المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عداء اليهود ومناقشاتهم - محمد صلى الله عليه وسلم - جـ ١

[محمد رضا]

فهرس الكتاب

- ‌إهداء الكتاب

- ‌المقدمة

- ‌[متن الكتاب]

- ‌نسبه صلى الله عليه وسلم

- ‌مناقب أجداده صلى الله عليه وسلم

- ‌أولاد عبد المطلب: أعمام رسول الله وعماته

- ‌نذر عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم

- ‌زواج عبد الله

- ‌قصة الفيل

- ‌مولده صلى الله عليه وسلم

- ‌الاحتفال بمولده صلى الله عليه وسلم

- ‌مرضعاته صلى الله عليه وسلم

- ‌شق الصدر

- ‌الحض على قتله صغيراً

- ‌وفاة آمنة

- ‌عبد المطلب يهنئ سيف بن ذي يزن

- ‌وفاة جده عبد المطلب وكفالة عمه أبي طالب

- ‌السفر إلى الشام

- ‌من هو بحيرا

- ‌رعية رسول الله الغنم بمكة (1)

- ‌حرب الفجار (1) (580 - 590 م)

- ‌حِلف الفضول

- ‌هل سافر النبي إلى اليمن

- ‌الرحلة الثانية إلى الشام 595 م

- ‌تزويج رسول الله خديجة رضي الله عنها

- ‌تجديد بناء الكعبة سنة 605 م

- ‌تسميته بالأمين صلى الله عليه وسلم

- ‌رسالة محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌انذار يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌سلمان الفارسي وقصة إسلامه

- ‌من تسمى في الجاهلية بمحمد

- ‌كنية النبي وأسماؤه

- ‌عبادة الأصنام والأوثان

- ‌الأربعة الباحثون عن دين إبراهيم

- ‌زيد بن عمرو (1)

- ‌بدء الوحي

- ‌النبي المنتظر

- ‌النبي الأمي

- ‌فترة الوحي (1)

- ‌أبو بكر الصديق واسلامه

- ‌علي بن أبي طالب وإسلامه

- ‌قتله رضي الله عنه

- ‌زيد بن حارثة واسلامه

- ‌الدعوة إلى الاسلام خفية

- ‌ايذاء المشركين لأبي بكر الصديق

- ‌اظهار الاسلام

- ‌القرآن يحيّر ألباب العرب

- ‌قريش تفاوض أبا طالب في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌تعذيب المسلمين

- ‌ما عرضته قريش على رسول الله

- ‌حماقة أبي جهل

- ‌قريش تمتحن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌اسلام جابر بن عبد الله

- ‌الهجرة الأولى إلى الحبشة

- ‌شفاعة الغرانيق (1) افتراء الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌اسلام حمزة

- ‌عمر بن الخطاب وسبب اسلامه

- ‌الهجرة الثانية إلى الحبشة

- ‌الطفيل بن عمرو الدَّوسي شاعر يحكم عقله ويسلم

- ‌وفاة أبي طالب سنة 620 م

- ‌وفاة خديجة سنة 620 م

- ‌الإسراء والمعراج سنة 621 م

- ‌تأثير خبر الإسراء في قريش

- ‌المعراج (1)

- ‌فريضة الصلاة

- ‌عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على قبائل العرب

- ‌بدء اسلام الأنصار بيعة العقبة الأولى - اسلام سعد بن معاذ

- ‌مؤامرة قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌ما نزل من القرآن بمكة

- ‌الهجرة إلى المدينة

- ‌وصوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

- ‌خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول جمعة صلاها بالمدينة

- ‌معاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود

- ‌الخزرج والأوس وما كان بينهما وبين اليهود

- ‌العداوة بين الأوس والخزرج

- ‌الخلاصة

- ‌مدينة يثرب

- ‌مرض المهاجرين بحمى المدينة

- ‌مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها

- ‌صرف القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة

- ‌ذكر الأذان

- ‌فرض صيام شهر رمضان وزكاة الفطر

- ‌المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

- ‌إسلام عبد الله بن سلام بن الحارث

- ‌عداء اليهود ومناقشاتهم

- ‌بعث حمزة

- ‌سرية عبيدة بن الحارث

- ‌سرية سعد بن أبي وقاص

- ‌غزوة وَدَّان أو غزوة الأبواء

- ‌غزوة بُواط

- ‌غزوة بدر الأولى

- ‌غزوة العُشيرة

- ‌سرية عبد الله بن حجش الأسدي

- ‌غزوة بدر الثانية أو غزوة بدر الكبرى

- ‌قوة قريش

- ‌قوة المسلمين

- ‌رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه

- ‌الخلاف بين أبي سفيان وأبو جهل

- ‌مسير الجيشين ونزول المطر

- ‌بناء حوض على القليب

- ‌بناء العريش

- ‌عتبة بن ربيعة ينصح قريشا بالرجوع

- ‌اقتحام الحوض

- ‌المبارزة

- ‌تعديل صفوف المسلمين والحث على الجهاد

- ‌ألوية المسلمين والمشركين

- ‌تزاحف الناس والتحام القتال

- ‌امداد المسلمين بالملائكة يوم بدر

- ‌سيما الملائكة يوم بدر

- ‌القاء القتلى في القليب

- ‌الأسرى وفداؤهم

- ‌رأي أبي بكر رضي الله عنه في الأسرى

- ‌رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه

- ‌تأثير الإنتصار في المدينة

- ‌رجوعه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

- ‌وقع خبر الإنتصار على قريش

- ‌أسباب انتصار المسلمين في موقعة بدر

- ‌زواج فاطمة

- ‌غزوة بني سليم

- ‌غزوة بني قينقاع

- ‌غزوة السَّويق

- ‌غزوة ذي امَرّ وهي غزوة غَطَفان

- ‌زواج أم كلثوم

- ‌زواج حفصة

- ‌سرية زيد بن حارثة

- ‌قتل كعب بن الأشرف

- ‌قتل ابن سُنَيْنَةَ

- ‌غزوة أحد

- ‌الكرة على المسلمين

- ‌المثلة بحمزة

- ‌إحدى معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه

- ‌المنهزمون من المسلمين

- ‌شجاعة امرأة وثباتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌أسباب انهزام المسلمين في موقعة أحد

- ‌نداء أبي سفيان

- ‌استشهاد سعد بن الربيع الأنصاري

- ‌قتل مخيريق

- ‌انتحار قُزمان

- ‌دفن قتلى أحد

- ‌رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

- ‌ذكر عزوة أحد في القرآن

- ‌غزوة حمراء الأسد

- ‌بعث الرَّجيع

- ‌سرية بئر معونة (1)

- ‌غزوة بني النضير

- ‌تحرم الخمر. (الاصلاح الأجتماعي العظيم)

- ‌غزوة ذات الرقاع

- ‌غزوة بدر الأخيرة

- ‌غزوة دومة الجندل وهي أول غزوات الشام

- ‌تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش

- ‌غزوة المريسيع أو غزوة بني المصطلق

- ‌قتل هشام بن صبابة

- ‌آية التيمم

- ‌عائشة وحديث الأفك

- ‌غزوة الخندق وهي الأحزاب

- ‌تحزب الأحزاب

- ‌خروج الأحزاب وقوادهم

- ‌حفر الخندق

- ‌سلمان منا أهل البيت

- ‌اعتراض صخرة بيضاء ومعجزة الرسول

- ‌عدد الجيشين

- ‌نقض العهد

- ‌اشتداد الحصار

- ‌اقتحام الخندق

- ‌حسان بن ثابت يخشى القتال

- ‌استمرار القتال وفوات الصلاة

- ‌إن الحرب خَدعة

- ‌حرب الطبيعة

- ‌خطبة أبي سفيان

- ‌خسائر المسلمين

- ‌خسائر المشركين

- ‌غزوة بني قريظة

- ‌حكم سعد بن معاذ

- ‌غنائم المسلمين

- ‌دفن القتلى

- ‌وفاة سعد

- ‌خسائر المسلمين في غزوة بني قريظة

- ‌ما نزل من القرآن في أمر الخندق وبني قريظة

- ‌يهود المدينة وما آل إليه أمرهم

- ‌سرية القُرْطا (1) واسلام ثمامة بن أُثال الحنفي

- ‌غزوة بني لحيان

- ‌اغارة عُيَيْنَة بن حصن

- ‌غزوة ذي قَرد وهي غزوة الغابة

- ‌سرية الغَمر أو سرية عكاشة بن محصن الأسدي

- ‌سرية محمد بن مسلمة الأنصاري إلى ذي القَصّة (1)

- ‌سرية زيد بن حارثة

- ‌سرية أخرى لزيد بن حارثة

- ‌سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دُممة الجَندَل

- ‌سرية علي بن أبي طالب إلى بني سعد بن بكر

- ‌سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَة

- ‌سرية عبد الله بن عتيك لقتل سلام بن أبي الحُقيق

- ‌سرية عبد الله بن رواحة إلى أُسير بن رِزَام

- ‌سرية كُرزبن جابر الفهري

- ‌أمر الحديبية

- ‌بيعة الرضوان

- ‌الصلح

- ‌مزايا هذا الصلح

- ‌تنفيذ المعاهدة

- ‌رسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء

- ‌خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌مارية القبطية

- ‌إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أصحمة

- ‌زواج أم حبيبة بنت أبي سفيان برسول الله صلى الله عليه وسلم

- ‌نتيجة ارسال الرسل إلى الملوك والأمراء

- ‌غزوة خيبر (1)

- ‌صلح أهل فدَكَ

- ‌غزوة وادي القرى

- ‌خمس سرايا في خريف وشتاء السنة السابعة الهجرية (سنة 628 م)

- ‌عمرة القضاء

- ‌زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بميمونة رضي الله عنها

- ‌ما قبل سرية مؤتة من الحوادث

- ‌اسلام عمرو بن العاص

- ‌خالد بن الوليد وإسلامه

- ‌سرية مؤتة

- ‌مواساة رسول الله صلى الله عليه وسلم لآل جعفر

- ‌إسلام فروة بن عامر الجذامي

- ‌سرية عمرو بن العاص أو سرية ذات السلاسل (1)

- ‌سرية أبي عبيدة بن الجراح

- ‌غزوة فتح مكة

- ‌كتاب حاطب إلى مكة

- ‌عقد الألوية والرايات

- ‌نيران جيش المسلمين

- ‌المحكوم عليهم بالقتل

- ‌دخول الكعبة

- ‌البيعة

- ‌هدم الأصنام

- ‌أذان بلال على ظهر الكعبة

- ‌إسلام أبي قحافة (عثمان بن عامر التيمي)

- ‌سرية خالد بن الوليد إلى العزى (1)

- ‌سرية عمرو بن العاص إلى سواع

الفصل: ‌عداء اليهود ومناقشاتهم

‌عداء اليهود ومناقشاتهم

.

ص: 189

عرف بعض اليهود بالمدينة بشدة عداوتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن علماءهم كانوا يعرفون أنه سيبعث نبي وكانوا يعرفون صفاته من التوراة فمن أعدائه الذين انتصبوا لعداوته حيى وأبو ياسر وجدى بنو أحطب. وسلام بن مشكم. وكنانة بن الربيع وكعب بن الأشرف. وعبد الله بن صوريا وابن صلويا. ومخريق الذي أسلم بعد. ولبيد بن الأعصم الذي حرضه اليهود وسحر النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء جبريل وأخبره بذلك السحر وبمكانه وعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شراً (يعني بقتله) .

ومنهم مالك بن الصلت. وقد كان من أحبار اليهود ورئيساً فإنه قال ما أنزل الله على بشر من شيء. فانظر كيف أدى به عداؤه لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفر بنبينا وبموسى عليهما السلام وبما أنزل عليهما. فقالت اليهود له ما هذا الذي بلغنا عنك؟ فقال أنه أغضبني فقلت ذلك فنزعوه من الرياسة وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف.

وممن كان من أحبار اليهود حريصاً على رد الناس عن الإسلام شاس بن قيس اليهودي كان شديد الطعن على المسلمين، شديد الحسد لهم. مرّ يوماً على الأنصار الأوس والخزرج وهم مجتمعون يتحدثون فغاظه ما رأى من ألفتهم بعد ما كان بينهم من العداوة. فقال: قد اجتمع بنو قيلة والله ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار. فأمر فتى شابا من اليهود فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث: أي الحرب الذي كان بينهم وما كان فيه وانشدهم ما كانوا يتقاولون به من الأشعار، ففعل فتكلم القوم عند ذلك وذكر كل أقوال شاعرهم وتنازعوا وتواعدوا على المقاتلة فنادى هؤلاء يا آل الأوس ونادى يا آل الخزرج ثم خرجوا للحرب وقد أخذوا السلاح واصطفوا للقتال.

فلما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إليهم فيمن كان معه من المهاجرين. فقال يا معشر المسلمين الله الله؟ اتقوا الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم. فعرف القوم أنها نزعة من الشيطان وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنزل الله في شاس بن قيس {يأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّنَ عَنْ سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً} وأنزل الله في الأنصار {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَامِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ الله وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِالله فَقَدْ هُدِىَ إِلَى صِرَاطٍ مُستْقَيمٍ. يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُم عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لعلَّكُمْ تَهتَدُونَ} سورة آل عمران.

وقد كان اليهود يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن أشياء تعنتا وحسداً وبغياً ليلبسوا الحق بالباطل. فجاء مرة يهوديان إلى رسول الله فسألاه عن قوله تعالى {وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ} . فقال لهما لا تشركوا بالله شيئا. ولا تزنوا. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ولا تسرقوا. ولا تسحروا. ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان. ولا تأكلوا الربا. ولا تقذفوا المحصنة وعليكم يا يهود خاصة لا تعتدوا يوم السبت. فقبلا يديه ورجليه وقالا نشهد أنك نبي. قال ما يمنعكما أن تسلما. فقالا نخاف إن أسلمنا تقتلنا اليهود.

وسألوه صلى الله عليه وسلم مرة. فقالوا: أخبرنا عن علامة النبي. فقال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه".

وسألوه أي طعام حرمه اسرائيل لعلى نفسه قبل أن تنزل التوراة: قال أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن اسرائل وهو يعقوب عليه السلام مرض مرضاً شديداً وطال سقمه فنذر لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرّمنّ أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه. فكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها. قالوا اللهم نعم.

وقالوا مرة إغاظة له صلى الله عليه وسلم ما يرى الرجل همة إلا في النساء والنكاح فلو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء. فأنزل الله تعالى {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُم أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً} فقد جاء أن سليمان عليه السلام كان له مائة امرأة وتسعمائة سرية.

وقد انضم إلى اليهود جماعة من الأوس والخزرج منافقون على دين آبائهم من الشرك والتكذيب بالبعث الا أنهم دخلوا في دين الإسلام خشية القتل لما قهرهم الاسلام بظهوره واجتماع قومهم عليه فكان هواهم مع اليهود في السر وفي الظاهر مع المسلمين وهؤلاء المنافقون. وقد ذكر بعضهم إن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة. منهم عبد الله بن أبي ابن سلول وهو رأس المنافقين ولاشتهاره بالنفاق لم يعد في الصحابة. وكان من أعظم اشراف أهل المدينة وكانوا قبل مجيئه صلى الله عليه وسلم قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه. وكان عبد الله بن أبي. جميل الصورة ممتلئ الجسم فصيح اللسان وهو المعنى بقوله تعالى {وَإِذَا رَأيْتَهُمْ تُعْجبُكَ أجْسَامَهُمْ} .

مثال من نفاق ابن أبي

ص: 190

-من نفاقه ما أخرجه الثعلبي عن ابن عباس رضي الله عنهما. قال نزلت (وَإِذِا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا} الأية في عبد الله بن أبي وأصحابه وذلك أنهم خرجوا ذات يوم فاستقبلهم نفر من الصحابة. فقال ابن أبي انظروا كيف أرد عنكم هؤلاء السفهاء فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه. فقال: مرحباً بالصديق سيد بني تيم وشيخ الاسلام وثاني رسول الله في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله ثم أخذ بيد عمر رضي الله عنه وقال: مرحباً بسيد بني عدي الفاروق القوى في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله. ثم أخذ بيد علي رضي الله عنه فقال: مرحباً بابن عمر رسول الله وختنه وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له علي رضي الله عنه: اتق الله يا عبد الله ولا تنافق فإن المنافقين شر خليقة الله. فقال له عبد الله مهلا يا أبا الحسن أتقول لي هذا والله إن ايماننا كايمانكم وتصديقنا كتصديقكم ثم افترقوا. فقال لأصحابه كيف رأيتموني فعلت فأثنوا عليه خيراً فرجع المسلمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبروه بذلك فنزلت الآية {وَإذَا لَقوا الَّذِين آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهمُ قالُوا إنَّا مَعَكُمْ} إلى آخر الآيات التي في المنافقين كلها فيه وفي أصحابه.

وبالجملة قد لاقى النبي صلى الله عليه وسلم من شدة الأذى من المنافقين واليهود بالمدينة شيئا كثيراً ولكنه بالنسبة لأذى أهل مكة كالعدم فإنه كان بالمدينة في غاية العزة والمنعة والقوة من أول يوم وأذى اليهود غايته المجادلة والتعنت في السؤال. ولما قويت شوكة الاسلام واشتد الجناح أذن له صلى الله عليه وسلم بالقتال.

أهل الصُّفَّة

ص: 191

-أهل الصفة هم فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة لم يكن لهم مساكن ولا عشائر بالمدينة فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة يسكنون ويتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة. وكان رسول الله يدعوهم بالليل إذا تعشى فيفرقهم على أصحابه وتتعشى طائفة منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء الله بالغنى وكان أبو هريرة من أهل الصفة.

عن أبي هريرة قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال: ادع لي أصحاب يعني أهل الصفة فجعلت أتبعهم رجلا رجلا فأوقظهم حتى جمعتهم فجئنا باب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأذنا فأذن لنا فوضع لنا صحفة فيها صنيع من شعير ووضع عليها يده. وقال: خذوا باسم الله فأكلنا ما شئنا. قال يم رفعنا أيدينا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وضعت الصفحة والذي نفس محمد بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس شيئا ترونه. فقلنا لأبي هريرة قدركم هي حين فرغتم؟ قال: مثلها حين وضعت الا أن فيها أثر الأصابع. وكان رسول الله يؤثر علي نفسه وأولاده فيعطي ما بيده للمحتاجين (ومنهم أهل الصفة) حتى ان ابنته فاطمة رضي الله عنها جاءته تشكو ما تلقى من الرحى وخدمة البيت وكانت سمعت بسبى جاءه فطلبت منه خادماً. فقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع وأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد. قال الله تعالى يذكر أهل الصفة: {لِلْفُقُرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ الله لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماَهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافَا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فإِنَّ الله بِه عَليمٌ} .

عن ابن عباس وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم فطيب قلوبهم. فقال: أبشروا ياأصحاب الصفة فمن لقيني من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنهم فاقي.

وقد ترك أغلب المهاجرين أملاكهم وأموالهم بمكة عدا عثمان فإنه تمكن من أخذ جميع أمواله معه. وقد كان غنياً واشتغل المهاجرون بالزراعة أعطاهم أهل المدينة أرضاً يستثمرونها.

موضع الجنائز

ص: 192

-عن أبي سعيد الخدري. قال: كنا مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة إذا حضر منا الميت أتيناه فخبرناه فحضره واستغفر له حتى إذا قبض انصرف ومن معه وربما قعد حتى يدفن وربما طال ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم من حبسه. فلما خشينا مشقة ذلك عليه قال بعض القوم لبعض والله لو كنا لا نؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بأحد حتى يقبض فإذا قبض آذناه فلم تكن لذلك مشغلة عليه ولا حبس قال ففعلنا ذلك. قال فكنا نؤذنه بالميت بعد أن يموت فيأتيه فيصلي عليه ويستغفر له فربما انصرف عند ذلك وربما مكث حتى يدفن الميت فكنا على ذلك أيضا حيناً ثم قالوا والله لو أنا لم نُشخصْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملنا الميت إلى منزله حتى نرسل إليه فيصلي عليه عند بيته لكان ذلك أرفق به وأيسر عليه قال ففعلنا ذلك. قال محمد بن عمر: فمن هناك سمى ذلك الموضع موضع الجنائز حملت إليه ثم جرى ذلك من فعل الناس من حمل جنائزهم والصلاة عليها في ذلك الموضع إلى اليوم.

الأذن بالقتال

ص: 193

-أذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر صفر في السنة الثانية من الهجرة وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم يدعو كفار قريش ثلاث عشرة سنة إلى نبذ الأصنام وعبادة الله الواحد بغير قتال صابراً على شدة أذى العرب فهم لم يزدادوا الا تعنتا وتعسفاً واضطهدوا النبي وأصحابه اضطهاداً شديداً وألجأوهم إلى هجر بلادهم وترك أموالهم وكان الصحابة رضي الله عنهم يأتون إليه ما بين مضروب ومشجوج فيقول لهم اصبروا فاني لم أومر بقتالهم. وقال جماعة من الصحابة منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد بن الأسود وقدامة بن مظعون (وهو أخو عثمان بن مظعون) وسعد بن أبي وقاص يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة فائذن لنا في قتال هؤلاء. فقال كفوا أيديكم عنهم فاني لم أومر بقتالهم.

لم يبق بعد ذلك غير استعمال السلاح للدفاع عن كيانهم والتغلب على عبدة الأصنام فالمسألة صارت مسألة حياة أو موت فاما انتصار يحقق نشر الدين أو انكسار لا تقوم للمسلمين بعده قائمة، ولو تمكنت قريش من مهاجمة المدينة والأنتصار على المسلمين لكان في ذلك القضاء على الاسلام، وكان المسيحيون في الأمبراطورية الرومانية في ذلك الوقت يقاتلون الفرس وينتصرون عليهم.

لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكثر أتباعه وقام الأنصار بنصره صلى الله عليه وسلم وأصر المشركون على الكفر والتكذيب أذن لهم بالقتال فبعث عليه السلام البعوث وغزا بنفسه.

وأول ما أنزل في أمر القتال قوله تعالى في سورة الحج:

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بأَنَّهُمْ ظَلِمُوا وَإنَّ الله عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بغَيْرِ حَقٍّ إِلَاّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله وَلَوْلا دَفْعُ الله النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ الله كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ الله مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلله عاقِبَهُ الْأُمُورِ} .

هذا أول ما أنزل في الأذن بالقتال بعد مانهى عنه في نيف وسبعين آية.

ص: 194