المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌الحرب وافتني حماتي بتكاليف السفر. وقام عزوز خالدي، الذي سافر معنا - مذكرات مالك بن نبي - العفن - جـ ١

[مالك بن نبي]

الفصل: ‌ ‌الحرب وافتني حماتي بتكاليف السفر. وقام عزوز خالدي، الذي سافر معنا

‌الحرب

وافتني حماتي بتكاليف السفر. وقام عزوز خالدي، الذي سافر معنا لاستئناف دراسته في الطب، بإضافة باقي المبلغ لأننا انتظرنا مطولا بعنابة الباخرة التي تقلنا إلى مرسيليا.

وصلنا فرنسا التي كانت تعيش في أجواء ما سمي (الحرب الطريفة)(Drôle de guerre) . وكان علي أن أضمن بسرعة لقمة عيشي. اعتقدت أن الكثير من التقنيين سيجندون مما يسمح لي بتجريب حظي.

أخبرني أحد معارفي بأن شركة سينمائية تبحث عن (مهندس صوت مبتدئ). توجهت لهذا الغرض إلى وكالة هافاس. وبما أني كنت مجربا فقد اتخذت بعض الاحتياطيات، فلم أشر إلى اسمي إلا بالرمز (م). فيمكن بالتالي أن يكون الاسم لكورسيكي أو إيطالي. لم أخطئ حتى وإن فشلت المحاولة. فقد ردت علي الشركة وهي ستيديوهات (فوكس أوروبا). وطلب مني أن أتقدم في أقرب وقت ممكن إلى المديرية.

وصلت باريس أياما بعدها واتصلت بمديرية (فوكس أوروبا). استقبلت بأدب جم. ثم طلب مني المدير بعض التوضيحات حول حياتي ومساري الدراسي. ودعاني إلى تحرير نبذة عنهما في الحين على استمارة معدة سلفا.

ص: 185

كان علي أن أشير إلى أن اسمي مالك وأني ولدت بقسنطينة. لم يبق ثمة شك ممكن: أنا من (الاندجين).

ومن حسن حظ المدير أني سجلت نفسي بصفتي رجلا متزوجا. وكانت هذه المعلومة بمثابة قارب نجاة تعلق بها بكل قوة. فقال لي:

- أأنت متزوج؟

أدركت الأمر وأجبته بهدوء: - للأسف، نعم، السيد المدير!

- الأمر مزعج كثيرا لأننا نبحث عن أعزب حتى نقضي له أجرة (المبتدئ).

- فليكن السيد المدير، يجب أن أقول لك أن الأجرة لا تهمني مطلقا ولكن المهنة هي المهم لأني لا أريد أن أضيع تكويني كمهندس.

غير أن محدثي بقي متعلقا بقارب النجاة وخاطبني بأدب:

- أنت تعي أنه لا يمكن أن نسدد أجرة رجل متزوج وكأنه مبتدئ. عزمت على الإلحاح غير أني رأيت في ملامح المدير إحراجا واضحا إلى حد قلت في نفسى: ربما وصلته تعليمات بشأني بعد جوابه الإيجابي على رسالتي.

فقررت أن لا أكون أكثر قسوة على مدير (فوكس أوروبا) ففارقته بأدب وكان سعيدا ورافقني حتى باب الخروج.

بقيت عاطلا دون عمل وبدأت تكاليف المعيشة ترتفع. كان مصنع (غرو دي مونج) في بلدة درو يبحث عن كهربائيين. فتقدمت له أيضا. استقبلت بأدب وتم تسجيل اسمي وعنواني.

ص: 186

ولم أنل شيئا. حاولت كذلك في جميع الاتجاهات ولم أحصد إلا الفشل والخيبة.

تحفزت لإعلان آخر فقمت بمسعى كاد أن يكلل بالنجاح بسبب تقاعس ماسينيون ربما. كانت شركة (العتاد الهاتفي) تطلب تقنيين وكانت واحدة من أكبر المؤسسات الصناعية في منطقة باريس. وردا على رسالتي طلب مني التقدم إلى مديرية المستخدمين التقنيين. فاتصلت ذات صباح بالمؤسسة التي تقع خارج باريس. كانت الحراسة العسكرية منتشرة مما يوحي بأن مؤسسة (العتاد الهاتفي) تعمل في التسليح. ومن حسن الحظ، الذي كاذن سيفيد أي إنسان غيري، فقد كان المدير نفسه طالبا سابقا في المدرسة التي تكونت بها، أي كان زميلا لي، إن جاز القول. فبعد أن عرف صفتي كطالب سابق للمدرسة الخاصة للميكانيكا والكهرباء، اتخذ الحديث بيننا صبغة الكلام بين زميلين. في الأخير قال لي المدير:

- بما أنك انتميت إلى المدرسة الخاصة للميكانيكا والكهرباء، فإن تكوينك جيد في الرياضيات فهل تقبل بمنصب مراقب التصنيع؟

تتصورون كيف أقبل هذا الاقتراح، الأول الذي يقدم لي منذ نهاية دراستى. بيد أني قلت له حفاظا على الأصول:

- السيد المدير، إذا قدرتم ورأيتم أني أهل لهذا المنصب الذي أجهل صعوباته، فإني من جهتي أؤكد لكم فقط كل إرادتي الحسنة.

ص: 187

وبما أن التوقيت شارف على منتصف النهار، فقد طلب مني المدير أن أعود بعد الظهيرة لأتصل بالمصلحة التي عينها لي، وأخبرني بأنه سيعطي التعليمات الضرورية في هذا الشأن. وأدع القارئ يتخيل هنا الحالة النفسية التي كنت فيها إثر هذا اللقاء. عدت حوالي الساعة الثالثة بعد الزوال. كانت قاعة الانتظار واسعة ومضيئة جيدا بفضل نوافذ كبيرة كانت تطل على حقل ظريف. طاف بي الخيال في هذا المشهد الرائع وسرح، وفكرت في ألف مشروع صغير فيما يخص حياتي العائلية في انتظار أن تضع الحرب، التي طالت في رأي، أوزارها. غير أن الساعة قاربت الخامسة دون أن يعود الحاجب الذي سلمت له بطاقتي. بدأ صبري ينفد.

لسوء الحظ لم يتم تقديمي لمصلحتي بل ليخبرني المدير بفظاظة أن شركة (العتاد الهاتفي) لا توظف حاليا مستخدمين تقنيين ولكنها تستعمل عمالا بسطاء. ثم واصل: - إذا أردت الاشتغال على آلة

غير أني قاطعته وتناولت أوراقي من يديه. فهمت المسألة: لقد مر ماسينيون من هنا أيضا بين منتصف النهار والساعة الثالثة بعد الزوال.

ببلوات (فرنسا) في 13 ماي 1951 الساعة الخامسة و 17 دقيقة. وتمت الترجمة بالجزائر في 28 رمضان المبارك 1417 الموافق ل 21 أكتوبر 2006.

ص: 188