريق". فقال له ابنه: "فما يمنعك يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "إني أكره أن أتحملها حيّاً وميّتاً"2.
وعن ابن عمر: أن عمر رضي الله عنه أوصى إلى حفصة رضي الله عنها فإن ماتت فإلى الأكابر من آل عمر3. / [121 / أ] .
وقال ابن سعد4: "أوصى عمر أن تُقرّ عُمّاله سنةً، فأقرهم عثمان سنة"5.
وعن الشعبي، قال:"كتب عمر رضي الله عنه في وصيته أن لا يقر عامل أكثر من سنة، فأقروا الأشعري - يعني أبا موسى - أربع سنين"6.
وعن ابن عون7، قال:"سمعت رجلاً يحدّث محمّداً قال: "كانت
1 الجَلَحُ: محرّكة: انحسار الشعر عن جانبي الرأس. (القاموس ص275) ، وهو عليّ بن أبي طالب.
2 البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص 346، 347، وابن عبد البر: الاستيعاب 3/1153، 1154، وفي إسنادهما أبو إسحاق السبيعي، وهو مدلّس، وقد عنعن. والمحب الطبري: الرياض النضرة1/410، 411، وعزاه للنسائي.
3 ابن سعد: الطبقات 3/357، وإسناده صحيح. ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص372، والمتقي الهندي: كنْز العمال12/687، وعزاه لابن سعد.
4 في الأصل: (مسعود) ، وهو تحريف.
5 ابن سعد: الطبقات 3/359، وهو ضعيف لانقطاعه بين ربيعة بن عثمان وعمر بن الخطاب، وفيه الواقدي.
6 ابن الجوزي: مناقب ص 230.
7 عبد الله بن عون بن أرطبان.
وصية عمر عند أم المؤمنين حفصة، فلما توفيت صارت إلى عبد الله بن عمر، فلما توفي عبد الله بن عمر أوصى إلى ابنه، قال: وصارت الوصية بعد إلى سالم، وقال ابن عون:"فشهدته يقسمها قال: فرأيت من يوسعه شيئاً، غبطته عليه، قال: وجاءه رجل عليه كسوة حسنة وهيئة حسنة فأعطاه منها"1.
وعن ابن عمر قال: "وصاني عمر بن الخطّاب رضي الله عنه فقال: "إذا وضعتني فأفض بخدي إلى الأرض حتى لا يكون بين خدي وبين الأرض شيء"2.
وعن المقداد بن معدي كرب3 قال: "لما أصيب عمر دخلت عليه حفصة رضي الله عنها فقالت: "يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويا أمير المؤمنين، فقال عمر:" [يا عبد الله] 4 أجلسني فلا صبر لي على ما أسمع، فأسنده5 إلى صدره6، فقال لها: "إني [أُحرِّج] 7 عليك بما لي من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينكِ فلن أملكها، إنه ليس من ميت نُندبُ بما ليس فيه إلاّ الملائكة تمقته"8.
1 ابن الجوزي: مناقب ص 230.
2 أحمد: الزهد ص: 120، وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف. وابن الجوزي: مناقب ص 230، وأبو القاسم الأصفهاني: سير السلف ص 187، والمتقي الهندي: كنْز العمال 12/690، وعزاه لابن منيع.
3 الكندي، صحابي مشهور، توفي سنة سبع وثمانين على الصحيح. (التقريب ص 545) .
4 سقط من الأصل.
5 في الأصل: (فأسندته) ، وهو تحريف.
6 في الأصل: (صدرها) ، وهو تحريف.
7 سقط من الأصل.
8 ابن سعد: الطبقات 3/361، والحارث في مسنده كما في بغية الباحث 1/365، وإسنادهما صحيح، وصححه الحافظ ابن حجر. (فتح الباري 7/67) .
وقال ابن سيرين: قال صهيب: "واعمراه، وا أخاه، من لنا بعدك؟ "، فقال له عمر:"مه، يا أخي أما شعرت أنّه من يعوَّل1 عليه يعذَّب؟ "2.
وفي الصحيح عن عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة قال: "توفيت ابنة لعثمان بمكّة، وجئنا لنشهدها، وحضرها ابن عمر وابن عباس، وإني لجالسٌ بينهما، أو قال: جلستُ إلى أحدهما، ثم جاء الآخر، فجلس إلى جنبي، فقال عبد الله بن عمر لعمرو بن عثمان3: "ألا تنتهي عن البكاء؟ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه". فقال ابن عباس: "قد كان عمر يقول بعض ذلك، ثم حدّث قال: صدرت مع عمر من مكّة حتى إذا كنا بالبيداء4، إذا هو بركب تحت سمرة، فقال: "اذهب فانظر من هؤلاء الركب"، قال: فنظرت فإذا هو صهيب، فأخبرته، فقال: "ادعه لي"، فرجعت إلى صهيب فقلت: "ارتحل فالحق أمير المؤمنين، فلما أصيب عمر، دخل صهيب يبكي، ويقول:"وا أخاه، وصاحبا، فقال عمر: "يا صهيب أتبكي عليَّ؟ "، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"، قال ابن عباس: فَلَمَّا مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت: "يرحم الله عمر، ما حدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه"، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله ليزيدُ الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى5، قال
1 المعوّل عليه، أي: الذي يُبكى عليه من الموتى. (النهاية 3/321) .
2 ابن سعد: الطبقات 3/362، وإسناده صحيح إلى ابن سيرين.
3 ابن عفان الأموي، ثقة، من الثالثة. (التقريب ص 424) .
4 البيداء: اسم لأرض مَلسَاء بين مكّة والمدينة، وهي إلى المدينة أقرب، تُعَدُّ من الشّرَف أمام ذي الحليفة. (معجم البلدان 1/523) .
5 تشير إلى قوله تعالى: {أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سورة النجم آية: 38] .
ابن عباس عند ذلك: "والله هو أضحك وأبكى".
قال ابن أبي مليكة: / [121/ب] والله ما قال ابن عمر شيئاً"1.
وعن أبي بردة عن أبيه، قال:"لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: "وا أخاه"2، فقال عمر: "أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الميّت ليعذب ببكاء الحي؟ "3.
ورواه الإمام أحمد في مسنده عن ابن أبي مليكة ولفظه: "كنتُ عند عبد الله بن عمر ونحن ننظر جنازة أم أبان بنت عثمان، وعنده عمرو بن عثمان، فجاء ابن عباس يقوده قائده4 قال: فأراه أخبر5 بمكان ابن عمر، فجاء حتى جلس إلى جنبي، وكنت بينهما فإذا صوت من الدار، فقال ابن عمر: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه"، فأرسلها عبد الله مرسلة، قال ابن عباس:"كنا مع أمير المؤمنين عمر، حتى إذا كنا بالبيداء إذ هو برجل نازل في ظل شجرة، فقال لي: "انطلق فاعلم من ذلك فانطلقت، فإذا هو صهيب، فرجعت إليه، فقلت: إنك أمرتني أن أعلم لك من ذاك، وإنه صهيب، فقال:"مرّوه فليلحق بنا"، فقلت: إن معه أهله، قال:"وإن كان معه أهله"، وربما
1 البخاري: الصحيح، كتاب الجنائز 1/432، رقم: 1226، ومسلم: الصّحيح، كتاب الجنائز 2/640، رقم: 927، 928.
2 في الأصل: (وأخا) ، والمثبت من صحيح البخاري.
3 البخاري: الصحيح، كتاب الجنائز 1/433، رقم: 1228، ومسلم: الصّحيح، كتاب الجنائز 2/640، رقم:927.
4 في الأصل: (قائد) ، والمثبت من مسند أحمد.
5 في الأصل: (أخبر) ، والمثبت من مسند أحمد.
قال أيوب1 مرة: "فليلحق بنا"، فلما بلغنا المدينة لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب، فجاء صهيب، فقال:"واأخاه!!، واصاحباه!! "2، فقال عمر:"ألم تعلم، ألم تسمع3، أو قال: "ألم تعلم أو لم تسمع4، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله".
فأما عبد الله فأرسلها مرسلة، وأما عمر فقال: ببعض، فأتيت عائشة، فذكرت لها قول عمر، فقالت:"لا، والله ما قاله رسول الله، أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الكافر ليزيده الله ببكاء أهله عذاباً". وإن الله لهو أضحك وأبكى، ولا تزر وازرة وزر أخرى5.
قال أيوب: وقال ابن أبي مليكة: حدّثني القاسم، قال:"لما بلغ عائشة رضي الله عنها قول عمر بن الخطّاب، وابن عمر، قالت: "إنكم لتحدّثوني عن غير كاذبين، ولا مكذّبين، ولكن السمع يخطئ"6.
فائدة
يجوز البكاء على الميت لقوله عليه السلام: "العين تدمع، والقلب يحزن"7.
وأما النياحة، وما أشبه ذلك من شقّ الثياب، ولطم الخدود،
1 أيوب بن أبي تميمة السختياني، البصري، ثقة ثبت، حجة من كبار الفقهاء العُبّاد، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة. (التقريب ص 117) .
2 مطموس في الأصل، سوى (واصاحبا) .
3 في الأصل: (أولم تعلم أو لم تسمع) .
4 مسلم: الصّحيح، كتاب الجنائز 2/640، رقم:928.
5 تشير إلى قوله تعالى: {أَلاّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وقوله تعالى:{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} . سورة النجم آية: (38-42) .
6 أحمد: المسند1/280، وإسناده صحيح، ومسلم: الصّحيح، كتاب الجنائز2/640، رقم:928.
7 البخاري: الصحيح، كتاب الجنائز 1/349، رقم: 1241، ومسلم: الصّحيح، كتاب الفضائل 4/1808، رقم:2115.
ونتف الشعور، وتسويد الوجه، فإنه لا يجوز1.
والنياحة: رفع الصوت2. والندب: هو تعداد أوصاف الميت، وما أشبه ذلك3. والله أعلم. / [122 / أ] .
1 النووي: شرح صحيح مسلم 2/110، 111، 6/235، 236، ابن حجر: فتح الباري 3/161، 163، 165.
2 انظر: ابن حجر: فتح الباري 3/161.
3 انظر: ابن منظور: لسان العرب 1/754.